عرض مشاركة واحدة
قديم 09-23-2012, 05:16 PM   #2
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,877
افتراضي


2
إن ضمان بقاء رجال الدولة يكون بقوة إيمانهم بنبئهم، وربط بقائهم بمدى تقدمه وارتفاع مكانته بين العالمين. وهذه طريق الإسلام المحددة المعالم في الظهور في دولة ، والدولة برجالها تقود الأمة لإظهاره على الدين كله، والوصول إلى ذلك لا يتم إلا عبر قيام كتلة تكون بوتقة تصهر الرجال وتصنعهم رجال دولة أتقياء أنقياء أقوياء بربهم، وذلك استجابة لقوله عز وجل (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]. ويكون العيش في الكتلة عيش جد واجتهاد وارتقاء لا عيش انتساب فحسب، لأنه بهذا ضمانة للبقاء والاستغناء واستمرار للقوة، فالكتلة هي الوسط الطبيعي الذي هو بمثابة الماء والهواء لرجل الدولة القائد السياسي المبدع، وهي رحم الأمة الغنية بخصائص الخير الودود الولود برجال الدولة.
وعليه فإن الأسباب الحقيقية التي تضمن خصوبة التربة التي تصنع رجال الدولة لا بد أن تكون فيها الأمور التالية.
1. حزب سياسي مبدئي كضمانة وبوتقة تصهر الرجال الرجال، يصنعهم بثقافته وحنكته وانضباطه وعمقه واستنارته وتفكيره الجماعي ووعيه السياسي، وإنباته لهم على المسؤولية عن الغير والتصدر لأخذ القيادة والشجاعة والجرأة في الحق، والصبر والجلد على الدراسة والإحاطة والمتابعة، وحشر الأنف بالضرورة في كل شاردة وواردة تهم من قريب أو بعيد، ولها اتصال بمصير الإسلام وقضيته في العيش والظهور، وهذا الوسط لا يوجد على الإطلاق في الدنيا إلا في حزب كحزب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده على التحقيق وبالاستقراء حزب التحرير. وعليه فإن الشرع الحنيف اعتبر وجوب قيام كتلة في المسلمين واجب على الدوام في كافة الأعصار، فهي مصنع الخصوبة في التربة لما لها من أهمية في إنشاء القادة السياسيين المبدعين، سواء أكانوا في الحكم أم لم يكونوا.

2. إن اعتبار مركز الوجود لرجل الدولة وسبب حياته وثمرة بقائه إنما يكون بحمله رسالته؛ ما يقتضي تمتعه بأهلية عالية تنشأ من نظرته للأمور والوقائع والأحداث الجارية من منطلق المسؤولية عن الغير، مسؤولية شهادة وأمانة رسالة يؤديها. فلا بد لرجل الدولة من أن تتكون في أعماقه المسؤولية عن الرسالة والعيش من أجلها وبالتالي المسؤولية عن الغير، وأنه لا معنى للعيش إلا بها، ولا سعادة إلا بها؛ ما يقتضي دوام البحث عن مواطن المكنة وأسباب القوة كي تجتمع بكافة أشكالها مادية ومعنوية كي تسخر لخدمة الرسالة وتحقيق هدفها وقضيتها في الوجود ألا وهي إظهار الإسلام على الدين كله. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الفتح 28].
إن من أعظم ما ابتلي به المسلمون بعد غزو المبدأ الرأسمالي لديارهم وعقولهم النظرة الفردية الأنانية وعدم الانشغال بشؤون العامة والسلطان والمسؤولية عن الغير، وما سياسة ربط معاش الناس بنظام الروتين والشغل الطويل إلا حلقة مكملة لسياسة إفقار البلاد لإشغال الناس بلقمة العيش التي لا يدنون منها إلا بكل مشقة ومرارة وإهانة. إن عيش المسلمين على هامش الحياة بل وعالة على العالم لهي ضالة عدوهم. والنفور من الاهتمام بالغير والبحث في مشاكل المسلمين بعامة والاهتمام بأمرهم وإثارة قضاياهم وتبني مصالحهم وكشف مكائد عدوهم ومن ثم النفور من كل ذلك لهي عادة سهر الكافر على إيجادها في المسلمين يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «... وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» (أخرجه أحمد) وقوله: «من سمع مسلماً ينادي ياللمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم» وقوله: «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
لذلك كان واجباً على من تفطن لهذا الأمر من المسلمين أن ينبههم على هذه الحقيقة ببعث اهتمامهم بشؤونهم وفي قضاياهم المحلية والدولية. وإن هذا الجهد الكريم لا يقوى عليه إلا من اضطلع بجهد الحزب وبهمته ومهمته، وهذا يعني بالضرورة أن يهتم الجميع بالبحث والتقصي باستمرار في شؤون المسلمين ولفت نظرهم للحلول الشرعية وربطها بمركز القضايا وطريقة حلها. إلا أن ما يجب أن يتنبه إليه أهل هذه المهمة أن لا يقعوا في مغالطة خطيرة، وهي أن مجرد انتمائهم لحزب يقوم بهذه المهمة يكفي، بل على الواحد والفرد والجزء أن يديم النظر ويتابع الاهتمام في كل شأن من الشؤون التي تهم المسلمين بل والعالم أجمع. لأن القضية هي إخصاب التربة لا إيجاد عينات، فكل واحد لابد أن يكون رجل دولة وقائداً سياسياً بارعاً كي تتمتع الأمة بحشد كبير من رجال الدولة ليعيد لها سيرتها الأولى من جديد،
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس