عرض مشاركة واحدة
قديم 09-24-2013, 12:39 PM   #24
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,201
افتراضي


انتشاره في بلاد الشام
كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي حتى وُلِّي قضاء دمشق بعد قضاء مصر أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي الشافعي، والذي توفي بدمشق سنة 302 هـ، ولا بد أن المذهب الشافعي كان قد سرى إلى الشام من مصر، لما بينهما من جوار، وللهجرة التي كان يقوم بها العلماء، ولكن لأنه أولُ قاضٍ شافعي وُلي قضاء الشام، وكان القاضي قبل ذلك أوزاعياً، فقد عمل بنفوذه على إحلال ذلك المذهب محل مذهب الأوزاعي، وكان يشجع على حفظه ومعرفته بالهبات، فقد رُوي أنه كان يهب لمن يحفظ مختصر المزنيِّ منه مئة دينار. وبتوالي القضاة الشافعيين على الشام أخذ مذهب الأوزاعي في الانقراض، ومذهب الشافعي في الغلب، ولم يتم له الغلب في حياة أبي زرعة، بل في عهد من جاءوا بعده من القضاة، فقد استمر مذهب الأوزاعي مع أن القضاء أُخذ منه، وكان له مكانته في نفس الشعب الشامي، حتى لقد كان له مُفتون، وإن لم يكن له في آخر الأمر قضاة، فقد رُوي أنه في سنة 347 هـ مات مفتي دمشق على مذهب الأوزاعي أبو الحسن أحمد بن سليمان بن حذلم، وكانت له حلقة كبيرة بالجامع، ويظهر أنه آخرُ مفتٍ لمذهب الأوزاعي، ومن هذا يُفهم أن مذهب الأوزاعي كان بالشام إلى منتصف القرن الرابع الهجري، وأنه لم تتم الغلبة للمذهب الشافعي إلا عند ذلك.[121]

انتشاره في العراق
كان لمذهب أبي حنيفة مكانُه عند خلفاء بني العباس، لأن القضاة كانوا من المذهب الحنفي منذ أن ولَّى الخليفة هارون الرشيد القاضي أبا يوسف الحنفي خطة القضاة. ومع ما كان لمذهب أبي حنيفة من مكان بالعراق لهذه الرياسة، ولأنه موطن أبي حنيفة ومقامه، كان لمذهب الشافعي أيضاً مكان لتلاميذ الشافعي الأولين به، ولهجرة كثيرين من أصحاب الشافعي إلى العراق، ولأن بغداد كانت حاضرة العالم الإسلامي، فكان العلماء يفِدون إليها من كل المذاهب ومختلف الآراء، لذلك كلِّه تزاحم المذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة، وكانت له بجواره كثرة، وإن لم يكن معتنقوه هم الأكثر، ولكن كان كثيرون من أهل بغداد فيهم تعصب شديد لمذهب أبي حنيفة، حتى إن الخليفة القادر بالله ولى عهد القضاء قاضياً شافعياً، فثار أهل بغداد وانقسموا حزبين: حزب لا يؤيد التعيين وهو الأكثر، وحزب يناصره وهم الأقل عدداً، ووقعت الفتن بينهما، فاضطر الخليفة لإرضاء الأكثرين، وعزل القاضي الشافعيَ وأحل محله حنفياً، وكان ذلك في أواخر القرن الرابع الهجري. ومهما يكن من الأمر فقد كان لمذهب الشافعي مكانٌ ببغداد، ولعلمائه منزلة، ولئن بُعِّدوا عن الرياسة، فقد سادوا بالعلم حتى كان أكثرُهم في موضع التجلة من الخلفاء، وإن كان القضاء في غيرهم.[122]

انتشاره في الحجاز والأحساء وعسير وتهامة
يقول تاج الدين السبكي: وأما بلاد الحجاز فلم تبرح أيضاً منذ ظهور مذهب الشافعي، وإلى يومنا هذا في أيدي الشافعية القضاء والخطابة والإمامة بمكة والمدينة، والناس من خمسمائة وثلاث وستين سنة يخطبون في مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ويصلُّون على مذهب ابن عمه محمد بن إدريس، يقنُتُون في الفجر، ويجهرون بالتسمية، ويفردون الإقامة، إلى غير ذلك، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم حاضر يُبصر ويَسمع، وفي ذلك أوضح دليل على أن هذا المذهب صواب عند الله تعالى.[123]
ويؤكَّد تقديمَ الشافعية في الحجاز أبراهيمُ الإسنويُّ (المتوفى سنة 772 هـ) حيث يقول: فإن الشافعي رضيَ الله عنه وأرضاه قد حصل له في أصحابه من السعادة أمورٌ لم تتفق في أصحاب غيره، منها: أنهم المقدمون في المساجد الثلاثة الشهيرة، ومنها: أن الكلمة لهم في الأقاليم الفاضلة المشار إليها، وغالب الأقاليم الكبار العامرة، المتوسطة في الدنيا، المتأصلة في الإسلام، وشعار الإسلام بها ظاهر منتظم، كالحجاز واليمن ومصر والشام والعراق وخراسان وديار بكر وإقليم الروم.[124]
وانتشر المذهب الشافعي في الأحساء (المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية)، وكذلك في دول الخليج العربي بشكل عام، تبعاً لبلاد فارس التي كانت حاضنة المذهب. وبعد الغزو المغولي والحكم الصفوي، هاجر كثيرٌ من الشافعية من بلاد فارس إلى دول الخليج المجاورة واستقروا بها، ويُعد إقليم الأحساء من أهم التمركزات للشافعية في الجزيرة العربية، واشتهر منهم مجموعة من العلماء.[125]
وأما في عسير وتهامة (جنوب غرب المملكة العربية السعودية) فإن المذهب الشافعي يكاد يغشى معظم المناطق فيها،[126] وهو المذهب السائد فيها إلى جوار المذهب الزيدي.[127]

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس