الموضوع: نظام العُقوبات
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-22-2014, 11:14 AM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 14 - 16


الباب الأول

الحدود

أصل الحدّ ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحدّ الدار ما يميزها، وحدّ الشيء وصفه المحيط به، المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزنا ونحوها حداً لكونها مقدرة من الشرع، وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي، كقوله تعالى: ( تلك حدود الله فلا تقربوها) وتطلق على شرائع الله ومحارمه. كقوله تعالى: (وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه ) وحدود الله محارمه. والحدود اصطلاحاً عقوبة مقدرة شرعاً في معصية، لتمنع من الوقوع في معصية مثلها. والمعاصي المتفق على أن عقوبتها من الحدود، أي الواجب الحدّ بها ستة هي: الزنا واللواط، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والردة، والحرابة أي البغاة. وقد ورد التحذير من جميع هذه الحدود، فقد ورد التحذير من الزنا في القرآن والحديث، قال تعالى: ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النّاس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن " وورد التحذير من اللواط في القرآن والحديث. أما القرآن فإن الله قد سمى فيه اللواط فاحشة فقال: ( ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ) وبين عقاب الله لقوم لوط بأنه عاقبهم بالخسف. قال تعالى: ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) وقد قص الله علينا ذلك لنتعظ به، وأما الحديث فقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ملعون من عمل عمل قوم لوط " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . وورد التحذير من القذف في القرآن والحديث. قال الله تعالى: ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل وما هن يا رسول الله ؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وورد التحذير من الخمر في القرآن والحديث قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) وقد أكد القرآن في هذه الآية تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد: منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام، ومنها أنه جعلها رجساً. كما قال: ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، لا يأتي منه إلاّ الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وهو قرينة على أن الأمر بالاجتناب طلب جازم، ومنها أنه ذكر ما ينتج عنها من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والميسر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة. وختم كل ذلك بالنهي نهياً جازماً بصيغة الاستفهام الإنكاري بقوله: ( فهل أنتم منتهون ) أي انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف والموانع منتهون. وعن ابن عباس قال: " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف ودوس، فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من حجر يهديها إليه، فقال: يصلى الله عليه وسلم ا فلان أما علمت أن الله حرّمها ؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال اذهب فبعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذي حَرّم شربها حَرّم بيعها، فأمر بها فأفرغت في البطحاء " وورد التحذير من السرقة في القرآن والحديث. قال الله تعالى: ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ) وبيعة الرسول على عدم السرقة صريح بتحريم السرقة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَعَنَ الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " والمراد بالبيضة هنا بيضة الحديد، وورد التحذير عن الردة بالقرآن والحديث قال الله تعالى: ( ومن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وفي حديث معاذ " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها " وورد التحذير من قطع الطرق في القرآن والحديث. قال الله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) وعن أنس " أن ناساً من عِكل وعُرَيْنَة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذَوْدٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا الذَوْد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في أثرهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثمّ ألقوا في الحَرّة، يستسقون فما سقوا حتى ماتوا " وورد التحذير من البغي وإشهار السيف في وجه الخليفة. قال تعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم إلى يوم القيامة " وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حمل علينا السلاح فليس منا " فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تبين أنه قد ورد التحذير من جميع الحدود، فكان ارتكاب أي منها معصية، وبما أنه قد حدّ الشارع لهذه المعاصي حدوداً، أي عقوبات معينة، لذلك وجب التقيد بهذه الحدود.
ولا يجب الحدّ إلاّ على بالغ عاقل، ملتزم أحكام المسلمين، مسلماً كان أو ذمياً. ويضرب الرجل قائماً بسوط وسط، لا جديد ولا قديم، ولا يمدّ ولا يجرد المحدود من ثيابه عند جلده، لقول ابن مسعود: " ليس في ديننا مدّ، ولا قيد ولا تجريد " ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد، لأنّ المقصود زجره لا إهلاكه، ولا يرفع الضارب يده بحيث يبدوا إبطه، وسن أن يفرق الضرب على بدنه ويتقى وجوباً الرأس، والوجه، والفرج، والمَقَاتِل كالفؤاد والخصيتين، لأنّه ربما أدى ضربه على شيء من هذا إلى قتله، أو ذهاب منفعته. والمرأة كالرجل فيما ذكر، إلاّ أنّها تضرب جالسة. وقد قال علي رضي الله عنه: " تضرب المرأة جالسة والرجل قائماً " . وأشد الجلد جلد الزنا، ثمّ جلد القذف، ثمّ جلد الشرب، ثمّ جلد التعزير. لأنّ الله خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله تعالىولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) وما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس