عرض مشاركة واحدة
قديم 10-06-2013, 09:56 PM   #21
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,115
افتراضي رمضان: خصائص ولطائف ( 1 )


رمضان: خصائص ولطائف
الشيخ صفوت الشوادفي
الحمد لله الذي بنعمتِه تتمُّ الصالحات، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، إمامِ الصائمين والقائمين، والعاكفين والصالحين.

وبعد:
فقدْ أظلَّنا شهرٌ كريم مبارَك، كتَبَ الله علينا صيامَه، وسنَّ لنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قيامَه، فيه تُفتح أبوابُ الجنة، وتُغلق أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه الشياطين، مَن صامه إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قامَه إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألْف شهر، مَن حُرِم خيرَها فقد حُرِم، وقد بارَك الله في هذا الشهر، وجعل فيه من الخصائص واللطائف، والعِبرَ ما ليس في غيره من الشُّهور.

فمِن لطائفه وعجائبه أنَّه أسرع قادم، وأسرع ذاهب، فإنَّ شهور السنة - وهي جزءٌ من عمر الإنسان - تَمرُّ مرَّ السَّحاب، ولا نشعر بذلك إلاَّ بقدوم رمضان لسرعة عودته بعد رحيله.

وهو أسرعُ ذاهب؛ لأنَّه ما أن يبدأ حتى ينتهي، وتمرُّ أيامُه ولياليه مرورَ النسيم تشعر به ولا تراه.

وأعجب من ذلك كثرةُ دموع التائبين التي تنهمِر في ليل رمضان، كأنَّها سيلٌ جارٍ، أين كانت هذه الدُّموع الغزيرة عبرَ شهور كثيرة قد مضت وانقضت؟ لقد حبستْها المعاصي، وسجَنَها القلْب القاسي، ثم أطلقتها التوبة فسالتْ وانحدرت من مآقيها؛ لتنقذَ العين من عذاب الله؛ لأنَّها بَكَتْ من خشية الله؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عينانِ لا تمسهما النار: عينٌ بَكَتْ من خشية الله، وعين باتتْ تحرس في سبيل الله))؛ رواه الترمذي (1639).

وفي رمضان يُقبِل المسلمون في المشارِق والمغارب على القرآن، في اللَّيْل والنهار، ويتنافسون على تلاوتِه في الصلاة، وفي غير الصلاة، يدفعهم إلى ذلك رجاءُ رحمةِ الله، والخوف من عذاب الله.

كما يختصُّ رمضان دونَ غيره من الشُّهور بكثرة التائبين والعائدين إلى الله، فهو شهرٌ تَوجَل فيه القلوب، وتدمع العيون، وتَقشعِرُّ فيه الجلود، وهذه الصِّفات الثلاثة كانتْ ملازمةً للجيل الأوَّل في كلِّ شهور العام، كما أنَّ هذه الصفاتِ قد جعلها الله - عز وجل - علامةً صادقة على الإيمان؛ فقال - سبحانه وتعالى - عن الصفة الأولى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].
وقال في الثانية: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].

وقال عن الثالثة: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]، وقد أثْمَر هذا الإيمانُ الراسخ، واليقين الكامل عندَ السلف الصالح مجموعةً من الخِصال التي يحبُّها الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والتي لا تجتمع أبدًا إلاَّ في مؤمن صادق، ويجمعها عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله: "ينبغي لحامِل القرآن أن يُعرَف بليله إذِ الناسُ نائمون، وبنهاره إذ الناس مُفطِرون، وبحُزنِه إذ الناس يفرحون، وببكائِه إذ الناس يضحكون، وبصمتِه إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون".
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس