عرض مشاركة واحدة
قديم 05-08-2012, 10:28 AM   #13
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,555
افتراضي مولد عيسى بن مريم 268-276/3


4. مولد عيسى بن مريم


لقد جعل الله تعالى سنته في الخلق والميلاد قائمة على قانون الزوجيّة، فشاءت قدرته تعالى الا يولد إنسان إلا بإختلاط مائي الرّجل والمرأة، ومرور هذا الإختلاط بالأطوار اللازمة لِتَكوُّنَ المخلوق في حَمْلٍ تحمله إمرأة، ثُمّ تَكوّن الجنين في رحمها بتزاوج وتلقيح.

هذه هي السُّنَة التي سَنَّها الله تعالى قانوناً وناموساً لازِماً في خلق الإنسان – كل إنسان – لا ولن يتخلف عن ذلك ولم يسبق تخلف حالة واحدة، فلا يمكن أن يوجَدَ إنسان إلا بتلك الطريقة. إلا أنَّ مشيئة الله وقدرته إقتضت أن يُخلقَ آدَمُ أوّلَ البشر مِنْ تُرابٍ أمْراً مُخالِفاً لِتِلْك القاعدةِ، وَانْ تُخلقَ حَواء مِنْ ضِلع آدَمَ الأيْسَرَ أمْراً آخَرَ مُخالِفاً لِذلكَ الناموس. وَإسْتَمَرَّ تَكوّنُ وايجاد الجِنس الإنساني بطريقة المُعاشَرَة والتزاوج بين ذكر وانثى، ليتم اختلاط المائين معاً،ً والتلقيح في رحم الأنثى التي تحمل في أحشائها ذلك الجنين الذي كان ثمرة إتصال جنسي بين ذكر وأنثى، لتحمله قدَراً مَعلوماً، يخرج بعدها بعملية ولادة بشراً سوياً.

إلآ أنَّ ميلاد نبي الله عيسى عليه السّلام، قد تم بطريقة خالفت تلك القاعدة وشذت عنها، فلم تتم بقانون الخلق وناموسه، إذ سبقت إرادته وحكمته تعالى أن يأتي هذا المولود إلى الدنيا بطريقة خارقة للقاعدة والقانون، ليخالف ميلاده الشريف ميلاد جميع من أتى قبله وجميع من سيأتي بعده مستقبلاً من البشر، أي بمعجزة تكون آية أخرى من آيات الله لتدلل على قدرته في الخلق، فكان ميلا د عيسى عليه السّلام بعملية "ولادة بدون أب Partheno senis" إذ أتى ميلاده الشريف المبارك من أم حملت به بدون أي إتصال جنسي مع رجل، فكان الحمل والميلاد من أم عذراء[ 1] بتول[2 ] لم يمسسها بشر مطلقاً، فلم يمتزج ماؤها بماء رجل بتاتاً، لِيُذكرّ الله تعالى الناس جميعاً: أنَّ مَنْ خَلقَ عيسى قد خلق من قبلِهِ آدَمَ بدون أم ولا أب. وفي ذلك قوله تعالى: (إنّ مثل عيسى عِنْد الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قالّ كن فيكون)[ 3]

وإذا تجاوز البشر حادث خلق الإنسان أصلاً وإنشاءه على هذه الصورة، فإنَّ ميلاد عيسى عليه السلام يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها الطويل. إذ هو حادث لم تعهده البشرية لا من قبل ولا من بعد، والإنسان لم يشهد خلق نفسه، وبالتالي لم يشهد خلق أول إنسان من غير أبوين، واعتاد البشر على مر التاريخ، ومن خلال تعاقب الدّهور والأيام أن يروا الخلق والتكوين يأتي مشاهداً بالسُّنَة المعهودة والطريقة الثابتة، فلم يعهدوا أن يأتي إنسان كائنا من كان إلى هذه الحياة الدنيا بلا اتصال جنسي بين رجل وامرأة، أي بين ذكر وأنثى. فأتت المعجزة الإلهية تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى بن مريم من غير أب ..... من أم عذراء بتول لم تمارس الجنس مطلقاَ ولم يمسسها بشر ، وذلك مخالف وخارق للعادة التي جرت منذ وُجِدَ الإنسان نفسه على هذه الإرض ، ليشهدها البشر ، ثم لتظل عالقة بإذهانهم مُذكرة الناس جميعا بمقدرة الله ، ولافتة النظر إلى المعجزة الأولى ميلاد آدم.

لقد جرت السُّنَة في الخلق واستمرار الحياة أن يكون ذلك بالتناسل والتكاثر الآتي من اتصال جنسي بين ذكر وانثى، جرت هذه السُّنَة أحقاباً طويلة، حتى استقر في تصور البشر أنّ تلك هي الطريقة الوحيدة والناموس الأوحد. ونسوا حادث وجود النوع الإنساني أصلاً، ذلك الحادث الذي لم يشاهده بشر، فشاءت إرادة الله وقدرته أن يَضرب لهم مثلاً يُشاهدونه بِأعينهم وهو ميلاد عيسى بن مريم ليذكرهم بقدرة الله المطلقة التي لا تخضع ولا تحتاج لقوانين ولا لنواميس ولا لقواعد، إذ أنّه إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له كن فيكون.

يقص علينا القرآن الكريم قصة ميلاد عيسى بن مريم عليه السلام :

)[ 1] فناداها مِن تحْتِها ألا تحزني قدْ جَعَلَ رَبكِ تَحتكِ سَريا  فأجاءَها المَخاضُ إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مِت قبلَ هذا وَكنتُ نَسْيا مَنسيا  فَحَمَلتهُ فانتبَذتْ بِهِ مَكاناً قصِيا  قالَ كذلكِ قالَ رَبكِ هُوَ عَليَ هَيْنٌ وَلِنَجْعَلهُ آيَة للناسِ وَرَحْمَة مِنا وَكانَِ أمْرًا مَقضيا  قالت أنّى يَكونُ لي غلامٌ وَلمْ يَمْسَسني َبشَرٌ وَلمْ اكُ بَغيا  قالَ إنّما أنا رَسُولُ رَبكِ لأهَبَ لكِ غلاما زَكيا  قالت إني أعوذ بِالرَّحْمن مِنكَ إنْ كنتَ تقيا  فاتخذت مِن دونِهمْ حِجابا فأرْسَلنا إليها روحَنا فتمثلَ لها بَشرا سَويا (واذكرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذ انتبَذتْ مِنْ أهْلها مَكاناً شَرْقِياً

ممن وُلدَ المسيح؟ من فتاةٍ عذراء بتول طاهرة نقية تقية، نذرت نفسها لعبادة الله ربها، لم يُعرَف عنها وعن أسرتها إلآ التُقى والصلاح والنقاء والطهارة، كانت معروفة لقومها أنها مِثال الطهارة والعفة، حتى أنها تنتسب إلى هارون أبي سدنة المعبد اليهودي المتطهرين....... أنها عذراء بتول، لم تقترف الزنا والفاحشة، ولم تمارس الإتصال الجنسي لا حلالاً ولا حراماً. يؤكد ذلك شهادة قومها: "يا أخت هارون"[5 ] وبصريح النص القرآني الذي يؤكد أن الميلاد كان من عذراء بتول تقية نقية طاهرة، لا بل مثال للطهارة والعفة، أحصنت فرجها ولم تقترف الزنا والسفاح والآثام، ذات التربية الصالحة والمنبت الطيب الأصل من سلالة الأتقياء الأطهار: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ التي أحْصَنَتْ فَرْجَها فنفخنا فيهِ مِن روحِنا وَصَدَّقتْ بِكلِماتِ رَبِّها وَكتبِهِ وَكانتْ مِنَ القانتينَ)[ 6]

وضعت مريم حملها آتية بالمعجزة لبني إسرائيل "ولنجعله آية"، تحمل لهؤلاء القوم المشهورين بالعصيان والتمرد والتشكك حتى من الآيات البينات والحقائق المعلومة بالدليل الباتر، صورة أخرى من صور أيات الله ومعجزاته علهم يتفكرون، قال تعالى:

)[7 ] ما كانَ لِلهِ أنْ يَتخذَ وَلداً سُبْحانَهُ إذا قضى أمْراً فإنّما يَقولُ له كنْ فيَكونَ  ذلكَ عيسى بنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِِ الذي فيهِ يَمْترونَ  وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أموتُ وَيَوْمِ أبْعَثُ حَياً  وَبَراً بوالِدَتي وَلمْ يَجْعلنِي جَباراَ شقِياً  وَجَعَلني مُبارَكاً أيْنَ ما كنتُ وَأوصاني بالصَّلاةِ والصِيام ما دمتُ حَياً  قالَ إني عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلنِي نَبياً  فأشارَت إليهِ قالوا كيْفَ نكلمٌ مَن كانَ بالمَهدِ صَبيًا  يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امرأَ سوءٍ وَما كانت أُمُّك بَغِيا (فأتت بِهِ قوْمَها تحمِلهُ قالوا يا مَرْيَمُ لقد جئتِ شيئا فرياً

لقد حملت مريم إبنة عمران العذراء البتول حملها الشريف الطاهر، ووضعته غلاماً زكياً، حملت هذا المولود وأتت به أهلها. فدُهِش القوم وهم يرون إبنتهم الطاهرة العذراء المنقطعة للعبادة، تحمل لهم طفلاً وضعته لا يعرفون له أب!!! فانطلقوا يُقرِّعونها ويوبخونها بإتيانها هذا الفِعل الفظيع المُستَنكر... طفقوا يذكرونها بتقواها وصلاحها المشهود "يا أُخت هارون". كيف لا وهي من تلك الذرية المشهود لهم بالتقى والصلاح!!! كيف تأتي بذلك الفعل الشنيع الفاحش المستهجن المستقبح وهي سليلة الصالحين الأتقياء العباد القانتين المخلصين!!!. إنّ معلوماتهم الموثقة أنه لا يمكن أن يأتي مولود إلى هذه الدنيا مطلقاً إلآ بإتصال جنسي بين ذكر وأنثى "مشروع أو غير مشروع"، فلا يمكن أن يكون حمل وولادة إلا بطريقة الزوجية المشروعة، أو بالسِفاح غير المشروع. وكلاهما تزاوج واتصال جنسي بين ذكر وأنثى يُنتج تلقيح وحمل وولادة، والسِّفاح هو تزاوج غير مشروع، لـــذا فهو مستقبح ومستهجن، خاصة إن أتى من مريم إبنة عمران، التي هي كما هوعلمهم ومعرفتهم العذراء التقية المنقطعة للعبادة، إبنة كرام الناس الأعلام الأبرار. وبما أنّها أتتهم تحمل مولوداً بلا زواج، فالقاعدة أنها ما دامت عذراء لم تتزوج بعد، فمنطقهم يقول بأنها قد حملت بمولودها سفاحاً ولا بد.

وجواباً لتساؤلاتهم وشكوكهم فقد أشارت للمولود أن يسألوه ليأخذوا الرد منه وقد نذرت الصوم عن الكلام عبادة لله وامتثالاً، مما أثار استنكارهم لذلك قائلين "كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟". فكانت المعجزة الأخرى الخارقة العجيبة، إذ تكلم المولود في مهده على غير المألوف المعهود، معجزة أخرى من معجزات الله تعالى، فتكلم المولود في المهد على غير المعهود المألوف آية أخرى من آيات الله الدالة على قدرته، ونفي لأي إرتياب أو شك قد يعلق في الأذهان بشأن طهارة أمه الوالدة، وهو بالتأكيد دليل دامغ على أنّ في ولادة المولود سرٌ جديدٌ من أسرار الخلق. هذا الخلق المعجزة. والمعجزات هي أمور خارقة للعادة للتدليل على نبوة نبي أو رسالة رسول. إذاً فإنّ خلق عيسى عليه السلام بهذه الصورة الخارقة للعادة هي أيضاً من علائم النّبوة التي تنبئنا به النّصوص القرآنية به.

)[ 8] إنَّ اللهَ رَبي وربُّكمْ فَاعْبُدوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ  وَمُصَدِّقا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوْراةِ وَلأُحِلَّ لكمْ بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَليكمْ وَجِئْتُكمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبكمْ فاتقوا اللهَ وأطيعونِ  وَرَسولاً إلى بَني إسْرائيلَ إني جِئْتُكمْ بآيَةٍ مِنْ رَبكمْ أنّي أخلقُ لكمْ مِنْ الطينِ كهَيْئةِ الطير فَأنفخ فيهِ فَيَكونُ طيْراً بإذنِ اللهِ وَأبْرئُ الأكمَة والأبْرَصَ وَأحي المَوتى بِإذْنِ اللهِ وَأُنْبِئُكمْ بِما تَأكلونَ وَما تَدَّخِرونَ في بُيوتِكمْ إنَّ في ذلِكَ لكمْ إنْ كنْتمْ مؤمِنينَ  وَيُعلِمُهٌ الكِتابَ وَالحِكمَةَ والتَّوْراةّ وَالإنْجيلَ  قالتْ رَبِّ أنَّى يَكونُ لي وَلدٌ وَلم يَمْسَسْني بَشَرٌ قالَ كذلِكِ اللهُ يَخلُقُ ما يَشاءُ إذا قضى أمْراً فَإنَما يَقولُ لهُ كنْ فيَكونُ  وَيُكلِمُ الناسَ في المَهْدِ وَكهْلاً وَمِنَ الصالِحينَ  إذ قالتِ المَلائِكةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِرُكِ بِكلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسيحُ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيهاً في الدُّنيا والآخِرَةِ وَمِنَ المُقرَّبينَ  ذلكَ مِنْ أنْباءِ الغَيْبِ نوحيهِ إليْكَ وما كنتَ لدَيْهِم إذْ يُلقونَ أقْلامَهُمْ أيُهُمْ يَكفلُ مَرْيَمَ وما كنْتَ لدَيْهِمْ إذ هُمْ يَختصِمونَ  يا مَرْيَمُ اقنُتي لِرَبِكِ واسجُدي واركعي مَعَ الراكعينَ (وإذ قالتِ المَلائِكةُ يا مَرْيَمُ إنّ اللهَ إصْطفاكِ وَطهرَكِ وَاصْطفاكِ عَلى نِساءِ العالمينَ

)[ 10] ولم يكن له كفواً أحد  لم يلد ولم يولد  الله الصمد إنَّ ولادة عيسى بن مريم عليه السّلام، بكل ما رافقها من خرق للقوانين والنواميس المعروفة لدى الناس، كانت آية من آيات الله، تُعلن قدرة الله تعالى وأنّه سبحانه وتعالى لا يتقيد ولا يلتزم ـمتى شاءـ في خلقه للأشياء بقانون الأسباب والمسببات الذي يَسيرُ العالم عليها مُجْبَراً بِأمر الله. وقد إتخذ البعض من ولادة عيسى عليه السلام بدون أب حجة على ألوهيته، كما اتخذ البعض الآخر ذلك منفذاً للطعن في أُمه أو للتشكيك في وجود المسيح، وهؤلاء جميعاً يخاطبهم الله تعالى في القرآن الكريم: (إنَّ مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين.)[ 9] فتعالى الله الأحد الصمد عما يدعون (قل هو الله أحد

حملت مريم بالمسيح عليهما السلام بمجرد نفخ الرّوح، وطبيعي أنها مرَّت بجميع أدوار الحمل إلى أن وضعت حملها وأتت بمولودها، والنّص القرآني لم يذكر لنا شيئاً عن تلك الأدوار. يقول البيضاوي في تفسيره: (وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل ستة، وقيل ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره، وقيل ساعة). ولما أذن الله تعالى أن يكون وضع وميلاد، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة في موضع في مدينة "بيت لحم" من أعمال فلسطين. يقول البيضاوي: (إنَّ الزَّمن كان شتاء والنخلة يابسة، وإنّما كان مجيئها لتستتر أو لتعتمد عليها). أما إبن كثير فيقول: (ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات أجلهن ووضعهن، إذ لو كان خلاف لذكر)[ 11]

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلآ الله وحده لآ شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبده ورسوله، وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)[12 ]

إنَّ مدة الحمل التي ذكرنا من روايات المفسرين ليس لها سند من دليل قطعي، فالنّص القرآني لم يتعرض له، كما لم يرد في الحديث الشريف أي ذكر لذلك الحمل الشريف كيف تمَّ وكم كانت مدته، ولم يذكر لنا هل كان حملاً عادياً كحمل بقية النساء أم غير ذلك، إذ إقتصر الإخبار بنفخ الروح والحمل والميلاد فقط. قال تعالى:

(والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)[13 ]
(ومريم إبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)[14 ]

)[15 ] فأجاءَها المَخاضُ إلى جذع النخلةِ قالتْ يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وَكنتُ نَسْياً مَنسِياً نعم يعلمنا الله تعالى في محكم التنزيل بنفخ الروح، ثم يعرج ليقص لنا كيف تم الميلاد : (فَحَمَلتْهُ فإنْتبَذتْ بِهِ مَكاناً قصِياً
إنَّ الحمل المعهود يتم بتلقيح بويضة المرأة من نطفة الرجل، فتبدأ النطفة الأمشاج "الملقحة" في النشاط والنمو في أطوار معروفة، إذ تكون علقة فمضغة، ثم تكسى العظام باللحم بعد أن ينشز اللحم، إلى أن يستكمل الجنين أيامه المعهودة.[16 ]

ونعود إلى حمل مريم بعيسى عليهما السلام، فهل تمت مراحل هذا الحمل بعد نفخ الروح؟ أم هل تولد الجنين بعد نفخ الروح مختصراً المراحل المعهودة فأتى الوضع والميلاد بعد نفخ الروح مختصراً المراحل المعهودة فأتى الوضع والميلاد رأساً بعد نفخ الروح، فكان حملاً خفيفاً في مدة مختصرة؟. إنَّ أياً من تلك الإحتمالات لم نجد له جواباً شافياً لها، بل لم يتعرض له النص القرآني. وبما أنّ الموضوع من متعلقات العقيدة، والعقيدة لا تُأخذ إعتقاداً إلآ بالنص القطعي من قرآن أو حديث متواتر، لــــــذا فنقتصر في ذلك على ما ورد به النص، وليس لنا الإجتهاد أو التخمين في ذلك، والله تعالى أعلم.

يعلمنا النص القرآني أنَّ مريم بعد أن حملت حملها انتبذت من أهلها مكاناً نائياَ قصياً بعيداَ عن الأنظار، لتواجه المخاض الذي ألجأها إلى جذع النخلة، لتضع حملها الطاهر، ولتواجه المجتمع والناس كافة بالآية المعجزة.

هذه هي قصة ميلاد رسول الله عيسى بن مريم عليه السَلام، كما أتت في محكم التنزيل، مكذبة كل الإدعاءأت والروايات المختلقة الملفقة، عبد الله ورسوله، بشر كباقي البشر، أتى بحمل وميلاد من أنثى حاضرة شاهدة معروفة، تعيش بينهم، تأكل مما يأكلون وتشرب مما يشربون، فهو ليس ابن الله ولا ثالث ثلاثة، إنسان بشر ليس إله ولا رب ولا أبن رب، ولا ملاك، استعرضناها في بحثنا كصورة فريدة ومميزة من صورخلق وميلاد الإنسان.

)[17 ] ما كانّ لِله أن يَتّخِذَ وَلداً سُبْحانهُ إذا قضى أمْراً فَإنَّما يَقولُ لهُ كنْ فيَكونَ (ذلِكَ عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترونَ

إنّه عيسى بن مريم الإنسان، عبد الله ورسوله. الشريف الطاهر المبارك، المرسل رحمة إلى بني إسرائيل العصاة المكابرين، ليعيد الضالين منهم إلى عقيدة التوحيد، مصدقاً للتوراة كتاب الله المنزل على نبي الله موسى، ومرسلاً بكتاب الله "الإنجيل" المتضمن رسالته إليهم بشرائع وأحكام جديدة، بعضها مثبتاً لما أتت به التوراة، والبعض الآخر مبدلاً ومخالفاً لما أتت به التوراة، أتاهم بشواهد ومعجزات تدلل على رسالته، معجزة في مولده، ومعجزة في تكلمه في مهده، ومعجزة إحياءه الموتى وشفاءه للمرضى، ومبشراً برسول يأتي من بعده أسمه أحمد.

إن عيسى عليه السلام الوليد الناطق في المهد، عبد الله ورسوله، ليس ابن الله وليس رباً ولا إلهاً ولا ثالث ثلاثة، كما يلحد إليه المشركون الكافرون... هذه هي حقيقته في مولده وفي نشأته، لقد أنكر المولود كل تلك الإتهامات إذ تكلم في المهد على غير عادة المواليد، خارقاً النواميس في مهده تماماً كما خرقها في ميلاده.

)[ 18] وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أموتُ وَيَوْمَ أبْعَثُ حَياً  وَبَراً بِوالِدَتي وَلمْ يَجعَلني جَباراً شقِياً  وَجَعَلني مُباركاً أيْنَ ما كنْتُ وَأوْصاني بِالصَلاةِ والزَكاةِ ما دُمْتُ حَيا (قالَ إني عَبْدُ اللهِ آتاني الكِتابَ وَجَعَلني نَبِياً
_____________________

[1] العذراء: هي التي لم تلد، ولم يسبق لها الزواج أو الوطء، ولم تفضَّ بكارتها.
[2] البتول: هي العذراء المنقطعة عن الزواج إلى العبادة.
[3] آل عمران: ( 59 ).
[4] مريم: ( 16 – 24 ).
[5] "يا أخت هارون" عبارة درج يهود في ذلك الوقت إطلاقها على الفتيات المشهود لهم بمنتهى العفة والطهارة والتقى والصفاء والنقاء، وإحصان الفرج وغض الطرف. – مما يعني شهادة من قومها في معرض التعجب والاستهجان على فعلها الظانين به إثماً.
[6] التحريم : ( 12 ) .
[7] مريم: ( 27 – 35 ).
[8] آل عمران: ( 42 – 51 ).
[9] آل عمران: ( 59 ).
[10] الإخلاص: ( 1 – 4 ).
[11] ابن كثير، البداية والنهاية، جزء ( 2 )، صفحه ( 65 ).
[12] رواه الشيخان.
[13] الأنبياء: ( 91 ).
[14] التحريم: ( 12 ).
[15] مريم: ( 22 – 23 ).
[16] وذلك ما سنتعرض له بالتفصيل في " الباب الرابع " من هذا الكتاب، إن شاء الله.
[17] مريم: ( 34 – 34 ).
[18] مريم: ( 30 – 33 ).


__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس