الموضوع: ركن الأم
عرض مشاركة واحدة
قديم 01-13-2018, 10:01 PM   #8
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي نبع العطاء

الأم نبع العطاء
ناديه محمد الجابي
يا مَن حَضَنَتني بحرير المهادِ، وهَدهَدَتْني بسُندسِ الأناملِ والأيادي، وأرضعتني حليبَ الحبِّ حتّى فطامي.
وقفتِ قبالتي تُرفرفينَ بجناحَيكِ أثناءَ صحوتي، وحينَ سُهادي، فحمّلتِ جناحَ الحرصِ زُخرفَ ريشاتِ العطفِ والحنانِ، وتوّجتِ جناحَ القلقِ بسُبحَةِ الدّعاءِ والابتهالِ... وسجدتِ لربّ العالمينَ ساكبةً دموعَ الخشوع؛كي يرعاني ويتوَلّاني.
نسجتِ لي بأناملِ الحمايةِ ناموسيّةً تحوّطني في ليلي؛ خوفا عليّ من طنينِ ناموسةٍ تؤرّقُ مضجعي، وتزعجُ أحلامي، وشددتِ أوتادَ خيمةِ الوقايةِ؛ حفاظا عليَّ من ضربةِ شمسِ النّهارِ.
ولمّا قوِيَ عودي، ورحتُ أجري بين الأندادِ، جعلتِ أرجوحتي من حبالِ الودِّ، فتأرجحتُ ودقّاتُ قلبِكِ تتقافزُ أمامي خشيةَ سقطةٍ تُؤجِّجُ صَرَخاتي.
سهرتِ اللياليَ تتفقّدينَني، وتحرصينَ على تدفئتي بوهجِ عواطِفِكِ من قُرِّ كانونَ، وتُبدّدينَ بلمسةِ يدِكِ، وبسمةِ ثغرِكِ حَرَّ آب.
جهدتِ في النُّهُر بتحضيرِ زادي، وتنظيفِ ثيابي، ترسمينَ اللّوحاتِ المزيّنةَ لحياتي، وتغرسينَ فيّ بذورَ حبِّ العلمِ، والاجتهادِ كي أكونَ ملكًا، وعلى رأسي تاجُ تحقيقِ الطّموحاتِ.
إنْ أجلسَكِ التّعبُ يومًا على كرسيِّهِ، نظرتِ نحوي بعينيِّ التَّحنانِ، وأخفيتِ خلفَهُما دمعةَ الإرهاقِ؛ لئلّا تنسجَ عنكبوتُ القَلقِ خيوطَها في ذهني، وتشغلَ بالي.
لمّا كبرتُ كنتِ لي كلَّ صباحٍ الزّهرةَ المتفتّحةَ تَنُثُّ عطرَ التّشجيعِ والإنعاشِ، وفي المساءِ الزّنبقةَ البيضاءَ يحويني جَرَسُها، وتُريحني رائحِتُها، فأَنعَمُ بلطيفِ الأجواءِ.
وحينَ اعتليتُ سلّمَ المجدِ بعدَ أن دققتِ كلَّ خُشبانِِهِ، أوصَلني الشّموخُ لتلّةٍ لم أرَ فيها إلّا ذاتي، فَرُحتُ أسبحُ في بحيراتِ النّعيمِ، وما جَنتْهُ يدايَ من الخيراتِ؛ ناسيًا قبضةَ يديكِ خوفًا عليَّ من الانزلاقِ، وأجِدُني قدِ انزلقتُ بعقوقِكِ، وإن اعتليتُ أعلى ما تبغين مِن درجاتٍ، يومَ ابتعَدْتُ عنكِ، ونسيتُ سُؤلَكِ بِالّا أنساكِ.
يا مَن هززتِ بيمينِكِ سريري، وبيسارِكِ كنتِ ترسمينَ بريشةِ المستقبلِ دروبَ حياتي، هاأنذا جئتُكِ اليومَ أمسكُ بيميني سريرَكِ، ويساري خجلَى بتقصيرِها، تلسعُها ناموسةُ النّدامة، وتزيغُ عينيَ القتامة، لكنّي سأظلُّ لكِ راجيا، وقد جئتُكِ نادما؛ حتّى ترضَي، وتغفري لي زَلّاتي، فأحلّقُ في سماءِ الرّضا، وأنعمُ بالتّوفيقِ من بعدِكِ، فلا يَعقُّني زماني، وتَبَرُّني الأماني ... فسامحيني يا نبعَ العطاءِ والحنانِ .

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس