منتدى الزاهد

منتدى الزاهد (http://www.sharabati.org/vb/index.php)
-   أنظمة المجتمع (http://www.sharabati.org/vb/forumdisplay.php?f=43)
-   -   أنظمة المجتمع والإرهاصات (http://www.sharabati.org/vb/showthread.php?t=2080)

حاتم الشرباتي 03-15-2016 08:38 AM

أنظمة المجتمع والإرهاصات
 
أنظمة المجتمع والإرهاصات
002......ميثاق الأمة
003......أحكام عامة
006......أحكام متنوعة
007......ألكتاب
008......السنة
009......فهم الكتاب والسنة
010......سن الدستور والفوانين
011......المجتمع
012......الاقتصاد
013......الدولة
014......شكل الدولة
015......السياسة الخارجية
016......




حاتم الشرباتي 03-15-2016 08:39 AM

ميثاق الأمة
 
الميثاق لغة وشرعاً العهد قال تعالى : ( إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ، وقال : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة إلى أهله ) ، وقال : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) ،وقال:(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه ) .
ويطلق اصطلاحاً في هذا العصر على مجموعة من القواعد يؤمن بها الشعب ، ويجعلها وجهة نظره في الحياة ، ويتخذها مصدراً لدستوره وقوانينه .
والشعب الذي يتخذ ميثاقاً له إنما هو الشعب الناشيء ، الذي انشأ له دولة ، وبدأ حياة جديدة غير حياته التي كان يعيش عليها ، كما هي الحال في الدول الافريقية ، وفي كل دولة ناشئة حديثاً وبادئة في حياة جديدة غير حياتها الأولى .
وحين انفصلت البلدان العربية عن جسم الخلافة العثمانية عند انتهاء الحرب العالمية الأولى ، حاول كل قطر صار كياناً أن يضع له ميثاقاً ، سمّاه الميثاق الوطني ، أو الميثاق القومي . كما حصل في العراق وسورية مثلاً . أما الشعوب والأمم العريقة الوجود فلا تفكر في وضع ميثاق لها ، لأنه قد تركزت عندها عقيدة سياسية معينة ، وتركزت لديها قواعد معينة جعلتها وجهة نظرها في الحياة ، واتخذتها مصدراً للأحكام التي تقوم مقام الدستور والقوانين ، إن لم يكن لديها دستور وقوانين ، واتخذتها مصدراً للدستور والقوانين ، إن كان لها دستور وقوانين . وهذه القواعد محفوظة ومعروفة ومتفق عليها دون أن تكتب ، ودون أن يقال عنها أنها ميثاق الأمة ، أو ميثاق وطني ، أو ميثاق قومي ، وهذه هي الحال في جميع الدول العريقة .
والأمة الإسلامية مِن أعرق الأُمم على الأرض وعندها عقيدة سياسية ، هي وحدها العقيدة الصحيحة ، وتركزت في نفوسها أفكار وأحكام جعلتها وجهة نظرها في الحياة ، واتخذتها مصدراً للأحكام التي تنظم الدولة وسائر العلاقات ، أو ما يسمونه بالدستور والقوانين ، وقد سطر ذلك كله في مصدرين عظيمين هما الكتاب والسنة . ولهذا ليست هي في حاجة إلى ميثاق يسمى ميثاق الأمة ، ولا يصح أن يكون لها ميثاق وطني ، أو ميثاق قومي ، لأن الكتاب والسنة يوجبان عليها محاربة الرابطة الوطنية والرابطة القومية .
غير أنَّ هذه الأمة الإسلامية لما تأثرت بالأفكار الغربية ، من جرّاء الغزو التبشيري والثقافي ، ثم السياسي والعسكري ، من الدول الغربية الكافرة لبلاد المسلمين .
ولما بعدت عن تطبيق الإسلام في الدولة والمجتمع ، بعد أن قُضي على دولة الخلافة عام 1924م .
فَقَدَ الكتاب والسنة في نفوس أبنائها الصفة السياسية ، والصفة التشريعية ، ولم تعد العقيدة الإسلامية لديهم عقيدة سياسية .
فضعف عندهم من جراء ذلك تَصوُّر أن الإسلام عقيدة ونظام للحياة والدولة والمجتمع .
إلا أن هذه الأمة الإسلامية العريقة صحت من غفوتها ، بعد المعاناة الشديدة ، التي لحقتها من جراء بُعدها عن الإسلام ، ومن جراء سيطرة الغرب وأفكاره وأنظمته ، وعملائه . وبعد أن كشفت الغرب على حقيقته البشعة ، وأدركت فساد أفكاره وأنظمته ، وفساد الأفكار والأنظمة الإشتراكية والشيوعية ، وفساد القومية والإقليمية ، ومدى خطرهما عليها ، وعلى كيانها كأمة .
فعادت إلى إسلامها لتجد فيه الحل لمشاكلها ، واصبح هو أملها في الخلاص ، وفي إنقاذها مما تعانيه وتكابده ، وأصبحت تتصور أن العقيدة الإسلامية هي عقيدة سياسية ، وأن الكتاب والسنة يحويان نظاماً كاملاً للحياة والدولة والمجتمع ، وأنهما لهما الصفة السياسية والصفة التشريعية . وصارت تدرك أن خلاصها وإنقاذها ونصرها لا يتم إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة ووضعهما موضع التطبيق والتنفيذ .
ولذلك كان الأمر الطبيعي والأمة تشعر بضرورة تغيير المجتمع الحالي ، وتؤمن بالكتاب والسنة أن يجعل الكتاب والسنة ميثاق الأمة ، وأن يتخذا مصدراً للدستور والقوانين . غير أن اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً للأمة لا بد أن يظهر في خطوط عريضة ، تبرز فيها أفكار تحوي كيفية التطبيق في اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً ، وتتضمن ما يضمن سلامة السير في تعيين ماذا يعني الكتاب ، وماذا تعني السنة ، وتبين ما هو أسلوب فهمهما ، وكيف يكونان مصدر الدستور والقوانين ، وتشرح ما هي ماهيَّة الدولة التي تقوم على أساسهما ، من أجل تنفيذهما ، ولذلك كان لا بد من أن يكون اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً مبلوراً في خطوط عريضة تعبر عن الصورة العملية لاتخاذ الميثاق ، ومن هنا وجدت فكرة هذا الميثاق .
وهذه هي الخطوط العريضة التي يتبلور فيها اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً للامة .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 08:41 AM

ميثاق الأمة - أحكام عامة
 
أحكام عامة
1 – لقد آمنت الأمة بالإسلام عقيدة ونظاماً ، وطريقة معينة في العيش ، ووجهة نظر في الحياة تعيش بحسبه ، وتحيا في الدنيا من أجله ، وتحمله للعالم قيادة فكرية ورسالة عالمية .
2 – الإسلام هو الدين السماوي الذي أنزله الله سبحانه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتنظيم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره من بني الإنسان .
3 – الإسلام إنما يتمثل بالكتاب والسنة .
4 – الكتاب والسنة نزل بهما الوحي من عند الله على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالكتاب جاء به الوحي لفظاً ومعنىً من عند الله ، والسنة جاء بها الوحي معنىً من عند الله وعَبَّر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ من عنده .
5 – يجب على كل مسلم مكلّف أن يتقيد في جميع أفعاله بالأحكام الشرعية ، ولا يحلّ له أن يكون فِعلٌ من أفعاله بوصفه عبداً لله على غير ما جاء في خطاب الشارع ، أي على غير الحكم الشرعي لقوله تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) ، ولقوله : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ، ولقوله تعالى:( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . فالتقيد بالحكم الشرعي هو من مقتضيات العقيدة الإسلامية ، ولذلك قال تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) .
6 – العقيدة الإسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى .
7 – العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين ، ولا بد أن يكون دليل العقيدة قطعياً ، لأن الله ذمَّ الذين يعتقدون عن ظن ، فقال تعالى :( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) ، فنعى على من يتبعون الظن عند الكلام على العقيدة ، واعتبر الظن ضلالاً فقال :(وإن تطع أكثر مَن في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن)، ولم يعتبره علماً فقال :( وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) .
8 – الحكم الشرعي يجوز أن يؤخذ عن ظن ، ويجوز أن يؤخذ عن يقين . فخبر الآحاد يعتبر حجة في الأحكام الشرعية كلها ، ويجب العمل به سواء أكانت أحكام عبادات ، أم معاملات أم عقوبات ، أم غير ذلك ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرُبَّ حامل فقه لا فقه له ، ورًبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " .
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " عبداً " ولم يقل عبيداً ، وعبد جنس يصدق على الواحد وعلى الأكثر ، فمعناه أنه يمدح الواحد والآحاد في نقل حديثه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في وقت واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام ، وكان كل رسول واحداً في الجهة التي أُرسِل إليها ، فلو لم يكن تبليغ الدعوة واجب الاتباع بخبر الواحد لما اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بإرسال واحد للتبليغ ، وقد انعقد إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد في الأحكام الشرعية .
9 – العقيدة والاعتقاد بمعنى واحد ، وهو الإيمان ، والإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل . فلا بد أن تجتمع هذه الثلاث معاً وهي الجزم ، والمطابقة للواقع ، وأن يكون ذلك عن دليل ، أن تجتمع في التصديق حتى يصح أن يكون إيماناً ، أي عقيدة . ولهذا لا يحرم التصديق غير الجازم بخبر الآحاد ، لأنه لا يكون اعتقاداً .
10 – الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء ، أو بالتخيير ، أو بالوضع ، فخطاب الشارع هو الحكم الشرعي ، ولهذا فإن ما ليس خطاباً للشارع لا يعتبر حكماً شرعياً . والحكم هو الرأي في المسألة المتعلقة بفعل العبد ، وهذا الرأي إن كان من الشارع فهو حكم شرعي ، وإن كان من غير الشارع فليس حكماً شرعياً ، وتعتبر التعاريف الشرعية والقواعد الكلية أحكاماً شرعية إذا استنبطت باجتهاد صحيح .
11 – العقيدة والحكم الشرعي كلّ منهما فكر ، ولكنهما يختلفان بالنسبة لتعلق هذا الفكر ، فإن كان متعلقاً بفعل العبد فهو حكم شرعي ، سواءً أكان متضمناً ما يؤمن به ، أم لم يتضمن ، وإن كان غير متعلق بفعل العبد ، وإنما هو يتعلق بأفعال القلب ، أي بالتصديق ، وعدم التصديق فهو من العقيدة ، فبالنسبة لما جاء في خطاب الشارع من أفكار ينظر ، فإن كان مما طُلب الإيمان به ، ولم يطلب فيه العمل ، كالقصص والإخبار بالمغيبات فهو من العقيدة ، وإن كان مما طُلب فيه العمل فهو من الأحكام الشرعية . فقوله تعالى : (آمِنوا بالله ورسوله)، وقوله :( الله خالق كل شيء ) ، وقوله : (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) ، وقوله : (وَيُطافُ عليهم بآنية من فضة) وما شابه ذلك من نصوص الشرع التي لم يطلب فيها عمل يعتبر من العقيدة . وقوله تعالى : (فإن ارضعن لكم فآتوهن أجورهنَّ ) ، وقوله : ( وأحل الله البيع )، وقوله :(إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)، وقوله
صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا " ، وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع ، من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر المسيح الدجّال " ، وما شاكل ذلك من نصوص الشرع التي طُلب فيها عمل يُعتبر من الأحكام الشرعية .
وأما بالنسبة لما لم يأتِ في خطاب الشارع من الأفكار المتجددة فإنه يُفهم واقعها أولاً ممن لهم خبرة بفهم هذا الواقع ، ثم يُفهم النص الشرعي المتعلق بجنس هذا الواقع ، أو الذي يحوي عِلّة متعلقة بهذا الواقع وبجنسه ، ثم يُطبَّق هذا النصُّ على ذلك الواقع ، فإن انطبق عليه كان داخلاً تحته، فيُعطى ما لذلك النصّ من حيث كونه قد طُلب فيه عمل ، أو لم يُطلب عمل فيعرف ما إذا كان من العقائد ، أو من الأحكام ، فيعتبر كأنه جاء في خطاب الشارع ، لأن خطاب الشارع قد جاء بحكمه . وهكذا جميع الأفكار ، فكل فكر متعلق بفعل العبد فهو من الأحكام الشرعية ، وكل فكر ليس متعلقاً بفعل العبد فهو من العقائد .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 08:41 AM

12 – الأمة هي مجموعة من الناس تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها ، والأمة الإسلامية تجمعها العقيدة الإسلامية ، والعقيدة الإسلامية تنبثق عنها الأحكام الشرعية ، فالمسلون أمة واحدة .
13 – الرابطة التي تربط المسلمين بعضهم مع بعض هي العقيدة الإسلامية ، وبهذه العقيدة تحصل الأُخُوَّة الإسلامية ، قال تعالى :( إنما المؤمنون إخوة )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم " ، فبالإيمان بالإسلام صاروا إخوة .
14 – الرابطة التي تربط الرعية في الدولة هي التابعية ، وليس العقيدة الإسلامية ، فمن يحمل التابعية يملك جميع الحقوق التي يستحقها ، والواجبات التي تجب عليه ، ولو كان غير مسلم ، ومَن لا يحمل التابعية فليس له ما للمسلمين ، وليس عليه ما عليهم ، لأن الذمّي قد ضمن له الشرع ذلك . لما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوّا العاني " ، قال أبو عبيد ( وكذلك أهل الذمة يُجاهد مِن دونهم ، ويفك عُناتهم ، فإذا استُنقِذوا رجعوا إلى ذمتهم وعهدهم أحراراً ، وفي ذلك أحاديث ) ، ولأن المسلم الذي لا يرحل للعيش تحت سلطان المسلمين ليس له ما للمسلمين ، وليس عليه ما عليهم . لما ورد في حديث سليمان بن بريدة " أدعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم انهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين " فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، أي لتشملهم الأحكام .
15 – التابعية هي حمل الولاء للدولة والنظام ، واتخاذ دار الإسلام تحت ظل سلطان الإسلام دارَ إقامة دائمية .
16 – القومية نعرة خبيثة وعنصرية مدمّرة ، وقد حَرَّمها الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : " إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تُكنوا " وقال عن الحمية الجاهلية : " دعوها فإنها منتنة " وجاء في مسلم أن رسول الله صلى الله علية وآله وسلم قال : " ومن قاتل تحت راية عُميّة يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقَتْلَة جاهلية " . والقومية حين دستها الدول الكافرة بين المسلمين مزقت شمل المسلمين إلى أقوام وأجناس ، فحين تحركت في المسلمين القومية التركية ، والقومية العربية ، والقومية الكردية ، والقومية الفارسية تصدَّع صفَ الأمة الإسلامية ، فأدى ذلك إلى تفرق كلمة المسلمين ، وتمزُّق دولتهم ، وانفصال أقطارهم بعضها عن بعض ، فكان خطرها مدمراً للامة الإسلامية ، وهادماً للدولة الإسلامية ، وإذا تمكنت من المسلمين جعلتهم أمماً ، وحفرت بين بلادهم خندقاً لا يمكن ردمه ، ولا يتأتى أن يُعقَد فوقه جسر ، وجعلت بينها حدوداً كجدار من رصاص ، يجعلها بالنسبة لبعضها دار حرب ، ولذلك كانت الدعوة إلى القومية إثماً كبيراً ، ومنكراً فظيعاً ، وكان اتخاذها رابطة إجراماً في حق المسلمين ، وفي حق الإسلام ، فيجب محاربة القومية ، ومقاومة الدعوة لها ، وجوباً كوجوب الجهاد . ومثل القومية في الإثم والشر الإقليمية والمذهبية الطائفية ، فهذه كلها تؤدي إلى تفتيت الأُمة وبالتالي إضعافها ، فيعامل كل من يدعو إلى القومية والإقليمية والمذهبية الطائفية معاملة المجرم الذي يستحق أقسى العقوبات .
17 – العالم كله من بلاد إسلامية ، وبلاد غير إسلامية إما دار إسلام ، وإما دار حرب وكفر ، ولا ثالث لهما مطلقاً ، ودار الإسلام هي البلاد التي تُحكم بسلطان الإسلام ، وتُطبَّق عليها أحكامه ، وأمانها بأمان المسلمين ، أي بسلطانهم ، وأما دار الكفر أو دار الحرب فهي البلاد التي لا تُحكَم بسلطان الإسلام ، ولا تُطبَّق عليها أحكامه ، أو التي أمانها بغير أمان المسلمين ، أي بغير سلطانهم ، لأن إضافة الدار للحرب أو للكفر ، أو إضافتها للإسلام هي إضافة للحكم والسلطان ، لا للسكان ولا للبلاد . بدليل أن الرسول ïپ² اعتبر ذلك في وصفه دار المهاجرين ، وإعطاء مَن يأتيها أن يكون له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم مِن الأحكام ، ففي حديث سليمان بن بريدة " ثم ادعهم إلى التحوّل مِن دارهم إلى دار المهاجرين " فأمَر بالتحوّل مِن بلاد ليس عليها سلطان الإسلام إلى بلاد عليها سلطان الإسلام ، ثم قال بعد ذلك مباشرة " وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين " . فرتب على التحوّل أحكاماً ، وجعل التحوّل شرطاً ليكون لهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما عليهم ، مما يدل على أن الدار إنما تُعتَبر بالسلطان والأحكام والأمان ، فبحسبها تكون ، فان كانت إسلامية كانت دار إسلام ، وإن كانت كفراً ، كانت دار كفر .
18 – لا يجوز لمن يقيم إقامة دائمية في دار الحرب أي دار الكفر أن يدخل دار الإسلام إلا بأمان ، أي إلا بإذن خاص للدخول ، لأن الحربي يُمنَع مِن دخول دار الإسلام إلا بأمان ، وأما مَن كانت داره دار إسلام ، ولم يكن داخلاً تحت سلطان الخليفة ، كأن كان خارجاً عن الخلافة ، أو لم تنضم بلاده لسلطان الخلافة ، فإنه يدخل بغير أمان ، أي بغير إذن ، وحكمه في الدخول كحكم مَن كان داخلاً تحت سلطان الخليفة سواءً بسواء ، من غير أي فرق بينهما .
19 – البلاد الإسلامية هي البلاد التي حكمها المسلمون بسلطان الإسلام ، وطُبِّقت عليها أحكام الإسلام ، سواء أكانت لا تزال عامرة بالمسلمين كالقفقاس ، أو كانت قد أُجلي عنها المسلمون ، واستوطنها الكفار كالأندلس المسماة باسبانيا فكلها بلاد إسلامية ما دام قد حكمها المسلمون بسلطان الإسلام ، وطُبّقت عليها أحكام الإسلام ، ويترتب على ذلك أن تظل أحكام أراضيها كما كانت يوم سلطان الإسلام ، إن فتحت فتحاً كانت أرضها خراجية كالأندلس ، وإن اسلم أهلها عليها كانت أرضها عشرية كاندونيسيا ، وكذلك كل بلاد تسكنها أكثرية إسلامية ، ولو لم يسبق أن حكمها المسلمون ، فهي بلاد إسلامية ، لأنه قد اسلم أهلها عليها .
20 – الوحدة بين البلاد الإسلامية فرض على المسلمين لأن الإسلام حَرَّم تعدُّد الدولة الإسلامية ، فحرّم تعدّد الخلافة ، قال صلى الله عليه وسلم : " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " ، فإنه ينهى عن تقسيم الدولة إلى دولتين ، إذ منازعة الخليفة اقتطاع جزء من البلاد ، وإقامة خلافة ثانية فيها ، وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " فإنه ينهى عن إقامة دولتين في البلاد الإسلامية ، إذ مبايعة خليفتين هي إقامة دولتين ، فهذه النصوص صريحة في تحريم تعدّد الدول ، فإذا تعددت كان ذلك منكراً وجبت إزالته ، وإزالة تعددها إنما هو توحيدها .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 08:42 AM

21 – غير المسلمين مخاطبون بأحكام الإسلام بالأصول والفروع سواء بسواء ، لأن الإسلام جاء لجميع الناس . قال تعالى : (وما أرسلناك إلا كافة للناس) ولأن الله سبحانه قد كلفهم صراحة ببعض الفروع ، فالآيات الآمرة بالعبادة متناولة للكفار ، كقوله تعالى : (يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) وقوله : ( ولله على الناس حج البيت) ولأنهم لو لم يكونوا مكلفين بالفروع لما أوعدهم عليها ، فقد قال تعالى : (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة)، وقال :(فلا صَدَّق ولا صلَّى ولكن كذب وتولّى ) ، وقال : (ما سلككم في سقر قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين)، فثبت كونهم مكلفين ببعض الأوامر والنواهي ، فكذلك سائر الأوامر والنواهي ، فهم مخاطبون بأحكام الإسلام ، ومكلفون بالفروع كما هم مكلفون بالأصول إلا أنهم لا يكرهون على تغيير عقائدهم ، ولا على تغيير الأحكام التي هي عندهم من العقائد ، ويُقَرُّون على ما أقرَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام ، وذلك لقوله تعالى : (لا إكراه في الدين) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إنه مَن كان على يهوديته ونصرانيته فلا يُفتَن عنها " ، فيتركون وما يعتقدون وما يعبدون ، وأي فعل اقرهم الرسول  عليه كشربهم الخمر ، وكزواجهم فإننا لا نتعرض لهم ، وما عدا ذلك من العقوبات والمعاملات فإنه يطبق عليهم كما يطبق على المسلمين ، سواء بسواء ، ويُستثنى من ذلك البعثات الدبلوماسية ، فإن لهم ما يسمى بالحصانة الدبلوماسية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة : " أمَا والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما " .
22 – الذين ارتد آباؤهم عن الإسلام ، ووُلدوا بعد ارتداد آبائهم ، أي وُلدوا من أبوين كافرين مرتدين فإنهم يعتبرون كفاراً ، ولا يعتبرون مرتدين ، أما عدم اعتبارهم مرتدين ، فلأنهم لم يرتدوا هم ، بل الذين ارتدوا هم آباؤهم ، فلا ينطبق عليهم أنهم ارتدوا ، وأما اعتبارهم كفاراً فلأنهم تولدوا من أبوين كافرين ، وكل من تولد من أبوين كافرين كافر ، لما رُوي عن ابن مسعود : " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل عقبة بن أبي مُعَيْط قال : مَن للصبية ؟ قال : النار " وفي رواية " النار لهم ولأبيهم " ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال : " هم منهم " وهؤلاء الذين ارتد آباؤهم يعاملون معاملة الذين الذي وُلدوا عليه ، فإن كان اليهودية أو النصرانية عوملوا معاملة اليهود أو النصارى ، أي معاملة أهل الكتاب ، وإن صاروا مشركين عوملوا معاملة المشركين ، فلا تؤكَل ذبائحهم ولا تُنكَح نساؤهم .
23 – الرأسمالية كالشيوعية كلّ منهما كفر ، والاشتراكية بجميع أنواعها كفر ، فعقيدة فصل الدين عن الدولة عقيدة كفر ، وعقيدة المادية والتطور المادي عقيدة كفر ، واشتراكية الدولة ، والاشتراكية الزراعية وما شابهها كفر ، وكما أن النصرانية دين كفر ، فكذلك الرأسمالية مبدأ كفر ، وكما أن اليهودية دين كفر ، فكذلك الشيوعية مبدأ كفر ، لأنها كلها ملل كفر ، والكفر ملّة واحدة ، وكذلك جميع أنواع الاشتراكية كفر .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 08:43 AM

ميثاق الأمة - أحكام متنوعة
 
أحكام متنوعة
24 – شاعت في هذا العصر كلمتا حضارة ومدنية ، صارتا تطلقان على شيء واحد هو إنتاج العقل ، فتطلقان على الفلسفة والفكر ، وكل ما يتعلق بوجهة النظر في الحياة ، وتطلقان على الأشكال المادية المحسوسة ، مما تُنتجه الصناعة والفن ، وكل ما هو مِن الأشكال المحسوسة في الحياة ، فيُقال حضارة الأُمم السابقة ، ومدنية الأمم السابقة ويُراد بهما ما تركته هذه الأمم ، مِن أفكار تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، كالدين والفلسفة وما شاكل ذلك ، وما تركته من آثار مادية وأشكال محسوسة . كالبناء والأدوات المصنوعة وغير ذلك ، وكذلك يُقال حضارة هذا العصر ومدنية هذا العصر ، ويراد بهما هذا المعنى ، وهو كل ما يُنتجه العقل مِن فكر ، ومن أشكال مادية . وهذا الإطلاق على هذا الوجه لهاتين الكلمتين خطأ ، فإن ما يُنتجه العقل مما يتعلق بوجهة النظر في الحياة متباين تمام التباين مع ما يُنتجه مِن الأشكال المادية المحسوسة كالصناعات والاختراعات ، والصواب أن تطلق إحداهما على أحد هذين الأمرين وتطلق الكلمة الثانية على الأمر الآخر ، والأولى أن تطلق كلمة الحضارة على إنتاج العقل مما يتعلق بوجهة النظر في الحياة ، لأنها من الحضر مقابل البدو ، فإنه يراد منها طريقة الحياة ، وأن تُطلق كلمة مدنيّة على الأشكال المادية المحسوسة ، فَتُعَرّف الحضارة بأنها مجموعة المفاهيم عن الحياة ، وتعرّف المدنية بأنها الأشكال المادية المحسوسة .
والحضارة تختلف باختلاف الأمم وطرائقها في العيش ، فالحضارة الشيوعية هي غير الحضارة الغربية ، والحضارة الإسلامية غير الحضارة الغربية ، وغير الحضارة الشيوعية ، ولا توجد حتى الآن حضارة إنسانية مطلقاً ، لأن مجموعة مفاهيم الأمم والشعوب عن الحياة مختلفة ومتباينة ، فما لدى الإنسانية من حضارات هو حضارات مختلفة ومتباينة ، وكذلك ما في تاريخ العالم من حضارات هو حضارات مختلفة متباينة ، فحضارة الإسلام غير حضارة الروم ، وحضارة اليونان غير حضارة الفرس وهكذا ، فكلمة حضارة إنسانية لا وجود لها .
25 – الحضارة الإسلامية تتناقض مع الحضارة الغربية ، وتتناقض كذلك مع الحضارة الشيوعية ، فأساس الحضارة الإسلامية هو العقيدة الإسلامية ، بخلاف أساس الحضارة الغربية ، فإن أساسها هو فصل الدين عن الدولة ، وبخلاف أساس الحضارة الشيوعية فإن أساسها هو المادية ، وهي أن الحياة والإنسان والكون تتطوّر من نفسها تطوراً ذاتياً ، فالعالم بطبيعته مادي ، وحوادث العالم المتعددة هي مظاهر مختلفة للمادة المتحركة ، هذا بالنسبة للأساس .
أما تصوير الحياة فإنه عند الرأسمالية هو النفعية ، وعند الشيوعية هو التطوّر ، بمعنى الانتقال الحتمي من حال إلى حال في حركة تصاعدية ، بخلاف الإسلام فإن تصوير الحياة عنده هو الحلال والحرام . وأما السعادة فإنها لدى الحضارة الغربية والحضارة الشيوعية بمعنى واحد وهو إشباع المتع الجسدية ، بخلاف الإسلام فإن السعادة عنده هي الطمأنينة الدائمة ، سواء أشبعت المتع الجسدية أو أصابها الحرمان ، فإنه إذا وُجدَت الطمأنينة الدائمة نال الإنسان السعادة ، وإذا لم توجد لم ينل السعادة ، وإذا أُشبعت جميع المتع الجسدية ، فلا تتحقق السعادة إلا بالطمأنينة الدائمة وهي تُنال بنوال رضوان الله ، ومن هنا كانت السعادة بمعناها الأساسي طلب رضوان الله ، لأن به تتحقق الطمأنينة الدائمة ، وبهذا التناقض بين أساس الحضارة الإسلامية ، وأساس الحضارة الرأسمالية ، وأساس الحضارة الشيوعية ، وبين تصوير الإسلام للحياة ، وتصوير الرأسمالية والشيوعية لها وبين معنى السعادة في نظر الإسلام ، ومعنى السعادة في نظر الرأسمالية والشيوعية تكون الحضارة الإسلامية على النقيض من الحضارة الغربية ، وعلى النقيض من الحضارة الشيوعية .
26 – لا يجوز للمسلم اخذ حضارة غير الحضارة الإسلامية مطلقاً ، إذ لا يجوز للمسلم أخذ مجموعة المفاهيم عن الحياة غير ما جاء به الإسلام ، فهو مقيَّد بأخذها من الإسلام فيحرم عليه أخذ غيرها ، سواء أكانت متعلقة بالنظرة إلى الحياة ، أم كانت متعلقة بمعالجة مشاكل الحياة ، فكل حضارة غير الحضارة الإسلامية لا يَحلّ أخذها مطلقاً ، أما المدنية فإنه ينظر فيها ، فإن كانت غير متأثرة بوجهة النظر في الحياة فإنه يجوز أخذها كالصناعات والأسلحة وأدوات الزينة ، وأشكال الثياب وأشكال التزيين والتجمل وغير ذلك ، فإن هذه أشياء ، والأصل في الأشياء الإباحة ، أما إذا كانت متأثرة بوجهة النظر في الحياة فإنه لا يجوز أخذها كرسم كل ذي روح ، ونحت كل ذي روح ، وما شاكل ذلك مما جاء النهي الصريح عنه ، فالمدنية يجوز أخذها إلا ما جاء النهي عنه ، أما الحضارة فلا يجوز أخذها مطلقاً .
27 – يجب أن يُفرَّق بين العلوم التجريبية ، وما هو مٌلحق بها كالرياضيات ، وبين المعارف الثقافية ، فالعلوم التجريبية وما يُلحق بها عالمية لا تختص بأمة من الأمم ، ولا تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، فهي في روسيا كما هي في أمريكا حقائق واحدة ، وعلوم واحدة دون أي فرق ، وهي لدى جميع الشعوب والأمم حديثاً وقديماً واحدة ، لم تختلف ولن تختلف باختلاف الشعوب والأمم ، ولا باختلاف وجهة النظر في الحياة ، بخلاف الثقافة وهي المعارف التي تؤثر في العقل وحكمه على الأشياء ، فإنها تختلف باختلاف وجهات النظر . فالنظرة الثقافية في روسيا ، تختلف عن النظرة الثقافية في أمريكا ، فالتشريع والاقتصاد والتاريخ وما شاكلها هي في روسيا غيرها في أمريكا ، وكذلك الثقافة الإسلامية غير الثقافة الشيوعية ، وغير الثقافة الرأسمالية ، والنظرة الثقافية في الإسلام غيرها لدى الغرب ، وغيرها لدى الشيوعيين ، ولهذا لا بد أن يُفرَّق في التعليم بين العلم بمعناه في العصر الحديث ، وبين الثقافة ، فتدرس العلوم التجريبية وما يحلق بها حسب الحاجة ، وتؤخذ من كل إنسان ، إلا إذا كانت بعض هذه العلوم تُؤدي إلى زيغ في العقائد ، أو ضعف في المعتقدات ، فإن هذه العلوم فقط يحرم تعليمها ، فإذا فقدت تأثيرها جاز تعلُّمها ، بخلاف الثقافة فإنه يقتصر في تعليمها على الثقافة الإسلامية ، ويوقف عند حَدِّ النظرة الثقافية في الإسلام ، إلا في المرحلة العالية ، ومراحل البحث والنقد ، فإنه يجوز أن تُعلّم ، ولكن لا لأخذها ، بل لنقضها وإبطالها ، ولا يُعلَّم شيءٌ منها من غير أن يُعلَّم إلى جانبه نقضه وإبطاله ، لأن القرآن الكريم جاءت فيه عقائد الآخرين ، ولكن جاءت في معرض بيانها لإبطالها والرد عليها .
أما الفنون والصناعات فقد تُلْحَق بالعلم ، كالتجارة والملاحة والزراعة فتؤخذ ، وقد تُلْحَق بالثقافة ، مثل رسم كل ذي روح ، وصنع الصلبان ، فلا تؤخذ لأنها تتأثر بوجهة النظر في الحياة .
28 – هناك فرق بين الطريقة والوسيلة والأسلوب ، فالطريقة تكون حسب وجهة النظر في الحياة ، وتختلف باختلافها ، ويُلْتَزم بها ولا تتغيّر ، أما الوسيلة والأسلوب فإن كلاً منهما يكون حسب ما يتطلبه العمل ، ولا تختلف باختلاف وجهة النظر ، ولا يُلْتَزم بها ، بل تتغير ، فإثارة التناقضات في نظر الشيوعية من الطريقة ، والجهاد في نظر الإسلام مِن الطريقة ، واستعمار الشعوب في نظر الرأسمالية من الطريقة . أما الأدوات التي تستعمل مثل المدفع والسيف والقنبلة الذرية ، وكيفية استعمال هذه الأدوات مِن مثل الخطط الحربية ، والفنون العسكرية ، وما شاكل ذلك فإنه من الوسائل والأساليب ، ومن هنا لا يصح أخذ الطريقة من غير الإسلام ، بل لا بد أن يُلْتَزم بالطريقة التي جاء بها الإسلام ، بخلاف الوسائل والأساليب فإنه يجوز أخذها أنّى وُجدت إلا ما جاء نهي صريح عنه .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 03:18 PM

ميثاق الأمة -الكتاب
 
الكتاب
29 – الكتاب هو القرآن الكريم المنزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل ، وهو ما نُقِل إلينا بين دَفتي المصحف بالأَحرف السبعة نقلاً متواتراً .
30 – ما نُقل إلينا مِن القرآن الكريم نقلاً متواتراً ، وعلمنا أنه من القرآن هو وحده الذي يكون حجة ، وأما ما نُقل إلينا منه آحاداً كمصحف ابن مسعود وغيره فلا يكون حجة ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفاً بإلقاء ما أُنزل إليه من القرآن الكريم على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، وَمن تقوم الحجة القاطعة بقولهم فلا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه ، فإذا وٌجِد مِن القرآن الكريم شيء لم ينقله مَن تقوم الحجة بقولهم ، وإنما نُقِل آحاداً ، فإنه لا يعتبر ، لأنه جاء على خلاف ما كُلِّف به الرسول صلى الله عليه وسلم في انفراد الواحد بنقله ، وعلى خلاف ما كان عليه إلقاء القرآن مِن الرسول مِن إلقائه على عِدَّة من المسلمين يحفظونه ، ويكونون ممن تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، إلى جانب أمره بكتابته .
31 – ليس للقرآن الكريم ظاهر وباطن ، وإنما هو كلام عربي ، جاء على لسان العرب . قال تعالى :(قرآناً عربياً )، وقال :( بلسان عربي مبين ) ، فيفهم كما يفهم أي كلام عربي ، ومُراد الله سبحانه من القرآن الكريم هو ما عَبّر عنه القرآن الكريم ، وليس هناك مُراد لله تعالى يُعبّر عنه ، ويفهم مُراده مِن فَهم العبارات التي عَبّر بها فحسب ، فمراد الله سبحانه هو ما جرى التعبير عنه ليس غير ، فالمفهوم العربي هو مُراد الله سبحانه مِن كلامه الذي عَبّر عنه باللفظ العربي ، والأسلوب العربي ، فالمراد مِن الخطاب هو ما دَلّ عليه الخطاب بالأدلة اللغوية ، والدلالة الشرعية التي جاءت بالكتاب أو السنة ، وهذا ليس له ظاهر وباطن ، وإنما له مدلول دلّ عليه الكلام العربي ، بالفهم العربي ، للألفاظ العربية ، والأساليب العربية .
32 – القرآن مشتمل على آيات مُحكماتٍ وأُخر متشابهات . على ما قال تعالى :(منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) أما المحكم فهو ما ظهر معناه وانكشف كشفاً يرفع الاحتمال ، أي ما كانت دلالته صريحة ، لا تحتمل التأويل . كقوله تعالى :(واحلّ الله البيع وحرّم الربا) ، وقوله :(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ، وقوله : (ولكم في القِصاص حياة يا أولي الألباب ) . وأما المتشابه فهو المقابل للمحكم ، وهو ما يحتمل أكثر من معنى ، أي ما تعارض فيه الاحتمال ، واحتمل عدة معان متعارضة . كقوله تعالى :( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )، وقوله : (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) ، وقوله :(أو لامستم النساء ) ، وقوله:( ويبقى وجه ربك ) ، وقوله : ( فإنك بأعيننا ) ، وقوله : (مما عملت أيدينا ) . وما شاكل ذلك مما يحتمل لفظه عدة معان متعارضة ، لا يمكن الجمع بينها ، فيحتاج إلى قرينة لفظية تُعيِّن أحدها . أو مما ظاهره موهم للتشبيه فيستحيل شرعاً أو عقلاً أن يكون المراد منه مدلول لفظه ، فيحتاج إلى قرينة شرعية أو عقلية تُعيِّن المعنى المراد منه .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 03:19 PM

ميثاق الأمة - ألسنّة
 
السنة
33 – السنة هي قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفعله ، وتقريره مما صدر عنه غير القرآن الكريم ، وهي وحي من الله تعالى ، لأن الله سبحانه يقول :(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )، ويقول : (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)، ويقول :(قُل إنما أتبع ما يوحى إليّ)، ويقول :( إنما أنذركم بالوحي).
34 – السنة كالقرآن من حيث كونها وحياً من الله ، ومن حيث كونها شريعة الله ، ولا فرق بين القرآن الكريم والسنة في الشريعة ، فكل منهما خطاب الشارع لقول الله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، و ( ما ) من صيغ العموم . ولقوله :( من يُطع الرسول فقد أطاع الله) ، وقوله : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ، فالسنة دليل شرعي كالقرآن الكريم من غير أي فرق بينهما .
35 – وصلت السنة إلينا عن طريق الرواية ، بخلاف القرآن الكريم ، فإنه قد نُقِل إلينا نَقلاً فَعَيّنُ القرآن الكريم الذي نزل على رسول الله ، والذي ألقاه على قوم تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، والذي أمر بحفظه وكتابته هو الذي نُقِل إلينا كما نزل به الوحي عيناً ، أما السنة فإن الرواة قد رَووا لنا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما فعله ، وما سكت عنه ، ولهذا كان اعتبار الشيء أنه من السنة متوقفاً على الراوي .
36 – الذين رَووا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يكونوا من الصحابة ، أو لا يكونوا من الصحابة ، لأنه ليس كل مَن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم صحابياً ، ولا كل من روى عنه صحابياً ، بل الصحابي لفظ عربي فيفهم حسب دلالة اللغة . والصحابي لغةً هو كل مَن تحقق فيه معنى الصُحبة ، ولم يرد نصٌّ شرعي يبين معنى الصحابي ، فيكون معناه ما دلت عليه اللغة ، وقد رُوي عن سعيد بن المسيب في تعريف الصحابي أنه ( لا بد من أن يصحبه سَنَة أو سنتين ، أو يَغزو معه غَزوة أو غزوتين ) أما مَن رأى الرسول  أو رَوى عنه ولم يصحبه فليس بصحابي ، ولذلك لما سُئل أنس بن مالك : هل بقي مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك ؟ قال : ( بقي ناس مِن الأعراب رأوه ، أما مَن صحبه فلا ) .
37 – يُلزَم كل مسلم بقبول رواية الصحابي والاحتجاج بها ، ولا يَحلُّ له ردّها ، لأن عدالة الصحابة ثابتة بنص القرآن الكريم القطعي ، فمن ثبت أنه مِن المهاجرين ، أو أنه من الأنصار قبلت روايته قطعاً ، ولا يَحلّ لمسلم ردها لأنه يعني رَدّ مَن أثنى الله عليه ، وعدّله في القرآن الكريم .
38 – غير الصحابة مِن الرواة يشترط فيمن يُحتجّ بروايته منهم أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه ، فالوثوق بالراوي حتى يُعتَبر ما رواه أنه من السنة لا يتم إلا إذا توفرت فيه العدالة والضبط ، فلا بد من التحري الدقيق عمن يؤخذ عنه الحديث . ولا تُقبل رواية مَن في مذهبه رأي يَكفر من يعتقده ، وكذلك من يستحلُّ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لتأييد مذهبه ، أو للدعوة إلى فرقته والترغيب بها ، أو لمصلحة الإسلام ، أو ما شاكل ذلك . لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " مَنْ كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده مِن النار " ، فالكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقِط العدالة قطعاً .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 03:22 PM

ميثاق الأمة - فهم الكتاب والسنة
 
فهم الكتاب والسنة
39 – الكتاب والسنة قول عربي ، وهو قول تشريعي ، والاستدلال بهما يتوقف على معرفة اللغة العربية .
40 – اللغة العربية كسائر اللغات وضعها العرب ، واصطلحوا عليها ، فتكون من اصطلاح العرب ، وليست توقيفاً مِن الله تعالى . وما دام العرب قد اصطلحوا عليها فطريق معرفتها هي أخذها عنهم ، فإذا قالوا هم إن لفظ كذا موضوع لمعنى كذا ، أو قالوا إن معنى كذا موضوع للفظ كذا قُبل قولُهم وسُلّم به ، ولم يناقش ، لأنه لا مشاحة في الاصطلاح ، فالمسألة مسألة وضع اصطلحوا عليه وليست مسألة عقلية ، ولا متعلقة بالإدراك .
41 – المراد بالعرب هنا العرب الاقحاح ، الذين كانوا يتكلمون اللغة العربية قبل فساد اللسان العربي ، وقد ظلّ قسم منهم حتى القرن الرابع الهجري ، كانوا يسكنون البادية ، ولم تفسد لغتهم ، وأما مَن جاء بعدهم مِن العرب فلا تؤخذ اللغة عنهم ، وليس كلامُهم حجة .
42 – لا بد من التقيد في مدلول اللفظ بما وضعه العرب ، وحصر معنى اللفظ بما وضعه العرب ، لأن المسألة مسألة نقل عن الواضع كما وَضع ليس غير ، وعلى ذلك فإن كون الكلمة مشتقة من مادة معينة لا يعني أن جميع مشتقات هذه المادة تتحد في المعنى ، وأن إحداها تعطي معنى الأُخرى ، فقد تعطي اللغة أكثر من كلمة للمعنى الواحد ، وقد لا تعطي للكلمة إلا معنىً واحداً وُضِعت له ، ولا يُعطي هذا المعنى غيرها ، وذلك كله حسب وضع العرب ، فاتحاد الكلمات بالاشتقاق لا يعني الاتحاد في المعنى ، بل تأخذ الكلمة معناها الذي وضعه لها العرب بغض النظر عن مادة الاشتقاق .
43 – إن التقيد في مدلول اللفظ بما وضعه العرب لا يعني منع الاشتقاق والتعريب والمجاز ، فلنا أن نثري اللغة العربية بهذه الأبواب الثلاثة ، لأن هذه الأبواب ليست خاصة بالعرب الاقحاح ، وإنما الخاص بهم هو وضع أصول الاشتقاق والتعريب والمجاز ، ووضع تفصيلات اللغة العربية وأوزانها ، أما استعمال المجاز والاشتقاق والتعريب فهو لكل عربي عارف باللغة ، ما دام يسير على ما وضعه العرب ، وبذلك كانت اللغة العربية بالمجاز والاشتقاق والتعريب قادرة على التعبير عن كل معنى جديد ، وكل شيء جديد ، وبالتالي كانت قادرة على التعبير عن الحوادث المتجددة لاستنباط حكمها من النصوص الشرعية .
44 – إن قدرة الكتاب والسنة على إعطاء الحكم لكل حادثة تتوقف على قدرة اللغة العربية على التعبير عن كل معنى يتجدد ، وهذا يوجب بل يُحتم أن تتحد اللغة العربية بالإسلام ، أي بالكتاب والسنة ، بحيث يصبحان شيئاً واحداً غير قابل للانفصال ، أي أن تكون اللغة العربية جزءاً جوهرياً مِن الإسلام ، أي جزءاً من الكتاب والسنة غير قابل للانفصال عنهما ، وهذا هو الذي كان ، والذي يتحتم أن يظل حتى آخر الدهر ، ومِن هنا كانت معرفة اللغة العربية شرطاً أساسياً مِن شروط الاجتهاد ، وكانت قراءة الفاتحة باللغة العربية شرطاً مِن شروط صحة الصلاة ، وكانت ترجمة القرآن الكريم غير جائزة مطلقاً ، ولذلك خرج المسلمون من جزيرة العرب يحملون إلى العالم الكتاب والسنة بيد ، واللغة العربية باليد الأخرى ، ويُعلمون الناس اللغة العربية كما يعلمونهم الكتاب والسنة سواءً بسواء ، ولهذا يجب أن يجعل المسلمون اللغة العربية كالكتاب والسنة سواء بسواء من حيث تعلّمها ومن حيث المحافظة عليها فإنه لا بقاء في واقع الحياة ، وواقع العلاقات المتجددة للكتاب والسنة بغير اللغة العربية .
45 – إن الوقوف عند حد المعاني التي وضع العرب لها الألفاظ ، والتقيد بما وضعوه لا يمنع اللغة العربية مِن أن تسع العلوم والاختراعات المتجددة ، فإنه تجوز لأرباب كل علم وكل اختراع أن يضعوا مصطلحات لعلمهم واختراعهم ، فيصطلحون على وضع ألفاظ معينة ، من اللغة العربية لمعانٍ معينة من علومهم ومخترعاتهم ، فذلك جائز ، وقد وضعه العرب أنفسهم ، وجعلوا الاصطلاح جائزاً ، ولكن يخصّص فيما اصطلح له ، فعلم النحو وقواعد الإملاء وما شاكل ذلك لم يضع العرب مصطلحاتها وإنما وضعها أرباب تلك العلوم ، ولم يعرفها العرب فاصطلاحات العلوم وضعها أهل العلوم ، وقد قَبِل ذلك العربُ الاقحاح وأقروه ، فكذلك كل علم يتجدد ، وكل اختراع يتجدد توضع له اصطلاحات جديدة من قبل أرباب العلم وأرباب الاختراع ، ويستعملون له اللغة العربية ، على أن يتقيدوا بالألفاظ العربية وبالأوزان العربية حتى يَظلَّ اللفظ عربياً كما وضعه العرب ، ولا يتغير فيه إلا المعنى المنقول له اصطلاحاً . وبذلك تتسع اللغة العربية للعلوم والاختراعات المتجددة مع التقيُّد بما وضعه العرب والوقوف عند حده .

حاتم الشرباتي 03-15-2016 03:23 PM

ميثاق الأمة - سن الدستور والقوانين
 
سن الدستور والقوانين
46 – كلمة القانون اصطلاح ، ومعناه الأمر الذي يصدره السلطان ليسير عليه الناس . وقد عُرِّف بأنه ( مجموع القواعد التي يَجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم ) وقد أطلق على القانون الأساسي لكل دولة كلمة الدستور ، وأُطلق على سائر القوانين الأخرى غير القانون الأساسي كلمة القانون . وقد عُرّف الدستور بأنه ( القانون الذي يُحدّد شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، ويُبيِّن حدود واختصاص كل سلطة فيها ) . هذا ما تعنيه كلمتا الدستور والقانون ، فالدستور والقانون كل منهما أمر السلطان ، والمسلمون إنما هم مقيدون بأوامر الله ونواهيه ، فهم مقيدون بالكتاب والسنة ، والسلطان نفسه مُقيَّد بأوامر الله ونواهيه ، أي بالكتاب والسنة ، ومن هنا هم ليسوا بحاجة ماسة إلى دستور وقوانين ، لأن الأحكام الشرعية قد بيَّنت القواعد التي يجب عليهم اتباعها في علاقاتهم ، وبيّنت شكل الدولة ونظام الحكم ، واختصاص كل سلطة . فدستورهم وقانونهم إنما هو الحكم الشرعي ، أي خطاب الشارع ، به وحده يتَقَّيدون ، وبحسبه وحده يسيرون في علاقاتهم ، وسائر أفعالهم وتصرفاتهم ، سواءً في الدولة ، أو في المجتمع . ومن هنا لم يكن للدولة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى زوال الخلافة الإسلامية أي دستور أو قانون ، إلا حين سيطرت الدول الكافرة على آخر الدولة الإسلامية في آخر أيام العثمانيين ، فأجبروها على سن القوانين ، ثم سن دستور .
47 – إن الله تعالى أمر بطاعة السلطان ، وتنفيذ أوامره . قال تعالى :(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ومَن يُطع الأمير فقد أطاعني ومَن يَعصِ الأمير فقد عصاني " ، غير أن طاعة السلطان مُقَيّدة بما جُعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، لا بكل شيء ، فهو لا يُحلُّ حراماً ، ولا يُحرِّم حلالاً بحجة أن الله أمر بطاعته ، وإنما ينفذ أحكام الشرع على الناس ، فالطاعة إنما هي طاعة الشرع وقد جعل الله له أن ينفذ أحكامه برأيه واجتهاده ، فوجبت طاعته في هذا ، وما عداه فالطاعة هي لله ورسوله لا للسلطان . والسلطان إنما ينفذ شرع الله ، وبما أن الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها ، واختلف المجتهدون فيها ، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية غير ما فهمه البعض الآخر ، وبذلك تعدّد فَهْم الأحكام ، فإن الشارع قد جعل للخليفة أن يتبنى رأياً من هذه الآراء ، ويُلزم الناس بالعمل به وتجب طاعته في هذا ، وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للخليفة أن يتبنى أحكاماً ، وأنه إذا تبنى حكماً وجبت طاعته ، وصار هو حكم الله في حق المسلمين جميعاً . صحيح ان طاعة الخليفة فيما تبنى مِن الأحكام واجبة ، وله أن يُلزم الناس بأحكام مُعينة ، ولكن القيام بذلك ليس قياماً بأمر الخليفة ، وإنما هو قيام بما أمر الله ، والخليفة إنما عَيَّن فهماً مُعيَّناً مِن أفهام متعددة للنص الشرعي ، فالعمل إنما يكون بالحكم الشرعي لا بأمر الخليفة ، بدليل أنه لو تبنى غير الحكم الشرعي لما وجبت طاعته ، بل حرمت طاعته . ومن هنا لم يكن الالتزام بما تبنى الخليفة طاعة لأمر الخليفة في أمر مِن أوامره هو ، وإنما هو طاعة لله فيما أمر الله ، فهو قيام بما أمر الله ، لا بما أمر الخليفة ، ومن هنا لم يكن للسلطان أن يجبر الناس على اتباع قواعد معينة يضعها لهم ، إلا في حالة واحدة هي ما جعل الله له أن يقوم به برأيه واجتهاده .
48 – إن عدم حاجة المسلمين لدستور وقوانين إنما هي عدم حاجة لأحكام مِن وضع البشر يأمر بها السلطان ، لأن الشرع جاء بكل شيء ، قال تعالى :  ونزّلنا عليّك الكتب تِبياناً لكل شيء  فلم تبق هناك حاجة لدستور وقوانين مِن وضع البشر ، ولكن ما جعل الشرع للخليفة مِن تبني أحكام معينة فيما اختلفت فيه آراء المجتهدين ، وما جعله له من إلزام الناس بآراء معينة مِن آرائه هو فيما جعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، كأمر قيادة الجيش ، ونفقات واردات بيت المال ، وما شاكل ذلك ، فإنه يجعل للسلطان صلاحية أن يسن دستوراً وقوانين ، وأن يُجبر الناس على اتباعها ، وعلى ذلك يجوز أن يكون للمسلمين دستور وقوانين مِن الأحكام الشرعية ، ومما جعلته الأحكام الشرعية للخليفة أن يقوم به برأيه واجتهاد . وبالنسبة لتبني الأحكام يُنظر ، فإن كان الخليفة لا يستطيع أن يقوم بأمر يتوجب عليه القيام به إلا إذا تبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر ، أو كانت وحدة الدولة ، أو وحدة الحكم ، أي السلطان ، أو وحدة الأمة أو وحدة البلاد لا تتأتى ، أو لا يُحافظ عليها إلا إذا تبنى حكماً معيناً ، فإن التبني في هاتين الحالتين يكون واجباً على الخليفة ، عملاً بالقاعدة الشرعية . ( ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب ) ، وأما في غير هاتين الحالتين فإن التبني جائز ، وليس بواجب . وأما بالنسبة لما جعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، فإن كان يمكنه أن يعطي رأيه في العمل حين لزوم القيام به ، ولا ضرورة لأن يُعيَّن له أسلوباً معيناً سلفاً ، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يبيّن رأياً معيناً للقيام بذلك العمل ، ويجوز أن لا يبيّن ، أي يجوز له أن يَسنَّ قانوناً ، ويجوز أن لا يَسنَّ ، وأما إذا كان القيام بالعمل لا يتأتى إلا بوضع أساليب مدروسة ومحضرة ، وإذا لم توضع تعذر القيام بالعمل ، وحصلت الفوضى ، فإنه حينئذٍ يجب القيام بسن القوانين ويحرم عدم سنّها ، وعلى ذلك يكون سنّ قواعد معينة يجبر الناس على القيام بها واجباً في بعضها ، وجائزاً في بعضها الآخر ، أما جمع هذه القواعد الواجبة والجائزة في دستور واحد ، وفي قانون واحد فذلك جائز ، وليس بواجب ، ومن هنا كان سن دستور وقوانين للمسلمين جائزاً ، ولكن من الأحكام الشرعية ، ومما جُعل للخليفة أن يقوم به برأيه واجتهاده .
49 - إن تبني الأحكام الشرعية يحدّ من البحث والإبداع ، ولا يشجع على الاجتهاد ، لأنه يُلزم الناس بالحكم المتبنى ، إذ لا يجوز لهم أن يعملوا بغيره ، والحكم إنما يستنبط للعمل به ، لا لمجرد العلم والمعرفة ، فإذا كان العمل به لا يجوز فإن المجتهد حينئذٍ لا يرى حاجة للاستنباط ، لأن مجرد العلم لا يحفز على الاجتهاد ، كما يحفز داعي العمل ، وبذلك يَحدّ من البحث والإبداع ، ولا يشجع على الاجتهاد ، ومن هنا كانت الأحكام التي تبناها الخلفاء الراشدون قليلة جداً ، بل نادرة ، ومن أجل هذا نصح الإمام مالك الخليفة أبا جعفر المنصور أن لا يتبنى كتابه الموطأ ، وان يترك الناس يعملون بما يرون ، وذلك حين طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يتبنى كتابه بعد أن حث ابن المقفع أبا جعفر على أن يتبنى للقضاة أحكاماً معينة يلزم الناس العمل بها . إذ أن ترك الناس يعملون بما يرون يكثر الإبداع ، ويشجع الاجتهاد ، وينمي الثروة الفكرية ، والثروة التشريعية ، ويشحذ العقول ، ويوجد في الأمة الحشد من المبدعين والمجتهدين . وعلى هذا لا بد أن يحاول التقليل من الأحكام المتبناة إذا حصل سَنّ دستور وقوانين .


الساعة الآن 07:22 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem