المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صلح الحديبية


حاتم الشرباتي
05-05-2012, 08:08 AM
صلح الحديبية

[لم تخمد مشاعر المسلمين في المدينة شوقاً إلى مكة ، التي حيل بينهم وبينها ظلماً وعدواناً ، وما برحوا ينتظرون اليوم الذي تُتاح لهم فيه فرصة العودة إليها والطواف ببيتها العتيق ، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي برز فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ليخبرهم برؤياه التي رأى فيها دخوله لمكة وطوافه بالبيت ، فاستبشر المسلمون بهذه الرؤيا لعلمهم أن رؤيا الأنبياء حق ، وتهيّؤوا لهذه الرحلة العظيمة .
وفي يوم الإثنين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ، يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة ، وليس معهم إلا سلاح السفر ، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة ، فلما اقتربوا من مكة بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت .

فلما نزل الرسول بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً ، وادعهم إلى الإسلام ، وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيبشرهم بالفتح ، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان . فانطلق عثمان ، فمر على قريش ، فقالوا : إلى أين ؟ فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، ويخبركم : أنه لم يأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً . قالوا : قد سمعنا ما تقول ، فانفذ إلى حاجتك .

ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين ، فخاف الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل ، فدعا إلى البيعه ، فتبادروا إليه ، وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا ، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها قوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (سورة الفتح 18) .

وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه ، فقال : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك -كسرى ، وقيصر والنجاشي- والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً . والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، ثم قال : وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .
ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : قد سهل لكم أمركم ، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح ، وهي :
الأولى : رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عامه وعدم دخول مكة ، وإذا كان العام القادم دخلها المسلمون بسلاح الراكب ، فأقاموا بها ثلاثاً .
الثانية : وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين ، يأمن فيها الناس .
الثالثة : من أحب أن يدخل في عقد مع محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد مع قريش وعهدهم دخل فيه .
الرابعة : من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه رده إليهم ، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرد إليه .

ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : هات اكتب بيننا وبينك كتاباً ، فدعا الكاتب -وهو علي بن أبي طالب - فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : أما الرحمن ، فما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب . فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال : اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل : والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال : إني رسول الله ، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله، ثم تمت كتابة الصحيفة ، ودخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش .

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل ، وقد خرج من أسفل مكة يرسف-يمشي مقيداً- في قيوده ، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد! أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال : إذاً والله لا أصالحك على شئ أبداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجزه لي، قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : بلى، فافعل، قال : ما أنا بفاعل . قال أبو جندل : يا معشر المسلمين ! كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما لقيت ؟ -وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً- قال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى، قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : علام نعطى الدنية في ديننا ؟ ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله ، وهو ناصري ، ولست أعصيه . قلت : ألست كنت تحدثنا : أنا نأتي البيت ، ونطوف به . قال : بلى ، أفاخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا، قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر ، فقلت له مثلما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد علي كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء ، وزاد : فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق .

فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل ، حتى قالها ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد ، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً . ثم جاء نسوة مؤمنات ، فأنزل الله : {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} (سورة الممتحنة 10) . وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم : أنزل الله سورة الفتح : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } الآية ، فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال الصحابة : هذا لك يا رسول الله ، فما لنا ؟ فأنزل الله : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} الآيتين إلى قوله : {فوزا عظيما} (سورة الفتح 1-5) .

ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير -رجل من قريش- مسلماً ، فأرسلوا في طلبه رجلين ، وقالوا : العهد الذي بيننا وبينك ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به ، حتى بلغا ذا الحليفة . فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيداً. فقال: أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال : أرني أنظر إليه ، فقتله بسيفه ، ورجع أبو بصير إلى المدينة ، فقال : يا نبي الله ! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب ، لو كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت منهم أبو جندل ، فلحق بأبي بصير ، فلا يخرج من قريش رجل -قد أسلم- إلا لحق به ، حتى اجتمعت منهم عصابة . فما سمعوا بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها ، فقاتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن أتاه منهم فهو آمن .

وكان هذا الصلح فتحاً عظيماً ، ونصراً مبيناً للمسلمين ، وذلك لما ترتب عليه من منافع عظيمة ؛ حيث اعترفت قريش بالمسلمين ، وقوتهم ، وتنازلت عن صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية ، فلا عجب إذاً أن يسمّيه الله تعالى فتحا مبينا .

http://dralfa.files.wordpress.com/2010/06/gazw22.gif

http://sirah.al-islam.com/%5CUserFiles%5CmapsControl%5CImages%5C/1/23.gif

حاتم الشرباتي
06-16-2012, 11:20 PM
صلح الحديبية
صلح الحديبية هو صلح عقد في شهر شوال من العام السادس للهجرة (مارس 628 م) بين المسلمين وبين قريش بمقتضاه عقدت هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات.
الأسباب:
في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة، أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريد المسير إلى مكة لأداء العمرة، وأذّن في أصحابه بالرحيل إليها لأدائها وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف وأربع مئة من المهاجرين والأنصار، وكان معهم سلاح السفر لأنهم يرغبون في السلام ولا يريدون قتال مع المشركين، ولبسوا ملابس الإحرام ليؤكدوا لقريش أنهم يريدون العمرة ولا يقصدون الحرب، وما حملوا من سيوف إنما كان للحماية مما قد يعترضهم في الطريق. وعندما وصلوا إلى (ذى الحليفة) أحرموا بالعمرة. فلما اقتربوا من مكة بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت الحرام.
فلما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديبية أرسل عثمان بن عفان إلى قريش وقال له: أخبرهم أنّا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً، وإدعهم إلى الإسلام، وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، وأن الله عز وجل مُظهر دينه بمكة. فانطلق عثمان، فأتى قريشاً، فقالوا: إلى أين ؟ فقال: بعثني رسول الله أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم: أنه لم يأت لقتال، وإنما جئنا عماراً. قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ إلى حاجتك.
ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين، فخاف الرسول عليه، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل، فدعا إلى البيعه، فتبادروا إليه، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، وهذه هي بيعة الرضوان.
وأرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك كسرى وقيصر والنجاشي والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً. والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه النبي قال: قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح.
شروط الصّلح:

فلما اتفقا دعى علي بن أبي طالب فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم
فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب.
فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم
فقال : اكتب: باسمك اللهم
ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله
فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله
فقال: إني رسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله
ثم تمت كتابة الصحيفة على الشروط التالية:
وأن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه, ومن أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه.
و يمنعو الحرب لمدة 10 سنين
أن يعود المسلمون ذلك العام على أن يدخلوا مكة معتمرين في العام المقبل.
عدم الاعتداءعلى أي قبيلة أو على بعض مهما كانت الأسباب
أن يرد المسلمون من يأتيهم من قريش مسلما بدون إذن وليه, وألا ترد قريش من يعود إليها من المسلمين.
ودخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ، ودخل بنو بكر في عهد قريش.
فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل، حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غما.

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 03:46 PM
بسم الله الرّحمن الرّحيم
عقد المعاهدة
الكاتب: ياسين بن علي

1. عقد المعاهدة وأدلته

المعاهدة وتسمى الهدنة، والمهادنة، والمسالمة، والموادعة. وهي "مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لم يقر".(1)
والدليل على جواز عقد المعاهدة قوله سبحانه وتعالى:{وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (الأنفال61) وقوله:{إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة4). وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما». وأخرج أبو داود عن عمرِو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدّ مُشِدّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرّيهمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ». وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم، وصالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران، وهادن قريشا لعشرة أعوام عام الحديبية، وكتب معهم عقد صلح ومعاهدة. أخرج البخاري عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية، كتب علي بينهم كتابا».

2. أركان عقد المعاهدة

أ. العاقد

لما كانت المعاهدة عقد صلح أو هدنة بين الدولة الإسلامية ودولة كافرة مفاده ترك القتال مدة معلومة لازمة، فلا تصح إلا من الإمام أو نائبه؛ لأن عقد المعاهدة "يتعلق بنظر واجتهاد وليس غيرهما محلا لذلك لعدم ولايتهم".(2) والدليل على هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة من بعده الذي حصر عقد المعاهدة في الإمام ومن يقوم مقامه، فلا تصح من الآحاد أي من أفراد المسلمين.

ب. المعقود عليه

عقد المعاهدة، عقد على منفعة هي ترك القتال لمصلحة للمسلمين، وقد يكون بعوض أو بغير عوض. فللإمام أن يعقد معاهدة على عوض نأخذه، وله أن يعقدها على غير عوض. كما له أيضا أن يعقد معاهدة على عوض نعطيه إذا رأى ضرورة تستلزم ذلك. قال ابن مودود الموصلي الحنفي: "وإن دفع إليهم (أي الإمام للكفار) مالا ليوادعوه جاز عند الضرورة وهو خوف الهلاك، لأن دفع الهلاك واجب بأي طريق كان، فإنه إذا لم يكن بالمسلمين قوة ظهر عليهم عدوهم فأخذ الأنفس والأموال، وقد قال عليه الصلاة والسلام «اجعل مالك دون نفسك» وإن لم يكن ضرورة لا يجوز لما فيه من إلحاق الذلة بالمسلمين وإعطاء الدنيئة".(3) وقال السرخسي في (شرح السير الكبير): "وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم فأبى المشركون أنيوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالا فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة". والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد على الناس البلاء في وقعة الخندق، أرسل الى عيينة بن حصن الفزاري والحرث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، "فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك . فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه؛ فقالا له: يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما؛ فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحينأكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا". (سيرة ابن هشام)

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 03:51 PM
(2)
ولا يقال هنا، إن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالفعل ولم يفعله، مما يدلّ على عدم الجواز.
لا يقال هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهمّ إلا بالفعل المشروع الجائز، بل واقعه أنه لم يكن مجرد همّ بفعل إنما طبقه عمليا لما كتب كتاب الصلح. وأما عدم إمضاء الصلح أو المعاهدة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوة في المسلمين بعد مشاورتهم، فعدل عنه. وفعله صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة يتفق تمام الاتفاق مع الواقع المقرر لعقد معاهدة، إذ إن المعاهدة تخضع لنظر الإمام وتحريه المصلحة، فهو مخير بين إمضائها أو عدم إمضائها حسب ما يراه من واقع المسلمين.

ج. الصيغة

يصح عقد المعاهدة بدلالات متعددة تدلّ عليه يفهم منها الرضا من الطرفين، إلا أن العرف الدبلوماسي اقتضى أن يكون عقد المعاهدة كتابيا، تعقده الأطراف المعينة في جلسة خاصة تبحث فيها شروطه، وتدون فيها بنوده، ويمضى أو يختم بختم رسمي للأطراف المعينة، ثم يتم بعد ذلك التصريح به والإعلان عنه، فيأخذ شكلا رسميا، ويلتزم من أفراد الرعية.

3. شروط عقد المعاهدة

أ. شروط عامة

· المصلحة
للدولة الإسلامية أن تعقد معاهدات الصلح والهدنة بشرط وجود مصلحة في ذلك، وقيل بشرط الضرورة، قال الكاساني في (بدائع الصنائع): "وشرطها الضرورة، وهي ضرورة استعداد القتال بأن كان بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة... فلا تجوز عند عدم الضرورة". والراجح جوازها للمصلحة.
فالمصلحة المتمثلة في نفع يجلب وضرر يدفع، شرط في جواز عقد المعاهدة، فلا يجوز عند عدم وجودها؛ لأن المعاهدة ترك للقتال المفروض، وهو لا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال، لأنها حينئذ تكون قتالا معنى. قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}(محمد35). والمعنى لا تضعفوا عن الأعداء، وتدعوا إلى الصلح ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم. "وهو عطف خاص على عام من وجه، لأن الدعاء إلى السلم مع المقدرة من طلب الدعة لغير مصلحة. وإنما خص بالذكر لئلا يظن أن فيه مصلحة استبقاء النفوس والعدة بالاستراحة من عدوان العدو، فإن المشركين يومئذ كانوا متكالبين على المسلمين، فربما ظن المسلمون أنهم إن تداعوا معهم إلى السلم أمنوا منهم، وجعلوا ذلك فرصة لينشوا الدعوة، فعرّفهم الله أن ذلك يعود عليهم بالمضرة لأنه يحط من شوكتهم في نظر المشركين، فيحسبونهم طلبوا السلم عن ضعف فيزيدهم ذلك ضراوة عليهم وتستخف بهم قبائل العرب بعد أن أخذوا من قلوبهم مكان الحرمة وتوقع البأس (...) فتحصل بما تقرر أن الدعاء إلى السلم المنهي عنه هو طلب المسالمة من العدو في حال قدرة المسلمين وخوف العدو منهم، فهو سلم مقيد بكون المسلمين داعين له وبكونه في حال قوة".(4)
وهذا لا ينافي السلم المأذون فيه في قوله عزّ وجلّ:{وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (الأنفال61)؛ لأن لكل آية حالة خاصة يختلف معها الحكم. فليست هذه الآية من سورة الأنفال منسوخة بالآية من سورة محمد ولا العكس، فيكون السلم المشروع هو ما طلبه العدو والمقيد بمصلحة للمسلمين، وأمّا السلم غير المأذون فيه فهو مقيد بقيد القوة، أي إذا كان بالمسلمين قوة فلا يحلّ لهم السلم بحيث يرغبون فيه رغبة في الدعة والراحة.
وعليه، فإن للدولة الإسلامية أن تعقد المعاهدات السلمية إذا رأت فيها مصلحة، فإذا رأت الدولة أن المسلمين في حال لا يقوون فيها على القتال في جبهات متعددة، فلها أن تسالم وتصالح بعض الدول لتتفرغ للأهم؛ فقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا عام الحديبية فأمن شرهم وتفرغ لحرب خيبر، ولدعوة الملوك والأمراء، وإذا رأت الدولة أن الموادعة مع دولة كافرة أداة لتوصل الدعوة إليهم من غير قتال، فلا بأس بذلك أيضا.

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 03:54 PM
(3)

ومما يجب التنبيه إليه في هذا السياق، أنه رغم اتفاق الفقهاء على كون المصلحة أساس عقد المعاهدة ومحوره الذي يدور حوله وجودا وعدما، إلا أنهم لم يضبطوا كلمة "المصلحة" بضابط دقيق محدّد، واكتفوا بذكر أمثلة لها تقرّب تصوّرها للأذهان وتساعد على بلورة مفهومها. والسبب في رأينا لا يعود إلى ضيق أفق علمهم أو قصور فهمهم بل العكس؛ لأنّ المصلحة تعني جلب النفع ودفع الضر، وهو مفهوم محدد بلا ريب، إلا أنه خاضع لتقدير الخليفة والحالة التي يرد فيها. ولما كانت المسألة تقديرية بحتة ضبط الفقهاء مفهوما عاما لها وتركوا التفصيل لصاحب التقدير، فقالوا على الخليفة أن يراعي جلب المنفعة ودفع الضر، وتركوا تعيين المنفعة التي تجلب والضرر الذي يدفع له، فيعين المصلحة حسب واقع الحال وما يستلزمه.

•ï‚*المدّة
تعيين مدة معينة أو فترة زمنية مقدرة للمعاهدة شرط من شروط صحتها؛ لأنّها عقد مؤقت، وإطلاقه عن ذكر المدة يفسده لاقتضائه التأبيد الممتنع فيه.
وقد اختلف العلماء في أقصى المدة التي تؤقت بها المعاهدة. قال القرطبي: "قال القشيري: إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة. وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة. وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين. قال ابن المنذر: اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل مكة عام الحديبية، فقال عروة: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: كانت ثلاث سنين. وقال ابن إسحاق: كانت عشر سنين. وقال الشافعي رحمه الله: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة".(5) وقال الشوكاني: "وقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين فقيل لا تجاوز عشر سنين (...) وهو قول الجمهور وقيل تجوز الزيادة وقيل لا تجاوز أربع سنين وقيل ثلاثا وقيل سنتين والأول هو الراجح".(6)

والصواب أن أقصى مدة المعاهدة عشر سنين. والدليل عليه ما رواه أبو داود عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم عن صلح الحديبية: «أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال، ولا إغلال». ورواه أحمد في مسنده مطولا وفيه قالا: «فقال عليه السلام: أكتب باسمك اللّهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول اللّه لم أقاتلك، ولكن أكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد اللّه، وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض». وأخرجه البيهقي في الكبرى، وفيه «فخرج سهيل بن عمرو من عندهم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمجرى بينهما القول حتى وقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعضن وأن يرجع عنهم عامهم ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها خلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، وأنه من أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال».

وقد يقال: أين القرينة الدالة على وجوب عدم تجاوز المدة المذكورة؟
والجواب هو، أن الجهاد هو الأصل، والصلح مباح لمصلحة؛ فلما حصلت الإباحة حصلت مقدرة بمدة معينة، فإن زيد عليها خولف الأصل واحتاجت الزيادة لدليل، وبما أنه لا دليل عليها، فيقتصر على المتحقق منها.

وأما قول من قال بأربع، فمبني على حديث ضعيف عن ابن عمر. قال البيهقي في الكبرى: "وروى عاصم بن عمر بن حفص العمري، وهو ضعيف جدا، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كانت الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلموأهل مكة عام الحديبية أربع». وروى أبو سعد الماليني أنبأ أبو أحمد بن عدي ثنا القاسم بن مهدي ثنا يعقوب بن كاسب ثنا عبد الله بن نافع عن عاصم بن عمر فذكره. المحفوظ هو الأول [يعني حديث العشر] وعاصم بن عمر هذا يأتي بما لا يتابع عليه، ضعفه يحيى بن معين والبخاري وغيرهما من الأئمة". وأخرجه الحاكم من طريقه في المستدرك في كتاب البيوع وصحّحه، ورده الحافظ الذهبي بقوله: "بل ضعيف، فإن عاصما ضعفوه"

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 03:59 PM
(4)
. وأما القول بالسنتين فمبني على ما وقع في مغازي ابن عائذ في حديث ابن عباس وغيره أنه كان سنتين، وكذا وقع عند موسى بن عقبة. وقد جمع الشوكاني بين رواية السنتين والعشر بقوله: "ويجمع بأن العشر السنين هي المدة التي وقع الصلح عليها، والسنتين هي المدة التي انتهى أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش".(7) وهو جمع صحيح يغنينا عن البحث في سند الرواية، لأنّ صلح الحديبية عقد في السنة السادسة من الهجرة ونقض في السنة الثامنة سنة فتح مكة أي بعد حوالي السنتين من عقده. أخرج البيهقي في الصغرى عن مروان بن الحكم والمسور بن خرمة قالا: «كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أن من شاء أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهرا...».

أما التأقيت المجهول المدة، كقول الإمام: أقركم ما شئنا أو ما شاء الله أو زيد أو ما أقركم الله، فلا يصح به العقد؛ لأنّ الجهل بالمدة يحتمل الإطلاق المفيد للتأبيد، وهو ينافي مقتضى عقد المعاهدة من كونه مؤقتا بأجل معين.
وأما استدلال بعض العلماء بما رواه البخاري عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر: «أقركم ما أقركم الله» وفي رواية له عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين، فسأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نقركم على ذلك ما شئنا». فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحا». فلا يصح من وجهين:
أولهما ، وهو رأي الإمام الشافعي، أن العقد إذا صح مجهول المدة من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح من غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم ما عند الله بالوحي بخلاف غيره. وقد أوحي إليه بعد مدة من العقد بإجلاء اليهود من جزيرة العرب، فأجلاهم عمر.
ثانيهما ، أن خيبر فتحت عنوة ولم تفتح صلحا. قال ابن قدامة المقدسي: "ولم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل خيبر هدنة، فإنه فتحها عنوة، وإنما ساقاهم وقال لهم ذلك. وهذا يدل على جواز المساقاة وليس هذا بهدنة اتفاقا".(8) وقال ابن حجر العسقلاني: "روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب: «أقركم ما أقركم الله» وقيل إن هذا جرى في المهادنة حين وادع زفر خيبر لا في عقد الذمة، قلت: الثاني هو الصحيح".(9) فما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم ويهود خيبر، لم يكن اتفاق هدنة وموادعة، إنما كان اتفاق مساقاة أو مزارعة ضمن عقد ذمة، ولم تكن الجزية قد ضربت بعد. وعقد الذمة من العقود المؤبدة غير المؤقتة، فيحتمل الجهالة بالتأقيت المفيدة للتأبيد بخلاف عقد المعاهدة.
وعليه، فلا يصح عقد المعاهدة إلا بتحديد مدة معينة له أقصاها عشر سنين، فإن انقضت المدّة جاز تحديد العقد إذا رأى الخليفة ذلك.

ب. شروط خاصة

يجوز في عقد المعاهدة أن تشترط فيه شروط خاصة به تنشأ التزامات ملزمة للطرفين، بشرط عدم مخالفتها للشرع أو لمقتضى العقد.
فقد هادن النبي صلى الله عليه وسلم قريشا وكتب معهم صلحا تضمن شروطا التزم بها. أخرج البخاري عن ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، فكان فيما أخبرني عروة عنهما: «...وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه. وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا، فتكلموا فيه، فلما أبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلمإلا على ذلك، كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلمأبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل ابن عمرو، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلمأحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلما ...»

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 04:00 PM
(5)
ج. شروط فاسدة

قال الشربيني: "يشترط خلو عقد الهدنة من كل شرط فاسد (على الصحيح) المنصوص (بأن شرط منع فك أسرانا) منهم (أو ترك مالنا) الذي استولوا عليه".(10)
وقال ابن قدامة المقدسي: "والشروط في عقد الهدنة تنقسم قسمين صحيح مثل أن يشترط عليهم مالا أومعونة المسلمين عند حاجتهم إليهم‏,‏ أو يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلماأو بأمان فهذا يصح وقال أصحاب الشافعي‏:‏ لا يصح شرط رد المسلم إلا أن يكون لهعشيرة تحميه وتمنعه ولنا ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرط ذلك في صلحالحديبية ووفى لهم به‏,‏ فرد أبا جندل وأبا بصير‏)‏ ولم يخص بالشرط ذا العشيرة ولأنذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له‏,‏ لكن لايجوز هذا الشرط إلا عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك‏,‏ لزمالوفاء به... الثاني شرط فاسد مثل أن يشترط رد النساء‏,‏ أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطاءهم شيئا من سلاحنا‏,‏ أو من آلات الحرب أو يشترط لهم مالا في موضعلا يجوز بذله أو يشترط نقضها متى شاءوا‏,‏ أو أن لكل طائفة منهم نقضا أو يشترط ردالصبيان أو رد الرجال‏,‏ مع عدم الحاجة إليه فهذه كلها شروط فاسدة لا يجوز الوفاءبها وهل يفسد العقد بها‏؟‏ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع‏,‏ إلا فيماإذا شرط أن لكل واحد منهم نقضها متى شاء فينبغي أن لا تصح وجها واحدا لأن طائفةالكفار يبنون على هذا الشرط‏,‏ فلا يحصل الأمن منهم ولا أمنهم منا فيفوت معنىالهدنة...".(11)
ومن الشروط الفاسدة إقرار الكفار على اغتصاب ما اغتصبوه من أرض المسلمين، أو التفويت في حقّ من حقوقهم أو مقدّس من مقدّساتهم؛ فالهدنة والموادعة تعني ترك القتال لا ترك الحقّ والتفريط فيه.

4. نقض الأمان والمعاهدة

لقد حضّ الإسلام على الوفاء بالعقود، وأمر بالمحافظة عليها ومراعاتها، وحرّم إخفارها وانتهاكها والغدر بصاحبها. قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} (المائدة1)، وقال: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ ينقُضُونَ الْمِيثَاقَ}(الرعد20)، وقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}(النحل91). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِكُلّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» (متفق عليه). وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقا خَالِصا. وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلّةٌ مِنْهُنّ كَانَتْ فِيهِ خَلّةٌ مِنْ نِفَاقٍ. حَتّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدّثَ كَذَبَ. وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ. وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». وأخرج مسلم عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي، حسيل. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدا؟ فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا. نفي بعهدهم، ونستعين الله عليهم».

إلا أن ما ذكرناه من وجوب الوفاء بعقد الأمان والمعاهدة، لا يعني عدم جواز نقضه، فقد أجاز الشارع نقض العقد، وقيده بأحوال وشروط بيانها فيما يلي:
•إذا ظاهر المعاهد عدوا من أعداء المسلمين، كأن يعاونه بالمال، والسلاح، والرجال، لينصره على المسلمين. والدليل عليه قوله تعالى: {إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة4).
•إذا نقض المعاهد شرطا من شروط المعاهدة. وذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لمّا نقضت قريش عهدها معه، خرج إليهم، فقاتلهم، وفتح مكة.
•إذا خيف نقض العهد من المعاهد وخيانته. ودليله قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال58).
•إذا نقض المعاهد المعاهدة مع الدولة الإسلامية نقضا تاما.
______________________________________
(1) مغني المحتاج للشربيني، ج4 ص260
(2) المبدع لابن مفلح الحنبلي ج3 ص398
(3) الاختيار لتعليل المختار، ج4 ص121
(4) تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، ج26 ص131
(5) تفسير القرطبي، ج8 ص40
(6) نيل الأوطار، ج8 ص187
(7) المصدر السابق.
(8) المغني، ج2 ص2323
(9) تلخيص الحبير، ج4 ص137
(10) مغني المحتاج للشربيني، ج4 ص261
(11) المغني، ج2 ص2325-2326

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 04:09 PM
النشاط العسكري بعد صلح الحديبية

http://www.islamweb.net/articlespictures/A_193/17232.jpg

النشاط العسكري بعد صلح الحديبية

غزوة خيبر ووادي القُري ‏

سرية أبَان بن سعيد‏

بقية السرايا والغزوات في السنة السابعة

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 04:11 PM
غزوة الغابة أو غزوة ذي قَرَد‏

هذه الغزوة حركــة مطـاردة ضد فصيلة من بني فَزَارة قامت بعمل القرصنة في لِقَاحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية، وقبل خيبر‏.‏ ذكر البخاري في ترجمة باب أنها كانت قبل خيبر بثلاث، وروي ذلك مسلم مسنداً من حديث سلمة ابن الأكوع‏.‏ وذكر الجمهور من أهل المغازي أنها كانت قبل الحديبية، وما في الصحيح أصح مما ذكره أهل المغازي‏.‏
وخلاصة الروايات عن سلمة بن الأكوع بطل هذه الغزوة أنه قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع غلامه رَبَاح، وأنا معه بفرس أبي طلحة، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على الظهر، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، فقلت‏:‏ يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه أبا طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمت على أكَمَة، واستتقبلت المدينة، فناديت ثلاثاً‏:‏ يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز، أقول‏:‏
‏[‏خُذْها‏]‏ أنا ابنُ الأكْـوَع ** واليـومُ يـومُ الرُّضّع
فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلى فارس جلست في أصل الشجر، ثم رميته فتعفرت به، حتى إذا دخلوا في تضايق الجبل علوته، فجعلت أرديهم بالحجارة، فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله تعالى من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحاً يستخفون، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة، يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ حتى أتوا متضايقاً من ثَنِيَّةٍ، فجلسوا يتغدون، وجلست على رأس قَرْن، فصعد إلى منهم أربعة في الجبل، قلت‏:‏ هل تعرفونني‏؟‏ أنا سلمة بن الأكوع، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني فيدركني، فرجعوا‏.‏ فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، فإذا أولهم أخرم، وعلى أثره أبو قتادة، وعلى أثره المقداد بن الأسود، فالتقي عبد الرحمن وأخرم، فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة بعبد الرحمن فطعنه فقتله، وولي القوم مدبرين، فتبعتهم أعدو على رجلي، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له‏:‏ ذو قَرَد، ليشربوا منه، وهم عطاش، فأجليتهم عنه، فما ذاقوا قطرة منه، ولحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم والخيل عشاء، فقلت‏:‏ يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما عندهم من السَّرْح، وأخذت بأعناق القوم، فقال‏:‏ ‏(‏يا بن الأكوع‏.‏ ملكت فأسجح‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏إنهم ليقرون الآن في غطفان‏)‏‏.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة‏)‏‏.‏ وأعطاني سهمين، سهم الراجل وسهم الفارس، وأردفني وراءه على العَضْبَاء راجعين إلى المدينة‏.‏
استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في هذه الغزوة ابن أم مكتوم، وعقد اللواء للمقداد بن عمرو‏.‏

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 04:13 PM
عمرة القضاء

قال الحاكم‏:‏ تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هَلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوي النساء والصبيان‏.‏ ا هـ‏.‏
واستخلف على المدينة عُوَيف بن الأضْبَط الدِّيلي، أو أبا رُهْم الغفاري، وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جُنْدُب الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذي الحُلَيْفَة، ولبي، ولبي المسلمون معه، وخرج مستعداً بالسلاح والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يَأجُج وضع الأداة كلها‏:‏ الحَجَف والمِجَانّ والنَّبْل والرِّماح، وخلف عليها أوس بن خَوْلِي الأنصاري في مائتي رجل، ودخل بسلاح الراكب‏:‏ السيوف في القُرُب‏.‏
وكان رسول اللهصلى الله عليه وسلم عند الدخول راكباً على ناقته القَصْواء، والمسلمون متوشحون السيوف، محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون‏.‏
وخـرج المشركـون إلى جبل قُعَيْقِعَان ـ الجبل الذي في شمال الكعبة ـ ليروا المسلمين، وقد قالوا فيما بينهم‏:‏ إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمي يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين‏.‏ ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وإنما أمرهم بذلك ليري المشركين قوته كما أمرهم بالاضطباع، أي أن يكشفوا المناكب اليمني، ويضعوا طرفي الرداء على اليسري‏.‏
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية التي تطلعه على الحَجُون ـ وقد صف المشركون ينظرون إليه ـ فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمِحْجَنِه، ثم طاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز متوشحاً بالسيف‏:‏
وفي حديث أنس فقال عمر‏:‏ يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حرم الله تقول الشعر‏؟‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل‏)‏‏.‏
ورَمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ثلاثة أشواط، فلما رآهم المشركون قالوا‏:‏ هؤلاء الذين زعمتم أن الحمي قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا‏.‏
ولما فرغ من الطواف سعي بين الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي، وقد وقف الهدي عند المروة، قال‏:‏ ‏(‏هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر‏)‏، فنحر عند المروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، ثم بعث ناساً إلى يَأْجُج، ليقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضون نسكهم ففعلوا‏.‏
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثاً، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا علياً فقالوا‏:‏ قل لصاحبك‏:‏ اخرج عنا فقد مضي الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل بسَرِف فأقام بها‏.‏
ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة، تنادى، يا عم يا عم، فتناولها علي، واختصم فيها على وجعفر وزيد، فقضي النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر ؛ لأن خالتها كانت تحته‏.‏
وفي هذه العمرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث العامرية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها إياه، فلما خرج من مكة خلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمشي، فبني بها بسرف‏.‏
وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء ؛ إما لأنها كانت قضاء عن عمرة الحُدَيْبِيَة، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة ـ أي المصالحة ـ التي وقعت في الحديبية، والوجه الثاني رجحه المحققون، وهذه العمرة تسمي بأربعة أسماء‏:‏ القضاء، والقَضِيَّة، والقصاص، والصُّلح‏.‏

وقــد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرجـوع مـن هذه العمرة عدة سرايا، وهي كما يلي‏:‏

1 ـ سرية ابن أبي العوجاء، في ذي الحجة سنة 7 هـ في خمسين رجلاً‏.‏ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سُلَيْم ؛ ليدعوهم إلى الإسلام، فقالوا‏:‏ لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، ثم قاتلوا قتالاً شديداً‏.‏ جرح فيه أبو العوجاء، وأسر رجلان من العدو‏.‏

2 ـ سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفَدَك، في صفر سنة 8 هـ‏.‏ بعث في مائتي رجل، فأصابوا من العدو نعما، وقتلوا منهم قتلي‏.‏

3 ـ سرية ذات أطلح في ربيع الأول سنة 8 هـ‏.‏ كانت بنو قُضَاعَة قد حشدت جموعاً كبيرة للإغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلاً، فلقوا العدو، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهـم، وأرشقوهم بالنبل حتى استشهد كلهم إلا رجل واحد، فقد ارْتُثَّ من بين القتلي‏.‏

4 ـ سرية ذات عِرْق إلى بني هوازن، في ربيع الأول سنة 8 هـ‏.‏ كانت بنو هوازن قد أمدت الأعداء مرة بعد أخري فأرسل إليها شُجَاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلاً، فاستاقوا نَعَما من العدو، ولم يلقوا كيداً‏.‏

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 04:21 PM
باب صلح الحديبية في الحديبية
1783 حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي إسحق قال سمعت البراء بن عازب يقول كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية فكتب هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله فقالوا لا تكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي امحه فقال ما أنا بالذي أمحاه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده قال وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثا ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح قلت لأبي إسحق وما جلبان السلاح قال القراب وما فيه حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحق قال سمعت البراء بن عازب يقول لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية كتب علي كتابا بينهم قال فكتب محمد رسول الله ثم ذكر بنحو حديث معاذ غير أنه لم يذكر في الحديث هذا ما كاتب عليه...
______________
الحاشية رقم: 1باب صلح الحديبية
في الحديبية والجعرانة لغتان : التخفيف وهو الأفصح ، والتشديد ، وسبق بيانهما في كتاب الحج .
[ ص: 471 ] قوله : ( هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ) وفي الرواية الأخرى : ( هذا ما قاضى عليه محمد ) قال العلماء : معنى قاضى هنا فاصل وأمضى أمره عليه ، ومنه قضى القاضي ، أي : فصل الحكم وأمضاه ، ولهذا سميت تلك السنة عام المقاضاة ، وعمرة القضية ، وعمرة القضاء ، كله من هذا ، وغلطوا من قال : إنها سميت عمرة القضاء لقضاء العمرة التي صد عنها ; لأنه لا يجب قضاء المصدود عنها إذا تحلل بالإحصار كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك العام .

وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن يكتب في أول الوثائق وكتب الإملاك والصداق والعتق والوقف والوصية ونحوها ( هذا ما اشترى فلان ، أو هذا ما أصدق ، أو وقف ، أو أعتق ، ونحوه ) وهذا هو الصواب الذي عليه الجمهور من العلماء وعليه عمل المسلمين في جميع الأزمان وجميع البلدان من غير إنكار ، قال القاضي عياض - رضي الله عنه - : وفيه دليل على أنه يكتفى في ذلك بالاسم المشهور من غير زيادة خلافا لمن قال لا بد من أربعة : المذكور وأبيه وجده ونسبه .

وفيه أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين ، وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي .

وفيه احتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها أو لتحصيل مصلحة أعظم منها إذا لم يمكن ذلك إلا بذلك .

قوله : ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : امحه ، فقال : ما أنا بالذي أمحاه ) هكذا هو في جميع النسخ ( بالذي أمحاه ) وهي لغة في ( أمحوه ) وهذا الذي فعله علي - رضي الله عنه - من باب الأدب المستحب ; لأنه لم يفهم من النبي صلى الله عليه وسلم تحتيم محو علي بنفسه ، ولهذا لم ينكر ، ولو حتم محوه بنفسه لم يجز لعلي تركه ، ولما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على المخالفة .

قوله : ( ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح ) قال أبو إسحاق السبيعي : ( جلبان السلاح ) هو القراب وما فيه ، و ( الجلبان ) بضم الجيم ، قال القاضي في المشارق : ضبطناه ( جلبان ) بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة ، قال : وكذا رواه الأكثرون ، وصوبه ابن قتيبة وغيره ، ورواه بعضهم بإسكان اللام ، وكذا ذكره الهروي ، وصوبه هو وثابت ، ولم يذكر ثابت سواه ، وهو ألطف من الجراب يكون من الأدم ، يوضع فيه السيف مغمدا ، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته ، ويعلقه في الرحل ، قال العلماء : وإنما شرطوا هذا لوجهين ، أحدهما : ألا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين . والثاني : أنه إن عرض فتنة أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة .

قوله : ( اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثا ) قال العلماء : سبب هذا التقدير أن المهاجر من مكة لا يجوز له أن يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام ، وهذا أصل في أن الثلاثة ليس لها [ ص: 472 ] حكم الإقامة ، وأما ما فوقها فله حكم الإقامة ، وقد رتب الفقهاء على هذا قصر الصلاة فيمن نوى إقامة في بلد في طريقه ، وقاسوا على هذا الأصل مسائل كثيرة .
http://www.islamweb.net/newlibrary/BooksCover/Doc053.jpg
شرح النووي على مسلم

يحيي بن شرف أبو زكريا النووي دار الخير سنة النشر: 1416هـ / 1996م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

حاتم الشرباتي
09-28-2013, 04:27 PM
الصحابي الذي شنع عليه في يوم صلح الحديبية
السؤال

من عادة أهل الباطل التشنيع على من خالفهم لا سيما إذا مشى معهم من قبل، وفي غزوة من الغزوات شنع أحد المشركين على أحد الصحابة الأجلاء بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، فما هو اسم المشنع عليه والمشنع، وما هو اسم الغزوة ومتى وقعت؟ الرجاء الإجابة على السؤال قبل الساعة الرابعة مساء.



الإجابــة


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإن ما ذكر السائل في مقدمة سؤاله صحيح فأهل الباطل يستخدمون كل وسيلة لإبعاد الناس عن الحق وتثبيط هممهم والتقليل من شأنهم والضغط عليهم نفسياً ومن ذلك ما فعله عروة بن مسعود الثقفي مع ابن أخيه المغيرة بن شعبة يوم صلح الحديبية عندما كان واقفاً على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد يحرسه فامتدت يد عروة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفاوضه على الصلح يومئذ فقرع المغيرة يد عروة ثم قال له: أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تعود إليك يهدده بقطعها، فقال عروة ما أفظك وأغلظك، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا: يا محمد؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، فقال عروة: أغدر هل غسلت سوأتك إلا بالأمس.
يشير بذلك إلى أمور كان المغيرة قد ارتكبها قبل إسلامه, وقام عروة بالصلح فيها، تجد هذه القصة في كتب السيرة وبعض كتب السنة وخاصة مسند الإمام أحمد, وبها تعرف اسم المشنع والمشنع عليه.
والله أعلم.

منقول عن : اسلام ويب

http://www.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=73294