عرض مشاركة واحدة
قديم 03-12-2013, 09:42 PM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي


هامش القصيدة
ا يجوز لى الكلام عن نفسى فى هذا المقام، ولكن يجوز لى الكلام عن زمنى، فقد ولدت فى عام 1977، فى العام الذى قرر فيه بطل الحرب المصرى أن يكون بطل السلام ويعترف للغزاة الإسرائيليين بحقهم فى بلادى، وحين كان يخطب أنور السادات فى الكنيسيت الإسرائيلى فى القدس ويرحب عملياً بسفير إسرائيلى فى القاهرة، كان رجال أمنه يطلبون من أبى الفلسطينى مغادرتها إلى منفى سيمتد سبعة عشر عاماً، وحين كان عمرى عاماً واحداً اجتاحت إسرائيل لبنان، واجتاحته مرة أخرى وارتكبت مذبحة صبرا وشاتيلا فى حق الفلسطينيين عام 1982 حين كنت فى الخامسة. وفى عام 1991 حين كنت فى الرابعة عشرة حارب الأمريكيون العراق للمرة الأولى وقتلوا مائة وخمسة وثمانين ألف نفس من العراقيين، وفرضوا عليهم حصاراً استمر اثنى عشر عاماً، ربما كان أطول حصار شامل فى التاريخ، مات بسببه أكثر من مليون نفس، أكثر من نصفهم من الأطفال حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة. فلما انقضت أعوام الحصار الاثنا عشر، اجتاحت الولايات المتحدة العراق عام 2003 ما كلف العراقيين حرباً أهلية وموت مليون نفس آخرين، وبينما كان الرئيس المصرى محمد حسنى مبارك يرحب بحاملات الطائرات الأمريكية المارة من قناة السويس، كان رجال أمنه يخبروننى أننى غير مرحب بى فى القاهرة. كانت إسرائيل قد أعادت اجتياح الضفة الغربية لنهر الأردن قبلها بعام، ورام الله، بلد أبى، اجتيحت وحوصر فيها بعض أهلى، لكن لم يكن شىء يشبه ما جرى فى العراق. علَّم العراق الأمة كلها أن الحزن ترف، وأن الرضا بالطغاة ترف، وأن الحروب الأهلية ترف، وأن الفتنة الطائفية ترف، عدونا أقوى أمبراطورية فى العالم، فإما أن تكون لمقاومتها أولوية على كل شىء، وإما الموت العَمَمْ. كان العراق تجربة وجودية شخصية، أولَ اصطدام لى بالمذبحة العامة والإبادة التى لا تبقى ولا تذر. لكن الله لا يستقيل من رحمته، فى عام 2006 انتصرت حفنة من المقاتلين فى جبال لبنان الجنوبية على إسرائيل، وفى العام نفسه كان بادياً أن الأمريكيين لن يستطيعوا البقاء فى العراق طويلاً، وكان واضحاً أن عقاباً ما سيصيب حكامنا المتواطئين. دخل حسنى مبارك فى حلف عسكرى مع إسرائيل ضد شعب نصفُه من الأطفال فى غزة عام 2008، وحاصرهم ليقتلهم الغزاة، وبعد ثلاث سنوات، وكنت لا أزال فى منفاى، كان شعبه يحاصر قصره، وبعد سقوطه بسنة وتسعة أشهر انتصر شعب الأطفال فى غزة على غزاتهم.

...

غير أنِّى لم أكتشف هذا التشابه بين الأزمنة الثلاثة إلا أثناء كتابتى للقصيدة أو بعد كتابتى لنسختها الأولى، ربما كان ما يجرى على الأمة داعياً لكتابة القصيدة، غير أنى لم أكن على وعى بذلك حينها، لقد كان الداعى المباشر لكتابتها ما يجرى على أنا حينها. ففى نوفمبر عام 2010 كنت أعمل خارج مصر وكنت بصدد ترتيب زيارة والدتى لتجرى بعض الفحوصات الطبية ثم تتلقى العلاج، وكانت لا تزال بمصر. ثم أتانى على بعد خمسة آلاف ميل، أنها تعرضت مع زملائها من أساتذة الجامعة لهجوم من بلطجية حسنى مبارك اعترضوهم أثناء وقفة احتجاجية فى حرم جامعة عين شمس. وفى الغربة سناجب كثيرة، وأشجار بندق، وشوارع واسعة، لكن أهم ما فيها هو قلة الأنصار والعزوة والحيلة وكانت تلك سابع سنة لى خارج مصر بعد منعى من العمل فيها، تنقلت خلالها من الخرطوم إلى برلين إلى واشنطن. وكانت أسرتنا كلها تعرضت خلال الصيف السابق على هذه الحادثة مباشرة لعدة تجارب متتالية من تلك التى تؤدى بك إلى التحديق فى ملامح الموت والحياة، تجارب من تلك التى تعلمك أن تقدَّر قيمة النَّفَس الواحد (بتحريك الفاء)، إنك تتنفس، وهذا إنجاز، وهو مهدد، وهو على كل حال مؤقت، فاسعد به ما استطعت، ولا تجعل باغياً أو غازياً أو هماً أو حزناً أو علة تحتل تَنَفُّسَك، دافع عن هوائك، فقد لا يتبقى لك غيره. وذات مرة، وبينما أنا غارق بالتفكير فى شأنى وأهلى وناسى أحيائهم وموتاهم، أفقت على نفسى جالساً فى مقهى وامرأة شقراء، أو صابغة شعرها، من أهل المهجر تقول لى بأريحية مفرطة: «أنت توافقنى بالطبع على أن العرب والمسلمين أوباش كريهون»؟ قمت من المقهى، وعدت إلى منزلى أرنِّم: «مَوْلايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمَاً أَبَدَاً...عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الخَلْقِ كُلِّهِمِ». ونويت أن أكتب بردةً، قصيدةً فى مديح سيد الغرباء والمهاجرين محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم.

وقد قيل أن الإمام شرف الدين البوصيرى أصيب بفالج فرأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام يلُفُّ عليه بُردته، أى عباءته، فقام من المنام بارئاً، وكتب قصيدته وسماها «الكواكب الدرِّيَّة فى مَدْحِ خَيْرِ البَرِيَّة»، فسماها الناس البُردة. وأنا لست أهلاً للمعجزات، ولكن يمكن للمرء أن يرى التاريخ كله معجزة إذا أراد، كما كان صلاح جاهين يرى الإعجاز حتى فى شروق الشمس وغروبها. أذكر أننى أكملت أول نسخة من القصيدة وحفظتها، وأننى كنت أكتب بخط اليد نسخة منها وأنا فى غرفة انتظار مستشفى جورجتاون بواشنطن أنتظر خروج الوالدة من جراحتها الأولى (تلتها بعد ذلك ثلاث جراحات أخرى)، وللمصادفة، فقد أجريت هذه العملية يوم السابع عشر من ديسمبر عام 2010 يوم بداية الثورة التونسية. وقد أجريت لوالدتى العملية الأخيرة يوم الثالث عشر من فبراير 2011 بعد يومين من انتصار الثورة المصرية. وخرجت الوالدة إلى البيت بصحة جيدة والحمد الله. كذلك فإن الثورات التى قامت كانت برءاً للأمة من علتها. وهذه البردة دعاء، ولم أكن أظن أن دعاء مثلى يستجاب، وقد أصَبْتُ من الدنيا ما أَصَبْتُ، لكن رحمة ربك واسعة، وفى هذه الأمة من الأمهات والآباء والأطفال من تكفى طهارة قلوبهم ليستجاب دعاؤهم، سواء دعوا بالصوت أم بالصمت، كأن هناك مظاهرة مليونية من الأدعية، تكفى ليندس بينها دعائى قليل الجدارة، فتغمره بكرمها، أن «أهلاً وسهلاً ومرحباً أنت فى أهلك وناسك». إن هذه الملايين التى منذ ألف سنة، تحاول وتحاول، هى رسول جماعى، شعب نبى، أمة نبية، تحمل جماعتها رسالة إلى أفرادها أن لستم وحدكم، إن دعوتم معاً فإن دعاءكم يستجاب، كونوا معاً ولا تخافوا.

...

ولا بد هنا من الإشارة إلى مستوى ثالث من المعنى، يتجاوز التجربة السياسية التاريخية، والتجربة الروحية الفردية. إن كل الحروب والقضايا بل واللغات والحضارات ستفنى، كما فنيت حضارات وديانات ولغات من قبل، وربما يكون ما نموت من أجله اليوم مثاراً للضحك عند أحفادنا بعد ألف سنة أو ألفين، لكن ما سيبقى مثاراً للإعجاب هو سعينا العنيد هذا لأن نحيا، وأن نحيا بكرامة وقدرٍ من الجمال. إن التاريخ يكتسب معنى حين يتحول إلى مَثَلٍ يُضْرَبْ، ونموذج يُحْتَذَى، وإمام يتَّبع، وقِصَّةٍ تُتْلَى وَقَصِيدَةٍ تُسْمَع، يصبح السعى نفسه مثالاً مسعياً إليه. المثال، الشعر، الصورة تصبح مرآة للبشر تظهرهم أجمل مما هم، وتدعو واقعهم إلى أن يصبح بجمال خيالهم. إن القصيدة التى تصور الصراع، تمنحه معنى، وإن عمليات عسكرية جرت منذ آلاف السنين فى ساحل آسيا الصغرى، لن يبقى منها بعد أن تتغير اللغات والأديان والهويات والخرائط، إلا الإلياذة، لأن الإلياذة ترفع تلك الكومة المشعثة من الأحداث إلى مَعْنَى ما يُعين اللاحقين على تَشَعُّثِ حياتهم. ثم إن الشاعر لم يضف الإلياذة إلى التاريخ، بل نقب التاريخ عنها، كانت الإلياذة هناك بين أقدام الجنود، قشر عنها السياسة فبقى لُبُّها. نعم إن الناس «يتقاتلون على الثريد الأعفر» كما كان الحسن البصرى يقول فى أهل الفتنة الكبرى، ولكنهم فى قتالهم، وتحت غبار المعارك، يكتبون نصاً ما، قصيدة ما، سواء علموا أم يعلموا، يسعون لجمال ما، لبلاغة ما، لدرجة من الاختيار والحرية يهزمون بها اضطرارات الحياة والموت. والمدح النبوى هو من هذا الباب، هو بحث عن السماء فى الأرض، عن الجليل فى اليومى، عن الإلهى فى البشرى، عن الشعر فى النثر، عن الجمال فى الصعوبة، عن الباقى فى العابر، عن النبوة فى الناس، وعن المعنى فى التاريخ

...

كتبتُ إذن بين نوفمبر وديسمبر 2010 هذه البردة أعارض بها أنا تميم بن مريد الظاهر البرغوثى العمرى الكنانى، العربى الشامى الأصل المصرى الدار، بردة الإمام شرف الدين محمد بن سعيد البوصيرى الصنهاجى، المغربى الأصل، المصرى الدار، ثم قصيدة أحمد بن على بن أحمد، المعروف بأحمد شوقى، الكردى الأصل المصرى الدار، على ما للشيخين من فضل السبق. وقد استحضرتهما حتى ظننتهما سيضطران إلى الوقوف معى للحصول على ختم الإقامة من مبنى المجمع، لأن ثلاثتنا، بمنطق الدولة المدنية الحديثة، أجانب عن مصر، أحدهم مغربى والثانى كردى وأنا فلسطينى، وربما رفضت الداخلية المصرية منحهم الجنسية كما تفعل معى، وإن من اللطيف تصور السيدة زينب بنت سيدنا على رضى الله عنه وهى تقف فى طوابير مجمع التحرير تطلب تمديد إذن إقامة فى مصر بصفتها حجازية لاجئة من العراق ثم يرفض طلبها بحجة كونها خطراً على أمن الدولة.

إننى فى هذه القصيدة أخرج خروجاً صريحاً على مدرسة فى الشعر العربى ترى التراث عبئاً عليها بدلاً من أن يكون سنداً لها، وهى مدرسة تقابل فى الآداب الدولةَ الحديثةَ التى بناها الاستعمار فى السياسة. وإن تقنيات المعارضة والتخميس والتشطير وغيرها من الفنون التى وسمها بعض الحداثيين بفنون عصر الانحدار، تتيح للمرء من أساليب المحاورة والصدى ما شاء. ولذلك فقد قررت الالتزام بكل قواعد المعارضة التراثية، دون أن تكون القصيدة نفسها تقليداً للتراث. ولا أجد حرجاً فى هذه المقدمة من الكلام عن بعض التقنيات كعدد الأبيات أو اختيار القافية مثلاً، فالشكل عندى كلمة فى جملة المضمون لا يستقيم بدونه.

ولما كان من أعراف المعارضة زيادة الشاعر اللاحق فى عدد الأبيات عن الشاعر السابق، ولما كانت أبيات البوصيرى مائة وستين، وزاد شوقى أبيات النهج إلى مائة وتسعين، فإننى أتممتها مائتين، وغيرت القافية من الميم إلى الدال، لأن فى معنى القصيدة بعض الانقلاب عن معانى سابقتيها، فأحببت أن يرادف ذلك انقلاب فى الشكل، فيكون صدر بيت القصيدة الأشهر :مولاى صل وسلم دائماً أبداً…على حبيبك خير الخلق كلهمِ، هو عجز البيت الذى يبدأ به المديح فى هذه القصيدة.

...

ختاماً، فقد كتبت هذه القصيدة استنجاداً بالروح على الجسد، وبالأهل على الغربة، وبالأنس على الوحشة، ولم أنشر القصيدة لأنها بنت تجربة شخصية، ولأننى خفت إذا نشرتها بعد الثورة أن يظن أن بها تملقاً للحكام الجدد لمصر والعالم العربى من الإخوان المسلمين، وهو افتراض مضحك، ولكن بعض الناس قد يظنه، فأخرت نشرها، ولكن حين رأيت انتصار الأطفال المحاصرين فى بلدى على غزاتهم فى هذه الحرب الأخيرة ووقفت معهم تحت القصف فى ساحة مستشفى الشفاء ورأيتهم حين سقطت قذيفة بجوار المستشفى يركضون متجهين إليها لا هاربين منها، وتبسم لى طفل جريح اسمه أنس رأيت المعجز فى اليومى كما أن شروق الشمس معجزة يومية وأحببت أن أصلى على النبى وأنشرها.

وقد كان زهير بن أبى سلمى، أبو كعب الذى مدح النبى بقصيدته «بانت سعاد» فأهداه بردته، وهى البردة التى رآها البوصيرى فى المنام وبها سميت قصيدته البردة، أقول كان أبو كعب، زهير هذا، يصبر على القصيدة حولاً، أى سنة كاملة قبل أن ينشرها على الناس، فقد صبرت على هذه القصيدة سنتين، خائفاً من نشرها، خوفاً داخلياً من أن يسمح المرء بهذا الحد من كشف الذات، وخوفاً خارجياً من أن تبنى نصاً على نص هو على هذه الدرجة من الشهرة... ولكن الله المستعان...

...

وبقى أن يعتذر المرء من الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه. إن مادحك يا أبا القاسم لا يمدحك وحده: فإن كتب يقول «رِيمٌ عَلَى القَاعِ بَيْنَ البَانِ وَالعَلَمِ ، أَحَلَّ سَفْكَ دَمِى فِى الأَشْهُرِ الحُرُمِ» أو قال «أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِى سَلَمِ، مَزَجْتَ دَمْعَاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ» أو قال: «بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِى اليَوْمَ مَتْبُولُ، مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ» فإنما كتب المطلع، ولو بلغ عدد أبياته المِئِين، فإن الشعر يكمن أيضاً فيما أضافه الناس لكلامنا، هم قالوا إن البردة لو وضعت على عينى كفيف أبصر، وعلى عينى أرمد شفى، وعلى رأس محموم أبل، وعلى بطن حبلى وضعت ولداً صحيحاً يعيش، وهم جعلوا هذه القصائد أحجبة وأحرازاً، ونقشوها على أسبلة المساجد وأسيجة البيوت، وهذا شعر كتبوه هم لا نحن. إن سامِعَكَ يشارك فى مدحك، ويكمل القصيدة. إنك يا أبا القاسم حين تُمدح فإن الشعر لا ينتهى بانتهاء الإنشاد. وذلك لأنك «من أنفسنا» ولأنه كان «عزيزاً عليك ما عَنِتْنَا» ولأنك كنت «حَرِيصَاً علينا» ولأنك كنت فَأْلَ هذه الأمة الحَسَن، فكنت متعباً مثلنا، ومظلوماً مثلنا، ومنفياً مثلناً، ومُكَذَّباً ومكذوباً عليك مثلنا، ثم انتصرت.
منقووووووووووووووووووووووووول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس