قديم 01-03-2018, 01:37 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي معالم الشبهات الفكرية المعاصرة

معالمُ الشبهات الفكريةِ المعاصرةِ والموقفُ منها

الشبهةُ في اللغة، بحسب المعجمِ الوسيط، هي "الالتباسُ، واشتبه الأمرُ عليه: اختلط، واشتبه في المسألة: شك في صحتها"، والشبهاتُ محلِّ البحثِ هنا هي شبهات السنواتِ العشرِ الأخيرةِ تقريباً، التي تتعلق بالفكر، .إن الغرضَ الأساسيَ من هذه المقالةِ هو الوصولُ إلى رؤيةٍ شاملةٍ تُجاه موجةِ الشبهاتِ الفكريةِ التشكيكيةِ المعاصرة، وإبرازُ طبيعةِ الأفكارِ التي تحملها، ومن ثَمَّ تِبيان ماهيةِ الموقفِ المطلوب منا تُجاه هذه الشبهات.

إن هذه الموجةَ التشكيكيةَ المعاصرةَ خطرةٌ وحادةٌ، منتشرةٌ انتشاراً واسعاً، آخذةً حالةً مقلقةً في الانتشارِ هي بين الخفاء والعلن، تتحرك في فضاء شبكاتِ التواصلِ الاجتماعي، فقد يصابُ بها أبناءُ بيتك وأنت لا تعلم، فيقعون فريسةً لهذه الفوضى المعرفيةِ المليئةِ بالشبهات.

إن الراصد لهذه الموجةِ التشكيكيةِ يجدها شبهاتٍ يمكنُ تصنيفُها في ثلاثةِ أنواع:

النوع الأول: شبهاتٌ حول أصلِ الإسلام، ويشملُ هذا النوعُ شبهات إلحادية، حولَ وجودِ الله تعالى، والحكمةِ من أفعالِه سبحانه، وشبهاتٍ حول القرآن الكريم، وشبهاتٍ حول الرسول صلى الله عليه وسلم.


النوع الثاني: شبهاتٌ يراد منها التشكيكُ في الثوابتِ الشرعية، وعلى رأسِها الأدلة الشرعية، كالشبهات حول السنة النبوية، من الحجية والثبوت والدلالة، وشبهة تعارض العقل والنقل، وكالشبهات حول الإجماع، والشبهات حول القياس، وكالشبهات حول الصحابة وعدالتهم.


النوع الثالث: موجهٌ ضد كتب التراث وضد المذاهب الإسلامية وضد التاريخ وضد كل ما هو (موروث ثقافي!) على حد تعبيرهم، فثمةَ تشكيكٌ في الحاجة لأصول الفقه من أساسِها، وتشكيكٌ في مدى الاطمئنانِ لعلم أصولِ الحديث، وتشكيك في التفسير وأصوله، وتعصبٌ حادٌّ ضد المذاهب ربما يفوق تعصبَ أصحاب المذاهب لمذاهبهم حدةً، كما أن ثمةَ عمليةَ غسلِ أدمغةٍ تتعلق بتاريخِ الأمة وقادتِها وقدواتـِها السياسةِ والعسكريةِ والفكرية، إن هذا الأمرَ يعد قلباً للطاولة على كلِّ نتاجِ الأمةِ المعرفيِّ في الفكرِ والتشريعِ والثقافة، واستدعاءً لكلِّ فكر، أو حكم شاذ مطويٍّ في صفحات التاريخ، لإعادة إنتاجه من جديد، وضخِ الروح فيه، ليكون تحتَ الضوء وفي موقعِ الصدارة والاهتمام.


المتبنون لهذه الشبهاتِ ومثيروها هم فئات مختلفة المقاصد، فبعضهم يريد الشهرة، وأن يشار له بالبنان، على قاعدة "خالف تعرف"، وبعضهم يعيش في حالة حرج شديد، وضعف ثقة بإسلامه وأمته، أمام سلطةِ الثقافةِ الغربيةِ الغالبة فيبذلُ وُسْعَه لتلطيفِ الفكرِ الإسلامي، وخلعِ كلِ فكرِ يرى فيه شوكاً أو خروجاً عن المزاجِ العلمانيِّ السائد، كي يتوافقَ مَعَ الفكرِ الغالبِ المتغلبِ في بلادنا، وبعضهم عَلمانيٌّ مستأجر، يؤجر قلمَه بدراهمَ معدودةٍ، ولكن عندما نلاحظُ أن هذه الشبهاتِ انتشرت في وقتٍ واحدٍ في أقوامٍ متفرقين وبسرعة كبيرة، فهذا الأمرُ يدعونا للتوقفِ والتدبرِ، والتساؤلِ، وإني لأجزمُ أن هذه الموجةَ التشكيكيةَ المعاصرةَ ليست صدفة، وإنما هي أمرٌ دُبِّرَ بليلِ دوائرِ المخابراتِ والاستشراق.

ومما يؤكدُ جزمي تقاريرُ " مؤسسة راند RAND Corporation " ، ولمن لا يعرف، تقاريرُ راند التي تُصدرها متخصصةٌ في رسمِ السياساتِ للإدارةِ الأمريكيةِ في التعاملِ مَعَ الأحداثِ في العالمِ أجمع ، ومنها منطقةُ ما يسمونه بــِــ " الشرقِ الأوسط " ، وتحملُ تقاريرُها قضايا خطرةً جداً، فمثلاً، تقريرُ راند 2003 بملاحقِهِ الأربعة، الملحقُ الأولُ منه، خاصٌّ بالحديثِ النبوي أي السنة، ودوره في الفقه الإسلامي، حيث يقول التقرير في صفحة 54، (ينبغي إنشاء تكتل من رافضي السنة، من أجل أولئك الذين يريدون تكوين مجتمعات ديمقراطية، أكثر تسامحاً، ومساواة)، ويؤكد توصيات راند، ما جاء في [كتاب : هزيمة الجهاد ، الحرب التي سننتصر فيها، بقلم الدكتور سباستيان جوركا، نائب كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب للشئون الإستراتيجية] حيث قال أن خطتهم هي تدعيم موقف من سماهم حلفاءهم المسلمين في إنشائهم (نُسخة الإسلام الجديد) غير المبني على العنف الموجود في كتب التراث الدينية أو العنف الموجود في القرآن، على حد تعبير الكاتب. ويضيف: " أن هناك مئات من الشبان والفتيات الشجعان الذين يقومون بمجهود بطولي على الانترنت، معرضين حياتهم للخطر، أثناء مواجهتهم لأفكار إسلام القرن السابع الميلادي!"

كما قال سبستيان هذا بوجوب: " أن تخصص الولايات المتحدة جزءا من الميزانية التي تنفقها في شراء الأسلحة والأجهزة الحديثة لدعم أنشطة الحرب النفسية المضادة وتشجيع حلفائهم، ودعم المبادرات المتعلقة بمكافحة أفكار الإسلام (الماضوي)." وأنه: "أثناء الحرب الباردة أسست الولايات المتحدة دورا لنشر الكتب المضادة للشيوعية، ودعمت كتابا ومفكرين في أوروبا لمقاومة الشيوعية ، وهي الآن في حاجة لتبني خطوات مشابهة في مجال الدعاية المضادة."

إن أسباب التأثر السلبي بموجة الشبهات المعاصرة، عديدة، أسباب عقلية وأخرى نفسية، وإلى جانب هذه العوامل هناك مساعدات ومسرعات لعملية التأثير.أما التي تتعلق بالعقلية، ونقصد بالعقلية القواعد المعرفية التي يحاكم إليها كل فكر وتبنى عليها الأفكار، فإن ضعف العقلية ناتج بشكل أساسي عن الضعف العام في العلوم الشرعية والمعرفية، وتلقي الأفكار بالتلقين، دون استفزاز للفكر بمواجهة الأفكار بما يعارضها من فكر آخر موجود في الواقع، إذ تنخفض حرارة الفكر ويفقد بريقه وحيوته إذا ما استقي من لون واحد من الكتب، ومن لا علوم شرعية ومعرفية عنده واقع لا محالة في الاضطراب المنهجي، منزلق في سقطات معرفية كبرى.إن من اعتاد أخذ الفكر بالاستنباط والتأمل والبحث ومصارعة الفكر بالفكر، وبنى فكرَه على غير استعجال، فكرة فكرة، يتمتع بعقلية ناقدة منضبطة منهجية، تجعل من الصعب التأثير عليه بأفكار خارجية كاذبة خاطئة، ومن لم يسلك أخذ الفكر من هذا الطريق بات عرضة لإيدز فكري، أي لنقص في مناعته الفكرية، فيصير إلى تيهٍ، لايهتدي فيه لحق من باطل.

أما التي تتعلق بالنفسية، فإن من انزلقت قدمه إلى المعاصي، فاغرق فيها، (ران) الذنب على قلبه وحجب عنه الحق والحقيقة، "كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ "(14) (المطففين) فخفت نور الإيمان في قلبه، فأصبح قابلاً للتأثر بأدنى شبهة أو تشكيك، وفي الحديث الحسن الصحيح، عند الترمذي، قال عليه السلام: (إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ)، ثم إن الشخصية إن هُزمت فإن نفسيتَها المنهزمة، ميالة بالطبع للتأثر بالشبهات، لاسيما الواردة من جهة الغرب المنتصر، لأنها نفسية ضعيفة مهزوزة، تلبس كل موضة فكرية تحل بأرضنا، فإن كانت الموضة اشتراكية سرعان ما طوعت نفسها لها وانضبعت بها، فإن انقلبت الموضة إلى العلمانية الليبرالية انقلبت معها ومالت إليها، وهذه النفسيات مهما أبنتَ لها عُوار فكرها لن تتركه، لأنها على الدوام حبيسة لكل فكر منتصر! ثم إن ضعف اليقين، والمشاكل النفسية والضغوط المجتمعية، وضعف الجانب التعبدي وخاصة أعمال القلوب، وانتشار الشهوات المحرمة، وانتشار البرامج المفسدة والأفلام والروايات المسممة، إضافة إلى الوحدة و فراغ الوقت وصحبة السوء، كلها عوامل نفسية مساعدة تلقي الشباب فريسة لتقبل هذه الشبهات.


أما العوامل المسرعة والمساعدة الأخرى لعملية التأثر، فعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، واليوتيوب، فإنها جعلت العالم قرية صغيرة، وألغت الحواجز بين الثقافات، وفتحت النوافذ أمام كل فكر، فبينما كانت الشبهات والتشكيكات في الماضي نُخْبوية، بين فئات ثقافية محدودة، وفي أعمدة الجرائد، وفي الصالونات الفكرية الخاصة، باتت الشبهات اليوم تنتشر بينَ الجميع، المثقفين والعوام، وفكرة من أقاصي الدنيا تدخل إلى هاتفك النقال وأنت في غرفة نومك، عبر صفحة الفايسبوك أو اليوتيوب، فلربما تنغص عليك ليلَك كلَّه حائراً فيها، إن الدنيا تغيرت كثيراً، وتسارعت وتقاربت بشكل لا يجوز معه إغفال سرعةِ انتقال الأفكار، وتغيرِ مفاهيمِ الناس، فكيف إذا ما كان خلف هذه الأفكارِ أصابع استشراق مخابارتية خبيثة؟! ومن المساعدات على الانحراف، والتأثر بالشبهات، اختلاط المسلمين وهم بلا ثقافة واثقة بنفسها، مطمئنة لدينها، اختلاطهم بغير المسلمين، لاسيما من خلال التعلم في الغرب،فيحتكون بفكر جديد عليهم، مناقض لمورثهم، صنع نهضة، وقاد إلى تقدم في العلم والمدنية وطراز الحياة، يرون نتائجه بأعينهم، ويقابلونها بما يرونه في بلدانهم، فيتساقطون تباعاً ولا يستطيعون الصمود أمامه.

ومن العوامل المساعدة لعملية التأثر، وجود فجوة بين الناس، ولاسيما فئة الشباب، بينهم وبين العلماء الحقيقيين، وجمود أساليب أهل العلم، وعدم تنوعها، وعدم مواكبتها لمستجدات الواقع، وضيق مساحات الحوار معهم، حيث الشاب يبحثون عن مساحات آمنة، متسعة الأفق، واسعة الصدر، تقدم إجابات عقلية مقنعة لاستشكالاتهم، ، فالخطباء وأهل التدريس في عصرنا يميلون لرواية القصص، ولا يقدمون خطاباً عقلانياً، متفهماً لإستشكالاتهم، يعالج بناء العقلية، وإنه لمن الملاحظ أن كمية الدروس والتدريس هائلة في أمتنا، ولكنها في ميزان النوعية مع الأسف ضعيفة، بحاجة إلى إعادة نظر.

ولعلي من هنا أضع بعض الأفكار في سياق الموقف المطلوب منا اتخاذه تجاه هذه الموجة التشكيكية المعاصرة، فأقول الحل طبعاً في بناء الشخصية الإسلامية، لمعالجة التفكير والنفسية، ولكون المقالة هي في سياق معالجة العقلية، فإني أرى وجوب تفعيل العلوم الشرعية والمعرفية بشكل يجعلها قريبة إلى ذهن المثقف، عام الثقافة، بكلمات أخرى، وكي يُفهم كلامي جيداً، إني لألمس حالة من وضع الحواجز من التهيب والتخوف، من المواضيع الأصولية، سواء مواضيع أصول الفقه أو مواضيع أصول الحديث أو غيرها، فتبنى فجوةٌ بين الأصول وفئة الشباب العطشى لمباحث الأصول، التي بها، وبها فقط، تنضبط العقلية، فالحل، فيما أرى هو إعادة النظر في كيفية تقديم الأفكار الأصولية لفئة الشباب بخاصة، لنجعلها سهلة ميسورة عملية، قابلة لضبط أفهام الناس،لأن البديل عن ذلك هو أننا سنترك المجرمين لينالوا من طريقة تفكير الناس، لاسيما فئة الشباب، بتسميم كل مباحث الأصول،وبالتالي تُخرب العقلية، وهيهات أن تستطيع استدراك تصليحها، وتصويب القواعد التي أنشئت عليها، إلا بشق الأنفس.

إنه لمن المحتم حتى نعالجَ هذا الأمر، أن نتجه إلى الكتابة في المواضيع الإشكالية، ومواضيعِ الشبهاتِ المثارة، بكتبٍ، عميقةٍ سهلة، قريبةٍ لذهن الشباب، تفككها وتعالجها بدقة وقوة، ، كما أني أرى بأن تصبح هذه الأفكارُ مثارَ بحثٍ وكتابة في إصدارتِنا الدورية، فتخصص فيها مساحةً للحوار وطرح الأفكار، فنجيب على الشبهات، ونحصن الأمة من خطر كل فكر خبيث دخيل.وأن نسلك إلى جانب الكتب والإصدارات الدورية، طريق وسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوب لنصل إلى أكبر شريحة من الناس.

إني بهذه الكلماتِ، لا أزعمُ أني أضع حلاً متكاملاً، أو شبهَ حل، إنما أحاول أن أمسك طرفَ طرفِ خيطٍ إلى الحل، وإنما المقالةُ هذه إن هي إلا أفكار تعلقُ الجرس وتنذرُ بالخطر.
وبهذه الأفكار، حول ما هية الموقف المطلوب منا تجاه هذه الشبهات، تنتهي هذه المقالة، فإن أصبتُ فمن الله تعالى، وإن أخطأتُ فمن نفسي، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا * رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ * وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا * أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة (286).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أبو الهمام، 10/16/2017
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
الشبهات السنة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:01 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.