المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم البدعة


حاتم الشرباتي
04-25-2012, 03:58 PM
مفهوم البدعة
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
من المصطلحات الإسلامية التي تحتاج إلى تحرير معناها وضبط مدلولها نظرا لخطورتها وكثرة استعمالها، مصطلح البدعة. ولكي نفهم هذا المصطلح وما يدلّ عليه، نحتاج إلى مقدّمات تبيّن لنا واقع المصطلحات والتعريفات في الثقافة الإسلامية وكيفية التعامل معها.
1. مقدّمات
· حول المصطلحات:
المصطلح هو اسم معين تضعه جهة معينة لشيء معين. وبتعدد الجهات تعددت الأسماء وتعددت معانيها؛ فنجد الأسماء اللغوية كالأسد، والعرفية كالفقه، والشرعية كالصلاة. وهو ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية.
فإن كان اللفظ الموضوع استعمل للمعنى الموضوع له من أهل اللغة، وهم العرب الأقحاح، سمي بالحقيقة اللغوية، كالأسد مثلا للدلالة على الحيوان المعروف.
وإن كان اللفظ الموضوع استعمل لغير معناه اللغوي أي نقلت طائفة ما معناه اللغوي الموضوع إلى معنى آخر، سمي بالحقيقة العرفية، ككلمة الفقه مثلا: فهي في اللغة مطلق الفهم، وعند علماء الإسلام تطلق على فهم مخصوص هو العلم بالأحكام الشرعية العملية.
وأما إن كان اللفظ استعمل لغير معناه اللغوي من جهة الشرع أي نقل الشرع معناه اللغوي الموضوع إلى معنى آخر، سمي بالحقيقة الشرعية، ككلمة الصلاة مثلا: فهي في اللغة تعني الدعاء، وفي الشرع تطلق على أفعال مخصوصة من تكبير وركوع وسجود وغير ذلك.
والحقيقة الشرعية إذا وجدت تقدّم على الحقيقة اللغوية والعرفية.
· حول التعريفات:
التعريف هو بيان ماهية الشيء ووصف واقعه، وهو لا يخرج عن قسمين: عقلي وشرعي. فالعقلي هو ما أبدعه العقل إيجادا من عنده ليصف واقعا ما، كتعريف العقل والمجتمع والغريزة وغير ذلك. وأما الشرعي فهو ما أوجده الشارع أو دلّ عليه.
فالتعريف الشرعي ينقسم إلى قسمين:
- قسم نص عليه الشارع صراحة أي ورد في الكتاب أو السنة: كتعريف الإسلام والإيمان والإحسان. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وكتعريف الرويبضة. أخرج ابن ماجه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة".
- وقسم دلت عليه النصوص فاستنبطه العلماء بعد استقراء كتعريف الطلاق ودار الإسلام والإجارة وغير ذلك.
فالتعريف الشرعي هو وصف واقع الحكم كما ورد في نصوص الشرع أي الكتاب والسنة. ومثال ذلك: الوصية أجازها الشرع، فما هي؟ والجواب أنّ الوصية هي: "عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده"، أو هي: "اسم لما أوجبه الموصى في ماله بعد موته". فتعريف الوصية هذا، وصف واقع الحكم وبيّن مدلول الشارع من لفظ الوصية. وقد استنبطه الفقهاء من أدلة كثيرة منها: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى الْمُتّقِينَ}، وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}. وأخرج البخاري عن عامر بن سعد بن مالك عن أبيه قال: "عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال فأتصدق بشطره؟ قال: لا. قال: الثلث يا سعد والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
· الاختلاف في التعريف:
ذكرنا أنّ من التعريفات الشرعية ما هو مستنبط من أدلة الشرع؛ فهو إذن يخضع لاجتهاد المجتهد ونظرته إلى الأدلة. ومن هنا كان بعض التعريفات الشرعية عرضة للاختلاف بين العلماء لاختلاف اجتهاداتهم. ومثال ذلك: تعريف الاعتكاف: فهو عند المالكية والحنفية: "اللبث في المسجد مع الصوم والنية"، وعند الحنابلة والشافعية: "اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية". فالمالكية والحنفية يشترطون الصوم لصحة الاعتكاف؛ لذلك أدخلوه في التعريف، وهذا بخلاف الحنابلة والشافعية. ولكل منهم دليله الذي اعتمد عليه في حدّ الاعتكاف. والعبرة عند الاختلاف بصحة الاستنباط وقوة الدليل.

حاتم الشرباتي
04-25-2012, 04:31 PM
2. تعريف البدعة
· البدعة في اللغة:
- جاء في لسان العرب: "البِدْعةُ الحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّينِ بعد الإِكمال... وأَبدعْتُ الشيء اخْتَرَعْته لا على مِثال والبَديع من أَسماء الله تعالى لإِبْداعِه الأِشياء وإِحْداثِه إِيَّاها وهو البديع الأَوّل قبل كل شيء ويجوز أَن يكون بمعنى مُبدِع أَو يكون من بَدَع الخلْقَ أَي بَدَأَه والله تعالى كما قال سبحانه {بَدِيعُ السمواتِ والأَرض} أَي خالقها ومُبْدِعُها فهو سبحانه الخالق المُخْتَرعُ لا عن مثال سابق قال أَبو إِسحق يعني أَنه أَنشأَها على غير حِذاء ولا مثال...".
- وجاء في تاج العروس: "... يُقَالُ: جِئْتَ بِأَمْرٍ بَدِيعٍ أَيْ مُحْدَثٍ عَجِيبٍ لَمْ يُعْرَفْ قَبْلَ ذلِكَ... والبِدْعَةُ بالكَسْر: الحَدَثُ في الدِّينِ بَعْدَ الإِكْمَالِ ومنه الحَدِيثُ: "إيَّاكُمْ ومُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ". أَوْ هِيَ ما اسْتُحْدِثَ بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم مِنَ الأَهْوَاءِ والأَعْمَالِ وهذا قَوْلُ اللَّيْثِ ... وأَبْدَعَ الشَّاعِرُ: أَتَى بالبَدِيعِ من القَوْلِ المُخْتَرَعِ على غَيْرِ مِثَالٍ سَابقٍ...".
- وقال الراغب الأصفهاني (في مفردات ألفاظ القرآن): "الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء... والبدعة في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة".
- وقال أبو هلال العسكري (في معجم الفروق اللغوية): "الابتداع إيجاد ما لم يسبق إلى مثله، يقال أبدع فلان إذا أتى بالشيء الغريب...".
- وقال أبو البقاء الكفوي (في الكليات): "كل عَمل عُمل على غير مثال سبق فهو بدعة".
- وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي (في العين) : "البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة".
· البدعة في الاصطلاح:

- قال الجرجاني (في التعريفات): "البدعة هي الفعلة المخالفة للسنة سميت البدعة لأن قائلها ابتدعها من غير مقال إمام، وهي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي".
- وقال ابن رجب الحنبلي (في جامع العلوم والحكم): " المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس بدعة شرعا وإن كان بدعة لغة... فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية".
- وقال العز بن عبد السلام (في قواعد الأحكام): "البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة...".
- وقال ابن تيمية (في مجموع الفتاوى): "البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة، فهو من الدين الذي شرعه الله". وقال: "البدعة ما خالفت الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية، وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة".
- وقال الشاطبي (في الاعتصام): "البدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية".

حاتم الشرباتي
04-25-2012, 04:33 PM
- وقال ابن حجر العسقلاني (في الفتح): "البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وأن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة".
وقال النفراوي (في الفواكه الدواني): "واختلف في معناها فقيل هي الأمر الذي لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم سواء دل الشرع على حرمته أو كراهته أو وجوبه أو ندبه أو إباحته، وإليه ذهب من قال: إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة كابن عبد السلام والقرافي وغيرهما، وهذا أقرب لمعناها لغةً من أنها ما فعل من غير سبق مثالٍ. وقيل: هي ما لم تقع في زمنه عليه الصلاة والسلام ودل الشرع على حرمته وهذا معناها شرعًا، وعليه جاء قوله عليه الصلاة والسلام: "خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار". فإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب بدعة على الأول؛ لأنه لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم وإن وقع منه الأمر به، وكذلك جمع القرآن في المصاحف، والاجتماع على قيام رمضان، والتوسع في لذيذ المآكل، وأذان جماعةٍ بصوتٍ واحدٍ، وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: المحدثات ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف الكتاب والسنة والإجماع فهذا هو البدعة الضلالة. وثانيهما ما أحدث من الخير ولا خلاف فيه، وقد قال الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قيام رمضان: نعمت البدعة هي يعني أنها محدثة لم تكن على هذه الكيفية وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى، والمختار أن لبس الطيلسان سنة، وألف السيوطي في استحباب لبسه كتابًا وقال: من أنكر سنده فهو جاهل."خاتمة" قال القرافي: الأصحاب متفقون على إنكار البدع نص عليه ابن أبي زيدٍ وغيره، والحق أنها خمسة أقسامٍ: الأول: من الخمسة بدعة واجبة إجماعًا وهي كل ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن تبليغها لمن بعدنا واجب إجماعًا وإهماله حرام إجماعًا. الثاني: بدعة محرمة إجماعًا وهي كل ما تناولته أدلة التحريم وقواعده كالمكوس وتقديم الجهلاء على العلماء وتولية المناصب الشرعية بالتوارث لمن لا يصلح لها. الثالث: بدعة مندوبة كصلاة التراويح وإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور، على خلاف ما كانت عليه الصحابة، فإن التعظيم في الصدر الأول كان بالدين فلما اختل النظام وصار الناس لا يعظمون إلا بالصور كان مندوبًا حفظها لظلم الخلق. الرابع: بدعة مكروهة وهي ما تناولتها قواعد الكراهة كتخصيص الأيام الفاضلة بنوعٍ من العبادات، ومنه الزيادة على القرب المندوبة كالصاع في صدقة الفطر وكالتسبيح ثلاثًا وثلاثين والتحميد والتكبير والتهليل فيفعل أكثر مما حده الشارع فهو مكروه حيث أتى به لا لشك لما فيه من الاستظهار على الشارع، فإن العظماء إذا حدث شيئًا تعد الزيادة عليه قلة أدبٍ، ومن البدع المكروهة أذان جماعةٍ بصوتٍ واحدٍ. الخامس: بدعة مباحة وهي كل ما تناولته قواعد الإباحة كاتخاذ المناخل لإصلاح الأقوات واللباس الحسن والمسكن الحسن وكالتوسعة في لذيذ المأكول والمشروب على ما قاله العز، ومن البدع المباحة اتخاذ الملاعق والضابط لما يجوز وما لا يجوز مما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم عرضه على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضته ألحق بها، فعلم من هذا التقسيم أن قوله صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعةٍ ضلالة" محمول على البدعة المحرمة".

حاتم الشرباتي
04-25-2012, 04:35 PM
3. منطلق البحث
تبيّن لنا مما مرّ ذكره من نقول اختلاف العلماء رحمهم الله في تحديد معنى البدعة: فمنهم من يخصّها بالعبادات ومنهم من يعمّمها ويدخل فيها العادات، ومنهم من يجعل منها الحسنة والمذمومة ومنهم من يجعلها كلها مذمومة، ومنهم من يجعل مقياس قبولها أو رفضها الدليل الشرعي من كتاب وسنة ومنهم من يلحق بالدليل الشرعي إجماع السلف، ومنهم من يقسمها إلى خمسة أقسام ومنهم من يحصرها في قسم واحد هو الحرمة.
ونريد في هذا المقام أن نحرّر محل النزاع ببيان منطلق البحث الذي يجب أن يعتمد هنا. ومنطلق البحث هو: هل عرّف الشارع البدعة أم لا؟
هذا هو منطلق البحث؛ فعندما نريد أن نبحث المعنى الشرعي لكلمة وردت في النصوص الشرعية، ككلمة البدعة، فإننا نبحث أوّلا عن الحقيقة الشرعية أي هل ورد لهذه الكلمة تعريف في الشرع أم لا؟ فإن كان، أخذنا به وارتفع النزاع، وإن لم يكن عمدنا إلى فهم الكلمة وفق الحقيقة اللغوية أو العرفية.
وباستقراء النصوص الشرعية تبيّن أنّ الشارع لم يعرّف لفظ البدعة؛ لذلك وجب فهم الكلمة وفق ما يقتضيه معناها اللغوي أو العرفي.

دفع شبهة أولى:

في حديث العرباض بن سارية: قال صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (رواه أبو داود).
وعن جابر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (رواه مسلم).
وعن جابر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته... من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (رواه النسائي).
قد يقال هنا: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم عرّف البدعة بكل محدثة.
والجواب: ثبت أنّ من الصحابة رضوان الله عليهم من أحدث أعمالا وأذكارا وأدعية لم يسبق للنبي صلى الله عليه وسلم فعلها أو الأمر بها، ومع ذلك أقرّهم صلى الله عليه وسلم عليها ولم ينكر عليهم. ومن الأمثلة على ذلك:
- أخرج البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: "كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول". قال الحافظ ابن حجر (في فتح الباري): "واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور".
- وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي". وأخرج الترمذي في سننه عن عبد الله بن بريدة قال: حدثني أبي بريدة قال: "أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي... فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهما". قال الحافظ ابن حجر (في الفتح): "ويستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل إلى ما ذكرنا بالاستنباط فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم".
- وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء".
- وأخرج مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون. يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون. يعني آخر الليل وكان الناس يقومون أوله".
ولهذا قال الشافعي: "المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا, فهذه لبدعة الضلالة. والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا, فهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: "نعمت البدعة هذه" يعني أنها محدثة لم تكن, وإن كانت فليس فيها رد لما مضى" (ذكره البيهقي في المدخل إلى السنن).
وقال ابن دقيق العيد (في شرح الأربعين النووية): "اعلم أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم. ومحدث بحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ "المحدث" ولفظ "البدعة " لا يذمان لمجرد الاسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَثٍ}. وقال عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه" يعني التراويح."
وهذا يدلّ على أن هناك محدثات حسنة غير مذمومة، فليس كل محدثة بدعة ضلالة. والمعنى، أنّ قوله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة" مجمل يحتاج إلى بيان لضبط معنى المحدثة التي يصدق فيها وصف أنها بدعة ضلالة.

حاتم الشرباتي
04-25-2012, 04:36 PM
· دفع شبهة ثانية:
ورد في جملة من النصوص ذكر السنة (هدي النبي صلى الله عليه وسلم) والبدعة كضدين: في حديث العرباض، وحديث جابر، وفي حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها"، (رواية ابن ماجه) وعند أحمد: "يطفئون السنة ويحدثون بدعة"، وعن رجل من الأنصار من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاة لبني عبد المطلب فقال: إنها تقوم الليل وتصوم النهار، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكني أنا أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، فمن اقتدى بي فهو مني، ومن رغب عن سنتي فليس مني، إن لكل عمل شرة ثم فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى" (رواه أحمد).
وقد يقال هنا: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم عرّف البدعة بأنها مخالفة السنّة.
والجواب: ما هي السنّة المرادة في هذه الأحاديث؟ هل هي السنّة القولية أو الفعلية أو التقريرية؟ وهل هي السنّة بمعنى الفرض أو المندوب أو المباح؟ ومثال ذلك:
- قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" (رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام). فهل يعدّ من لم يعمل بهذا الحديث مبتدعا بدعة ضلالة؟
- وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما، فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك. قال أبو داود: زاد أبو سعيد، ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة في المرأة والخادم" (رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده). فهل يعدّ من لم يعمل بهذا الحديث مبتدعا بدعة ضلالة؟
- وأخرج البخاري عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس بن مالك: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا، فيه دباء وقديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم "يتتبع الدباء من حوالي القصعة"، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ". فهل يعدّ من لم يتتبع الدباء أو كرهه مبتدعا بدعة ضلالة؟
- وأخرج البخاري عن حذيفة قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ". فهل يعدّ من أتى سباطة قوم فبال قاعدا مبتدعا بدعة ضلالة؟
فالأحاديث التي ذكرت أن مخالفة السنة بدعة هي مجملة غير مبيّنة، فلا تعد حقيقة شرعية يؤخذ بها؛ لأن لفظ السنة التي تعد مخالفتها بدعة ضلالة مجمل يحتاج إلى بيان.

حاتم الشرباتي
09-30-2013, 10:09 PM
· تنبيه: هل كلّ مخالفة لأوامر الشرع بدعة؟
والجواب: ليس كل مخالفة لأوامر الشرع تسمى بدعة.
عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل..." (رواه أبو داود).
وعن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام..." (رواه البخاري ومسلم).
وعن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (رواه البخاري ومسلم).
فمخالفة أوامر الشرع قد توصف بالبطلان والحرام والكراهة وغير ذلك، وقد توصف بالبدعة، وليس كل مخالفة يصدق عليها وصف البدعة؛ ولذلك لا نجد أحدا يصف نكاح المرأة بدون إذن وليها بأنه بدعة، أو يصف بيع الخمر والخنزير بأنه بدعة. فالبدعة إذن هي وصف معيّن يتعلّق بمخالفة معيّنة.

حاتم الشرباتي
09-30-2013, 10:13 PM
4. مفهوم البدعة
تبيّن معنا مما سبق:
- أنّ الشارع لم يعرّف لفظ البدعة؛ فلا توجد لها حقيقة شرعية.
- وأن ليس كل محدث بدعة بمعنى الضلالة؛ إذ هناك محدثات حسنة.
- وأن ليس كل مخالفة للسنة تعتبر بدعة ضلالة.
- وأنّ البدعة وصف معيّن لمخالفة معيّنة.
- وأنّ البدعة في اللغة هي: "كل عَمل عُمل على غير مثال سبق"، أو هي "المُخْتَرَعُ لا عن مثال سابق". وكذلك هي في الاصطلاح: قال أحمد زروق في عمدة المريد الصادق – كما في إحياء السنة وإخماد البدعة للشيخ عثمان بن فودي-: "وحقيقة البدعة شرعا: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس منه".
وعليه، كيف يتأتى لنا الآن تحديد معنى بدعة الضلالة التي ورد في السنة التحذير منها: "وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، أو ما هو العمل أو المحدث الذي يخالف الشرع ويصدق عليه وصف بدعة الضلالة؟ أو بعبارة أخرى: ما هي هذه المخالفة المعيّنة التي توصف شرعا بأنها بدعة؟
والجواب على هذا أي بيان المخالفة لأوامر الشارع التي توصف بالبدعة، يقتضي منا النظر في أوامر الشرع ذاتها لبيان ما حدّد الدليل مثاله الذي لا يجوز إتيان العمل على خلافه. وبعبارة أخرى، إذا قلنا: إن البدعة هي عمل عُمل على غير مثال سابق، فنحتاج لبيان الأوامر الشرعية التي حددت مثال العمل وحرّمت العمل بخلافه ووصفته ببدعة الضلالة.
وباستقراء أوامر الشرع تبيّن أنها نوعان:
1. نوع ورد فيه الأمر بالفعل دون بيان الإجراءات العملية لتنفيذه؛ إذ جاءت صيغته عامة أو مطلقة دون بيان كيفية أدائه التفصيلية. ومثال ذلك: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}، فهذا أمر بالكتابة ورد مطلقا، فلم يبيّن الشارع تفاصيل أدائه، كأن يكون بقلم الرصاص أو الحبر، وكأن يكون على ورق أو خشب، وكأن يكتب بصيغة معينة، وغير ذلك مما يتعلّق به من تفاصيل. ومثال ذلك أيضا: قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، فهذا أمر بالقتال دون بيان إجراءاته التفصيلية، كأن يكون بالسيوف أو البنادق أو المدافع، وكأن يكون في الصيف أو الشتاء، وكأن يكون بأسلوب الكر أو الفر، وكأن يكون بالعدد القليل أو الكثير، وغير ذلك من تفاصيل عملية.
2. نوع ورد فيه الأمر مفصّلا، أي مع بيان كيفية أدائه التفصيلية وإجراءات تنفيذه العملية العملية. ومثال ذلك:قال الله سبحانه وتعالى {وَأَقِيمُوا الصّلَاةَ}، فهذه صيغة أمر بأداء الصلاة، ولكن الشارع لم يترك للإنسان تحديد إجراءات أداء هذا الأمر بمعنى أن يصلي كما يريد وكيف يريد ومتى يريد، بل بيّن له بتفصيل دقيق كيف يؤدي الصلاة ويحقّق الأمر. عن أبي هريرة أن رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل. فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، فارجع فصل فإنك لم تصل. فقال في الثانية أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (رواه البخاري). وكذلك قال سبحانه {وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}، فطلب الشارع الحجّ ثمّ بيّن كيفية أدائه التفصيلية. عن جابر (في وصف حج النبي صلى الله عليه وسلم): "... فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك... حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام... ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا ... فبدأ بالصفا، فرقي عليه... ثم نزل إلى المروة... فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس... حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين... حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها..." (رواه مسلم).

حاتم الشرباتي
09-30-2013, 10:15 PM
إذا، هناك أوامر للشارع وردت معها إجراءات تفصيلية عملية للتنفيذ والأداء، وهناك أوامر أخرى للشارع وردت مطلقة أو عامة دون كيفية أداء تفصيلية.
وهذه الإجراءات العملية أو كيفية التنفيذ التفصيلية للأمر هي المثال الذي حدّد للعمل وحرّم مخالفته. وبعبارة أخرى: إذا كانت البدعة لغة هي عمل عُمل على غير مثال سابق، فالبدعة شرعا هي كل عمل عُمل على غير مثال عمل الشرع الذي حدّد كيفيته أي بخلاف الكيفية التنفيذية للأمر الشرعي. وهذا هو مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وعليه، فمخالفة كيفية شرعية بيّنها الشرع لأداء أمر شرعي، هي البدعة. وهكذا، فإن من صلى الظهر خمس ركعات بدلا من أربع فقد جاء ببدعة، ومن سجد ثلاثا في صلاته بدل اثنتين فقد جاء ببدعة، ومن رمى ثماني حصيات بدلا من سبع على جمرات منى فقد جاء ببدعة، ومن زاد في ألفاظ الأذان فقد جاء ببدعة.
أما مخالفة أمر الشارع الذي لم ترد له كيفية أداء، فهي تقع في الأحكام الشرعية المعلومة، فيقال عنها حرام أو مكروه أو مباح إن كان خطاب تكليف، أو يقال باطل أو فاسد أو غير ذلك، إن كان خطاب وضع، وذلك حسب القرينة المصاحبة للأمر من حيث الجزم أو الترجيح أو التخيير، ولكن لا يقال لها بدعة. فمن تعامل بالربا لا يقال جاء ببدعة، ومن باع الخمر لا يقال جاء ببدعة، ومن تزوجت بغير إذن وليها لا يقال جاءت ببدعة، ومن تبرجت لا يقال جاءت ببدعة، ومن تكاسل عن الصلاة لا يقال جاء بدعة، ومن أكل الخنزير لا يقال جاء ببدعة، ومن قتل بغير حق لا يقال جاء ببدعة، ومن كذب لا يقال جاء ببدعة، ومن غشّ لا يقال جاء ببدعة، ومن ترك السلام لا يقال جاء ببدعة؛ فلا يقال بدعة في ما هو من قبيل مخالفة أمر الشارع المطلق أو العام.
قال الشاطبي (في الاعتصام): "ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وأقوالهم ثلاثة: حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب أو الندب. وحكم يقتضيه معنى النهي، كان للكراهة أو التحريم. وحكم يقتضيه معنى التخيير وهو الإباحة. فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه. والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الأخيرين، لكنه على ضربين: أحدهما أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة مع مجرد النظر عن غير ذلك، وهو إن كان محرما سمي فعلا معصية وإثما وسمي فاعله عاصيا وآثما وإلا لم يسم بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبين في غير هذا الموضع، ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا؛ لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين. والثاني أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة لظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك. وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمى فاعله مبتدعا...".

حاتم الشرباتي
09-30-2013, 10:16 PM
5. أين تقع البدعة؟
تبيّن معنا أنَّ مخالفة أمر الشارع المبيَّن له كيفية تنفيذ وأداء هي بدعة. والسؤال الآن هو: أين ينطبق هذا التعريف أي أين تقع البدعة بالتعريف المذكور؟ هل تقع في في العبادات أو في المعاملات أو في غير ذلك؟
والجواب على هذا السؤال المتعلّق بضبط المجال الذي تقع فيه البدعة يقتضي منا النظر في أي مجال وردت أوامر الشرع المبيَّن لها إجراءات تفصيلية للتنفيذ؟
وباستقراء النصوص الشرعية وجد أن النصوص المتعلقة بالأخلاق والمعاملات والحكم والقضاء وغير ذلك وردت فيها أوامر مطلقة وعامة، وفقط في غالب العبادات وردت كيفيات تفصيلية وإجراءات عملية لأداء أوامر الشارع. ولذلك فلا تقع البدعة وفق المفهوم المذكور في غير العبادات؛ لأنها هي فقط التي وردت فيها إجراءات عملية تفصيلية تنفيذية. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يؤدي أصحابه رضوان الله عليهم العبادات كما تلقوها عنه. أخرج البخاري ومسلم: عن البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك، فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت". قال ابن حجر (في الفتح): "وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه. وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها".

حاتم الشرباتي
09-30-2013, 10:18 PM
6. ما ينكر من البدع؟
هناك من الناس من يتعصّب لمفهوم البدعة مع تعميمه لها على كلّ شيء خالف رأيه. ومع أننا نشيد بحرص هؤلاء على هجر البدع والتمسك بالسنن، إلا أننا نحذّر من التعصب وإشغال الأمة بأمور اختلف فيها أهل العلم. لذلك نذكّر بأمر غفل عنه كثير من الناس، ألا وهو عدم الإنكار على من عمل بأمر اختلف فيه العلماء. قال الشيخ عثمان بن فودي (في إحياء السنة وإخماد البدعة): "وأما ما ينكر من البدع وما لا ينكر، فاعلم – وفقنا الله وإياك- أنه تقدّم أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: الإنكار متعلق بما أجمع على إيجابه أو تحريمه، فمن ترك ما اختلف في وجوبه، أو فعل ما اختلف في تحريمه، فإن قلد بعض العلماء فلا إنكار عليه إلا أن يقلده في مسألة ينقض حكمه فيها. انتهى. قلت: وعلى هذا فلا يجوز لك أن تنكر البدعة على أحد إلا أن تعلم أنها من البدع المحرمة إجماعا. ونعني بالنهي عن الإنكار إنكار الحرام، ولو أنكرته إنكار النصح والإرشاد فذلك نصح وإحسان... وفي تخليص الإخوان أيضا قبل هذا الكلام بقليل: فخففوا يا إخواني – هداكم الله – البدعة، وفصلوا بين القبيحة فتنكروها، وبين الحسنة فلا تنكروها، لتسلموا عند ربكم من ملابسة منكر بالنهي عن منكر، فإن من ينكر ما لا يحل إنكاره كعامل المنكر الذي ينهاه أو أكبر...".

. خاتمة:
تبيّن معنا:
1- أن البدعة تعني المحدث على غير مثال سابق بيّنه الشرع.
2- ليس كل محدث بدعة بمعنى الضلالة، بل فقط التي على خلاف الكيفية التي بينها الشرع.
3. هناك محدثات حسنة كجمع الناس في صلاة التراويح، أو مباحة كلباس معيّن يستر العورة لم يكن من قبل.
4- أن مخالفة أمر الشارع الذي بين الشارع له كيفية أداء تفصيلية تسمى هذه المخالفة بدعة.
5. أن مفهوم البدعة مختلف فيه، وأن من البدع ما اختلف فيه، وأن البدع التي ينهى عنها هي المجمع عليها.
6. أن المخالفة التي ثبت وصفها بالبدعة هي ضلالة. "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 08:59 AM
التحذير من التوسع في مفهوم البدعة
د. بدر عبد الحميد هميسه
وقع في يدي بعض النشرات التي كتبها بعض من شبابنا المتحمس والغيور على دينه وعقيدته الصافية في الحكم على بعض الأشياء من العادات المستحدثة وغيرها بأنها ابتداع في الدين , وأنها مرزولة ومردودة .
وأعتقد أنني لا أشكك في نوايا هؤلاء الشباب ولا في حماستهم وغيرتهم على دينهم وعقيدتهم , ولكن الغيرة والحماس على الدين شيء والحكم على الأشياء شرعا , وقضية التحليل والتحريم شيء آخر .
فلقد حذرنا الله تعالى في كتابه الكريم تحذيرا شديدا من قضية التحليل والتحريم دون سند أو دليل شرعي قطعي الثبوت والدلالة , قال تعالى : \" قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) سورة يونس .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( الأصل في العابدات المنع إلا لنص وفي العادات الإباحة إلا لنص ) . التوسل أنواعه وأحكامه, محمد ناصر الدين الألباني 27.
فالتوسع في مفهوم البدعة والابتداع يؤدي إلى خلط الأمور خلطا كبيرا والى إيقاع الناس في الحرج والمشقة والدخول إلى المحظور من التنطع والتشدد في غير موضع التشدد , ولقد نهانا الإسلام عن ذلك فقال الله في كتابه الكريم : \" مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) سورة المائدة , وقال : \" وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) سورة الحج .
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:أَلاَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.أخرجه أحمد 1/386(3655) و\"مسلم\" 8/58(6878) و\"أبو داود\" 4608.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ. أخرجه البخاري (39) و\"النَّسائي\" 8/121.

1- التحذير من البدعة والابتداع :
ولقد نهى الله- تبارك وتعالى- عن الابتداع ونهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الابتداع في الدين قال الله- تبارك وتعالى-: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ? [الأنعام: 153] 1. قال الله تعالى :( وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ). سورة الأنعام الآية 153 .
وقال الله تعالى :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة النور الآية 63.
قال الراغب الأصفهاني :[ والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله ]. المفردات في غريب القرآن ص 156 .
وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال :[ سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول صلى الله عليه وسلم . فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال : لا تفعل . قال : فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر . قال : لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة . فقال : وأي فتنة هذه ؟ إنما هي أميال أزيدها . قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت الله يقول :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الاعتصام 1/132 .
وقال تعالى :( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سورة آل عمران الآية 31 .
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . ويقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى . ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هـدى محـمـد وشر الأمـور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) صحيح مسلم بشرح النووي 2/464 .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :[ خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً ثم قال : هذا سبيل الله ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ :( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) الآية ، رواه الدارمي وأحمد والنسائي صحيح سنن النسائي 1/346 .
وعن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا . فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) سنن النسائي 3/188-189 . أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 126، 127). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (5/ 13، 15) ح 4607، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (5/ 44) ح 2676 وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب إتباع سنة الخلفاء الراشدين (1/ 16). وابن حبان في صحيحه (1/ 139) والحاكم في المستدرك (1/ 96) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (46، 47)، والدارمي في سننه، باب إتباع السنة (1/ 44، 45) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في إتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (1/ 58) ح 165.
وعن عائشة رضي الله عنهما قالت :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية لمسلم :( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) صحيح البخاري مع الفتح 6/230 ، صحيح مسلم مع شرح النووي 3/379 .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي :[ وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث \" الأعمال بالنيات \" ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء ] جامع العلوم والحكم ص 81 .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :[ الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة ] رواه الدارمي والبيهقي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي , صحيح الترغيب والترهيب ص 21 ، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان 2/288 .
وعنه أيضاً قال :[ اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ] رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي ورواه الدارمي مجمع الزوائد 1/181 ، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان 2/258 .
>>>>>>>>2

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 09:05 AM
وقال الأوزاعي :[ اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم ] ذكره ابن الجوزي والسيوطي, تلبيس إبليس ص 9.
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله قال :[ اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ] ذكره الشاطبي في الاعتصام 1/83 .
فوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.

وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:
1- الإتباع ، 2- ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته صلى الله عليه وسلم، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه صلى الله عليه وسلم وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها. محمد بن خليفة بن علي التميمي: حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة 234.

2- أسباب الابتداع في الدين:
الابتداع في الدين أمره خطير وقدره جسيم وذنبه عظيم بل إن العلماء اعتبروا الابتداع في الدين ذنباً أعظم من الكبائر وقد يجر الابتداع في الدين أصحابه إلى الكفر والإلحاد وإلى مناصبة السنة العداء.
وإنَّ أعظمَ ما يهدِم الدّينَ الإسلاميّ ظهورُ البِدَع المضِلَّة التي يرَى صاحبُها أنّه مصيبٌ وهو على ضلالٍ.
وتكون البِدَع المضلَّة بسبَبِ الجهلِ قالَ عزّ وجلّ: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [الأنعام:116].
والابتداع المضلل في الدين له أسبابه الكثيرة والتي منها :
1- إتباع الهوى . قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50].
2- سوءُ القصدِ والإرَادةِ . قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف:146].
3- الإعرَاضُ عن تعلُّم الحقِّ والعَمَل به . كما قَال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123، 124].
4- إعجابُ المرءِ بنفسِه ورأيِه . قال اللهُ تعالى: أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، وعن أبي ثعلبةَ الخشني أنه سأل النبيَّ عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] فقال عليه الصلاة والسلام: ((ائتمِروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحًّا مطاعًا وهوًى متَّبعًا ودُنيا مؤثَرة وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه فعليك بنفسِك ودَع عنك أمرَ العَوام، فإنَّ مِن ورائِكم أيامًا الصبرُ فيهنّ مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثلُ أجرِ خمسين رجلاً يعمَلون مثلَ عملكم))، قيل: يا رسولَ الله، أجر خمسين منّا أو منهم؟ قال: ((بل أجرُ خمسين منكم)) رواه أبو داود والترمذي . سنن أبي داود: كتاب الملاحم (4341)، سنن الترمذي: كتاب التفسير (3058).
5- البُعدُ عن أهلِ العِلم وَعَدَم سؤالِهم عن أمورِ الدّين وسؤالُ ذوي الجهل بالدين . قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وقال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وعن عبدِ الله بن عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول : ((إنَّ اللهَ لا يقبِض العِلمَ انتِزاعًا ينتزِعه منكم، ولكن يَقبِض العِلمَ بقبضِ العلماءِ، حتى إذا لم يبقَ عالم اتَّخَذ الناسُ رؤساءَ جهَّالاً، فسئِلوا فأفتَوا بغيرِ علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا)) رواه البخاري ومسلم.
6- إيثارُ الدنيا على الآخرة وتقديمُ محبّتها على النعيم المقيم الذي أعدَّه الله للمتقين . قال الله تعالى: كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ [القيامة:20، 21] وقال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16، 17]، وقال عز وجلّ: اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة:9].
ولقَد حدَثت أوائلُ البِدَع في أواخِر عصرِ الصّحابة رضي الله تعالى فتصَدّوا لها، ودفَعوا في نحورِها بالبَيان وقوَّةِ السّلطان، حتى ولَّت مُدبِرةً وانكشَفَت ظلُماتها، وحذّروا أمّةَ الإسلام من كلّ بدعةٍ.
ففي أواخرِ عَصرِ الصحابة رضِي الله عنهم ظهرت بدعةُ الخوارِجِ وبدعةُ القدريّة، ثم تتابَعت البدَعُ المضلّة. وفي كلِّ عصرٍ يهيِّئ الله للأمّةِ الإسلاميَّة مِن ولاةِ الأمر والعلماءِ من يطفِئ نارَ الفتَنِ ويقمَع البدَعَ.
وعن معاذٍ رضي الله عنه قال: (إنَّ وَراءَكم فِتنًا يكثُر فيها المال، ويُفتَح فيها القرآنُ حتى يأخذَه المؤمِنُ والمنافِق والرّجلُ والمرأة والعَبد والحرّ والصّغِير والكَبير، فيوشِك قَائلٌ أن يقولَ: ما للنّاسِ لا يتَّبعوني وقد قرَأتُ القرآنَ؟! وما هم بمتَّبعِيَّ حتى أبتَدِعَ لهم غيرَه، فإيّاكم وما ابتَدَع، فإنما ابتدَعَ ضلالةٌ) سنن أبي داود: كتاب السنة (6411)، وهو في صحيح سنن أبي داود (3855).
>>>>>3

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 09:15 AM
3- تحديد مفهوم البدعة:
اختلفت أنظار العلماء في تعريف البدعة وتحديد مفهومها فمنهم من حصر البدعة في باب العبادات فضيق مفهومها فقصرها على الابتداع في باب العبادات اصطلاحاً .
ومنهم من وسع مفهومها فأطلقها على كل محدث من الأمور وجعلها تنقسم إلى أقسام خمسة : فهي إما واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة . انظر: قواعد الأحكام 2/172 ، الاعتصام 1/37 ، السنن والمبتدعات ص 15 الموسوعة الفقهية 8/21.
وقد سار على أحد هذين المنهجين علماء أجلاء وعلماء أعلام لكل وجهة هو موليها وكل منهم يقصد الوصول إلى ما اعتقد أنه الحق والصواب وكل منهم اجتهد فله أجران إن أصاب وأجر واحد إن خالف قوله الصواب وسأذكر المنهجين وأدلتهما وأبين ما أرى أنه الراجح مع الاستدلال .
الرأي الأول : فقد رأى جماعة من أهل العلم منهم الإمام عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وابن الجوزي وأبو شامة المقدسي والنووي والعيني وابن الأثير والقرافي والحافظ ابن حجر والسيوطي وغيرهم أن البدعة تطلق على كل محدثة لم توجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء أكانت في العبادات أم العادات وسواء أكانت محمودة أو مذمومة.
ويرى هؤلاء العلماء أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة فإن وافقت السنة فهي حسنة محمودة وإن خالفت السنة فهي سيئة مذمومة .
وبناء على هذا الأساس قالوا إن البدعة تنقسم إلى الأقسام الخمسة فهي إما أن تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة .
قال الإمام النووي : البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة .
قال الشيخ الإمام - المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته - أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله في آخر كتاب القواعد : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ، قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فمحرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة وللبدع الواجبة أمثلة منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة . الثالث تدوين أصول الدين وأصول الفقه . الرابع الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه . وللبدع المحرمة أمثلة منها : مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة . وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى . وللبدع المكروهة أمثلة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف . وللبدع المباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة هذا آخر كلامه ] قواعد الأحكام 2/172 فما بعدها ، فتاوى العز بن عبد السلام ص 328 ، تلبيس إبليس ص 16-17 ، تهذيب الأسماء واللغات 3/22-23 ، الباعث ص 28 ، الفروق 4/202-205 ، النهاية 1/106 ، عمدة القاري 8/245 ، فتح الباري 5/156-157 ، الأمر بالإتباع ص 89 ، الإبداع ص 31 .
>>>>>>>4

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 09:23 AM
ومن أشهر ما اعتمد هؤلاء العلماء عليه ما يلي :
قول عمر رضي الله عنه الذي رواه الإمام البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد بن عبد القاري أنه قال :[ خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهـم ، قال عمر : نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل ، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله ] وقوله أوزاع أي جماعة متفرقون . صحيح البخاري مع الفتح 5/155-156 .
قال الحافظ ابن حجر :[ في بعض الروايات نعمت البدعة بزيادة تاء ] فتح الباري 5/156 .
وقال ابن أبي شيبة :[ حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال : سألت محمداً - كذا - عن صلاة الضحى وهو مسند ظهره إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بدعة ونعمت البدعة ] مصنف ابن أبي شيبة 2/405 .قال الحافظ ابن حجر : إسناده صحيح فتح الباري 3/295 .
واحتجوا بالأحاديث التي تفيد انقسام البدعة إلى حسنة وسيئة ومنها : حديث المنذر بن جرير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) صحيح مسلم مع شرح النووي 3/84-85 .
ودللوا على ذلك بما فعله عمر من جمع الناس على صلاة التراويح , وكذا زيادة عثمان رضي الله عنه أذانًا ثانيًا يوم الجمعة وسن خبيب بن عدي ركعتين عند القتل, ونقط يحيى بن يعمر المصاحف , وغيرها من الأمثلة المعتبرة عند العلماء.
الرأي الثاني : ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن البدعة مخالفة للسنة ومذمومة شرعاً لأنها محدثة لا أصل لها في الشرع وعلى هذا الإمام مالك والبيهقي والطرطوشي وشيخ الإسلام ابن تيمية والزركشي وابن رجب والشُّمَنِي الحنفي وغيرهم ، واختاره جماعة من العلماء المعاصرين . الفروق 4/202 ، تهذيب الفروق 4/229 ، الحوادث والبدع ص 21 ، اقتضاء الصراط المستقيم ص 270-271 ، جامع العلوم والحكم ص 335 ، البدع والمصالح المرسلة ص 103-107 .

وأساس هذا المنهج هو تعريف البدعة بالمحدث المخالف للسنة الذي جعل ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً وعلى هذا مشى الشاطبي في أحد تعريفيه للبدعة حيث قال :[ فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه . وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات ] الاعتصام 1/37 .
وقد استدل العلماء القائلون بذم البدعة بما يلي :
أولاً : إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل هذا الدين قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) سورة المائدة الآية 3 .
فلا يقبل من أي إنسان أن يزيد على الدين أو يخترع فيه شيئاً لأن هذه الزيادة والاختراع تعتبر استدراكاً على الله تبارك وتعالى وتوحي بأن الشريعة ناقصة وبأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الرسالة تبليغاً كاملاً .
وحديث جابر قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . ويقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول : أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم.
قالوا إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كل بدعة ) كلية عامة شاملة مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم \" كل \" والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ بشيء لا يقصد معناه .
وقال الحافظ ابن حجر بعد قوله صلى الله عليه وسلم :( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) قال :[ هذا قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها ، أما منطوقها فكأن يقال ، حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب ] فتح الباري 17/11 .
واحتجوا بما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه .
وقال الإمام الشوكاني : ( وهذا الحديث من قواعد الدين لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسنداً له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله صلى الله عليه وسلم :( كل بدعة ضلالة ) طالباً لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة فإن جاءك به قبلته وإن كنت قد ألقمته حجراً واسترحت من المجادلة . ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفك في اقتضاءه البطلان أو الفساد متمسكاً بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم كالشرط أو وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا مجرد الاصطلاح مسنداً لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلاً هذا أمر ليس من أمره وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد وكل رد باطل فهذا باطل فالصلاة مثلاً التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل فيها ما كان يتركه ليست من أمره فتكون باطلة بنفس هذا الدليل سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعاً باصطلاح أهل الأصول أو شرطاً أو غيرهما فليكن منك هذا على ذكر ] نيل الأوطار 2/89 .
ومثلوا لذلك بما يفعله بعض الجهال بالنذر لغير الله والتمسح بالقبور واستحداث بعض الصلوات والموالد والأعياد التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من سلفنا الصالح .
>>>>>>>5

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 09:27 AM
ولقد قسم العلماء البدعة إلى ثلاثة أقسام :-عملية - اعتقادية – قولية.
فالبدعة في العمل: تكون في العمل الظاهر ، كصلاة تخالف ما ورد عم النبي –صلى الله عليه وسلم- ، ونحو ذلك من الأعمال التي سبق ذكرها- فكلها داخلة تحت قوله صلى الله عليه وسلم\" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".
والبدعة في الاعتقاد: إذا كان اعتقادا للشيء على خلاف ما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- ، كبدعة الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين ،بل بأهوائهم اعتقدوا كفر عدد من الصحابة. وكالمجسمة ، والمشبههة الذين شبهوا الله بخلقه تعالى الله علوا كبيرا.
والبدعة القولية: إذا كانت تغييرا لما جاء في كتاب الله عز وجل ، ولما ثبت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة ، مما هو ظاهر المخالفة للكتاب والسنة، وظاهر الفساد والقبح ، كأقوال الرافضة ، الخوارج ، والجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، وجميع الفرق المؤولة، التي وضعت لنفسها مناهج مخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة
عن المغيرة بن شعبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:\" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\". [فتح الباري13/293ح7311].
وفي رواية من حديث معاوية قال صلى الله عليه وسلم:\" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم ويعطى الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله\".[البخاري ،الاعتصام ، فتح الباري13/293ح7312].
وأما الأصول الجامعة للابتداع في ثلاثة :
الأصل الأول : التقرب إلى الله بما لم يشرع .
الأصل الثاني : الخروج على نظام الدين .
الأصل الثالث : الذرائع المفضية إلى البدعة .
فجذور شجرة الإيمان هي أركانها الستة، وساقها الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفروعها الأعمال الصالحة من أعمال القلوب والجوارح، وثمرتها اليانعة هي الأمن والاطمئنان والحياة الطيبة، وسعادة الدنيا والآخرة، وولاية الله تعالى.
ولقد كانت الأمة على هذا الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه - جل وعلا - وبلغها لصحابته الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - فكانوا أكمل الناس إيماناً، ويقيناً، وفهماً، وتبليغاً لهذه العقيدة.
وقد اعتصموا بهذه العقيدة، وارتبط الإيمان عندهم بالعمل بديهيا، وكانوا يكرهون الابتداع في الدين، والجدال والخصومات والمراء، وكان هديهم التسليم التام لشرع الله تعالى.
قال أبو بكر بن أبي داود :
تمسك بحبلِ الله وأتبعِ الهُدى * * * ولا تكُ بدعيا لعلك تُفلحُ
ودنْ بكتابِ الله والسننِ التي *** أتت عنْ رسول الله تنجو وتربحُ
ولاَ تُكْفِرنْ أَهلَ الصلاةِ وإِنْ عَصَوْا ***فَكُلهُمُ يَعْصِي وذُو العَرشِ يَصفَحُ
ودعْ عَنْكَ آراءَ الرجالِ وقَوْلَهُمْ ***- فقولُ رسولِ اللهِ أزكَى وأَشْرحُ
ولا تَكُ مِن قوْمٍ تلهوْا بدينِهِمْ ***فَتَطْعَنَ في أهلِ الحَديثِ وتقدحُ
إِذَا مَا اعْتقدْت الدهْرَ يا صَاحِ هذهِ *** فأَنْت عَلَى خَيْرٍ تبيتُ وتُصْبِحُ
إذا فالأمر فيه سعة واختلاف العلماء في تحديد مفهوم البدعة دليل على السعة والمرونة في التشريع الإسلامي وانه تشريع يتسع لكل الآراء , ولا مشاحة حينئذ في الاصطلاح ولا يجوز التصنيف على أساس من الظن , وتفريق كلمة الأمة لخلاف سائغ .
ولقد ضرب علماء الجرح والتعديل أروع الأمثلة التي قد يندر وجودها في التاريخ في الحكم على أهل البدع بالتجريح أو التعديل ؛ ففرقوا بين من يدعوا إلى بدعته ومن لا يدعوا إليها ووضعوا القواعد الضابطة لذلك والتي أكدت على نزاهتهم وأمانتهم في الحكم على الناس .
وفى ذلك يقول محمد بن سيرين : \" ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ، ولم تذكر محاسنه \" الخطيب البغدادي : الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص 161 .
وروى ابن أبى حاتم قول حذيفة بن اليمان : \" كفى بالعلم خشية ، وكفى بالجهل أن يذكر الرجل محاسن أمور وينسى مساويها \" ابن أبى حاتم : علل الحديث ج2 ص 125 .
فها هو الإمام البخاري – رحمه الله – يتحمل الحديث عن أعلام الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج ويجعل حديثهم حجة ، ومرويهم سنة ، ويفخر بذكر أسمائهم في أسانيده ، ويخلد لهم أجمل الذكر في أشرف مصنف \". جمال الدين القاسمى : الجرح والتعديل ص 22 .
وهذا أبو داود السجستانى صاحب \" السنن \" يقول عن الخوارج \" ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج \" الخطيب البغدادي : الكفاية في علم الرواية ص 130 .
ونقل البيهقى بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال : \" يكتب العلم عن أصحاب الأهواء وتجوز شهادتهم ، ما لم يدعون إليه ، فإذا دعوا إليه ، لم يكتب عنهم ، ولم تجز شهادتهم ، يريد بكتبة العلم والأخبار\" البيهقى : السنن الكبرى ج10 ص 208
وقد احتج الشيخان : البخاري ومسلم ، بروايات بعض هؤلاء ومنهم : عمران بن حطان الخارجي وعمرو بن دينار القدري ، وعكرمة ، وكان إباضيا ، وابن أبى نجيح ، المعتزلى ، وسعد ، وشبل بن عياد ، والدستوائى ، وابن أبى عروبة ،ومسعر بن كدام ، وغيرهم .
وهذا النهج قد سار عليه ابن أبى حاتم الرازي ، فلم تكن لديه عصبية ضد هؤلاء ، بل كان الحق مبتغاه ، والحكمة ضالته .
قال في ترجمة : \" مقاتل السمرقندى \" : سئل أبى عنه فقال : كان صدوقا ، وكان من رؤساء الشيعة . ابن أبى حاتم : الجرح والتعديل ج1 ص 77 .
وفى ترجمة : \" محمد بن على السلمى \" قال : سألت أبى عنه فقال : هو من الشيعة ، قلت ما حاله ؟ قال صدوق ، لا بأس به ، صالح الحديث . ابن أبى حاتم : الجرح والتعديل ج6 ص 161 .
وقال في ترجمة : \" سالم بن عجلان الجزري الأفطس \" سألت أبى عنه فقال : صدوق ، وكان مرجئا ، نقى الحديث. ابن أبى حاتم : الجرح والتعديل ج4 ص 186 .وراجع كتابنا \" قضايا الجرح والتعديل عند ابن أبي حاتم الرازي ص 399 وما بعدها , نشر المكتب الجامعي الحديث 2009م .
فالتوسع في مفهوم البدعة وجعلها تشمل العبادات والمعاملات والعادات يمزق وحدة الأمة وينشر الفرقة والاختلاف بين الناس وهو ما نهانا الله عنه فقال : \" وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) سورة آل عمران , وقال : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) سورة الأنعام .
فنحن مأمورون بالاعتصام والتآلف , قال تعالى : \" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) سورة آل عمران.
والحكم على الناس بالابتداع لأدنى شبه ولظن غير راجح , ليس من الإسلام في شيء .

وقبل الحكم على الأشياء بأنها مبتدعة وأنها ليست من الدين لا بد من التوقف والدراسة وفهم المقاصد الكلية للتشريع الإسلامي , ومعرفة مواطن السعة والمرونة في التشريع الإسلامي , وسنة التدرج , ومعرفة فقه الواقع , ومعرفة مناط الأدلة , فقد قسم العلماء الدلالات على الأخبار إلى أربعة أنواع :
1-قطعي الثبوت قطعي الدلالة كقوله تعالى \" وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (43)سورة البقرة .
2-قطعي الثبوت ظني الدلالة أي وان كان ثبت قطعياً فيمكن أن يختلف في فهمه كقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) سورة المائدة .فما مقدار المسح الواجب وما هو اللمس الناقض.
3-ظني الثبوت قطعي الدلالة كقول ابن عمر: \"فرض رسول الله زكاة الفطر على كل حر وعبد..\" في إثبات فرضية صدقة الفطر لكنه ظني الثبوت فلو قدرنا أن إنسانا أنكره بلا دليل لا يكفر ولا يخرج من الملة, لكن لو أن أحدا أنكر فرضية زكاة المال كفر لأنها ثبتت بنص قطعي ودلالة قطعية.
ثم هذا النص الذي هو قطعي الدلالة على فرضية صدقة الفطر اختلف في ثبوت بعض فقراته, فأضاف بعضهم في آخر من المسلمين فهو ظني الثبوت من جهتين من حيث هو ومن حيث بعض فقراته ومن ثم اختلفت دلالته من حيث التفصيل.

>>>>>>>6

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 11:47 AM
4-ظني الثبوت ظني الدلالة.
كالأحاديث التي تتكلم عن بعض البيوع المحرمة وهكذا إذا تحسن تتبعنا السنة النبوية, فمعظمها ظني الثبوت وكثير منها ظني الدلالة, تقف مثلاً مع أحاديث \"لا نكاح إلا بولي\" و\"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" فهذه ظنية الثبوت فقد صححها بعض العلماء وضعفها آخرون واعتبرها أبو حنيفة مخالفة لظاهر القرآن.
وعندما نقف مع قوله (صلى الله عليه وسلم) \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\", أو من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج\". هنا نحن أمام أحاديث ظنية الثبوت بمعنى انه وان صحت عند أهل العلم لكنها لم تبلغ التواتر ويخالف ظاهر القرآن, فلذا رأى أبو حنيفة انه لا بد أن يوفق بينهما وبين القرآن فهي ظنية الثبوت ظنية الدلالة, إذ يمكن أن تفهم بمعنى \"لا صلاة كاملة\" وليس بمعنى بطلان الصلاة لماذا؟. لأن الله يقول :\" فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ\" .
قال الشيخ محمود شلتوت : \" ومِن هنا يُعلم أن الابتداع في الدِّين إنما يكون فيما تعبَّدَنا الله به من عقيدة أو عبادة أو حِلٍّ وحُرْمة , أما ما لم يتعبَّدْنا الله بشيء منه ـ وإنما فوَّض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقًا لمصلحتنا ومُحققًا لخيرنا بحسب العصور والبيئات ـ فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يُؤثر على تديُّن الإنسان وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مُقتضيات التطوُّر الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حدِّ المَوروث مِن وسائل الحياة عن الآباء والأجداد. وإذا كان لحياة الأبناء والأحفاد وسائل غير وسائل الحياة لأسلافهم كان مِن ضرورة بقائهم وطيِّب حياتهم ومُسايرتهم للتقدُّم الزمني أن يخلعوا وسائل الأسلاف التي لا تتفق وزمنهم، ويعملوا جاهدينَ في تلبية عُصورهم بما تطلبه وتقضي به، وإلا تخلَّفوا عن الركب المُجِدِّ في السيْر، وانقطع حبل اتصالهم به، وصاروا في عُزلة لا يُسمع لهم فيها صوت، ولا يُعرف لهم فيها وجود. فتاوي محمود شلتوت 259.
فإذا كان الاختلاف حقيقة كونية، وضرورة شرعية؛ فلماذا يؤدي إلى التناحر والتشرذم والتفرق والضعف؟؟.
إن السبب الرئيس في هذه المسألة هو غياب آداب وأخلاق الاختلاف، فكل يقول رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب.
فلا بد أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضا بعضا فيما اختلفنا فيه.
يقول الدكتور طه جابر العلواني في كتابه القيم (آداب الاختلاف): \"إن من أهم الواجبات أن يدرك الجميع أن أخوَّة الإسلام، ووحدة صفوف المسلمين المخلصين والحفاظ عليها، ونبذ كل ما يسيء إليها أو يُضعف من عراها، فريضة من أهم الفرائض، وعبادة من أهم العبادات، وقربة من أفضل القربات.
إن الأخوة في الله ووحدة القلوب بين المسلمين تحتل المراتب الأولى للواجبات، بل هي في مقدمتها؛ لأنها شقيقة التوحيد وقرينته، كما أن هناك مراتب للمنهيَّات يقع النيل من الأخوة في مقدمتها كذلك؛ ولذلك فإن علماء السلف كثيرًا ما يفعلون المفضول ويتركون الأفضل منه مراعاة للائتلاف وخروجًا من الخلاف، وقد يتركون المندوب، في نظرهم، ويفعلون الجائز تحقيقًا لذلك.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: \"المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سرًّا ولا جهرًا.


>>>>>>>7

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 11:52 AM
وصلَّى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء فصلَّى خلفه أبو يوسف ولم يُعِد.. وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك؟\". أدب الاختلاف في الإسلام , طه جابر العلواني 42.
قال الحريري المتوفي سنة 516
سامح أخاك إذا خَلَطْ * * * منه الإصابةَ بالغَلَطْ
وتجافَ عن تعنيفه * * * إن زاغ يوماً أو قَسَط
وأعلم بأنك إن طلبـ * * * ـت مهذباً رُمت الشطط
من ذا الذي ما ساء قـ * * * ـط ومَن له الحسنى فقط
كما أن علينا الإخلاص والتجرد وطلب الحق لله وحده وليس إنصافا للنفس ولا إتباعا للهوى . وقد كان الإمام الشافعي -رضي الله عنه- يقول كنت أناظر الرجل وأدع الله أن يظهر الحق على لسانه، فغاية الإمام رضي الله عنه ظهور الحق سواء كان على لسانه أو لسان غيره، فليس لديه رأي مسبق، ولكنه يتحاور ويناقش للوصول للحق، وليس التمادي في الباطل، حتى لو ظهر له بطلان رأيه وصواب رأي المخالف.
وكذا عدم التشكيك في النوايا ومعاملة الناس بالظاهر، وترك القلوب لعلام الغيوب: لأنه إذا عاملنا الناس بالنوايا فلن نصل إلى شيء، فلن نتحاور مع غير المسلمين لأنهم يضمرون لنا العداوة والبغضاء، حتى لو أظهروا المودة والمحبة، وحتى لو اتضح فيهم الحياد والموضوعية، ولن نتحاور مع الشيعة لأنهم يأخذون بمبدأ التقية، وقس على ذلك كل اختلاف يحدث لو أدخلنا في التفتيش في النوايا، والبحث عنها ما استطعنا أن نقدم شيئا.
والنبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع المنافقين الذين نزل فيهم قرآن يتلى إلى يومنا هذا، وفضحهم الله عنده وسماهم بأسمائهم وكشفهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطريقة لا تقبل الشك، وعلى الرغم من هذا كله عاملهم النبي بالظاهر، وترك بواطنهم لعلام السرائر.
ولقد علّمنا القرآن أن عدم الإنصاف قرين \"إتباع الهوى\" حيث قال : \" يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) سورة ص.
وقال {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة 8) أي لا تحملكم عداوة قوم أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم بالحق.وقال :{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام 152).
وقد نص العلماء رحمهم الله تعالى على أن من جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فقد كفر. والمعلوم من الدين بالضرورة هو ما لا يجهله جاهل ولا عالم. قال الإمام النووي \"من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة: حُكِمَ بِرِدّته وكفره، وكذا من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة\" النووي على مسلم 1/100 .
ولنتعلم الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة , يذكر أنه في زمن أبي جعفر المنصور ، دخل عليه رجل مجوسي يدعي الإيمان . فقال : إن رائحة الطائفيين حول الكعبة تزعج البعض فلو وضعت على ظهر الكعبة بخوراً وناراً لان هبت الريح شم الناس ريحاً طيباً . فأمر الخليفة بفعل ذلك . وهذه قضية المجوس: الطواف وعبادة النار . فبلغ ذلك العالم يزيد بن النقاش ، فقال : انشروا بين الناس أني ذاهب للحج. فقال أبو جعفر : نذهب معه لنتعلم منه، فتواعد كلاهما أن يلتقيا في التنعيم ليلقي أبو اليزيد درساً في مناسك الحج. فاجتمع الناس وفيهم أبو جعفر. فقال أبو اليزيد : \"إذا قلت أما بعد ، استوقفني. وأحمد الخليفة ، أنه فعل كذا وكذا، حتى إنه وضع البخور على ظهر الكعبة. فبدأ أبو اليزيد حديثه ، فحمد الله ثم قال : أما بعد. فاستوقفه المريد وقال ما أمره به أبو اليزيد فقال أبو اليزيد : اخسأ يا هذا أأنت أفقه من أمير المؤمنين ؟ أمير المؤمنين أفقه مني ومنك وأعلم بكتاب الله مني ومنك. كيف تتدعي على أمير المؤمنين كذباً أنه يفعل كما تفعل المجوس نطوف حول النار. وانفعل أبو اليزيد حتى قال أمير المؤمنين لأحدهم : اذهب بسرعة وانزل البخور وأطفئوا النيران. فانتهى الأمر بأدب، دون تجريح لأحد .
فلنضع نصب أعيننا قول الله تعالى : \" ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل.
وقول النبي اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ. أخرجه أحمد 4/362(19420) \"البُخَارِي\" ، في (الأدب المفرد) 463 و\"مسلم\" 8/22(6690) .
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بالقضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مظلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهدين.
منقول عن : صيد الفوائد
http://www.saaid.net/Doat/hamesabadr/38.htm

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 12:07 PM
ألبدعَة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , اللهم صلى على محمد و آله و أصحابه و تابعيه بإحسان إلى يوم الدين.
من سمات هذا العصر كثرة المحدثات و من المحدثات تأتى البدع و لهذا كان الكلام عنها و التحذير منها أو مما هو محظور منها للبعد عن إحداث أمور ليست من الدين أو ليست جائزة و هذا أيضا أدى بدوره إلى الإختلاف فى مفهوم البدعة المذمومة شرعا ما هى و كيف نستدل عليها من النصوص و الروايات و أقوال الأئمة و السلف الصالح و من هنا جائت الحاجة لهذا البحث.
البدعة لغة : من بدع الشيء يبدعه بدعا ، وابتدعه : إذا أنشأه وبدأه . والبدع : الشيء الذي يكون أولا ، ومنه قوله تعالى : { قل : ما كنت بدعا من الرسل } أي لست بأول رسول بعث إلى الناس ، بل قد جاءت الرسل من قبل ، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني . والبدعة : الحدث ، وما ابتدع في الدين بعد الإكمال . وفي لسان العرب : المبتدع الذي يأتي أمرا على شبه لم يكن ، بل ابتدأه هو.
أما في الاصطلاح، فقد تعددت تعريفات البدعة وتنوعت ؛ لاختلاف أنظار العلماء في مفهومها ومدلولها . فمنهم من وسع مدلولها ، حتى أطلقها على كل مستحدث من الأشياء ، ومنهم من ضيق ما تدل عليه ، فتقلص بذلك ما يندرج تحتها من الأحكام . وسنوجز هذا في اتجاهين .
الاتجاه الأول :
أطلق أصحاب الاتجاه الأول البدعة على كل حادث لم يوجد في الكتاب والسنة ، سواء أكان في العبادات أم العادات ، وسواء أكان مذموما أم غير مذموم .
ومن القائلين بهذا الإمام الشافعي ، ومن أتباعه العز بن عبد السلام ، والنووي ، وأبو شامة . ومن المالكية : القرافي ، والزرقاني . ومن الحنفية : ابن عابدين . ومن الحنابلة : ابن الجوزي . ومن الظاهرية : ابن حزم .
ويتمثل هذا الاتجاه في تعريف العز بن عبد السلام للبدعة وهو :
أنها فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ، وبدعة محرمة ، وبدعة مندوبة ، وبدعة مكروهة ، وبدعة مباحة .
وضربوا لذلك أمثلة : فالبدعة الواجبة : كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله ، وذلك واجب ؛ لأنه لا بد منه لحفظ الشريعة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . والبدعة المحرمة من أمثلتها : مذهب القدرية ، والجبرية ، والمرجئة ، والخوارج . والبدعة المندوبة : مثل إحداث المدارس ، وبناء القناطر ، ومنها صلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد . والبدعة المكروهة : مثل زخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف . والبدعة المباحة : مثل المصافحة عقب الصلوات ، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس . واستدلوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة بأدلة منها :
( أ ) قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح جماعة في المسجد في رمضان نعم البدعة هذه . فقد روي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: ‏ ‏خرجت مع ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس ‏ ‏أوزاع ‏ ‏متفرقون ‏ ‏يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته ‏ ‏الرهط ‏ ‏فقال ‏ ‏عمر ‏ ‏إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على ‏ ‏أبي بن كعب ‏ ‏ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال ‏ ‏عمر ‏ ‏نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله. رواه البخارى و لمسلم نحوه
( ب ) تسمية ابن عمر صلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة ، وهي من الأمور الحسنة . روي البخارى عن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبد الله بن عمر ‏رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى ، قال فسألناه عن صلاتهم - فقال : بدعة .
( ج ) الأحاديث التي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة والسيئة ، ومنها ما رواه مسلم : { ‏من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء }
>>>>>>>2

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 12:10 PM
الاتجاه الثاني :
اتجه فريق من العلماء إلى ذم البدعة ، وقرروا أن البدعة كلها ضلالة ، سواء في العادات أو العبادات .
ومن القائلين بهذا الإمام مالك والشاطبي والطرطوشي . ومن الحنفية : الإمام الشمني ، والعيني . ومن الشافعية : البيهقي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن حجر الهيتمي . ومن الحنابلة : ابن رجب ، وابن تيمية .
وأوضح تعريف يمثل هذا الاتجاه هو تعريف الشاطبي ، حيث عرف البدعة بتعريفين :
الأول أنها :
طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه .
وهذا التعريف لم يدخل العادات في البدعة ، بل خصها بالعبادات ، بخلاف الاختراع في أمور الدنيا .
الثاني أنها :
طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية .
وبهذا التعريف تدخل العادات في البدع إذا ضاهت الطريقة الشرعية ، كالناذر للصيام قائما لا يقعد متعرضا للشمس لا يستظل ، والاقتصار في المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة .
واستدل القائلون بذم البدعة مطلقا بأدلة منها :
( أ ) أخبر الله أن الشريعة قد كملت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئا ؛ لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكا على الله سبحانه وتعالى . وتوحي بأن الشريعة ناقصة ، وهذا يخالف ما جاء في كتاب الله .
( ب ) وردت آيات قرآنية تذم المبتدعة في الجملة ، من ذلك قوله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }
( ج ) كل ما ورد من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدعة جاء بذمها ، من ذلك حديث العرباض بن سارية : { ‏‏صلى بنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ‏ ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏ ‏ووجلت ‏ ‏منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال‏ ‏أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي ‏ ‏وسنة الخلفاء ‏ ‏المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها ‏ ‏بالنواجذ ‏ ‏وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة } رواه أبو داود و لباقى أصحاب السنن و أحمد مثله و صححه الألباني.
( د ) أقوال الصحابة في ذلك ، من هذا ما روي عن مجاهد قال : دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا ، وقد أذن فيه ، ونحن نريد أن نصلي فيه ، فثوب المؤذن ، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد ، وقال : " اخرج بنا من عند هذا المبتدع " ولم يصل فيه.
يتضح مما سبق أننا بصدد إتجاهين الأول أن البدعة فيها ما هو مباح بل و واجب و الإستدلال بحديث "من سن فى الإسلام سنة حسنة" و قول عمر بن الخطاب "نعم البدعة" لإقامة صلاة التراويح جماعة و الإتجاه الثانى بأن البدع كلها محرمه و الإستدلال بحديث "كل بدعة ضلالة".
أقول:
إن مقارنة الأمثلة التى إعتمد عليها كل فريق و فهم الأحاديث الواردة فى هذا الشأن فى إطارها الصحيح هو هام لإستنباط ما هى البدعة المذمومة شرعا.
قبل البحث فى أدلة الفريقين يجب التأكيد على قاعدة أصولية هنا و هى أن فى الأحكام الشرعية العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و بذلك فإن معرفة سبب نزول بعض الآيات و ورود بعض الأحاديث لا يؤثر فى الحكم الذى جاءت به ولا يقيدها بسبب النزول بل الحكم يكون عاما إلا ما خصص بنص آخر من الكتاب و السنة و لكن فى بعض الأحيان معرفة مناسبة النص تفيد فى فهم المصطلحات التى جاءت فيه فاللفظ فى اللغة العربية فى بعض الأحيان قد يحتمل أكثر من معنى و للوقوف على المعنى المراد ينبغى قراءة النص في سياقه الصحيح مع ما قبله أو بعده أو معرفة المناسبة التى قيل فيها خصوصا إذا تشابه هذا النص مع آخر و حصل بعض الإشكال فى فهم المراد منه كما هو الحال فى أمر البدعة و السنة الحسنة.
>>>>>>>3

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 12:12 PM
الأمر الآخر الذى يجب التننويه إليه هو قول أو فعل الصحابة خصوصا الخلفاء الراشدين هل هو يعتبر حجة أم لا
و أجد ملخصه فى فتوى شيخ الإسلام بن تيمية - المجلد الأول:
"ومن قال من العلماء‏:‏ ‏[‏إن قول الصحابى حجة‏]‏ فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على القول، فقد يقال‏:‏ ‏[‏هذا إجماع إقراري‏]‏ إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل ‏.‏
وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال‏:‏ ‏[‏حجة‏]‏‏.‏ وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم" إنتهى كلامه.
و الآن نبدأ فى أدلة الفريق الأول و أهم هذه الأدلة هو حديث "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء" فإن المتن الكامل لهذا الحديث كما رواه مسلم كما يلى:
"حدثني ‏ ‏زهير بن حرب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جرير بن عبد الحميد ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏موسى بن عبد الله بن يزيد ‏ ‏وأبي الضحى ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن هلال العبسي ‏ ‏عن ‏ ‏جرير بن عبد الله ‏ ‏قال ‏
جاء ناس من ‏ ‏الأعراب ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم ‏ ‏حاجة ‏ ‏فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من ‏ ‏الأنصار ‏ ‏جاء بصرة من ‏ ‏ورق ‏ ‏ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء"
يتضح من مناسبة هذا الحديث والسياق الذى جاء فيه أن:
السنة الحسنة المقصودة هى ما كان إحياء لسنة نبوية بعد أن هجرها الناس فالصحابى الذى قيل فى فعله هذا الحديث لم يقم بإبتداع شئ فى الدين ليس فيه بل هو إمتثل لحث النبى صلى الله عليه و سلم فى التصدق على هؤلاء الأعراب فكان أول من بادر بالتصدق و لما رأى الناس منه ذلك قام منهم من إقتدى به و جعل يتصدق هو الآخر فكان من كرم الله تعالى أن جعل له أجره و مثل أجر كل من إقتدى به و الأصل فى هذا راجع إلى أمر النبى صلى الله عليه و سلم أو حثه على التصدق على هذا الرهط من الأعراب.
و أما الدليل الثانى و هو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه "نعم البدعة" أو "نعمت البدعة" فى جعل صلاة التراويح فى جماعة بدلا من صلاتها فرادى فلابد هنا أن ننظر إلى هذه المسألة فى زمن النبى ‏صلى الله عليه وسلم ‏ و هل حدثت أم لا , أقرها أم لم يقرها , و لماذا حتى نصل إلى الفهم الصحيح لفعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه , و ورد أكثر من حديث فى هذا , وجدت من أصحها و أشملها هو ما أخرجه البخارى فى صحيحه و نصه كما يلى:
"وقال ‏ ‏المكي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن سعيد ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثني ‏ ‏محمد بن زياد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن جعفر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن سعيد ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏سالم أبو النضر ‏ ‏مولى ‏ ‏عمر بن عبيد الله ‏ ‏عن ‏ ‏بسر بن سعيد ‏ ‏عن ‏ ‏زيد بن ثابت ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال ‏
‏احتجر ‏ ‏رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حجيرة مخصفة أو حصيرا فخرج رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم ‏ ‏وحصبوا ‏ ‏الباب فخرج إليهم مغضبا فقال لهم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"
و قوله "و قال المكى" قال الإمام بن حجر العسقلانى"و قال المكى" هو ابن إبراهيم البلخي أحد مشايخه , وقد وصله أحمد والدارمي في مسنديهما عن المكي بن إبراهيم بتمامه , إذن فالحديث متصل السند و صحيح الثبوت.
>>>>>>>4

حاتم الشرباتي
10-01-2013, 12:15 PM
يظهر من الحديث عدة أمور:
الأول: -
أن صلاة التراويح فى جماعة حدثت فى زمن النبي و أقرها فترة من الزمن - و الإقرار هنا أنه صلى بهم و لم ينكر عليهم.
و بالتالى فإن عمر بن الخطاب لم يأتى ببدعة حقيقية لم تكن معهودة من قبل و على هذا فتسميته لها بدعة هو من باب المجاز فقط من باب أنها لم تكن موجودة فى خلافته قبل ذلك ولا خلافة أبى بكر الصديق و فترة من زمن النبي صلى الله عليه و سلم و لكنها كانت فى زمنه صلى الله عليه و سلم قبل ذلك.
الثانى: -
أنه لما أبطأ عليهم بعد ذلك و لم يخرج ليصلى بهم التراويح جماعة بين صلى الله عليه و سلم العلة فى ذلك و هو أنه خشى أن تفرض عليهم.
و هذه العلة انتفت بالطبع بعد موته صلى الله عليه و سلم و بالتالى فإن إقامتها فى جماعة لا يخشى فيه من أن تفرض.
الثالث: -
قوله صلى الله عليه و سلم "فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"
هذا نص صحيح صريح فنحن نؤمن به و نقره و هذا لا يطعن فى فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه لماذا لأن عمر بن الخطاب لم يدعو الناس أن يأتوا من بيوتهم ليصلوا التراويح فى المسجد بل هو جمع من كانوا يصلون فى المسجد بالفعل للصلاة جماعة بدلا من أن يصلوها فى المسجد فرادى.
كذلك قوله "فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" فالمفهوم من القول أن كلا الأمرين جائز و الصلاة فى البيت أفضل (إلا المكتوبة) و هنا يكون إقرار عمر بن الخطاب للناس أن يصلوا التراويح فى المسجد كان إقرار أمر مباح فهو أقر المفضول مع وجود الأفضل منه لأمر رآه مندوبا فهناك ربما من لا يحفظ كثيرا من القرآن يقضى به إحدى عشر ركعة يوميا أو لا يجيد تلاوته أو هناك عارضا فى بيته يصعب عليه معه الخشوع فى الصلاة و ما إليه و بالتالى يكون إختيار المفضول مع وجود الأفضل له ما يبرره.
إذن عمر بن الخطاب لم يأت ببدعة لم تكن معروفة لكنه إختار بين أمرين كلاهما حدث فى زمن النبي كلاهما مباح و هو مع ذلك لم يأمر بإقامتها فى المسجد إنما فقط جمع من كانوا يصلونها فى المسجد أصلا على قارئ واحد فتسميته لها "بدعة" هى من باب المجاز كما أسلفنا.
و بالنسبة إلى الأمثلة التى ذكرها أصحاب الإتجاه الأول فنجد أن البدع الواجبة عندهم كالإشتغال بعلم النحو أو مباحة كالتوسع فى المأكل و المشرب هى أشياء فى أمور الدنيا أما ما كان منها محرما كمذاهب القدرية و المرجئة و الخوارج أو مكروها مثل زخرفة المساجد و تزويق المصاحف فهى من أمور الدين , و من ذلك يتبين أن تعريف البدعة عند أصحاب الإتجاه الأول هو تعريف "لغوي" أكثر منه "شرعي" فهم نظروا إلى البدعة بمعناها العام اللغوي بمعنى أنها أى شئ أستجد لم يكن فى عهد النبي صلى الله عليه و سلم سواء كان فى الدين أو الدنيا و لكن ليس البدعة كمصطلح شرعى و لذا فإن هذا التعريف يفتح الباب أمام إستحسان بعض أنواع البدع فى الدين بزعم أن هناك بدعا مباحة و مندوبة و هذا مخالف لما ورد فى الحديث الصحيح "كل بدعة ضلالة".
على الخلاف من ذلك كان أصحاب الإتجاه الثاني فهم نظروا إلى البدعة كمصطلح شرعى و قالوا أن البدع كلها مذمومة و هذا يتفق مع حديث "كل بدعة ضلالة" , و الإمام الشاطبي يقول فى كلا تعريفيه للبدعة بأنها
"طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشريعة"
و من هذا التعريف أو كلا التعريفين يكون واضحا أن:
البدعة (المذمومة شرعا) و المقصودة فى حديث "كل بدعة ضلالة" هى التى تكون فى الدين و تؤدى إلى إحداث تغيير فى سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم و خلفائه الراشدين أو العادات التى تحاكى شعائر دينية.
أمثلة على البدع مما هو فى زماننا:
- التطريب و التلحين المبالغ فيه فى قراءة القرآن.
- إدخال أقوال أو أدعية فى الآذان مما ليست منه.
- التبرك بالأضرحة و القبور.
منقول عن :http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/misc/vbulletin3_logo_white.gif