قديم 10-13-2013, 07:12 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي جواب سؤال: فصلُ الدينِ عنِ السياسة


فصلُ الدينِ عنِ السياسة

السؤالُ: ما الحكمُ الشرعيُّ معَ الدليلِ في من ينادي بفصلِ الدينِ عن السياسةِ والدولة،( حالَ كونه رئيساً لحزب أو مجردَ مؤيِّد) ؟

الجوابُ:

1.السياسةُ هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قِبَلِ الدولة والأمة، فالدولةُ هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمةُ هي التي تحاسب بها الدولة.
هذا هو تعريفُ السياسة، وهو وصفٌ لواقعِ السياسة من حيث هي، وهو معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه،و هو التعريف المستنبط من الأدلة الشرعية.

2. لما كان الإسلامُ عقيدةً ينبثق عنها منظومةٌ تشريعيةٌ و فكرية شاملة، ترعى شؤون الإنسان من حيث هو إنسان، فتنظم علاقةَ الإنسان بالإنسان من معاملاتٍ وعقوبات،و علاقةَ الإنسان بنفسه من أخلاق و مطعومات وملبوسات،و علاقةَ الإنسان باللهِ تعالى من عقائدَ و عباداتٍ،كانت طبيعتُه طبيعةً روحيةً سياسية، فالإسلام سياسيٌ، أُنزِلَ لرعاية شؤونِ الإنسان، بما يحقق له الخير في الدنيا والآخرة.

3.إن فصل السياسة عن الإسلام يعني قَصْرَ مفهوم العبادة على الشعائر الروحية التعبدية، من صلاة وأذكارٍ وأخلاق و نحوه، وتعطيلَ العبادة بمعناها العام الشموليّ،المرتبط بمفهوم "لا إله إلا الله محمد رسول الله"،إذ لا معبودَ بحقٍّ إلا الله،ولا عبادةَ بحق إلا وفْقَ الرسالة الشاملة لكل جوانب الحياة التي جاء بها محمد رسول الله، فالعبادة بمعناها العام هي السمعُ و الطاعةُ لله تعالى في كل ما أمر و كل ما نهى عنه، فيشمل المعنى العام للعبادة أحكامَ الشرع جميعَها، من أحكام دخولِ بيت الخلاء إلى الاقتصاد و الحكم،فمن أمر بدخول بيت الخلاء بالقدم اليسرى أمر بيعة الحاكم و محاسبته و الخروج عليه إن أظهر الكفر البواح في نفسه أو في الحكم، ومن أمر بالنوم على الكتف اليمين أمر بخمسِ الرِّكازِ وأحكام المضاربة و تنظيمِ الملكية، وأحكامِ النقد. فعبادةُ الله تعالى تعني طاعته في أمره كلِّه ونهيهِ كلِّه، لا أن نؤمنَ ببعض الإسلام و نكفر ببعض،"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ" أي التزموا أحكام الإسلام جميعَها ولا تتبعوا خطواتِ الشيطان فتأخذون ببعض و تتركون بعضاً.

4.إن السياسة هي عمل الأنبياء،و عمل نبيُّنا محمد عليه السلام،و عمل الخلفاءُ حكامُ المسلمين من بعده، فقد روى مسلم عن أبي حازم قال : قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وأنه لا نبي بعدي ، وستكون خلفاء فتكثر ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فُوْا ببيعة الأول فالأول ، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» رواه مسلم.

5.إن الله تعالى أنزل القرآن لنحكم به، ونتحاكم إليه "إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً" ، فإن لم يكن الحكم الذي أنزل الكتابَ لأجلِه من السياسة فما السياسةُ إذاً.

6.لقد مارس النبي قدوتنا، صلى الله عليه وسلم، هو و صحبه السياسةَ، فبنوا الدولة الإسلامية،و نفذوا الشرعَ و حملوا الإسلام من خلال الدولة الإسلامية، وكان منهم الخلفاء أبو بكر وعمر و عثمان و علي،رضي الله عنهم أجمعين، فإن لم يكن فعل النبي وصحبه سياسةً و شرعاً، فماذا يسمى إذاً، لقد حكم المسلمون بالإسلام من ابتداء الدولة الإسلامية إلى الثالث من آذار 1924،وكان الإسلامُ النظامَ الذي ينظم الحياةَ في الاقتصاد و الحكم والاجتماع و الأحوال الشخصية، وكان يبايع الحاكم على تنفيذ الشرع، أوليس كل ذلك من السياسة،فإن لم يكن كذلك،فماذا يسمى إذاً؟!!

7.إن الاشتغال بالسياسة فرض على المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا ما صلوا» وقال: «أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر، أو أمير جائر» وقال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» وعن عبادة بن الصامت قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» . وقال تعالى: (ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون) .

فهذه الأحاديث والآية الكريمة دليل على أن الاشتغال بالسياسة فرض، وذلك أن السياسية في اللغة هي رعاية الشؤون. والاهتمام بالمسلمين إنما هو الاهتمام بشؤونهم، والاهتمام بشؤونهم يعني رعايتها، ومعرفة ما يسوس به الحاكم الناس. والإنكار على الحاكم هو اشتغال بالسياسة، واهتمام بأمر المسلمين، وأمر الإمام الجائز ونهيه هو اهتمام بأمر المسلمين ورعاية شؤونهم، ومنازعة وليّ الأمر إنما هو اهتمام بأمر المسلمين ورعاية شؤونهم.

فالأحاديث كلها تدل على الطلب الجازم، أي على أن الله طلب من المسلمين طلباً جازماً بأن يهتموا بالمسلمين، أي أن يشتغلوا بالسياسة. ومن هنا كان الاشتغال بالسياسة فرضاً على المسلمين.

8.إن الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة و بالتالي عن الحياة و الدولة،ليست سوى إتباع للغرب، وتقليد أعمى له، شبراً بشبر،وذراعاً بذراع، إن الغربَ إذ ثارَ على الكنيسة و فصلَها عن السياسة، وجعلَ الدينَ علاقة فرديةً بين الإنسان وربِّه،لا شأنَ له بالعلاقات العامة بين الناس في المجتمع، لظروفِه التاريخيةِ الخاصة لا يصحُّ بحالٍ إنزالُ تجربته على المسلمين و إسلامِهم،ففي الوقت الذي كانت تعيش فيه أوربا الظلمَ والظلام و التخلف بسبب هيمنة الكنيسة و النبلاء باسم الدين، كان المسلمون بسبب دينهم،الإسلامِ العظيم، أعزة الدنيا، يشعُّ نورهم في الدنيا حضارةً و مدنيةً و علماً و صناعةً.

9.إن من يروجُ لفكرة فصل الدين عن السياسة والدولة و الحياة، يرى أن بهذا الفصل تقف الدولةُ على مسافةٍ واحدة من جميع الأديان، و بالتالي تعترف بحق الجميع بأداء شعائرهم و التزام عقائدهم، فتحفظُ بذلك السلمَ الأهليّ، و تنفي عن المجتمع أي احتقان أو كراهية، وكأن الإسلام إن كانت له السيادة نسفَ كلَّ ذلك!! فنردّ على هذه الفكرةِ باقتضاب:إن الإسلامَ عقيدةٌ روحيةٌ سياسةٌ ينبثقُ عنها نظامُ حياةٍ لكلِ إنسان،و الأديانُ الأخرى عقائدُ روحيةٍ و حسب،لا تملكُ أنظمةَ حياة،إنما تملكُ أحكاماً خاصةً في الأحوالِ الشخصيةِ و الشعائرِ التعبديةِ والمأكلِ و الملبسِ،و ما شاكل،فهي بطبيعتِها منفصلةٌ عن الحياةِ و السياسةِ،و تعيشُ في إطارِ علاقةِ الإنسانِ بمعبودِه و بنفسِه،فهي لا تتعدى ذلك إلى العلاقاتِ العامةِ بين الإنسانِ والإنسانِ أي لا تتعدى و لا تؤثرُ في العلاقاتِ السياسية التي تُبنى عليها المجتمعاتُ،و بالنظرِ في شريعةِ الإسلامِ نجدُ الإسلامَ تركَ أصحابَ الأديانِ الأخرى على أديانِهم بلا إكراه أو تدخل،فكان هذا التركيبُ بين انفصالِ الأديانِ الأخرى عن الحياةِ و بين تغطيةِ الإسلامِ جميعَ مناحي الحياةِ معَ تركِه غيَر المسلمين و أديانَهم يجعلُ مسألةَ التعايشِ في المجتمعِ الإسلاميِّ بين مكوناتِه على اختلاف أديانِها طبيعياً سلميا ً سلساً لا مشكلةَ فيه مصانٌ بسياجِ التابعيةِ، والتاريخ خيرُ شاهدٍ على اعتراف الإسلام بحق الجميع بالعيش السوي بسلام وحقهم بأداء شعائرهم والتزام عقائدهم دون إكراه أو تدخل.

الخلاصةُ:
إن الدعوةَ لفصلِ الإسلام عن السياسة إثمُها عظيمٌ جداً، ويزيدُ إثمها إثماً مغلظاً فوق إثم أن تكونَ الدعوةُ تلك دعوةً جماعيةً من خلال تكتلٍ، لأنها دعوةٌ لتعطيلِ أحكامِ الإسلام في الحياة، وإنَّ من يقولُ بفصل الإسلام عن الحياةِ و السياسةِ يكونُ قد شطبَ من الإسلام ثلاثةَ أرباعِه إنْ لم يكنْ أكثر. وإنَّ من يؤمن بفكرةِ فصلِ الدينِ الإسلاميِّ عن الحياة هو منكرٌ بالضرورةِ لأنظمة الحياة التي جاء بها الإسلام القطعيةِ بجملتِها، فهو بذلك يكفر، ولكنّا حملة ُ دعوة و لسنا قضاة، و تهمةُ الكفر عظيمةٌ، يلزمها تثبُّتٌ من واقع مُتَلبسِها لنحكمَ عليه، وهو ليس من عملِنا، فنكتفي ببيانِ عظيمِ إثمِه.

وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
2/8/2013
أبوالهمام الخليليّ.
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
فصل الدين عن السياسة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.