الموضوع: نظام العُقوبات
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-23-2014, 01:44 AM   #9
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 19 - 21

وإنما جعل من حدّ غير المحصن التغريب سنة مع الجلد مع أن الأحاديث في ذلك متعارضة، فأكثرها أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع الجلد مع التغريب، وفيها أن الرسول صلى الله عليه وسلمجلد ولم يغرب، إنّما جعل ذلك هو الحد جمعاً بين الأحاديث، فلا يقال في حديث " إذا زنت أمة أحدكم " ، وفي حديث سهل بن سعد، أن ذلك كان قبل مشروعية التغريب، لأنه لم يثبت تقدم أحاديث التغريب على أحاديث عدم التغريب، فيبقى التاريخ مجهولاً، وبذلك لا يعلم أي الأحاديث كانت قبل الأخرى فانتفى النسخ، ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر فيعمل بهما. غير أن ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للتغريب مرة، وفعله مرة قرينة على أنه جائز، وليس بواجب، فيكون الحديث الذي ذكر الزيادة قد أتى بزيادة، فتكون الزيادة التي فيه جائزة، وليست بواجبة، والواجب هو الذي ذكر في جميع الأحاديث، سواء التي فيها زيادة، والتي ليس فيها زيادة، أي الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الحالات، ولم يتركه مطلقاً وهو الجلد. والجائز للإمام أن يفعله وأن لا يفعله هو ما ذكر في بعض الأحاديث، ولم يذكر في بعضها، أي ما فعله الرسول، وما تركه وهو التغريب. وقد حصل التغريب مع الجلد من الصحابة، الذين هم أعرف بمقاصد الشرع، فقد غرب عمر من المدينة إلى الشام، وغرب عثمان إلى مصر، وغرّب ابن عمر أمته إلى فدك. والتغريب المذكور في الأحاديث شرعاً هو إخراج الزاني عن موضع إقامته بحيث يعدّ غريباً، وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة للتغريب.
وأما دليل عقوبة المحصن فأحاديث كثيرة، فعن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردّ، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، وأغدُ يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت " والعسيف الأجير. فالرسول أمر برجم المحصن ولم يجلده. وعن الشعبي " أن علياً رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " فالرسول يقول إن عقوبة المحصن الجلد والرجم، وعلي يجلد المحصن ويرجمها. وعن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعز بن مالك، ولم يذكر جلداً، وفي البخاري عن سليمان بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية، ولم يذكر جلداً، وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بامرأة من جهينة فشدت عليها ثيابها ثمّ أمر بها فرجمت، ولم يذكر جلداً. فدل ذلك على أن الرسول رجم المحصن ولم يجلده، وأنه قال: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم " فدل على أن الرجم واجب، وأما الجلد فهو جائز، ويترك لرأي الخليفة. وإنما جعل من حد المحصن الجلد مع الرجم جمعاً بين الأحاديث. ولا يقال إن حديث سمرة في أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلد ماعزاً، بل اقتصر على رجمه، هو ناسخ لحديث عبادة بن الصامت الذي يقول: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم " لا يقال ذلك لأنّه لم يثبت ما يدل على تأخر حديث ماعز عن حديث عبادة، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ترك ذكر الجلد موجباً لإبطاله، وناسخاً لحكمه، فعدم ثبوت المتقدم من المتأخر من الحديثين ينفي النسخ، ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر، وما جاء في الحديث من زيادة على الرجم يعتبر أمراً جائزاً لا واجباً، إذ الواجب هو الرجم، وما زاد على ذلك فالإمام مخير فيه للجمع بين الأحاديث. والمحصن هو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، هذا هو تعريف المحصن في باب الزنا. وما عداه فغير محصن، ويشترط في الجلد والرجم أن تنفى الشبهة: بأن يكون حراماً محضاً، وأن يكون الفاعل مختارا، بأن لا يكون مكرهاً على الزنا الإكراه الملجئ، وأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا حد على صبي، ولا مجنون، ولا سكران، من غير إرادة منه. وأن يثبت الزنا عليه ببينة الزنا الواردة في الأدلة الشرعية، لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً " وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". وعن علي مرفوعاً: " إدرأوا الحدود بالشبهات ". ولأنّ المكره إكراهاً ملجئاً لا يعاقب على فعله. لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، ولأنّ الرسول لم يوقع العقوبة على الزاني إلاّ بعد أن ثبت الزنا عليه.
ومتى ثبت الزنا وجبت المبادرة بالحدّ، ولا يصح تعطيله، ولا الشفاعة فيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حدّ يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً " وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فهو مضاد الله في أمره " . غير أنه إذا كان من عليه الحدّ مريضاً فيؤخر حتى يبرأ من مرضه، إذا كان يرجى برؤه، فإن كان المرض لا يرجى برؤه ضرب ضرباً خفيفاً يحتمله، عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: " كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يَرُعِ الحيَّ إلاّ وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الرجل مسلماً، فقال: اضربوه حدّه، قالوا يا رسول الله إنه أضعف مما تحسب، لو ضربناه مائة قتلناه، فقال: خذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ، ثمّ اضربوه به ضربة واحدة، قال: ففعلوا " فهذا الحديث يدل على أن الضعيف الذي لا يحتمل الحدّ سواء أكان ضعيفاً من مرض لا يرجى برؤه، أو ضعيف البنية يضرب ضرباً خفيفاً، فقد ورد في رواية أخرى للحديث: " ولو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلاّ جلد على عظم " فالضعف مطلقاً يحدّ حداً خفيفاً والمرض ضعف، ومفهوم الحديث أنه إن كان يقوى بعد الضعف، ويبرأ بعد المرض ينتظر حتى يحدّ الحد كما ورد.
وكذلك ينتظر على الحامل حتى تضع حملها، وعلى المرضع حتى تفطم وليدها. عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: " جاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تُرَدّدني، لعلك تردّدني كما ردّدت ماعزاً، فوا لله إني لحبلى، قال: إمّا لا فاذهبي حتى تلدي: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها " فهذا الحديث صريح في الدلالة على أن الحامل ينتظر عليها حتى تلد، وعلى أن المرضع ينتظر عليها حتى تفطم وليدها.
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس