عرض مشاركة واحدة
قديم 03-18-2018, 02:56 PM   #56
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي بين الجاهلية القديمة والمعاصرة

بين الجاهلية القديمة والمعاصرة
بقلم: الأستاذ عبد الرحمن بن الحارث البناني
صحيح أنه مرّ بالعالم الإسلامي أزمات بل نكبات كثيرة من قبل، كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض، أو يفقدون أمنهم وطمأنينتهم، أو يفقدون ديارهم وأموالهم ... ولكنهم مع ذلك لم يخوضوا تجربة أقسى ولا أمر من تجربتهم المعاصرة في تاريخهم كله؛ فاليوم نحن نعايش في كثير من الديار الجاهلية المعاصرة التي تشابه الجاهلية الأولى في كثير من الأوجه.
حقيقة الجاهلية[*]
إن الجاهلية ليست منحصرة فيما كان قبل بعثة النبي –صلى الله عليه وسلم- بل قد توجد في مصر من الأمصار، أو توجد في شخص من الأشخاص ولو بعد البعثة، يقول ابن تيمية- رحمه الله- في بيان (الجاهلية): «الناس قبل مبعث النبي-صلى الله عليه وسلم- كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال، إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون: من يهودية ونصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة.
فأما بعد ما بعث الله الرسول: فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم، فإنه يكون في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام. فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد-صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من المسلمين، كما قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية ... ».
بعض أوجه التشابه بين الجاهلية الأولى والجاهلية المعاصرة:
أولًا: أن الدساتير التي تحكم في الجاهلية المعاصرة، مشابهة للدساتير التي تحكم في الجاهلية الأولى، فكلتا الجاهليتين تحكم بغير ما أنزل الله -عزوجل-. ففي الجاهلية الأولى تحكم القبيلة بدستور العادات والتقاليد والأعراف الموروثة عن الآباء والأجداد، يحيا الرجل منهم من أجلها، ويموت من أجلها، ويوالي من أجلها، ويعادي من أجلها، دون أن ينظر: هل هذه العادات والتقاليد صحيحة أم بخلاف ذلك؟ ! ! . يقول أحدهم:
وما أنا إلا من غزية إن غَوَتْ***غويت وإن ترشد غزية أرشد
أما في الجاهلية المعاصرة فيتحقق المعنى في كل دولة تحكم بدستور مستمد من قوانين الشرق والغرب (اللهم إلا في بعض الأمور المسماة بالأحوال الشخصية، كالأحكام الخاصة بالنكاح والطلاق، أو غير ذلك من أحكام، لتدّعي بذلك أنها دولة إسلامية) على تباين بين هذه الدول في الأخذ ببعض الأحكام الشرعية، فمقلة ومكثرة.
ثانيًا: لقد اتخذ أهل الجاهلية الأولى أصنامًا وأوثانًا يعبدونها، ويعظمونها، ويذبحون لها من دون الله –عزوجل-، وقد جعلوا لها سدنة وخدمًا يقومون بخدمتها، وهم الكهنة والعرافون، فعظموهم وبجلوهم، فأحلوا ما أحلوا من المحرمات، وحرموا ما حرموا من المباحات، وتلك هي عبادتهم، وكذلك الشأن في اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم: حيث أحلوا ما أحلوا من المحرمات، وحرموا ما حرموا من المباحات، كما يدل على ذلك قوله – تعالى-: ï´؟اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله وَالْـمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ.. الآية[4] ، وفسره النبي –صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم بأنهم: «أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم»[3].
أما في الجاهلية المعاصرة فشرك المشركين فيها أعظم من شرك أهل الجاهلية الأولى؛ لأن أهل الجاهلية الأولى إذا اشتد فيهم الخطب دعوا الله مخلصين له الدين، أما مشركو زماننا إذا اشتد فيهم الخطب دعوا أصنامهم وأوثانهم من دون الله، ففي زماننا عبدة الأوثان والأصنام والقبور، وإن لم يكن الأحبار والرهبان، فهناك الطغاة والمتجبرون، ومع ذلك: فتوجد أصنام وأوثان مصنوعة في الجملة، منها:السلطة، والرئاسة، والجاه، والمال، والعادات، والتقاليد، والأعراف التي تخالف ما شرع الله - عز وجل-، و الوطنية، والقومية، والاشتراكية، والعلمانية، والوجودية.. فإذا كان حب السلطة والرئاسة و ... إلخ، مدعاة للعبودية لها، والتضحية بالدين في سبيلها كما هو حال كثير من المسلمين في العالم الإسلامي فهي عندئذ (وثنية) بلا قناع. ولكن منها ما هو شرك مخرج من الملة، ومنها ما هو شرك غير مخرج من الملة، فهو شرك دون شرك؛ على حسب حب واعتقاد صاحبها لها، حقًّا: ... ï´؟وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَï´¾ [يوسف: 106] .
__________________
[*]- رد على القئلين( لا يجوز إطلاق لفظ الجاهلية على مجتمعات بعد البعثة سواء منها الكافرة أو المسلمة )
[1]- رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري، كتاب الجنائز، ح/934.
[2]- اقتضاء الصراط المستقيم، صفحة 78، 79.
[3]- اقتضاء الصراط المستقيم، صفحه 9
[4]- التوبة:31
[5]- يوسف: 106

وللبحث بقية
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس