المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " ألتشريع والأصول " في أجوبة أسئلة


طالب عوض الله
08-21-2015, 09:17 PM
" ألتشريع والأصول " في أجوبة أسئلة
01 فهرس
02 حول"الحقيقة والمجاز"
03 إجماع الصحابة وعلة القياس
04 المانع والعلة في موضوع القتل العمد والإرث
05 ألنّص الفكري
06 ألفرق بين الحقيقة الشرعية والمعنى الشرعي
07 الأسماء الشرعية
08 حول اجتهاد الانبياء
09 هل يجوز في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ان يكون مجتهدا؟
10 الفصل في دلالة الفاء
11 معنى(أجتهد برأيي) عند العلماء والمجتهدين
12 جواب سؤال عن علة الخمرة وحرمتها
13 حول الاجتهاد في النصوص القطعية الدلالة
14 أدلة استعمال القياس.
15 تقليد أكثر من مجتهد في المسألة الواحدة
16 التقليد وترك رأي مجتهد إلى مجتهد آخر
17 إجماعُ الصحابة – بيانٌ لمُجمَل
18

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
حول"الحقيقة والمجاز"
سؤال من : حامد قاشو hamed qashou
أليس (يُحْيِ الْعِظَامَ) في قوله تعالى ((قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ))، هو من باب المجاز؛ حيث أطلق الجزء وأراد به الكل؟
الجواب
لا يعمد للمجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، فمثلاً: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ)) فإن "أصابعهم" مجاز في أطراف الأصابع لأن الأصابع على الحقيقة، أي كاملة، يتعذر جعلها في الآذان، بل فقط أطراف الأصابع التي تُجعل في الآذان.

ومثل هذا ((وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)) فهنا الخمر مجاز في العنب، لأن الخمر لا يعصر على الحقيقة، بل الذي يعصر العنب الذي يصنع منه الخمر...

أما إذا لم تتعذر الحقيقة فلا يعمد إلى المجاز فقوله سبحانه: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)) لا تتعذر حقيقة إحياء العظام بالنسبة لله سبحانه، ولذلك قلنا "يحي..." على الحقيقة وليست على المجاز، وفهمنا منها أن عظام الميتة هي ميتة كذلك.

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:20 PM
إجماع الصحابة وعلة القياس
السؤال: نعلم أن القياس يحتاج إلى علة شرعية أي تكون واردةً في الدليل، فهل يصدق هذا على الدليل إذا كان إجماعَ صحابة؟ وإذا كان كذلك فهل هناك قياس علته واردة في الإجماع؟
الجواب
إجماع الصحابة يكشف عن دليل أي أن هناك حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم عمل الصحابة بموجبه ولم يرووه، ولذلك فما ينطبق على الدليل ينطبق على الإجماع. فكون القياس حتى يصح يجب أن تكون العلة شرعيةً أي واردةً في الدليل فهذا ينطبق على كل دليل سواء أكان من الكتاب أم من السنة أم من الإجماع، فحيثما وجدت العلة في النص صح استعمالها في القياس أما إن لم تكن في النص أي كانت علةً عقليةً فلا تصح في القياس.

أما المثال على إجماع فيه علَّة وقيس عليه، فإليك ما يلي:
أ - ثبت بالإجماع أن يُقطَع المشتركون في السرقة، وقد قيس على ذلك قتل المشتركين في القتل. وقد وردتْ هذه القصة في عهد عمر رضي الله عنه، فقد عرضت له قضية قتل اشترك فيها عدد (سبعة)، فشك عمر في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة. فقال له علي: «يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضواً وهذا عضواً، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم. قال: فكذلك» أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، أي أن قود المشتركين في القتل قِيس على قطع المشتركين في السرقة بعلة الاشتراك في موجب الحد.

ب - ثبت بالإجماع أن ميراث الجدة لأم (أي أم الأم) السدس، وقد قيست عليها الجدة لأب (أي أم الأب)، فقد وردت هذه القضية في عهد أبي بكر فبعد أن قضى بميراث الجدة لأم السدس، ومنع الجدة لأب، فقال له بعض الأنصار لقد ورَّثت امرأةً من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأةً لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت، فعاد أبو بكر وأشرك بينهما في السدس.

(وذلك لأن الجدة لأب أي أم الأب لو توفيت وبقي ابن ابنها فهو يرثها، في حين أن الجدة لأم أي أم الأم لو توفيت وبقي ابن بنتها فإنه لا يرثها).

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
المانع والعلة في موضوع القتل العمد والإرث
السؤال: كأنَّ هناك تعارضاً بين ما ذكر في الشخصية ج3 ص55 سطر 1 من أنَّ القتل العمد العدوان هو مانع من الإرث، وبين ما هو مذكور في ص353 سطر 5، 6 من أن القتل العمد العدوان هو علة فأيهما الصحيح؟
الجواب
إن المانع هو من خطاب الوضع، أي مما يقتضيه خطاب التكليف من حيث السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان والفساد والرخصة والعزيمة.

وما يقتضيه خطاب التكليف من أوضاع يكون أحياناً وصفاً مفهماً للعلية، وعندها يكون خطاب الوضع هذا علةً دلالةً.

فمثلاً: هناك مانع للإرث وهو القتل العمد بنص الحديث:
«ولا يرث القاتل شيئاً»
لكن (القتل) وصف مفهم للعلية، أي لمنع القاتل من الإرث، فهو قَتَل عمداً مورِّثه فسقط حقه في الإرث، وإذن نقول إن القتل العمد علة عدم الإرث.

لكن مثلاً لو كان النص (لا يرث الطويل شيئاً)، هنا لفظ الطويل ليس وصفاً مفهماً لعدم الإرث، لذلك يبقى مانعاً (طبعاً هذا لو كان هناك نص) ولا يكون علة.
وهكذا في كل أنواع خطاب الوضع وليس فقط في المانع.

فمثلاً: بيع الحاضر للبادي فاسد، والفساد خطاب وضع.
ولكنه وصف مفهم للفساد، أي لفظ (بادٍ) مفهم لماذا الفساد، فهو قادم من البادية ولم يصل السوق بعد، فتلقاه الحاضر في أطراف البلد، فالبادي في هذه الحالة لا يعرف السعر، ولهذا فالبيع فاسد وفساده أن تلقى الحاضر للبادي قبل أن يعرف سعر السوق، فهذا خطاب وضع اسمه (الفساد).

وفي الوقت نفسه كون المشتري (بادياً) أي من البادية لا يعرف سعر السوق هو علة دلالة.
ولذلك يصح القول بيع الحاضر للبادي فاسد، وكذلك هو علة الفساد لأنه يجهل سعر السوق.

وأنت ترى في بحث خطاب الوضع (الصحة والبطلان والفساد) ص58 سطر 7 مذكور: (.. بيع الحاضر لباد فإنه بيع فاسد لجهالة البادي للسعر ..)

وتجـد كذلك في بحـث العـلة دلالةً ص356 سطر 3 من الآخر إلى ص357 سطر3 مذكـور: (.. «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد ...» ... أخرجه البخاري، فقد ذكر النهي عن بيع الحاضر لباد، فذكر مع النهي في البائع كونه حاضراً أي من أهل الحضر، وفي المشتري كونه بادياً أي كونه آتياً من البدو، وكل منهما وصف مفهم أنه للتعليل في النهي عن البيع، ومفهم أنه كان علة للنهي لما عند البادي من جهالة السعر في السوق، فدل ذلك على أن كونه بادياً علة؛ لأنه يجهل سعر السوق ...)

فكونه بادياً (ص58) يعني الفساد، وفي (ص357) كونه بادياً علةً.
لكن مثلاً لو كان (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع الأسمر للأبيض) فهو هنا فقط خطاب وضع أي بطلان هذا البيع، ولكن لا يكون علةً لأن اللون ليس وصفاً مفهماً للعلية أي علة بطلان البيع، فلا مناسبة بين اللون في صحة البيع أو بطلانه أو فساده ..

والخلاصة: إن خطاب الوضع إذا كان وصفاً مفهماً مناسباً للتعليل فيكون خطاب وضع ويكون علةً، وهذا كما ترى يكون في الوصف المفهم للعلية أي العلة دلالةً.
11/01/2008م.

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ألنّص الفكري
السؤال : ورد في كتاب التفكير ما نصه "ومن هنا يشترط في فهم النص الفكري إلى جانب المعلومات السابقة ثلاثة شروط: أحدها أن تكون المعلومات السابقة في مستوى الفكر الذي يراد فهمه، وثانيها أن يدرك واقعها كما هو إدراكاً يحدده ويميزه عن غيره، وثالثها أن يتصور هذا الواقع تصوراً صحيحاً يعطي الصورة الحقيقية عنه"
ما الفرق بين تصور الواقع وإدراك الواقع مع الأمثلة إن أمكن؟
9/5/2010
الجواب
إدراك الواقع، هو تحليل ماهية الشيء، مثلاً إدراك واقع الحرية الشخصية، أن تحلِّلَ هذا النص، فتفهم منه أن يفعل الشخص ما يشاء دون أن يمنعه أحد، فيلبس ما يشاء ويعاشر من يشاء بالأسلوب الذي يريد... إلخ.
أما تصور الواقع فهو أن تتمثله مطبقاً، وترى النتائج المترتبة على ذلك، فتفهم نتيجة حالة التطبيق للحرية الشخصية، فترى الانحلال الخلقي والمفاسد الجمة وانفلات الرغبات الشخصية...
أي تتصوره مطبقاً كأنك تراه رأي العين.
ومثلاً: العلمانية، فإدراك واقعها أن تدرسها وتعلم أنها تعني فصل الدين عن الحياة، والدين في المسجد لا يخرج منه، والعلاقات بين الناس تحكمها قوانين البشر دون تدخل الدين بها...
وأما تصور هذا الواقع فهو أن تتمثله مطبقاً، فترى كيف سيكون المسلم الذي يؤمن بالعلمانية أشبه بمن عنده انفصام في الشخصية، فهو يقرأ }وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ{ فينفذها ويصلي ويقرأ } وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ{، فلا ينفذها بل يحتكم إلى قوانين البشر، مع أن الله سبحانه هو الآمر في الآيتين "وأقيموا الصلاة"، و"وأنِ احكم..."، وهكذا تجد المسلمين الذين لا يحتكمون إلى الإسلام بل يأخذون القوانين الوضعية، تجدهم لا ينهضون، ولا يأخذون فعلاً بأسباب القوة، لأنهم يطبقون ما لا يعتقدون، فهم مسلمون ويحتكمون لغير الإسلام!
والخلاصة: أن إدراك الواقع يعني معرفة ماهيته ومكوناته ونصوصه ومحتوياته... وتصور الواقع هو تمثله مطبقاً في الواقع وما ينتج عنه وما يترتب عليه...

24 من جمادي الثاني 1431هـ الموافق 2010/06/07

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:32 PM
ألفرق بين الحقيقة الشرعية والمعنى الشرعي
السؤال : هل هناك فرق بين الحقيقة الشرعية والمعنى الشرعي؟

فقد التبس علينا الأمر، حيث أن أحد الشباب قال في أحد ألجلسات:

إن الحقيقة الشرعية: تنقل المعنى اللغوي إلى معنى جديد مغاير للأصل مثل كلمة صلاة.

أما المعنى الشرعي: فهو يَستعمل نفس المعنى اللغوي ويضيف عليه ضابطا أو قيدا، مثل كلمة قِبلة، فهل هذا صحيح؟

فإن كان هناك فرق فأرجو التفصيل وذلك لما يلي:

أ- فقد ورد في النظام الاقتصادي صفحة 205 في بحث الإسراف والتبذير "أما معناها هو إنفاق المال فيما نهى عنه" فقال أحد الشباب أن هذا معنى شرعي وليس حقيقة شرعية.

ب- ورد في كتاب التيسير في أحوال التفسير صفحة 190 عند تفسير "ما ولاهم عن قبلتهم" الآية. قال في التفسير عن "قبلتهم" القبلة فعلة من المقابلة كالوجهة من المواجهة وقد أصبح لها معنى شرعي وهي الجهة التي يستقبلها المسلم في الصلاة. وسماها معنى شرعي ولم يسمها حقيقة شرعية.

ج- رجعنا إلى بحث الحقيقة الشرعية في الشخصية الجزء الثالث فلم نجد هناك فرقا في البحث.

أفيدونا إن كان هناك تفريق بين الحقيقة الشرعية والمعنى الشرعي بارك الله فيكم.

الجواب
الحقيقة الشرعية هي لفظ...

والمعنى الشرعي هو معنى...

فالأمران لا يتعارضان!

جاء في الشخصية الثالث:

- صفحة 149 السطور الأربعة من الآخر: "الحقيقة الشرعية لفظ استعمله الشرع في معنى غير المعنى الذي وضع له، واستعمله العرب بعد استعمال الشرع في المعنى الذي استعمله الشرع، فنقل باستعمال الشرع، ثم باستعمال العرب، لمعنى آخر، وهجر المعنى الأول..."

- صفحة 143 سطر 9، 10: "فالحقيقة الشرعية هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف الشرع..."

- صفحة 144 سطر 4، 5: "الحقـيـقـة الشرعية هي اللفظ الذي وضعه الشرع لمعنى بحيث يدل عليه بلا قـرينة..."

أي أن الحقيقة الشرعية هي لفظ استعمله العرب في معنى شرعي غير معناه اللغوي، وهُجر اللغوي واشتهر الشرعي، كالصلاة، فمعناها اللغوي الدعاء، وأعطاها الشرع معنىً شرعياً، أي نقله الشرع من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي ثم اشتهر فيه، فيصبح هذا اللفظ "الصلاة" بالمعنى الشرعي "الحركات المخصوصة" يصبح حقيقة شرعية.

وعليه فإذا أردت معرفة اللفظ ما هو، فإنه يُنظر:

1- إن كان مستعملاً في معناه اللغوي فهو حقيقة لغوية.

2- وإن كان منقولاً من معناه اللغوي إلى العرفي واشتهر فيه وهجر اللغوي، فهو حقيقة عرفية.

3- وإن كان منقولاً من معناه اللغوي إلى معنى شرعي واشتهر فيه وهجر اللغوي فهو حقيقة شرعية.

لذلك تَدرس اللفظ هل هو مستعمل في معنى شرعي، فإذن هو حقيقة شرعية:

تقول: الصلاة لها معنى شرعي استعملت فيه، واشتهر فيها، فإذن لفظ الصلاة بهذا المعنى الشرعي هو حقيقة شرعية.

وتقول: القِبلة لها معنى شرعي استعملت فيه، واشتهر فيها، فإذن لفظ القِبلة حقيقة شرعية.

ومع ذلك فيمكن أن تقول لفظ الصلاة لها معنى شرعي كذا وكذا، دون أن نكمل فنقول فإذن هو حقيقة شرعية.

وكذلك ليس بالضرورة أن نقول لفظ القِبلة له معنى شرعي كذا وكذا، ليس بالضرورة أن نكمل فنقول فإذن هو حقيقة شرعية.

فالحقيقة الشرعية هي لفظ له معنى شرعي اشتهر فيه.

آمل أن يكون قد اتضح لك الفرق بين الحقيقة الشرعية والمعنى الشرعي فهما ليسا مترادفين، بل هما في نسقٍ هكذا: الحقيقة الشرعية لفظ استعمل في معنى شرعي اشتهر فيه وهُجر معناه اللغوي. وللعلم فإن معنى "هجر" المعنى اللغوي أي عند سماع اللفظ لا ينصرف الذهن إلى المعنى اللغوي إلا بقرينة.

15 ربيع الثاني 1432هـ / 20/3/2011

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:37 PM
الأسماء الشرعية
السؤال:
1. : "وهناك أسماء لم يضعها العرب لمعان مطلقاً، وجاء الشارع ووضعها لمعان معينة، وهناك أسماء لم يعرف العرب من قبل معانيها."، السؤال: هل من أمثلة على هذين النوعين من الأسماء؟

2.: "ومثل لفظ الروح لسر الحياة، ولإدراك الصلة بالله، ولجبريل." السؤال: هل يصلح هذا مثالاً على الاشتراك؟ لكون سر الحياة معنى لغوي، وإدراك الصلة بالله معنى اصطلاحي أي عرفي خاص، وجبريل معنى شرعي، والاشتراك هو تعدد المعاني اللغوية للفظ الواحد، ولا يوجد هنا.
الجواب
1- جواب الأسماء الشرعية:

أ) "وهناك أسماء لم يضعها العرب لمعان مطلقاً وجاء الشرع ووضعها لمعان معينة"...

هذه مثل أوائل السور الم، الر... فهي أسماء للسور، ولكن لم يسبق للعرب أن وضعوها لمعان...

ب) "وهناك أسماء لم يعرف العرب من قبل معانيها"...

هذه مثل "وضوء" فلم يكن العرب يعرفون معناها إلى أن وضعه الشرع لها، فهي ليست كالصلاة كان العرب يستعملونها للدعاء فجاء الشرع ونقلها للصلاة المعهودة، بل إن الوضوء لم يكن العرب يعرفون معناه إلى أن وضعه الشرع.

2- موضوع المشترك:

المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي أو العرفي لا يدخل في باب الاشتراك، هذا صحيح... ولكن هذا إذا كان المعنى الشرعي والعرفي قد اشتهر، وهُجر المعنى اللغوي أو كاد، بحيث إنه عند سماع اللفظ فإن الذهن ينصرف إلى المعنى الشرعي أو العرفي دون الحاجة إلى قرينة.

مثلاً كلمة الصلاة لها معنى لغوي "الدعاء"، ومعنى شرعي "الصلاة المعهودة"، والنقل لهذا المعنى قد اشتهر بحيث أنه عند سماع "الصلاة" ينصرف الذهن إلى الصلاة المعهودة دون الحاجة إلى قرينة.

ففي هذه الحالة لا يقال عن الصلاة إنها لفظ مشترك في الدعاء والصلاة المعهودة، لأن هذين المعنيين ليسا سواء في الاختلاف بحيث يحتاج تعيين المقصود إلى قرينة عند سماع اللفظ، بل إن أحدهما قد طغى على الآخر، حيث هُجر الآخر أو كاد عند إطلاق اللفظ. وهكذا كلمة "الدابة" فلا يقال عنها لفظ مشترك في "ما يدب على الأرض، والدابة المعروفة" لأن هذين المعنيين ليسا سواء في الاختلاف، بحيث يحتاج تعيين المعنى المقصود إلى قرينة عند سماع اللفظ، بل طغى أحدُهما على الآخر، حيث هُجر الآخر أو كاد عند إطلاق اللفظ.

هذه الألفاظ وأمثالها ذوات المعاني اللغوية والشرعية والعرفية على النحو المذكور لا تقع في باب الاشتراك لأن المعنى الشرعي والعرفي قد طغى على المعنى اللغوي، فهي أشبه بالمفرد ذي المعنى الواحد، والاشتراك يدل على حقيقتين مختلفتين أو أكثر بحيث يحتاج تعيين المعنى المقصود إلى قرينة... وذلك كلفظ "عين" للباصرة، ونبع الماء، والجاسوس... وواضح فيها الاختلاف والحاجة للقرينة لتحديد المعنى المراد.

وأما المعنى الاصطلاحي أو الشرعي الذي لم يشتهر، ويُهجر المعنى اللغوي أو يكاد، فيجوز إدخاله مع المعنى اللغوي في باب الاشتراك، لأنها كلها سواء في الاختلاف عند سماعها، أو تكاد، فلا يطغى أحدها على الآخر، بل يحتاج المعنى المقصود إلى قرينة، وبالتالي يمكن أن تقع هذه المعاني في الاشتراك.

وهكذا كلمة الروح، فقد جاء في معناها:

* النَّفْسُ التي يَحْيى بها البَدَنُ "سر الحياة"، والمَسِيْحُ: رُوْحُ اللهِ عزَّ وجلَّ. والرُّوْحُ: جَبرئيل - عليه السَّلامُ - في قوله تعالى: {رُوْحُ القُدُسِ}، ويسمَّى القرآن رُوحاً، والوَحْيُ، والنَّفْخُ، وأمْرُ النُّبُوَّةِ، وحُكْمُ اللّهِ تعالى، وأمْرُهُ...

وكما ترى فهي معانٍ متساوية في الاختلاف، لم يشتهر الشرعي فيطغى على اللغوي بحيث يُهجر أو يكاد، فإذا سمعت كلمة الروح فلا ينصرف الذهن إلى جبريل أو عيسى عليهما السلام، أو القرآن الكريم، أو النفخ، أو حكم الله تعالى... دون قرينة.

ويقال مثل ذلك في المعنى الاصطلاحي "إدراك الصلة بالله"، فهو ليس حقيقة عرفية عامة كالدابة مثلاً بحيث إن المعنى اللغوي لها هُجر أو كاد، فيطغى هذا المعنى العرفي الخاص "إدراك الصلة بالله" على المعنى اللغوي "سر الحياة..."، بل إن هذا المعنى الاصطلاحي لا يُفهم دون قرينة من مجرد سماع كلمة روح، بل أكثر من ذلك فإنه لا يكاد يُذكر عند كثير من الأصوليين، إلا عندنا أو عند أمثالنا ممن يدركون هذا المعنى الاصطلاحي...

وحيث إن هذه المعاني لا تطغى على المعنى اللغوي بحيث يُهجر أو يكاد، بل هي متساوية في الاختلاف وتحتاج إلى قرينة لتحديد المعنى المقصود، فإنه يجوز معاملة هذه المعاني مع اللغوي معاملة الاشتراك.

07 من جمادى الأولى 1432 الموافق 2011/04/10م

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:40 PM
حول اجتهاد الانبياء
السؤال:هل كل الأنبياء لا يجوز في حقهم الاجتهاد أم المصطفى صلى الله عليه وسلم فحسب؟
لأن في سورة الأنبياء الآية (78) في تفسير ابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس قالوا ان سيدنا داوود حكم بين الرعاة وصاحب المزرعة التي أكلتها غنم الرعاة أن الغنم لصاحب المزرعة. ثم قال له ابنه سليمان غير هذا يا نبي الله، ثم بيّن الحكم فيهم كالآتي: يأخذ صاحب المزرعة الغنم ينتفع بلبنها وأصحاب الغنم يزرعوا الأرض كما كانت في السابق- أي قبل أن تأكله الغنم، وذلك قوله تعالى (ففهمناها سليمان). ألا يعني أن سيدنا داوود قد اجتهد وصوبه سيدنا سليمان؟

الجواب: جميع الأنبياء معصومون فيما يبلغونه من أحكام، أي لا يقولون أحكاماً من عندهم، فكونه نبياً أو رسولاً يحتم أنه معصوم في التبليغ عن أحكام الشرع، أي لا يجتهد بنفسه في تبليغ أحكام الشرع. "انظر عصمة الأنبياء، ولا يجوز في حق الرسول أن يكون مجتهداً" في كتاب الشخصية الجزء الأول، فالأنبياء من حيث تبليغ أحكام الشرع لا يجتهدون من عندهم بل بوحي من الله.
ولذلك فإن ما حكم به داود سليمان عليهما السلام فهو بالوحي، ويكون ما حكم به سليمان ناسخاً لما حكم به داود. انظر قوله تعالى (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ).
ففي قوله سبحانه ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) دليل على أن حكم سليمان هو بالوحي، وفي قوله سبحانه (كُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) دليل على أن حكم داود هو كذلك بالوحي، ولأن حكم سليمان جاء بعده فيكون ناسخاً له.
وللعلم، فقد ورد في بعض التفاسير من قال إن داود وسليمان قد اجتهدا، وإن اجتهاد سليمان كان هو الأصوب، والقائلون بهذا القول لا ينكرون الاجتهاد على الأنبياء والرسل في تبليغ أحكام الشرع ويقولون إن الله سبحانه يصحح لهم اجتهادهم إن أخطأوا...
السادس من محرم 1433هـ /1/12/2011

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:42 PM
هل يجوز في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ان يكون مجتهدا؟
السؤال:
قرأت في الشخصية- الجزء الأول (لا يجـوز في حـق الـرسـول أن يكون مجتهداً)، وقرأت في مقدمة الدستور- القسم الثاني (فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أنفق مال الفيء برأيه واجتهاده، وأنفق مال الجزية برأيه واجتهاده، وأنفق مال الخراج الذي كان يأتي من البلدان برأيه واجتهاده، وقد جاء النص الشرعي فيها تاركاً للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينفقها كما يرى، فكان ذلك دليلاً على أن للإمام أن يصرف هذه الأموال برأيه واجتهاده، لأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك دليل شرعي، فيكون إذناً للإمام أن يصرف هذه الأموال برأيه واجتهاده.) انتهى
فكأن بينهما تناقضاً، فأرجو توضيح ذلك؟

ألجواب
ليس هناك تناقض بين ما جاء في الشخصية الأول، وبين ما جاء في المقدمة القسم الثاني:
أما ما جاء في الشخصية الأول (لا يجـوز في حـق الـرسـول أن يكون مجتهداً)، فإن أدلته مبينة في الشخصية تحت هذا الباب، وهي أدلة واضحة صحيحة في هذا الأمر كقوله سبحانه ( قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ) أي قل لهم يا محمد إنما أنذركم بالوحي الذي أُنزل علي، أي أن إنذاري لكم محصور بالوحي. وقال تعالى في سورة النجم: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)...
أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في التشريع لا يقول إلا وحياً ولا يفعل إلا وحياً فلا يجتهد من نفسه لأن المجتهد يصيب ويخطئ وهذا لا يصح في حق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا يقول في التشريع ولا يفعل إلا بالوحي.
أما ما جاء في المقدمة القسم الثاني فهو متعلق بتسيير أمور الدولة بالإنفاق على مصالح المسلمين أو تعيين وال أو قاض... فإنفاق ملكية الدولة كالجزية والخراج والفيء وأموال المرتدين... على مصالح المسلمين موكول باجتهاد رئيس الدولة بما يحقق مصالح المسلمين، وكذلك فإن تعيين وال هو كذلك موكول باجتهاد رئيس الدولة بما يحقق مصالح المسلمين.
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان نبياً رسولاً وحاكماً في المدينة، وهو صلى الله عليه وسلم في التشريع لا يجتهد بل يبلغ ما أنزل، ولكنه صلى الله عليه وسلم كحاكم في الإنفاق على مصالح المسلمين، فإنه صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك برأيه واجتهاده لتحقيق مصالح المسلمين، فمثلاً في حنين أعطى صلى الله عليه وسلم أناساً من الغنائم ولم يعط آخرين، مع ملاحظة أن هذا فقط فيما أوكلَ الشرعُ إنفاقه لرئيس الدولة، وأما ما عداه فلا ينطبق عليه كإنفاق الزكاة مثلاً.
ومثل هذا تسيير إدارة جهاز الدولة كما لو عيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاناً والياً أو قاضياً... فلا يقال عن فلان الوالي إن ولايته تمت بالوحي، وإنما هي من إدارة شئون الدولة في باب تعيين الولاة وأمثالهم باجتهاده صلى الله عليه وسلم بما يحقق مصالح المسلمين.
وهكذا فليس هناك تناقض بين ما جاء في الشخصية الأول، وبين ما جاء في المقدمة القسم الثاني.
29 من شعبان 1433هـ ألموافق19/07/2012م

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:43 PM
الفصل في دلالة الفاء
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله..

ورد في كتابكم القيم (تيسير الوصول إلى علم الأصول) في مبحث دليل العلة أن الفاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "ملكت أمرك فاختاري" تفيد التعليل لأنها مطردة متعدية... أما الفاء في قوله تعالى "... فاجلدوا" فهي سببية قاصرة غير متعدية...

ولدى التمعن فيهما لم أتبين الفرق..

يرجى البيان... وفقكم الله إلى إقامة دينه في الأرض.. والسلام عليكم

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك حروف في اللغة تفيد بوضعها اللغوي، أي بمنطوقها التعليل مثل اللام، وكي... أما (اللام) فلقوله تعالى:

(لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)، وأما (كي) فكقوله تعالى: ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)، وهناك حروف لا تفيد التعليل بالوضع اللغوي، أي بمنطوقها، بل بمفهومها، أي بلازم مدلولها، ومن هذه الحروف الفاء، فهي لا تفيد التعليل بمنطوقها أي بوضعها اللغوي، فالعرب لم يضعوها للتعليل، وإنما هي تأتي عطفاً للجمع أو الترتيب أو الفور أو للسببية اللغوية المفيدة للتعليل بالمفهوم، أو للسببية اللغوية المفيدة للسبب بالمفهوم.

أما إتيانها عطفاً للجمع أو الترتيب أو الفور، فليس هناك التباسٌ في فهمها، ولكن المشكلة في مجيئها للسببية والتعقيب أي يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها، وبعبارة أخرى يكون تعقيباً على ما قبلها، وهنا يحدث الالتباس لتحديد كونها للسبب أو كونها للتعليل، وبطبيعة الحال بالمعنى الاصطلاحي في أصول الفقه.

وللتمييز بينهما فهناك خصائص للعلة وخصائص للسبب، فينظر في المفهوم الناتج عن استعمال الفاء، أي لازم مدلولها، فإن كانت تنطبق عليه خصائص العلة أفاد التعليل، وإن كانت تنطبق عليه خصائص السبب أفاد السبب فحسب...

وحتى لا نخوض في خصائص العلة والسبب والفرق بينهما وهو ذو شعب... نكتفي بفرق سهل يمكن التدقيق فيه فيعرف إن كانت الفاء قد أفادت بمفهومها التعليل أم السبب، وهذا الفرق هو مصاحبة الحكم للمسألة، فإن كانت هناك مصاحبة بين المسألة والحكم، فالفاء تفيد العلة، وإن كانت المسألة قبل الحكم أي سابقة له ولا تصاحبه، فالفاء تفيد السبب.

وعلى ضوء ذلك يُدرس سؤالك حول التباس الفرق بين: "ملكت نفسك فاختاري"، وبين (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، وقبل البدء فإني أوضح لك معنى "ملكت نفسك فاختاري"، فإن هذه الكلمة موجودة في عدد من كتب الأصول مثل الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، وفتح القدير للكمال بن محمد المعروف بابن الهمام... وهي على طريقة علماء الأصول إشارة إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بتخييره بريرة حيث كانت متزوجة من عبد فلما أعتقت وأصبحت حرة خيرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تستمر مع زوجها أو لا لأنها أصبحت حرة فتملك خيارها، والحديث رواه البخاري ومسلم.

أخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ... فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا» وأخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ مِنْ أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ... «وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا»، والآن بعد أن اتضح معنى المثال الأول، وبطبيعة الحال فالمثال الثاني معناه واضح، ننظر الآن في المثالين:

1- انظر المثال الأول فهو رتب الاختيار على ملكية النفس، فبمجرد أن تحررت ملكت حق الاختيار في أمرها، فهو مصاحب للحكم: تحررت فملكت حق الاختيار فوراً. ولذلك نقول إن الفاء هنا أفادت التعليل لمصاحبة الحكم للمسألة، وهي من خصائص العلة.

2- وأما المثال الثاني فإن الزنا لا يصاحب الجلد بل يسبقه، ولهذا نقول إن الفاء أفادت السبب لأن المسألة سابقة للحكم، فالزنا يسبق الجلد، وهكذا في كل سبب، فمثلاً الحديث الذي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّمْضَاءَ فَمَا أَشْكَانَا وَقَالَ: «إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا»

فهنا الفاء تفيد السبب أي أن زوال الشمس هو سبب للصلاة، وواضح منه أن زوال الشمس يسبق الصلاة.

وعليه فيمكن إذا أشكل على المرء دلالة الفاء أهي تفيد بمفهومها العلة أم السبب فلينظر إلى مصاحبة الحكم للمسألة، فإن صاحبها فهي علة، وإن تأخر عنها فهي سبب، وبطبيعة الحال هذا بالنسبة إلى الفصل في دلالة الفاء وليس لأنواع العلة الأخرى.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 من شـعبان 1434 ألموافق2013-06-13

منقول

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:50 PM
معنى(أجتهد برأيي) عند العلماء والمجتهدين
السؤال:ورد في نظام الإسلام، وهذا نصه: [الثالثة: أنْ يَكونَ هناك رأيٌ يُرادُ جَمْعُ كلمةِ المسلمين عليه لِمصلحةِ المسلمين، فإنَّه في هذه الحالةِ يَجُوزُ للمجتَهِدِ تَرْكُ ما أَدَّاهُ إليه اجتهادُه، وأَخْذُ الحُكْمِ الذي يُرادُ جَمْعُ كلمةِ المسلمين عليه، وذلك كما حَصَلَ مع عثمانَ رضي الله عنه عند بيعته.] انتهى.

وورد في الشخصية الأول، وهذا نصه: (رابعتها - أن يكون هناك رأي يراد جمع كلمة المسلمين عليه لمصلحة المسلمين. فإنه في هذه الحالة يجوز للمجتهد ترك ما أدى إليه اجتهاده، وأخذ الحكم الذي يراد جمع كلمة المسلمين عليه، وذلك كما حصل مع عثمان عند بيعته. فإنه روي أن عبد الرحمن بن عوف بعد أن سأل الناس مثنى وفرادى، مجتمعين ومتفرقين، سراً وعلانية، جمع الناس في المسجد وصعد المنبر فدعا دعاء طويلاً ثم دعا علياً فأخذ بيده وقال له: هل أنت مبايعي لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وما كان يراه الخليفتان من بعده أبو بكر وعمر؟ قال علي: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله واجتهد رأيي. فأرسل يده ودعا عثمان وقال له: هل أنت مبايعي لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله، وما كان يراه الخليفتان من بعده أبو بكر وعمر؟ قال عثمان: اللهم نعم. فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال ثلاثاً اللهم اسمع واشهد..).

والسؤال إنني وجدت في روايات قرأتها "ولكن عليَّ جهدي من ذلك وطاقتي"، "بمبلغ علمي وطاقتي"، فهل هي بالمعنى نفسه (أجتهد برأيي)؟ ثم إنني قرأت في رواية أخرى أن علي بن أبي طالب وافق وإنما قال (فيما استطعت) فما صحة ذلك؟
الجواب
نعم، لا خلاف بين تلك العبارات عند العلماء والمجتهدين، ولتوضيح ذلك أقول:
- ورد في البداية والنهاية لابن كثير "فَقُمْ إِلَيَّ يَا عَلِيُّ، فقام إليه تَحْتَ الْمِنْبَرِ فَأَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَايِعِي عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وسنَّة نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِنْ عَلَى جُهْدِي مِنْ ذَلِكَ وَطَاقَتِي..." انتهى
- ورد في تاريخ الرسل والملوك للطبري: "وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ وَأَعْمَلَ بِمَبْلِغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي..." انتهى
ويبدو أنك عندما قرأت مثل هذه الروايات ظننت أن "أجتهد برأيي" تختلف عن "عَلَى جُهْدِي مِنْ ذَلِكَ وَطَاقَتِي"، وعن "بِمَبْلِغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي"، غير أنها بمعنى واحد. فعلي رضي الله عنه قد ميز بين اتباع الكتاب والسنة وبين اتباع فعل أبي بكر وعمر، حيث وافق على اتباع الكتاب والسنة ولكنه استثنى فعل أبي بكر وعمر بجهده وعلمه، أي باجتهاده.
وهذا ما فهمه العلماء، فقد ورد في تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للقاضي أبي بكر الباقلاني المالكي المتوفي سنة 403هـ ما يلي:
"وَإِن قَالُوا وَكَيف يكون عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان صَحِيحا وَقد عقد لَهُ على شَرط تَقْلِيده فِي الْأَحْكَام لأبي بكر وَعمر وَمَا رُوِيَ عَنهُ من أَنه قَالَ لعَلي نُبَايِع لَك ونعقد لَك هَذَا الْأَمر على أَن تحكم بِكِتَاب الله وَسنة نبيه وَسنة الشَّيْخَيْنِ من بعده وَأَن عليا قَالَ لَيْسَ مثلي من استظهر عَلَيْهِ وَلَكِن أجتهد رَأْيِي وَأَنه عرض ذَلِك على عُثْمَان فَرضِي بِالشّرطِ وَضَمنَهُ وَعقد لَهُ عَلَيْهِ..." انتهى، فهو قد عبر بكلمة "أجتهد رأيي".
وكذلك فإن السرخسي المتوفى: 483هـ قد ذكر في أصوله هذا الفهم، فقال:
"ثمَّ عمر جعل الْأَمر شُورَى بعده بَين سِتَّة نفر فاتفقوا بِالرَّأْيِ على أَن يجْعَلُوا الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى عبد الرَّحْمَن بَعْدَمَا أخرج نَفسه مِنْهَا فَعرض على عَليّ أَن يعْمل بِرَأْي أَبى بكر وَعمر فَقَالَ أعمل بِكِتَاب الله وبسنة رَسُول الله ثمَّ أجتهد رَأْيِي وَعرض على عُثْمَان هَذَا الشَّرْط أَيْضا فَرضِي بِهِ فقلده" انتهى، فهو قد عبر بكلمة "أجتهد رأيي".
ثم إنه أمر معروف مشهور حتى في معاهد الأبحاث في العصر الحديث، فقد ورد في مجلة الجامعة الإسلامية للمدينة المنورة عمادة البحث العلمي - 1423 هـ / 2002م ما يلي:
"فقد جمع عبد الرحمن بن عوف المسلمين في المسجد.. ثم نادى عليا، وكان عبد الرحمن قد فوض لاختيار الخليفة بعد أن اعتذر هو عنها، على أن يتبعه المسلمون في بيعة من يبايعه.
ووضع عبد الرحمن يده في يد علي قائلا نبايعك على أن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الشيخين - يقصد أبا بكر وعمر- فلم يوافق عليّ على اجتهاد الشيخين وقال: بل أجتهد رأيي، فدفع عبد الرحمن يده ونادى عثمان رضي الله عنه فقبل اجتهاد الشيخين وإن كان قد حدث بعد ذلك ما حدث." انتهى
ولذلك فإنه لا تعارض بين "أجتهد رأيي"، وبين "عَلَى جُهْدِي مِنْ ذَلِكَ وَطَاقَتِي"، وبين "بِمَبْلِغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي"، فكل ذلك واحد عند العلماء بما آتاهم الله من علم، فإذا عُبِّر بأي من هذه العبارات فهو صحيح، وبخاصة إذا كان الأمر في موضع استنباط الحكم من الدليل كما ذكرناه في كتبنا، ولذلك فإن رأيته مذكوراً "أجتهد رأيي" بدل "على جهدي بذلك وطاقتي" أو "بمبلغ علمي وطاقتي" فلا شيء في ذلك إذا كان في باب الاستدلال واستنباط الأحكام.
و- أما ما جاء في السؤال عن ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، قال: "قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: كَيْفَ بَايَعْتُمْ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا؟ قَالَ: مَا ذَنْبِي؟ قَدْ بَدَأْتُ بِعَلِيٍّ، فَقُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. قَالَ: فَقَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ. قَالَ: ثُمَّ عَرَضْتُهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَقَبِلَهَا" انتهى، "إسناده ضعيف، سفيان ابن وكيع ضعفه غير واحد، قال الحافظ في التقريب "سفيان بن وكيع، سقط حديثه"، وضعّفه كذلك أبو زرعة الرازي في كتابه الضعفاء ونقل عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل "سألت أبا زرعة عن سفيان بن وكيع بأنه قد قيل إنه يكذب، قال نعم". وعليه فالحديث ضعيف لا يعتمد.
09 من ربيع الاول 1434 ///2013-01-21

طالب عوض الله
08-21-2015, 09:54 PM
جواب سؤال عن علة الخمرة وحرمتها
إلى Fahmi Barkous
السؤال :"الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم"، والمال شيء ولم يرد فيه التحريم فيبقى على أصله وهو الإباحة. فمثلا (سرق فلان مالا) فإن الحكم في فعل (سرق) هو الحرمة والفاعل (فلان) الإثم وما يترتب عليه من عقوبة، أما المال من حيث هو فيبقى على أصله وهو الإباحة وإعادته لصاحبه، هذا حكم الشيء المسروق بقطع النظر إن كان مالا منقولا أم غير منقول، فالمال يبقى في عمومه مباحا بقطع النظر عن الفعل المتعلّق به ما لم يرد دليل التخصيص، ومن أخذ منه هبة أو هديّة أو نفقة فلا حرج عليه "لا يتعلّق الحرام بذمّتين" والله أعلم... «حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا»، وعين الخمر أصلها، أي حرّمت الخمر لأنها خمر، أي حرمتها في أصلها والأحكام المتعلّقة بالخمرة (بائعها وشاربها...)، ولكن كيف تعلّقت الحرمة بالمال المنقول وغير المنقول بالخمرة وبيعها!!؟؟ هل الخمرة وحرمتها هي علّة حرمة المال؟؟ وإن كان ذلك، فقياسا لا يجوز استعمال الكأس وما شابه ذلك بعد استعماله للخمرة أو الشاحنة التي حملت الخمرة لاشتراكهما في العلّة نفسها!! الرجاء التوضيح والتنوير وبارك الله فيكم
الجواب

نعم الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم... وأما سؤالك عن علة الخمرة وحرمتها، وعن الشاحنة التي تنقلها، والكأس الذي كانت الخمرة قد وضعت فيه فالموضوع كما يلي:

يقول صلوات الله وسلامه عليه فيما أخرجه أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».

وواضح من الحديث عدم وجود علة، فالإسكار ليس علة بدليل أنه لو شُرب قليل من الخمر ولم يسكر الشارب فإن التحريم واقع وعليه عقوبة، فالحديث يحرم القليل إذا كان كثيره يسكر، فشرب القليل منه حرام.

كما أنه لم يرد علة في الأصناف العشرة أخرج الحاكم في مستدركه على الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَلَعَنَ سَاقِيهَا، وَشَارِبَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَايِعِهَا وَمُبْتَاعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا» وواضح أن الحديث لا تعليل فيه، ولذلك لا يقاس عليها غيرها.

وعليه فكل شرابٍ مسكرٍ خمرٌ، قليله وكثيرهُ سواء في التحريم، والأصناف العشرة محرمة فيه دون تعليل. ولكن هذا الحكم يطبق على المكلف، فيطبق على سائق الشاحنة، ولا يطبق على الشاحنة التي ينقل فيها، أو الكأس الذي كانت الخمرة قد وضعت فيه، فالحكم المتعلق بالخمر ليس هو الحكم المتعلق بالشاحنة أو بالكأس... أخرج الطبراني في الكبير عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: ... وَأَنَا فِي أَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ فَآكُلُ فِيهَا وَأَشْرَبُ...؟ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «...وَإِنْ وَجَدْتَ عَنْ آنِيَةِ الْكُفَّارِ غِنًى فَلَا تَأْكُلْ فِيهَا، وَإِنْ لَم تَجِدْ غِنًى فَارْحَضْهَا بِالْمَاءِ رَحْضًا شَدِيدًا ثُمَّ كُلْ فِيهَا» أي إن احتجت لها ولم تجد غيرها، فاغسلها غسلاً جيداً.

11 من رجب 1434 ألموافق 2013-05-21

طالب عوض الله
08-21-2015, 10:11 PM
حول الاجتهاد في النصوص القطعية الدلالة
السؤال:جاء في كتاب نظام الاسلام
"ولذلك لم تكن الأهداف العليا لصيانة المجتمع، من وضع الإنسان بل هي من أوامر الله ونواهيه، وهي ثابتة لا تتغير ولا تتطور، فالمحافظة على نوع الإنسان، وعلى العقل، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى نفس الإنسان، وعـلى الملكية الفردية، وعلى الدين، وعلى الأمن، وعلى الدولة، أهداف عليا ثابتة لصيانة المجتمع، لا يلحقها التغيير ولا التطور"
السؤال: ألا يوجد هنالك اجتهادات في الدستور لتغيير بعض النصوص مع أنه ورد في النص لا يلحقها التغيير والتطور؟ أرجو توضيح ذلك بورك فيكم واعانكم الله.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
يا أخي لا يقع الاجتهاد في النصوص إذا كانت قطعية الثبوت قطعية الدلالة، أي قطعية في ثبوتها كالآية والحديث المتواتر، وقطعية في دلالتها حسب أبحاث اللغة وأقسام الكتاب والسنة، وإنما يقع الاجتهاد في النصوص ظنية الدلالة، سواء أكانت قطعية الثبوت أم ظنية الثبوت... فما دامت الدلالة ظنية فيقع فيها الاجتهاد كما هو معروف في علم الأصول والفقه.
والأمور المذكورة في الكتاب بأنها الأهداف العليا لصيانة المجتمع الإسلامي، هي قطعية الثبوت قطعية الدلالة: فلا يتغير حكمها بالاجتهاد لأن الاجتهاد هنا لا يقع، فالنصوص بشأنها قطعية، ولا اجتهاد مع النصوص القطعية.
أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

07 من جمادى الآخرة 1435هـ ألموافق2014-04-07م

منقول

طالب عوض الله
08-22-2015, 08:55 AM
أدلة استعمال القياس.
الأسئلة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
شيخنا الحبيب أعانك الله على أمرك ووفقك لما فيه رضاه وبعد:
وأنا أقرأ في كتاب الشخصية ج3 في موضوع القياس لفت نظري أنه يستدل على أن القياس دليل شرعي بأدلة قطعية وأخرى ظنية مع أنه لما رد أقوال القائلين بإجماع الخلفاء الراشدين وغيرهم كان يقول عن أدلتهم أنها ظنية ولا تصلح للاستدلال. قد يقال إنه يستأنس بالأدلة الظني استئناسا. فإن كان الأمر كذلك فلم لا نشير إلى هذا الأمر وخاصة وأن الكتاب تم طبعه طبعات جديدة؟
كذلك فإني رأيت ـ وأظن نفسي مخطئا ـ أن وجه الاستدلال بالأدلة القطعية على القياس ليس صريحا في الدلالة وإنما هو استنباط من الدليل بمعنى: أنه ما دام أن النص القطعي فيه علة باعثة على الحكم فهذا كاف لجواز القياس. أشعر أن هذا ليس استدلالاً بصريح الكلام.
أرجو التعجيل في الأمر إن أمكن. أعانكم الله ووفقكم وجعل النصر والتمكين حليفكم وجمعنا وإياكم قريبا في دار الإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أولاً: بالنسبة للقياس، فدليله هو النص الذي وردت العلة فيه، فإن كانت العلة واردة في الكتاب، فالدليل هو الكتاب، وإن كانت في السنة فالدليل هو السنة...
وهذا هو بصريح الكلام فكيف تقول: "أشعر أن هذا ليس استدلالاً بصريح الكلام"؟
انظر أدلة العلة فسترى الجواب:
• خذا مثلاً قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
والآن أجب على السؤال: هل يجوز للخليفة أن يعطي من ملكية الدولة الفقراء ولا يعطي الأغنياء؟
الجواب بطبيعة الحال: نعم. والآن أكمل السؤال: ما الدليل على ذلك؟ أليس الجواب هو قوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾؟
• وخذ مثلاً الحديث «... وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين، ففيها شاة...»، أخرجه أبو داود.
والآن أجب على السؤال التالي: هل الغنم التي تعلف في البيوت ولا ترعى عليها زكاة؟
الجواب بطبيعة الحال: لا زكاة. والآن أكمل السؤال، ما الدليل على ذلك؟
أليس الجواب هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «... وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين، ففيها شاة...»، أخرجه أبو داود.
وهكذا فأنت ترى أن الأدلة صريحة في الموضوع.
أما إن كنت تقصد بقولك "بصريح الكلام" أن العلة التي ترد في النصوص والتي هي موضوع القياس لا تكون صريحة دائماً بل صريحة وغير صريحة "دلالة، استنباطية، قياسية". فهذا صحيح، فمثلاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ» أخرجه البخاري، فالعلة صريحة "من أجل"، وأما "السائمة..." فهي "دلالة" لأنها وصف مفهم... إن كنت تقصد هذا، فهذا صحيح، لكن هذا موضوع آخر يتعلق بالدليل التفصيلي، وأما الدليل الإجمالي الأصولي، فهو بإثبات أن الكتاب مقطوع به، وإثبات أن السنة مقطوع بها، ومن ثم فالقياس مقطوع به لأنه راجع للكتاب والسنة، وهذا غير الدليل التفصيلي. وهكذا يكون الدليل التفصيلي الفقهي للعلة التي تكون صريحة وغير صريحة، وهذه غير تلك.
أما ملاحظتك حول ما ورد في الكتاب: "وقد ثبت كون القياس دليلاً شرعياً بدليل قطعي، وأدلة ظنية."، فإن قولك له وجه صحيح، فعلى الرغم من أن الدليل يطلق في الأصول وفي الفقه، ولكن مدلوله مختلف من حيث القطع والظن، ولأن الموضوع هنا هو عن أدلة الأصول، فالأولى أن يقتصر على الدليل القطعي دون الظني، وعليه فالأفضل تصحيحه، وسنصححه إن شاء الله. وللعلم، فقد ذكرت في كتابي تيسير الوصول إلى الأصول ما يلي:
(فحجية القياس آتية من حجية الأدلة التي حوت العلة، أي القرآن والسنة والإجماع، وحيث إنه قد ثبتت حجية الكتاب والسنة والإجماع كما ذكرنا سابقا فتثبت حجية القياس كذلك.
وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى استعمال القياس، فهو صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قضاء الحج...) انتهى
أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

7 من ربيع الثاني 1435هـ ### 2014-02-07م
منقول

حاتم الشرباتي
08-22-2015, 12:27 PM
تقليد أكثر من مجتهد في المسألة الواحدة
السؤال: هل من بيان شاف للمسألة التي لا يجوز تقليد أكثر من مجتهد فيها؟ ثم كيف سأعرف أن هذه مسألة واحدة أو أكثر؟ وجزاك الله خيراً.
الجواب
ورد في الشخصية الجزء الأول في باب: التنقل بين المجتهدين/ صفحة 234، 235 ما يلي:
"إلا أنه يجب أن يكون واضحاً أن المسألة التي يجوز له أن يترك الحكم الذي كان يقلده فيها إلى حكم آخر، يشترط فيها أن تكون مسألة منقطعة عن غيرها ولا يترتب على تركها الإخلال بأحكام شرعية أخرى. أما إن كانت متصلة بغيرها فإنه لا يجوز له تركها حتى يترك جميع المسائل المتصلة بها، لأنها تعتبر كلها مسألة واحدة. كأن كانت شرطاً في حكم آخر أو ركناً من أركان عمل كامل. وذلك كالصلاة والوضوء وكأركان الصلاة. فلا يصح لمن يقلد الشافعي أن يقلِّد أبا حنيفة في قوله أنَّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء ويظل يصلي على مذهب الشافعي، ولا يصح أن يقلّد من يقول أن الحركات الكثيرة لا تبطل الصلاة مهما بلغت، أو أن عدم قراءة الفاتحة ليست ركناً من أركان الصلاة، ويظل يصلي مقلداً من يقول أن العمل الكثير يبطل الصلاة أو أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة. فالحكم الذي يجوز تركه هو الحكم الذي لا يؤثر تركه على الأعمال التي يقام بها وفق أحكام شرعية أخرى." انتهى وواضح من هذا أن تعريف المسألة متوقف على انقطاعها عن غيرها، ولا يترتب على تركها الإخلال بأحكام شرعية أخرى، فلا تكون ركناً أو شرط انعقاد أو شرط صحة لأحكام أخرى لأنها عندئذ لا تكون منقطعة عن غيرها.
ويمكننا توضيح هذا أكثر كما يلي:
"تعريف المسألة: المقصود بالمسألة هنا هو كل فعل أو مجموعة أفعال لا يتوقف غيرها في صحته عليها.
وأما جزء المسألة فهو كل فعل لا بد منه لتحقيق صحتها كالشروط والأركان.
أمثلة :
الوضوء: أفعال يتوقف غيرها في صحته عليها لأن صحة الصلاة تتوقف على الوضوء ولذلك فالوضوء ليس مسألة حسب التعريف ولكنه يعتبر جزءاً من الصلاة لا بد منه لتحقيق صحتها.
الصلاة: أفعال لا تتوقف صحة غيرها عليها، فهي مسألة ويعتبر جزءاً منها كل ما لا بد منه لتحقيق صحتها كالأركان وشروط الصحة كالطهارة واستقبال القبلة.
النية في الصوم: فعل يتوقف صحة غيره عليه فإن صحة الصوم تتوقف على النية ولذلك فإن النية ليست مسألة بل جزء من مسألة أخرى.
الصوم: فعل لا تتوقف صحة غيره عليه، فهو مسألة ويعتبر جزءا منه كل ما لا بدّ منه لتحقيق صحته كالنية والإمساك عن المفطرات.
وعليه فإذا قلد شخص مجتهدا في الصلاة فيجب أن يقلده في كل أجزائها كالوضوء وغسل الجنابة والتيمم واستقبال القبلة وأركان الصلاة، وإذا قلد مجتهدا في الصوم يجب عليه أن يقلده في كل أجزائه كالنية ووجوب تبييتها لكل يوم أو الشهر كله، وتصح في النهار أم لا بد منها في الليل، والمفطرات ورخص الإفطار.
لكن يجوز له أن يقلد مجتهدا في مسألة أخرى.
وهذا كله ما دام الشخص مقلدا، أما لو أصبحت عنده إمكانية محاكمة الأدلة وترجيحها فيجوز له أن يترك المجتهد الذي قلده ويتبع الدليل الأقوى.
آمل أن يكون الأمر قد اتضح... والله سبحانه ولي التوفيق.
19 شوال 1433هـ الموافق2012-09-06

حاتم الشرباتي
08-22-2015, 01:46 PM
التقليد وترك رأي مجتهد إلى مجتهد آخر
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولا... أنار الله بصركم وبصيرتكم... وشد على أياديكم ونصركم
عندي عدة تساؤلات مهمة عن كتب الحزب وأنا ابن الحزب وأرجو الله أن تكون إجاباتكم مثلجة للصدر كما عهدناكم
1_ ورد في كتاب نظام الإسلام: (والمُقَلِّدُ إِذَا قَلَّدَ بَعْضَ المُجـْتَهِدِينَ في حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنَ الحَوَادِثِ وعَمِلَ بِقَوْلِهِ فِيهَا، فلَيْسَ لَهُ الرُجُوعُ عَنْهُ في ذَلِكَ الحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ مُطْلَقَاً.)

كلمة "مطلقا" هنا لم أرَ فيها ما تربينا عليه أننا حينما نعلم خطأ ما نتركه وننتقل للصواب فكيف إذا قلدت شيخا علمت فيما بعد أنه فاسق منافق هل أبقى على تقليدي له؟ هل إذا علمت أن هذا المجتهد الذي قلدته كان ضعيفا أبقى على تقليدي؟ هل إذا تبين لي مثلا أن الذي أخذت منه مسألة تحريم أمر معين كان مستدلا في تحريمه لحديث ضعيف جدا... هل أبقى على الذي أخذته منه ؟!

2_ ورد في كتاب نظام الإسلام أيضا أنه يجوز تنازل المجتهد لمصلحة المسلمين ﻭﺫﻟﻚ ﻛﻤﺎ ﺣَﺼَﻞَ ﻣﻊ ﻋﺜﻤﺎﻥَ ﻋﻨﺪ ﺑﻴﻌﺘﻪ.
أريد أن أرى تخريج هذه القصة فحين البحث عنها لم أرَ تصحيحا لها بل رأيت أنها لا تصح فهل من روايات أخرى صحيحة؟ مع دليل إجماع الصحابة على جواز التقليد إن سمحتم

ألجواب
(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أولاً: موضوع التقليد: قبل أن أجيبك على سؤالك حول كلمة "مطلقاً" أذكر لك ما يلي:

1- أدلة جواز التقليد هي من الكتاب وبإجماع الصحابة:

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأمر سبحانه وتعالى من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه. فالآية تقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فجاءت كلمة فاسألوا عامة، أي اسألوا لتعلموا أن الله لم يبعث إلى الأمم السابقة إلا بشراً، فهو متعلق بالمعرفة وليس متعلقاً بالإيمان. وأهل الذكر وإن كان المشار إليهم في الآية هم أهل الكتاب فإنه جاء الكلام أيضاً عاماً فيشمل كل أهل ذكر. والمسلمون أهل الذكر لأن القرآن ذكر قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فالعالمون بالأحكام الشرعية هم من أهل الذكر سواء أكانوا عالمين علم اجتهاد أم علم تلقٍ. والمقلد إنما يسأل عن الحكم الشرعي في المسألة أو المسائل.

وأما إجماع الصحابة فقد صح عن عمر أنه قال لأبي بكر: "رأينا تبعٌ لرأيك" وصح عن عمر أنه كان إذا أعياه أن يجد في القرآن والسنة ما يقضي به إذا ورد عليه الخصوم نظر هل كان لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به. وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة في حوادث متعددة ولم ينكر عليهم منكر، فكان إجماعاً سكوتياً. وكذلك فإن موضوع بيعة عثمان رضي الله عنه بموافقته على شرط تقليد أبي بكر وعمر... الذي طلبه منه عبد الرحمن بن عوف كان على ملأ من الصحابة دون إنكار، فهو إجماع للصحابة في جواز تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين، وهو أوْلى في جواز تقليد غير المجتهد للمجتهدين.

2- ثم إن كل من تبع غيره يكون مقلداً، فالعبرة باتباع الغير. وعلى ذلك فالناس في معرفة الحكم الشرعي شخصان، أحدهما المجتهد، والثاني المقلد، ولا ثالث لهما. لأن الواقع أن المرء إما أن يأخذ ما توصل إليه هو باجتهاده، أو ما توصل إليه غيره باجتهاده، ولا يخرج الأمر عن هذين الحالين. وعلى هذا فكل من ليس بمجتهد مقلد مهما كان نوعه، سواء أكان هذا المقلد غير المجتهد متبعاً، أي يقلد المجتهد مع معرفة دليله، أم كان أمياً عامياً، أي يقلد المجتهد دون معرفة دليله، وإنما لثقته فيه... والمجتهد يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في أية مسألة لم يسبق أن اجتهد فيها، ويكون حينئذ مقلداً في هذه المسألة، لأن الاجتهاد فرض على الكفاية وليس فرض عين، فإذا سبق أن عرف الحكم الشرعي في المسألة فلا يجب على المجتهد أن يجتهد فيها، بل يجوز له أن يجتهد ويجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين في هذه المسألة.

3- إذا اجتهد المجتهد في مسألة فلا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أدّاه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ظنه أو ترك العمل بظنه في هذه المسألة إلا في أربع حالات:

إحداها - إذا ظهر له أن الدليل الذي استند إليه في اجتهاده ضعيف، وأن دليل مجتهد آخر غيره أقوى من دليله. ففي هذه الحالة يجب عليه ترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده في الحال، وأخذ الحكم الأقوى دليلاً.

ثانيتها - إذا ظهر له أن مجتهداً غيره أقدر على الربط، أو أكثر اطلاعاً على الواقع، وأقوى فهماً للأدلة، أو أكثر اطلاعاً على الأدلة السمعية، أو غير ذلك، فرجّح في نفسه أن يكون هو أقرب إلى الصواب في فهم مسألة معينة، أو في فهم المسائل من حيث هي، فإنه يجوز له أن يترك الحكم الذي أدّاه إليه اجتهاده، ويقلد ذلك المجتهد.

ثالثتها - أن يتبنى الخليفة حكماً يخالف الحكم الذي أداه إليه اجتهاده. ففي هذه الحال يجب عليه ترك العمل بما أداه إليه اجتهاده والعمل بالحكم الذي تبناه الإمام، لأن إجماع الصحابة قد انعقد على أن "أمر الإمام يرفع الخلاف" وأن أمره نافذ على جميع المسلمين.

رابعتها - أن يكون هناك رأي يراد جمع كلمة المسلمين عليه لمصلحة المسلمين. فإنه في هذه الحالة يجوز للمجتهد ترك ما أدى إليه اجتهاده، وأخذ الحكم الذي يراد جمع كلمة المسلمين عليه، وذلك كما حصل مع عثمان.

4- والمقلد إذا قلد بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث وعمل بقوله فيها، فلا يجوز له الرجوع عن ذلك الحكم إلى غيره إلا بمرجح من المرجحات التي تتصل بطلب مرضاة الله سبحانه، ومن هذه المرجحات:

الأعلمية والفهم. فقد أخرج الحاكم في المستدرك وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ» فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَتِ النَّاسُ...». وعلى هذا فيرجح المقلد من عرفه بالعلم.

ثم العدالة في من يقلده المقلد ويأخذ العلم عنه... فلا يؤخذ العلم الشرعي من المعروف بفسقه.

ثم اقتران الحكم بالدليل، فلو كان المقلد يقلد عالماً دون معرفة دليله ثم تيسر له بالعلم والتعلم معرفة أدلة مجتهد آخر فيجوز لهذا المقلد أن يتبع الحكم المقترن بالدليل، ويترك الحكم الذي كان قد أخذه دون معرفة دليله.

وهناك مرجحات كثيرة معتبرة تختلف باختلاف أحوال المقلدين، حتى إن الأمي تكفيه في أخذه الحكم ثقته واطمئنانه بقول ذلك العالم الذي يأخذ الحكم منه. وهكذا فإن المقلد يجوز له ترك المجتهد الذي يقلده والانتقال إلى مجتهد آخر إذا كان لديه مرجح من المرجحات التي تتصل بطلب مرضاة الله سبحانه، أي لا ينتقل من مجتهد إلى آخر دون مرجح، لأن هذا يعني انتقالاً بالهوى، وهذا منهي عنه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾.

5- والآن نناقش سؤالك وهو ما ورد في نظام الإسلام (والمُقَلِّدُ إِذَا قَلَّدَ بَعْضَ المُجـْتَهِدِينَ في حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنَ الحَوَادِثِ وعَمِلَ بِقَوْلِهِ فِيهَا، فلَيْسَ لَهُ الرُجُوعُ عَنْهُ في ذَلِكَ الحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ مُطْلَقَاً.)، وكأنك فهمت منها أنه لا يجوز للمقلد الرجوع عن ذلك الحكم إلى غيره إلى أن تقوم الساعة، وذلك من كلمة مطلقاً! وهذا غير صحيح، ولو رجعت إلى سطر أو سطرين قبل ذلك لوجدت ما يلي: (وعَلَى ذَلِكَ فالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الَّذِي استنبطهُ مُجْتَهِدٌ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاجتهادِ، وهُوَ في حَقِّهِ حُكْمُ اللهِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ ويَتَّبِعَ غَيْرَهُ مُطْلَقَاً، وكذَلِكَ هُوَ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ حُكْمُ اللهِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ.) وهنا كما ترى فقد ذكر في حق المجتهد أيضا (لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ ويَتَّبِعَ غَيْرَهُ مُطْلَقَاً) مع أنه في الصفحة السابقة قد ذكر في الكتاب نفسه ما يلي: (فالمُكَلَّفُ إِذَا حَصَلَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاجتهاد بِتَمَامِهَا في مَسْأَلَةٍ مِنَ المَسَائِلِ أو في المَسَائِلِ جَمِيعِها فَإِنِ اجتهد فِيهَا وأَدَّاهُ اجتهادهُ إِلَى حُكْمٍ فِيهَا، فَقَدْ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، في خِلافِ ما أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ ظَنِّهِ إِلاَّ في أَرْبَعِ حَالاَتٍ...). أي أن قوله "لا يجوز له مطلقاً" لم يمنع من قوله "إلا في أربع حالات".

وهكذا فإن كلمة "مطلقاً" لا تمنع من حيث الأصول ولا من حيث اللغة عدم التقييد، فهذا مثل النص المطلق، فإذا قُيد فيحمل المطلق على المقيد، مثلاً قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ [البقرة: 196] ففي الآية، (صيام، صدقة، نسك) نكرات مثبتة فهي لفظ مطلق، وقد قيِّد بالحديث الذي قيد الصيام بثلاثة أيام والصدقة بثلاثة آصع والنسك بشاة «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً» قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: «أَوِ اذْبَحْ شَاةً» أي اذبح شاة، والفرق ثلاثة آصع. رواه مسلم من طريق كعب بن عجرة.

ومثلاً روى ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ» متفق عليه. فكلمة (صاعاً) نكرة مثبتة فهي لفظ مطلق. وقد قُيِّدت بصاع المدينة وليس بأي صاع بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» أخرجه أبو داود، فكان (الصاع) أي المكيال الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم هو صاع أهل المدينة الذي هو خمسة أرطال وثلث (بالرطل البغدادي القديم)، وهذا هو صاع النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول مالك وأهل الحجاز. وهو اليوم بالنسبة للقمح (2.176) كيلو غراماً.

وهكذا فإن كلمة "مطلقاً" لا تمنع التقييد، وهذا واضح في نظام الإسلام، وفي الصفحات نفسها التي نقلت منها سؤالك، فهو قد بين أن للمجتهد أن يرجع عن رأيه في أربع حالات مع أنه ذكر (وهُوَ في حَقِّهِ حُكْمُ اللهِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ ويَتَّبِعَ غَيْرَهُ مُطْلَقَاً)، وهكذا بالنسبة للمقلد، سوى أن المرجحات التي تجيز للمقلد أن يترك الرأي الذي اتبعه تختلف عن المرجحات للمجتهد، فالمجتهد يركز على الأدلة ومحاكمتها، وأما المرجحات للمقلد سواء أكان متبعاً أو أمياً "عامياً" فهي كما ذكرنا آنفاً.

وخلاصة القول أنه لا يجوز للمقلد أن يترك رأي المجتهد الذي قلده مطلقاً من غير موجب أما إذا وُجد موجب فيجوز "أو يجب حسب المرجح" له أن يترك رأي المجتهد الذي قلده ويأخذ برأي غيره وفق المرجحات التي بيناها والحالات التي ذكرناها، سواء أكان ذلك بالنسبة للمجتهد أم بالنسبة للمقلد، وذلك لأن كلمة "مطلقا" لا تمنع التقييد فهي كالنص المطلق الذي يمكن أن يقيَّد.

والآن بعد أن أجبتك على موضوع "مطلقاً"، فإني ألفت نظرك إلى أن صيغة سؤالك لم تكن حسنة... فأنت بدل أن تسأل عن مدلول كلمة "مطلقاً" الواردة في تلك الجملة، بدلاً من ذلك فإنك قررت معناها كما مر بخاطرك، ولم تكتف بذلك بل رتبت أسئلة تقريرية كأن المعنى الذي مرّ بخاطرك صحيح، فقلت في السؤال: (كلمة "مطلقا" هنا لم أرَ فيها ما تربينا عليه أننا حينما نعلم خطأ ما نتركه وننتقل للصواب فكيف إذا قلدت شيخا علمت فيما بعد أنه فاسق منافق هل أبقى على تقليدي له؟)! أفلا ترى أن صيغة السؤال هكذا ليست حسنة يرحمك الله؟!

ثانياً: موضوع تنازل عثمان رضي الله عنه عن رأيه وتقليد أبي بكر وعمر... وفق الشرط الذي قدمه إليه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أمام ملأ من الصحابة، ووافق عليه عثمان رضي الله عنه دون إنكار من الصحابة... هذه القصة التي سألت عنها هي أمر نُقل باستفاضة، وأذكر لك بعض ما نقل:
- جاء في كتاب "أصول السرخسي" لصاحبه محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483هـ):

(ثمَّ عمر جعل الْأَمر شُورَى بعده بَين سِتَّة نفر فاتفقوا بِالرَّأْيِ على أَن يجْعَلُوا الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى عبد الرَّحْمَن بَعْدَمَا أخرج نَفسه مِنْهَا فَعرض على عَليّ أَن يعْمل بِرَأْي أَبي بكر وَعمر فَقَالَ أعمل بِكِتَاب الله وبسنة رَسُول الله ثمَّ أجتهد رَأْيِي وَعرض على عُثْمَان هَذَا الشَّرْط أَيْضا فَرضِي بِهِ فقلده) انتهى.

- ورد في البداية والنهاية لابن كثير "فَقُمْ إِلَيَّ يَا عَلِيُّ، فقام إليه تَحْتَ الْمِنْبَرِ فَأَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَايِعِي عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وسنَّة نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِنْ عَلَى جُهْدِي مِنْ ذَلِكَ وَطَاقَتِي..." انتهى

- ورد في تاريخ الرسل والملوك للطبري: "وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ وَأَعْمَلَ بِمَبْلِغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي..." انتهى

- ثم إنه أمر معروف مشهور حتى في معاهد الأبحاث في العصر الحديث، فقد ورد في مجلة الجامعة الإسلامية للمدينة المنورة عمادة البحث العلمي - 1423 هـ / 2002م ما يلي:

"فقد جمع عبد الرحمن بن عوف المسلمين في المسجد.. ثم نادى عليا، وكان عبد الرحمن قد فوِّض لاختيار الخليفة، على أن يتبعه المسلمون في بيعة من يبايعه، ووضع عبد الرحمن يده في يد علي قائلا نبايعك على أن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الشيخين - يقصد أبا بكر وعمر - فلم يوافق عليّ على اجتهاد الشيخين وقال: بل أجتهد رأيي، فدفع عبد الرحمن يده ونادى عثمان رضي الله عنه فقبل اجتهاد الشيخين" انتهى

وكما ترى فإن هذه الروايات مذكورة في الكتب المعتبرة، ولو لم ترد إلا في أصول السرخسي لأمكن الاعتماد عليها... وهي تفيد تنازل عثمان عن رأيه...

- ومع أن هناك روايات صحيحة لم تذكر أن عبد الرحمن بن عوف بدأ بعلي وسأله ثم انتقل بعده إلى عثمان، وإنما تقول تلك الروايات أنه بدأ بسؤال عثمان ابتداء دون أن يسأل عليا، ولكنها تذكر أن عبد الرحمن بن عوف أخذ بيد عثمان واشترط عليه فقبل على ملأ من الصحابة دون إنكار، فالشرط ثابت في جميع الروايات سواء أكانت تلك التي بدأ فيها عبد الرحمن بن عوف بعلي أم كانت تلك التي بدأ فيها عبد الرحمن بن عوف مباشرة بعثمان رضي الله عنهم أجمعين:

أخرج البخاري في صحيحه (...عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا... حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ، قَالَ المِسْوَرُ: طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ البَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: «أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ... فَقَالَ: «ادْعُ لِي عَلِيًّا»... ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ لِي عُثْمَانَ»... فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ... فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلاَ تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا»، فَقَالَ "لعثمان": أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالمُسْلِمُونَ) انتهى

- وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه قال (... عن المسور بن مخرمة قال: أتاني عبد الرحمن بن عوف ليلة الثالثة من أيام الشورى، بعدما ذهب من الليل ما شاء الله، فوجدني نائما فقال: أيقظوه، فأيقظوني فقال: ألا أراك نائما، والله ما اكتحلت بكثير نوم منذ هذه الثلاث... اذهب فادع لي فلانا وفلانا - ناسا من أهل السابقة من الأنصار... ثم قال: ادع لي عليا... ثم قال: ادع لي عثمان... ثم قال: أما بعد، فإني نظرت في الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي على نفسك سبيلا، ثم قال: عليك يا عثمان عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن تعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبما عمل به الخليفتان من بعده قال: نعم، فمسح على يده فبايعه، ثم بايعه الناس، ثم بايعه علي ثم خرج...) انتهى

والخلاصة فإن قبول عثمان شرط التنازل عن رأيه... مذكور في جميع الروايات سواءٌ أكان فيها مقال كما يزعون أم كانت صحيحة ليس فيها مقال، فقد ورد في هذه الروايات كلها أن عبد الرحمن بن عوف اشترط على عثمان في بيعته بما عمل به الخليفتان، ووافق عثمان رضي الله عنه، أي أن أي قضية تحدث في عهد عثمان لا يجتهد فيها بل يقلد أبا بكر وعمر في تلك القضية إذا كانت قد حدثت في عهدهما وحكما فيها، فهو شرط في تقليد أبي بكر وعمر في قضايا معينة، ووافق عثمان رضي الله عنه على ذلك دون إنكار من الصحابة، فكان إجماعا.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

10 من رمضان 1435هـ ألموافق2014-07-08م
منقوووووول

حاتم الشرباتي
08-22-2015, 01:49 PM
إجماعُ الصحابة – بيانٌ لمُجمَل
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نصركم الله ووفقكم لما يريد.. لدي سؤال وهو: ورد في الشخصية ج3 ص269 في باب البيان ما نصه (والبيان يكون قولا من الله والرسول، ويكون فعلا من الرسول)، والسؤال لم يذكر إجماع الصحابة في البيان، فهل يكون إجماع الصحابة بياناً لمجمل، وهل تعتبر الخلافة وأحكامها التي عملها وبينها الصحابة بياناً لمجمل "وأن احكم بينهم بما أنزل الله" أرجو التوضيح؟ والسلام عليكم) انتهى.
ألجواب :
(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
إن الذي ورد في الشخصية الجزء الثالث: "والبيان يكون قولاً من الله والرسول، ويكون فعلاً من الرسول..."، هذا النص يشمل الإجماع، لأن الإجماع يكشف عن دليل من السنة كان الصحابة يعلمونه، فلما عُرضت المسألة قالوا حكمها دون أن يرووا الحديث لأنه معروف لديهم، فمثلاً: عُرض عليهم ميراث الجد مع الابن أي إذا توفي شخص عن ابن وعن جد، فكم ميراث الجد؟ فأجمع الصحابة أنه يرث السدس، وهذا يعني أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً بذلك، ولأنهم يعرفونه فذكروا الحكم دون ذكر الدليل، ولهذا يقال إجماع الصحابة يكشف عن دليل، أي عن حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه الصحابة بل ذكروا الحكم مباشرة.

وهكذا فإن النص المذكور في الشخصية يشمل الإجماع ضمناً لأن الإجماع يكشف عن حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

جاء في كتاب الشخصية الجزء الثالث في باب الإجماع صفحة 295 ما يلي:

(رابعاً: إن إجماع الصحابة يرجع إلى نفس النص الشرعي، فهم لا يجمعون على حكم إلا وكان لهم دليل شرعي، من قول الرسول أو فعله أو تقريره، قد استندوا إليه، فيكون إجماعهم قد كشف عن دليل... إذ الصحابة ما أجمعوا على شيء إلا ولهم دليل شرعي على ذلك لم يرووه، فيكون إجماع الصحابة دليلاً شرعياً بوصفه يكشف عن دليل...) انتهى

ومن هنا يتضح جواب سؤالك الأخير... نعم ما ورد من إجماع للصحابة رضوان الله عليهم في موضوع الخلافة هو بيان لما ورد في القرآن الكريم من آيات الحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

14 ذو القعدة 1435هـ ألموافق2014-09-09م
منقوووول

حاتم الشرباتي
10-28-2015, 09:02 PM
العموم الثابت عن طريق ‏الاستنباط
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
جاء في (الشخصية الإسلامية)، ج: 3، ص: 331، الآتي:
فقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ لفظ عام، يشمل إجارة المرضعة والعامل والدار والسيارة وغير ذلك. التعليق: نصُّ الآية لا يصلح أن يستنبط من منطوقه غير إجارة المرضعة، أي: إجارة العامل والدار والسيارة وغير ذلك، وإليكم البيان
: 1. القاعدة الشرعية هي: عموم اللفظ في موضوع الحادثة. فالآية عامة في كلِّ مرضعة، فكل مرضعة تستحق أجرة الرضاع، وموضوع الآية هو الأجرة على الرضاعة، ليس غير
. 2. قوله: ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ يعني: فآتوا المطلقات البائنات المرضعات؛ لأنَّ ضمير (هُنَّ) إليهنَّ يعود، وضمير (هُنَّ) لا يشمل ضمير (هم)، بينما ضمير (هم) يشمله. فدفع الأجرة هو للمطلَّقة البائنة المرضِعة، وهو عام يشمل جميع النساء اللواتي يندرجن تحته. ومعلوم أنَّ خطاب الأنثى لا يشمل الذكر
. 3. حتى تكون الآية لفظًا عامًا، يشمل إجارة المرضعة والعامل والدار والسيارة وغير ذلك، فإنها تكون على النحو الآتي: «فإن أرضعن لكم، فآتوا الأجراء أجرهم»، فإنَّ لفظ «الأجراء» عام، يشمل الذكور والإناث، وموضوعه هو الأجرة وإن كانت الحادثة هي الرضاع
. 4. وقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ نستنبط منه حكما جزئيا، هو إجارة المرضعة. ونستنبط منه حكمًا كليًّا_ بناء على معقول النص _، ألا وهو: الأجير أيا كان يستحق الأجرة إن قام بعمله.
علي غيث (أبو الحسن) انتهى.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
يا أخي إني أقدر لك اهتمامك بأبحاث العموم في اللغة، لكنك لم تتدبر الموضوع جيداً، فأخذت جانباً منه وتركت جوانب...
ويا ليتك أحسنت أسلوب السؤال فسألت مستفسراً عن #‏المسألة، ولكنك لم تفعل بل قدمت لكلامك بقولك "التعليق: نص الآية لا يصلح أن يستنبط من منطوقه غير إجارة المرضعة..."، فعلقت وأجبت وقررت! ولم تُبق مجالاً للسؤال والاستفسار!
ومع ذلك فواضح من سؤالك اهتمامك بالموضوع، ولهذا سأتجاوز عدم إحسان صيغة أسلوب السؤال... وإني مجيبك، وأسأل الله سبحانه أن يهديك إلى أرشد أمرك:
إن البحث في أي مسألة من مسائل #‏الأصول يتطلب استيفاء جوانبها كلها لا أن يؤخذ جانب منها ويبنى الحكم عليه، ولو تدبرت أنواع العموم لما ذهبت إلى ما ذهبت إليه. لقد بحثنا أنواع العموم في #‏الشخصية الجزء الثالث صفحة 235-237 تحت عنوان "طرق ثبوت العموم للفظ"، وأنقل لك بعضه:
(العموم #‏الثابت باللفظ، إما أن يثبت لغة وهو المستفاد من وضع اللغة، أو يثبت عرفاً وهو المستفاد من العرف، أي من استعمال أهل اللغة لا من وضعهم، أو يثبت عقلاً وهو المستفاد من الاستنباط وليس من العقل. أو بعبارة أخرى، العموم للفظ إما أن يثبت إلينا عن طريق النقل بأن العرب وضعوا هذا اللفظ للعموم، أو استعملوا هذا اللفظ في العموم، وإما أن يثبت إلينا عن طريق الاستنباط من النقل...
والعموم الثابت عن طريق النقل، إما أن يكون مستفاداً من وضع اللغة، وإما أن يكون مستفاداً من استعمال أهل #‏اللغة. فأما العموم المستفاد من وضع اللغة فله حالان: أحدهما أن يكون عاماً بنفسه أي من غير احتياج إلى قرينة، والثاني أن يكون عمومه مستفاداً من وضع اللغة ولكن بقرينة........
وأما العموم المستفاد من استعمال أهل اللغة وهو العموم المستفاد عرفاً فهو كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإن أهل العرف نقلوا هذا المركب من تحريم العين إلى تحريم جميع وجوه الاستمتاعات؛ لأنه المقصود من النسوة دون الاستخدام، ومثله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فإنه محمول على الأكل للعرف، وهذا من الحقيقة العرفية.
وأما العموم الثابت عن طريق الاستنباط فضابطه ترتيب #‏الحكم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾...) انتهى
هكذا يفهم العموم بأنواعه، وبناء عليه، وبخاصة العموم الثابت عن طريق الاستنباط، فإن الجواب يكون كما يلي:
إن سؤالك هو حول ما جاء في كتاب الشخصية الجزء الثالث صفحة 327، وهو:
(فقوله تعالى: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ لفظ عام يشمل إجارة المرضعة، والعامل، والدار، والسيارة، وغير ذلك. ولا يقال قيست إجارة العامل على إجارة المرضعة، أو قيست إجارة السيارة على إجارة العامل، بل هي داخلة تحته وفرد من أفراده.) انتهى.
إن العموم #‏المقصود في هذا الموضع هو عموم استحقاق الأجر بحصول المنفعة، وقد أُخذ هذا العموم من ترتيب الأجر على استيفاء منفعة الإرضاع بفاء التعقيب والتسبيب، فالآية تقول: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أن سبب استحقاق الأجرة كان المنفعة التي حصلت بالإرضاع، فدل ذلك على عموم استحقاق #‏الأجر بعموم استيفاء المنفعة، سواء أكان ذلك إجارة للإرضاع كما في منطوق الآية، أم إجارة لمنفعة شخص كإجارة العامل، أم إجارة لمنفعة عين كإجارة السيارة، فكل ذلك مأخوذ من النوع الأخير من العموم المذكور أعلاه وهو "العموم الثابت عن طريق الاستنباط وضابطه ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب..." ، ولم يؤخذ عن طريق القياس بإلحاق فرع بأصل بجامع العلة. أي كأن الآية قالت: (إن استيفاء المنفعة يترتب عليه استيفاء الأجر)، والعموم فيها استنبط استنباطاً، فكانت إجارة #‏العامل وإجارة السيارة فرداً من أفراد هذا العموم ينطبق عليها العموم وتندرج تحته، وهي ليست من قبيل إلحاق إجارة العامل وإجارة السيارة بوصفهما فروعاً بإجارة المرضعة بوصفها أصلاً بجامع #‏العلة، أي ليست من قبيل العمل بمعقول النص، لأن المسألة هي اندراج فرد من أفراد العموم تحت العموم وليست داخلة في القياس.
آمل أن يكون جواب المسألة قد اتضح لك، وأن تكون قد أدركت أن ما ذكرناه في الكتاب هو #‏الصواب.
وللعلم فإن هذه الآية الكريمة هي من أصول أدلة الإجارة في الشرع ولم يقصرها أحد من أهل العلم على الإرضاع،كما أعلم، وأنقل لك بعض ما ورد في المصادر ذات العلاقة:
- جاء في #‏كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لمؤلفه أبو الوليد محمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: 595هـ) الناشر: دار الحديث – القاهرة، في باب كتاب الإجارات ما يلي:
"إِنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ....
وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾، القصص: 27، الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، الطلاق: 6" انتهى
وجاء في كتاب المغنى لابن قدامة في باب كتاب "الإجارات" ما يلي:
"الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ. فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، الطلاق..." انتهى
وهكذا فإن هذه الآية الكريمة من الشهرة بمكان كدليل على الإجارة
أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
14 من محرم 1437هـ ألموافق27/10/2015م
منقول

طالب عوض الله
05-14-2016, 11:35 PM
جواب سؤال
العلة الشرعية
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله، لو تكرمتم علينا يا شيخ بالإجابة على هذا السؤال، وهو يتعلق بالعلة الشرعية؛ أين تندرج في خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد؟ هل تندرج تحت خطاب الاقتضاء أم الوضع أم التخيير؟ وما الفرق بين العلة والسبب؟
Eyad Dana

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
عُرِّف الحكم الشرعي بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع... والاقتضاء هو الطلب، وهو يشمل طلب الفعل وطلب الترك، ويشمل الطلب الجازم والطلب غير الجازم، فطلب الفعل الجازم هو الفرض، وطلب الفعل غير الجازم هو المندوب، وطلب الترك الجازم هو الحرام وطلب الترك غير الجازم هو المكروه، فهذه أربعة أحكام، وخامسها التخيير وهو الإباحة، وهذه الأحكام الخمسة هي أحكام التكليف... ويقابلها أحكام الوضع وهي خمسة: السبب، والشرط، والمانع، والرخصة والعزيمة، والصحة والبطلان والفساد.

وكما ترى فإن العلة ليست مندرجة تحت تعريف الحكم الشرعي، لا تحت الحكم الشرعي التكليفي ولا تحت حكم الوضع... إذ العلة هي بمثابة الدليل على الحكم الشرعي، فهي من حيث الترتيب تأتي قبل الحكم الشرعي ويبنى عليها الحكم الشرعي، أي هي دليل وليست حكماً فرعياً... وهكذا فإن العلة هي الباعث على الحكم. وأما السبب فهو إعلام ومعرف لوجود الحكم ليس غير، والذي أوجب الحكم هو الدليل الذي ورد في الأمر الجازم، وأما دليل السبب فهو الذي يحتوي أمارة معرفة لوجود الحكم.

ولمزيد من التوضيح نقول:
العلة هي الأمر الباعث على الحكم، أي على التشريع فقد شرّع الحكم من أجلها. والعلة دليل على الحكم وعلامة عليه ومعرفة له، لكنها إلى جانب ذلك هي الأمر الباعث على الحكم، فهي الأمر الذي من أجله شرع الحكم، ولذلك كانت معقول النص. فإذا لم يشتمل النص على علة كان له منطوق وكان له مفهوم وليس له معقول فلا يلحق به غيره مطلقا، ولكنه إن كان مشتملا على علة بأن اقترن الحكم فيه بوصف مفهم كان له منطوق ومفهوم ومعقول فيلحق به غيره، فوجود العلة جعل النص يشمل أنواعا أخرى وأفرادا أخرى من الحوادث لا بمنطوقه ولا بمفهومه بل بطريق الإلحاق لاشتراكهما مع ما جاء فيه من العلة. والعلة قد تأتي في دليل الحكم فيكون الحكم قد دلّ عليه الخطاب ودلت عليه العلة التي تضمنها الخطاب كقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ...﴾، فالآية دلت على الحكم وهو إعطاء الفيء للفقراء المهاجرين، ولذلك أعطى الرسول e ذلك الفيء الذي نزلت في حقه الآية - وهو فيء بني النضير - للمهاجرين فقط ولم يعطِ من الأنصار سوى رجلين فقط بهما فقر.

وكذلك العلة التي جاءت في الآية وهو قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي كي لا تبقى الدولة بين الأغنياء بل تنتقل إلى غيرهم، فقد دلت على الحكم وكانت هي الباعث على تشريعه.

وأما السبب فهو: كلّ وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل السمعي على كونه معرفا لوجود الحكم لا لتشريع الحكم، ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، وقول النبي e: «إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا»، رواه البيهقي، فالآية والحديث يبينان أن زوال الشمس أمارة معرّفة لوجود الصلاة، ومعنى ذلك أنه إذا وجد هذا الوقت وجدت الصلاة، بمعنى جاز أداؤها إذا استوفت الشروط الأخرى، ... وهكذا جميع الأسباب، فمثلاً قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقول النبي e: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ»، رواه البخاري، تبين أن طلوع الهلال ورؤيته أمارة معرفة لوجود الصوم في رمضان...

ومن هذا يتبين الفرق بين العلة والسبب، فالسبب "هو أمارة معرفة لوجود الحكم، مثل زوال الشمس أمارة معرفة لوجود الصلاة"، أما العلة فهي "الباعث على التشريع للحكم، فهي سبب تشريعه لا سبب وجوده، فهي دليل من أدلة الحكم مثلها مثل النص" وذلك كالإلهاء عن الصلاة المستنبطة من قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فإن الإلهاء قد شرع من أجله الحكم وهو تحريم البيع عند أذان الجمعة، وبذلك كان علة وليس سببا بخلاف زوال الشمس فليس علة لأن صلاة الظهر لم تشرع من أجله وإنما هو أمارة على أن الظهر قد وجب وجوده.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

13 من رجب 1437هـ الموافق 2016/04/20م
منقول

طالب عوض الله
07-14-2016, 03:50 PM
مفهوم المُخالفة في العدد
السؤال:
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في المفهوم- مفهوم المخالفة- في موضوع مفهوم العدد المعمول به في الاستدلال على الأحكام الشرعيّة ، ثبت العمل بها بالشروط ١- شرط القيد في العدد ونفي الحكم قبل العدد عمّا بعده بحيثّ يدلّ اللازم الذهني علية ويتبادر إلى الذهن، وجاء بمثال:- الحديث النبويّ الشريف" إذا كنتم ثلاثة فأمرّوا أحدكم، أو واحد منكم" وركزّ في التوضيح للعمل بمفهوم المخالفة في العدد- على الواحد. بمعنى:- لا يجوز أكثر من واحد. وفي النصّ النبويّ الشريف: العدد( ثلاثة) فهل يُعْملُ به؟ أو هو مثل المثال اللاحق والذي لا يعمل به ولا له مفهوم مخالفة ولا يتبادر في الذهن أقلّ منه أو أكثر:- اعطني القرشين التي عليك؟ أي المبلغ الذي هو دين عليك. هذا مع اعتبار الاثنين جماعة.... وجزاكم الله عنّا وعن المسلمين خير الجزاء) انتهى. Abu loay

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
إن سؤالك هو عما جاء في كتاب #‏الشخصية_الإسلامية الجزء الثالث عند الحديث عن مفهوم المخالفة تحت مبحث "#‏مفهوم_العدد"، فقد جاء هناك ما يلي:
(... إلا أنه ينبغي أن يعلم هنا أن مفهوم #‏المخالفة في العدد إنما يعمل به في حالة واحدة، وهي ما إذا قيد #‏الحكم بعدد مخصوص، وكان يدل على ثبوت ذلك الحكم في العدد ونفيه عما سواه، أو يدل على نفيه في العدد وثبوته فيما سواه، من سياق الكلام، كما هي الحال في فحوى الخطاب....
فكل حكم قيد بعدد مخصوص، وكانت دلالته على ثبوت ذلك الحكم في العدد ونفيه عما سواه، أو دلالته على نفيه في العدد وثبوته عما سواه، مأخوذة من سياق الكلام، بأن كان الذهن ينتقل إليها عند سماع اللفظ، فإن مفهوم العدد في هذه الحالة معمول به.
وذلك مثل قوله ﷺ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» أخرجه أبو داود، فإن الحكم هنا، وهو #‏التأمير، قد قيد بعدد وهو الواحد، وسياق الكلام يدل على أن المراد تأمير واحد لا تأمير اثنين، فكان مفهومه أنه لا تجوز إمارة أكثر من واحد، فسياق الكلام قد دل على أن الحكم مقيد بهذا العدد، فكان مفهوم المخالفة معمولاً به...
أما إذا كان سياق #‏الكلام لا يدل عليه، كما إذا قال أحد لشخص له دين عليه: (اعطني القرشين اللذين لي عليك) فإنه لا يكون له مفهوم مخالفة، إذ لم يرد بقرشين تقييد الحكم بالعدد، وإنما هو إطلاق لمطلق العدد، وقد يكون الدين الذي له مئات الدنانير، وهذا يعني أن مفهوم المخالفة في العدد إنما يكون معمولاً به إذا استكمل شرطين: أحدهما تقييد الحكم بالعدد، والثاني أن يدل سياق الكلام على نفي الحكم عن غير العدد.) انتهى.
فأنت تدرك بأن لفظ "أحدهم" في الحديث المذكور في الأعلى يعمل فيه بمفهوم العدد أي بمفهوم المخالفة، وتسأل عن لفظ "ثلاثة" في الحديث ذاته هل يعمل فيه بمفهوم العدد أي بمفهوم المخالفة أو لا؟
والجواب على ذلك أن لفظ "ثلاثة" في الحديث: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» يعمل فيه بمفهوم العدد كما يعمل بلفظ "أَحَدَهُمْ" وذلك لأن لفظ "ثلاثة" هو قيد تماماً مثل لفظ "أَحَدَهُمْ"، فإذا كان المسافرون أقل من ثلاثة أي كانوا اثنين فلا يجب عليهما أن يؤمرا واحداً منهما ليكون أميراً على الآخر لأن مفهوم المخالفة معمول به فعندما يكون #‏المسافرون أقل من ثلاثة فلا يجب تأمير أحدهما ...
ولا يقال هنا: إذن لا يجب أن يؤمروا أحدهم إذا كانوا أكثر من ثلاثة عملاً بمفهوم المخالفة في العدد، لا يقال ذلك لأن الأكثر من ثلاثة داخل في #‏مفهوم_الموافقة من باب الأولى، أي التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان على الثلاثة أن يؤمروا أحدهم، فإنه من باب أولى أن يكون على الأكثر من ثلاثة أن يؤمروا أحدهم... ومعلوم أن مفهوم الموافقة هو المعنى اللازم لمدلول اللفظ ويسمى فحوى الخطاب وتنبيه الخطاب والمراد به معنى الخطاب، وهو يستفاد من تركيب الجملة، وهو من #‏الدلالة الالتزامية حيث ينتقل الذهن إليها عند سماع اللفظ، وإذا وجد هذا اللزوم الذهني فإن العمل يكون به لا غير. وعليه فإن العمل بحكم التأمير لأكثر من ثلاثة هو بمفهوم #‏الموافقة ولا يعمل في هذه الحالة بمفهوم #المخالفة...
وهكذا فإن #‏حكم_التأمير على الثلاثة ينطبق على من هم فوق الثلاثة، وهذا معروف عند #‏علماء_الأصول والفقه...
جاء في نيل الأوطار عند شرح أحاديث التأمير ما يلي:
"وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِكُلِّ عَدَدٍ بَلَغَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ السَّلَامَةَ مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى التَّلَافِ، فَمَعَ عَدَمِ التَّأْمِيرِ يَسْتَبِدُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِرَأْيِهِ وَيَفْعَلُ مَا يُطَابِقُ هَوَاهُ فَيَهْلِكُونَ، وَمَعَ التَّأْمِيرِ يَقِلُّ الِاخْتِلَافُ وَتَجْتَمِعُ الْكَلِمَةُ، وَإِذَا شُرِّعَ هَذَا لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ يُسَافِرُونَ فَشَرْعِيَّتُهُ لِعَدَدٍ أَكْثَرَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْأَمْصَارَ وَيَحْتَاجُونَ لِدَفْعِ التَّظَالُمِ وَفَصْلِ التَّخَاصُمِ أَوْلَى وَأَحْرَى"
آمل أن يكون الأمر واضحاً
أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
07 من شوال 1437هـ
الموافق 12/07/2016م
منقول
.