قديم 06-21-2020, 11:52 AM   #91
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي السبب الخامس من أسباب التملك الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج6) ا

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح86)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح86)
●السبب الخامس من أسباب التملك
الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج86) اللقطة (...

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والثمانين, وعنوانها: "الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد: اللقطة". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثالثة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "أما إن كانت اللقطة في الحرم فلا تعتبر لقطة؛ لأن لقطة الحرم حرام. كما جاء في الحديث المروي من طريق عبد الرحمن بن عثمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج، ولا يجوز أن يأخذها إلا للحفظ على صاحبها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد" رواه البخاري. أما إن كانت مما لا يمكن حفظها، بأن كانت مما لا يبقى، كالأكل، والبطيخ، وما شاكله فهو مخير بين أن يأكله ويغرم ثمنه لصاحبه إن وجد، وبين أن يبيعه ويحفظ ثمنه مدة الحول. وهذا كله إذا كانت اللقطة مما يطلب عادة، بأن كان لها ثمن لا يتركه صاحبه إن ضاع. أما إن كانت من التوافه، كالتمرة، واللقمة، وما شاكل ذلك، فإنه لا يعرف عليه، وإنما يملكه في الحال". ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته:

رابعا: بيان ما يصنع باللقطة:

أما بيان ما يصنع باللقطة، فالكلام في ثلاثة مواضع: الأول في التعريف بها، والثاني في مدة التعريف، والثالث في بيان مكان التعريف.

أولا: التعريف باللقطة:

فقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى من طريق زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فزعم أنه قال: "اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة". وفي رواية: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال: "عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها، فأدها إليه".

فالحديثان دليلان على وجوب التعريف باللقطة بصفاتها، وجنسها، وقدرها؛ لذلك أجاب عليه الصلاة والسلام السائل بقوله: "اعرف عفاصها ووكاءها". والعفاص بكسر العين: هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة، جلدا كان أو غيره. والوكاء بكسر الواو: هو الخيط الذي يشد به الوعاء الذي تكون فيه النفقة. وقد ذكر الإمام النووي أن الواجب على الملتقط أن يعرف علامات لقطته؛ حتى يعرف صدق واصفها إذا وصفها من كذبه، ولئلا يختلط بماله ويشتبه به.

ثانيا: مدة التعريف:

فقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم عرفها سنة". ظاهره وجوب التعريف، وظاهره أيضا التعريف ظرف سنة، وبه قال الجمهور. ووقع في رواية عند الإمام البخاري من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه بلفظ: "أخذت صرة مائة دينار، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "عرفها حولا". فعرفتها حولا، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: "عرفها حولا". فعرفتها، فلم أجد، ثم أتيته ثلاثا، فقال: "احفظ وعاءها، وعددها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها". فاستمتعت، فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولا واحدا.

وذكر الإمام الحديث في موضع من صحيحه، فزاد: "ثم أتيته الرابعة، فقال: "اعرف عدتها، ووكاءها، ووعاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع به". والجمع بين حديث أبي وحديث زيد بن خالد الجهني المذكور فيه سنة فقط: أن حديث أبي محمول على الورع والمبالغة في التعفف عن اللقطة، وحديث زيد على ما لا بد منه، ويحتمل أن يكون عليه السلام عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه المطلوب الذي ينبغي، فأمر ثانيا بإعادة التعريف، ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها. أما قوله: "فاستمتع بها" فعن أبي حنيفة قال: "إن كان غنيا، تصدق بها، وإن جاء صاحبها، تخير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه.

أما الضوال وهي (جمع ضالة من الحيوان) فقد سئل عليه السلام عن ضالة الغنم، قال: "لك، أو لأخيك، أو للذئب". قال: وضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها خفها, وسقاؤها جوفها, ترد الماء، وتأكل الشجر". قال الإمام ابن حجر: "كأنه أفرد الغنم بترجمة؛ ليشير إلى افتراق حكمها عن الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة, وعدم تعريفها، متمسكا بقوله: "لك"، وأجيب بأن اللام ليست للتمليك، كما أنه قال: أو "للذئب"، والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد، لأخذها منه، أما حكمة النهي عن التقاط الإبل، أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها، من تطلبه لها في رحال الناس. ففي الحديث أشار عليه السلام إلى عدم التقاط الإبل؛ لما ركب في طباعها من جلد وصبر على العطش والمأكول؛ لذا غضب عليه السلام واحمر وجهه لما سئل عن الإبل، فزاد في رواية أخرى: "دعها حتى يجدها ربها".

ثالثا: مكان التعريف:

والتعريف بها يكون في مجمع الناس ومحافلهم، كالأسواق وأبواب المساجد؛ لأن التعريف في هذه الأماكن أسرع إلى تشهير الخبر وإذاعته، ثم يقول: من ضاعت له نفقة؟ ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئا من الصفات. وبعد التعريف بها، إن جاء صاحبها، وأقام البينة أنها ملكه، أخذها. وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "في المال يعرفه سنة، ثم يأكله إن شاء، فإن جاء صاحبه غرمه له، وقال: يعرفها سنة ثم يأكلها موسرا كان أو معسرا إن شاء، إلا أني لا أرى له أن يخلطها بماله، ولا يأكلها حتى يشهد على عددها، ووزنها، وظرفها، وعفاصها، ووكائها، فمتى جاء صاحبها غرمها له، وإن مات كانت دينا عليه في ماله، ولا يكون عليه في الشاة يجدها بالمهلكة تعريف، إن أحب أن يأكلها فهي له، ومتى لقي صاحبها غرمها له، وليس ذلك له في ضالة الإبل ولا البقر؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما. إذا عرفها حولا ولم يحضر صاحبها، كان له أن ينتفع بها وإن كان غنيا، وتكون قرضا عليه.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-22-2020, 08:54 PM   #92
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح87)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح87)
●السبب الخامس من أسباب التملك
الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج7) تعويض ال...

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة السابعة والثمانين, وعنوانها: "الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد: تعويض الخليفة". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الرابعة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني. يقول رحمه الله:

خامسا: "تعويض الخليفة، ومن يعتبر عملهم حكما، فإنه لا يكون مقابل عملهم، وإنما هو مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم. وهؤلاء يملكون المال بمجرد أخذه، لأن الله أحله لهم. فقد أخذ أبو بكر مالا، تعويضا عن حبسه عن التجارة، حين طلب منه أن يتفرغ لشؤون المسلمين، وأقره الصحابة على ذلك. فهذه الأموال الخمسة "الصلة، والتعويض على الضرر، والمهر، واللقطة، وتعويض الحكام" مال أخذه الفرد، بغير مقابل من مال، أو جهد، وهذا الأخذ على هذا الوجه من أسباب التملك المشروعة يملك الشخص به المال المأخوذ".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: المال ليس ملكا للحاكم، بل هو في الأصل لله تعالى, وهو سبحانه استخلفنا فيه نتصرف كما شرع لنا, مقياسنا في ذلك الحلال والحرام؛ لذلك يقول سبحانه وتعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). (الحديد 7) ولنلاحظ قول الله تعالى: (جعلكم) بصيغة الجمع, ولم يقل: جعل الحاكم, ولا جعله مستخلفا فيه بصيغة المفرد، بل قال: (جعلكم)؛ ولذلك فالدولة نائب وأمين ووكيل عن الأمة في خدمة هذا المال العام.

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت". وقال رجل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء "يعني الرعية" كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا, وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم فيأخذ من أموالهم؟ والجواب عن هذا السؤال معروف, ولكنه استعمال للقياس والتقريب, كرد على طلب السائل في التوسعة، والمعنى أنه لا يجوز في هذه الحالة, ولا يجوز في الأخرى، هذا ما طرحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تمثيل أو تصوير المال العام في يد الحاكم.

إنه لا يحل للحاكم, ولا لأي مسؤول أن يأخذ لنفسه إلا ما يفرضه له الناس بالمعروف، إن دولة الخلافة الإسلامية هي التي تكفل الحاجات الأساسية للرعية، وكان عمر رضي الله عنه يحلف ثلاثا ويقول: "والله ما أحد أحق في هذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، ووالله لو بقيت لأوتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه". رواه أحمد في المسند.

إقرار الذمة المالية لأبي بكر الصديق:

تولى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه الحكم, ومن شاء أن يرى جلال الحكم, وعظمة الحاكم, فلينظر أبا بكر غداة استخلافه, إذ خرج من داره حاملا على كتفيه لفافة كبيرة من الثياب. وفي الطريق يلقاه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهما فيسأله عمر: إلى أين تذهب يا خليفة رسول الله؟ فيجيبه: إلى السوق. قال عمر: ما هذا الذي تصنعه وقد وليت أمر المسلمين؟ قال أبو بكر: أبيع وأشتري لكي أطعم عيالي, فقال عمر: ومن يهتم بأمر الناس؟ فقال أبو بكر: ومن يطعم عيالي؟ فقال عمر: انطلق معنا نفرض لك شيئا من بيت المال. وصحبهما الخليفة إلى المسجد, حيث نودي أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, وعرض عليهم عمر رأيه في أن يفرض للخليفة "بدل تفرغ". وفعلا فرضوا له كفافا: في العام مائتين وخمسين دينارا, وشاة يؤخذ من بطنها, ورأسها وأكارعها!

وجد أبو بكر أن هذا العطاء من بيت المال لا يكفي بيته ولا عياله, فقرر أن يخرج لسوق البقيع للبيع والشراء كعهده سابقا. ذهب عمر بن الخطاب إلى بيت أبي بكر الصديق, فوجد مجموعة من النساء متجمعات أمام بيته؛ ليقضي بينهن في أمر, فانطلق عمر يبحث عن أبي بكر حتى وجده في سوق البقيع، فأخذ عمر بيد أبي بكر قائلا له: تعال ههنا. نظر إليه أبو بكر وقال له: لا حاجة لي في إمارتكم!! رزقتموني ما لا يكفيني ولا يكفي عيالي. قال له عمر: إنا نزيدك. رد أبو بكر: ثلاثمائة دينار والشاة كلها. فقال الفاروق: لا نوافق لك على ذلك, وبينما هما يتناقشان حضر علي بن أبي طالب رضي الله عنه, واحتكم أبو بكر وعمر إليه, فرأى علي أن لأبي بكر ما أراد من الزيادة. فوافق عمر واشترط الصديق مشاورة المهاجرين فجمعهم في المسجد. صعد أبو بكر منبر المسجد النبوي ونادى في الناس: أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها, ورأسها وأكارعها, وإن عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم؟ رد الحاضرون: اللهم نعم قد رضينا ... وعاش أبو بكر بهذا هو وأسرته الكبيرة, حتى بعد أن فتحت للمسلمين أبواب الرزق والرغد, وبدأت خيرات الشام والعراق تفد إلى المدينة! ولم يكن الصديق يلتزم القناعة لمجرد الزهد, بل كانت قناعته جزءا من إيمانه, فهو يأكل اللقمة الحلال, ويحاذر أن يدخل في جوفه كسرة فيها شبهة!

يحدثنا البخاري في صحيحه:"أنه كان لخليفة رسول الله غلام جاءه يوما بشيء من تمر فأكل منه, ولما فرغ من أكله, قال له الغلام: أتدري ما هذا يا خليفة رسول الله؟ قال أبو بكر: ما هو؟ قال الغلام: إني كنت قد تكهنت لرجل في الجاهلية, وما أحسن الكهانة, إلا أنني خدعته, وقد لقيني اليوم فأعطاني, فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده في فمه حتى قاء كل شيء في جوفه!". ويضيف صاحب الصفوة إلى ذلك أنه قيل لأبي بكر: "يرحمك الله! كل هذا من أجل لقمة واحدة؟!". فأجاب قائلا: "والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به" فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة!".

كان إصرار أبي بكر عظيما على ألا ينال من بيت المال إلا ما يكفيه وأهله بالمعروف! فحين أدركه الموت دعا إليه ابنته عائشة رضي الله عنها وقال لها: "انظري ما زاد في مال أبي بكر منذ ولي هذا الأمر فرديه على المسلمين!". ترى ماذا كان هناك حتى يشغل بال أبي بكر إلى هذا المدى؟ ماذا ادخر في أيام خلافته من ثراء يخاف أن يلقى به ربه؟! حملت عائشة تركة أبيها فور وفاته, وفور مبايعة عمر, حملتها إلى أمير المؤمنين تنفيذا لوصية أبيها, فما كاد عمر يرى ويسمع حتى انفجر باكيا وقال: "يرحم الله أبا بكر, لقد أتعب كل الذين يجيئون بعده!". يعني بهذا أن الصديق بسلوكه وورعه قد سن نهجا تناهى في العظمة, بحيث يضني بلوغه ومضاهاته كل خليفة يأتي على أثره. ترى ما هو الميراث الذي خلفه الرجل الذي افتدى الإسلام بماله, والخليفة الذي بدأت تنثال في أيامه خيرات الشام والعراق؟ ها هو ذا الميراث الذي خلفه, وأصر على أن يرده إلى بيت المال: بعير, كان يستقي عليه الماء! ومحلب, كان يحلب فيه اللبن! وعباءة, كان يستقبل بها الوفود!

رأي عمر فيما يحل للخليفة من مال المسلمين:

لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبيح من مال المسلمين لنفسه إلا ما يقيم أوده وأود أهله عند الحاجة إليه, فإن رزقه الله ما يغنيه عن بيت المال كف يده عنه. يقول عمر: "ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم, إن استغنيت استعففت, وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرم البهيمة الأعرابية "القضم لا الخضم". أي كما تأكل ماشية البادية قضما بأطراف أسنانها, لا مضغا وطحنا بأضراسها". ولما سئل عما يحل للخليفة من مال الله قال: "إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتان: حلة للشتاء, وحلة للصيف, وما أحج به وأعتمر, وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش, ليس بأغناهم, ولا بأفقرهم, ثم أنا بعد رجل من المسلمين".

سبحان الله! لم يدخل منصب الخلافة على النفس الكبيرة لأبي بكر أو لعمر بن الخطاب أي زهو, ولم يحرك لهما رغبة أية رغبة في تغيير أسلوب حياتهما! فأنى لنا بخليفة مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما؟.. إن ذلك لكائن قريبا بإذن الله تعالى!!

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-24-2020, 01:16 PM   #93
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي (ح 88) كيفية التصرف بالمال: حق التصرف

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح88)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح88)
●(ح 88)كيفية التصرف بالمال: حق التصرف
الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الثامنة والثمانين, وعنوانها: "كيفية التصرف بالمال: حق التصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

حق التصرف:

يقول رحمه الله: "لقد عرفت الملكية بأنها حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة، يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء، وأخذ العوض عنه. وعلى هذا تكون الملكية هي الحكم الشرعي المقدر بالعين أو المنفعة، أي هي إذن الشارع، فيكون التصرف هو ما ترتب على هذا الحكم الشرعي، أي على الإذن من تمكين المالك من الانتفاع بالشيء، وأخذ العوض عنه. فالتصرف بالملكية مقيد بإذن الشارع، لأن الملكية هي إذن الشارع بالانتفاع. والتصرف هو الانتفاع بالعين.

ولما كان المال لله، والله قد استخلف العبد فيه بإذن منه، كانت حيازة الفرد للمال أشبه بوظيفة، يقوم بها للانتفاع بالمال وتنميته منها بالامتلاك. لأن الفرد حين يملك المال إنما يملكه للانتفاع به، وهو مقيد فيه بحدود الشرع، وليس مطلق التصرف فيه. كما أنه ليس مطلق التصرف في نفس العين، ولو ملكها ملكية عينية. بدليل أنه لو تصرف بالانتفاع بهذا المال تصرفا غير شرعي، بالسفه، والتبذير، كان على الدولة أن تحجر عليه، وتمنعه من هذا التصرف، وأن تسلبه هذه الصلاحية التي منحه الله إياها. وعلى ذلك يكون التصرف بالعين، والانتفاع بها، هو المعنى المراد من ملكيتها، أو هو أثر هذه الملكية. وحق التصرف في العين المملوكة يشمل حق التصرف في تنمية الملك، وحق التصرف بالإنفاق صلة ونفقة".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: نتناول هذا الموضوع من جوانب عدة:

أولا: الحق في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء:

حق الأمر: صح وثبت وصدق. وأحق الله الأمر حقا: أثبته وأوجبه. وهو حق وحقيق بكذا: جدير به. والحق: هو الثابت بلا شك. والحق: النصيب الواجب للفرد أو الجماعة. وهو في اصطلاح الفقهاء ما منحه الشرع للناس وألزمهم بأدائه لمن يستحقه.

ثانيا: أركان الحق أربعة هي:

1. صاحب الحق: وهو من ثبت له الحق. فالبائع هو صاحب الحق في أخذ ثمن السلعة.
2. من عليه الحق: وهو المدين بالحق, فالمشترى مدين بالثمن للبائع.
3. مصدر الحق: هو الشارع الحكيم, فالله هو الذي عين حقوق عباده في القرآن والسنة.
4. محل الحق: وهو المصلحة الثابتة بالشرع, فالمهر حق للزوجة, وأخذها له يحقق مصلحة لها.

ثالثا: ضوابط التصرف بالملكية الفردية:

1. حين يملك الفرد المال يملكه للانتفاع به.
2. الفرد مقيد في المال بحدود الشرع، وليس مطلق التصرف فيه.
3. ليس الفرد مطلق التصرف في العين التي يملكها ملكية عينية.
4. لو تصرف الفرد بالانتفاع بالمال تصرفا غير شرعي، بالسفه، والتبذير، كان على الدولة أن تحجر عليه، وتمنعه من هذا التصرف، وأن تسلبه هذه الصلاحية التي منحه الله إياها.

رابعا: أنواع التصرف بالملكية:

للمالك حق التصرف بملكه بيعا, وإجارة, وإعارة, ووقفا, ووصية, وهبة, وهدية, وما إلى ذلك من أنواع التصرف التي أذن بها الشارع الحكيم.

خامسا: ملكية العين نوعان: تامة, وناقصة.

النوع الأول: الملكية التامة هي ملك الرقبة والمنفعة معا:

ويمكن بيان خصائص الملكية التامة بما يأتي:

1. الملكية التامة حق جامع، يخول صاحبه حق التصرف في العين بيعا وإجارة وإعارة ووقفا.
2. للمالك ملكية تامة حق الانتفاع كاملا غير مقيد بوجه محدد من وجوه الانتفاع الشرعية.
3. يظل المالك متمتعا بسلطتة على الشيء المملوك طالما لم تنتقل هذه الملكية للعين إلى شخص آخر بأي تصرف شرعي أو بالميراث عند موته أو بهلاك هذا الشيء.
4. إن ملكية العين تثبت مؤبدة بأحد الأسباب الشرعية، بمعنى أن ملكية العين لا تقبل التوقيت.
5. مالك العين لا يضمنها إذا أتلفها، لأنه إن ضمن ضمن لنفسه, وهو عمل لا فائدة منه.

النوع الثاني: الملكية الناقصة: هي ملك العين وحدها، أو المنفعة وحدها. وهي قسمان:

القسم الأول: ملك العين "الرقبة" وحدها: تكون العين مملوكة لشخص ومنافعها لشخص آخر.

ملك الرقبة وحدها يتميز بالخصائص الآتية:

1. إن ملك العين تنتقل بأحد الأسباب الناقلة للملكية كالبيع والهبة.
2. إن ملكية الرقبة دائمة لا تقبل التوقيت، بخلاف ملك المنفعة فإن التوقيت فيها هو الأصل.
3. إن مالك الرقبة يملك حق الانتفاع بملكه بأي وجه من الوجوه الشرعية.
4. لا يجوز لمالك الرقبه أن يتصرف فيها بتصرف يضر بمالك المنفعة.
5. ينتهي ملك الرقبة بتلفها أو بموت مالكها أو بالتصرف الناقل للملكية فيها.
6. إن ملكية الرقبة تنتهي في نهاية الأمر إلى ملكية تامة بعد انتهاء مدة الانتفاع من مالك المنفعة.

القسم الثاني: ملك المنفعة وحدها: حق الانتفاع الشخصي له أسباب ثلاثة:

1. الإذن العام، كما في الانتفاع بالمرافق العامة كالطرق والمدارس والمستشفيات.
2. الإذن الخاص من مالك العين، سواء أكان لشخص معين باسمه أو غير معين.
3. عقد الإجارة أو الإعارة أو غيرهما إذا شرط فيه الاستيفاء، وسلب منه حق تمليكها لغيره.

سادسا: حق التصرف في العين المملوكة يشمل الأمرين الآتيين:

1. يشمل تنمية الملك.
2. ويشمل الإنفاق صلة ونفقة.

سابعا: أسباب ملك المنفعة خمسة هي:

1. الإباحة: وهي الإذن بالانتفاع بالعين من غير تعاقد كالانتفاع بالطرق والساحات العامة.
2. الإجارة: وهي تمليك المنفعة بعوض. ومن ثم فإن المستأجر يملك منفعة العين المؤجرة خلال مدة الإجارة، فمن استأجر دارا ليسكنها أو سيارة ليركبها ملك منفعتها المنصوص عليها في العقد، فله أن يسكن الدار, وله أن يركب السيارة.
3. الإعارة: وهي تمليك المنفعة بغير عوض. فللمستعير أن ينتفع بنفسه، وليس له إعارة الشيء لغيره إلا إذا أذن المعير بذلك, وليس له إجارته.
4. الوقف: وهو حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد وصرف منفعتها إلى من أراد الواقف.
5. الوصية: وهي تصرف ببعض الملك مؤجل إلى ما بعد الموت.

ثامنا: خصائص ملك المنفعة:

1. إنه يقبل التقييد بالزمان والمكان.
2. إنه لا يقبل التوارث عند الحنفية في جميع صوره. أما عند جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة, فإنه يورث في بعض الصور.

تاسعا: انتهاء ملك المنفعة بواحد من الأمور الآتية:

1. بانتهاء مدة الانتفاع سواء أكان بإجارة أو إعارة أو وصية أو وقف.
2. بهلاك العين المنتفع بها أو بإصابتها بعيب لا يمكن معه استيفاء المنفعة.
3. بوفاة من له حق الانتفاع بما هو منصوص عليه عند الحنفية.
4. بوفاة المؤجر والمعير "مالك العين" لزوال صفة التمليك عنهما بالموت. أما وفاة الموصي أو الواقف، فلا تأثير له على ملك المنفعة.

عاشرا: تطبيقات الصحابة لأداء الحقوق إلى أصحابها:

في أول خطبة خطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد توليه الخلافة كان مما قاله فيها: "ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له, وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه".

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أيها الناس, أعطوا الحق من أنفسكم, ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي".

حين قابل عمر بن الخطاب وهو خليفة قاتل أخيه بعد أن أسلم، قال له: أأنت قاتل زيد بن الخطاب؟ قال. نعم يا أمير المؤمنين، قال: والله لا أحبك أبدا، فقال أبو مريم: أوتمنعني بذلك حقا هو لي، قال: لا. قال: إذا يا أمير المؤمنين إنما يأسى على الحب النساء. يريد أنه ما دام لا يظلمه الخليفة فلا يعنيه أحبه أم كرهه، لأن النساء هن اللائي يأسفن على الحب. ولا لوم على عمر في التعبير عن عواطفه التي لا يملكها تجاه قاتل أخيه، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوحشي قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب حين رآه بعدما أسلم: غيب وجهك عني يا وحشي لا أراك! ولكن للقصة دلالة على ضبط النفس والتجرد المطلق لعمر بن الخطاب، فلم يحمله غضبه من قاتل أخيه على ظلمه وحرمانه حقه.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2020, 03:39 PM   #94
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي ●(ح 89)كيفية التصرف بالمال: تنمية الملك

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح89)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح89)
●(ح 89)كيفية التصرف بالمال: تنمية الملك
الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة التاسعة والثمانين, وعنوانها: "كيفية التصرف بالمال: تنمية الملك". نتأمل فيها ما جاء في الصفحتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

تنمية الملك:

يقول رحمه الله: "تنمية المال مربوطة بالأساليب والوسائل، التي تستخدم لإنتاجه. أما تنمية ملكية هذا المال، فإنها تتعلق بالكيفية التي يحصل فيها الفرد على ازدياد هذه الملكية. ولذلك كان لا دخل للنظام الاقتصادي في تنمية المال، وإنما يتدخل في تنمية الملك. ولم يتعرض الإسلام لتنمية المال، وتركه للإنسان ينميه بالأساليب والوسائل، التي يرى أنها تؤدي إلى تنميته، وتعرض لتنمية ملكية هذا المال وبين أحكامها. ومن هنا كانت تنمية الملك مقيدة بالحدود التي وضعها الشارع، لا يجوز تعديها. والشارع قد بين خطوطا عريضة للكيفيات التي تنمى بها الملكية، وترك التفصيلات للمجتهدين يستنبطون أحكامها من هذه الخطوط العريضة، بحسب فهم الوقائع، ثم نص على كيفيات معينة حرمها ومنعها، فبين المعاملات والعقود التي ينمى فيها الملك، ومنع الفرد من تنمية الملك بطرق معينة.

والناظر في الأموال الموجودة في الحياة الدنيا يجدها، بعد الاستقراء، محصورة في ثلاثة أشياء هي: الأرض. وما ينتج عن تبادل الأشياء، وما ينتج عن تحويل أشكال الأشياء من وضع إلى أوضاع أخرى. ومن هنا كانت الأشياء التي يشتغل فيها الإنسان، للحصول على المال، أو تنميته، هي الزراعة، والتجارة، والصناعة. فكان لا بد من أن تكون الكيفيات، التي تزيد فيها ملكية الفرد لهذا المال، هي موضع البحث في النظام الاقتصادي. فالزراعة، والتجارة، والصناعة، هي الأساليب والوسائل التي تستخدم لإنتاج المال. والأحكام المتعلقة بالزراعة، والتجارة، والصناعة، هي التي تبين الكيفية التي ينمي بها الفرد ملكيته للمال. وقد بين الشرع أحكام الزراعة في بيان أحكام الأرض، وما يتعلق بها، وبين أحكام التجارة في بيان أحكام البيع، والشركة، وما يتعلق بها، وبين أحكام الصناعة في بيان أحكام الأجير، والاستصناع. أما إنتاج الصناعة، أي ما تنتجه، فهو داخل في التجارة، ولذلك كانت تنمية الملكية مقيدة بالأحكام التي جاء الشرع بها، وهي أحكام الأراضي وما يتعلق بها، وأحكام البيع والشركة وما يتعلق بها، وأحكام الأجير والاستصناع".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: نتناول هذا الموضوع من جوانب عدة هي:

أولا: دور النظام الاقتصادي في تنمية المال وتنمية الملك:

1) تنمية المال مربوطة بالأساليب والوسائل، التي تستخدم لإنتاجه.
2) تنمية ملكية هذا المال تتعلق بالكيفية التي يحصل فيها الفرد على ازدياد هذه الملكية.
3) لا دخل للنظام الاقتصادي في تنمية المال.
4) النظام الاقتصادي يتدخل في تنمية الملك.

ثانيا: سياسة الإسلام في تنمية المال وتنمية الملك:

1) لم يتعرض الإسلام لتنمية المال وتركه للإنسان ينميه بالأساليب والوسائل التي تؤدي إلى تنميته.
2) تعرض الإسلام لتنمية ملكية هذا المال وبين أحكامها.
3) تنمية الملك في الإسلام مقيدة بالحدود التي وضعها الشارع لا يجوز تعديها.
4) بين الإسلام خطوطا عريضة للكيفيات التي تنمى بها الملكية. كقوله تعالى: (وأحل الله البيع).
5) ترك الإسلام التفصيلات للمجتهدين يستنبطون أحكامها من هذه الخطوط العريضة، بحسب فهم الوقائع. كقاعدة: "الغرم بالغنم" والتي تعني أن "الخسارة تقابل الربح".
6) نص الإسلام على كيفيات معينة حرمها ومنعها فحرم الميسر والقمار, وحرم الربا وحرم السرقة.
7) بين الإسلام المعاملات والعقود التي ينمى فيها الملك كالبيع, والسمسرة, والإجارة.
8) منع الإسلام الفرد من تنمية الملك بطرق معينة كالمتاجرة بالخمور والخنازير, وكالتعامل بالربا.

ثالثا: الأموال الموجودة في الحياة الدنيا محصورة في ثلاثة أشياء هي:

1) الأرض وما تنتجه بالزراعة, وباقي الاستخدامات الأخرى.
2) ما ينتج عن تبادل الأشياء من خلال التجارة أو المقايضة.
3) ما ينتج عن تحويل أشكال الأشياء من وضع إلى أوضاع أخرى بالصناعة.

رابعا: الأساليب التي يستخدمها الإنسان لإنتاج المال أو تنميته هي:

1) الزراعة.
2) التجارة.
3) الصناعة.

خامسا: موضع البحث في النظام الاقتصادي هو الكيفيات التي تزيد فيها ملكية الفرد للمال.

سادسا: الأحكام الشرعية التي تبين الكيفية التي ينمي بها الفرد ملكيته للمال.

1) بين الشرع أحكام الزراعة في بيان أحكام الأرض، وما يتعلق بها.
2) بين الشرع أحكام التجارة في بيان أحكام البيع، والشركة، وما يتعلق بها.
3) بين الشرع أحكام الصناعة في بيان أحكام الأجير، والاستصناع.
4) إنتاج الصناعة، أي ما تنتجه المصانع داخل في التجارة.

سابعا: تنمية الملكية مقيدة بأحكام الشرع وهي.

1) أحكام الأراضي وما يتعلق بها.
2) أحكام البيع والشركة وما يتعلق بها.
3) أحكام الأجير والاستصناع.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2020, 03:40 PM   #95
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي ●(ح 90)أحكام الأراضي

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح90)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح90)
●(ح 90)أحكام الأراضي
الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة التسعين, وعنوانها: "أحكام الأراضي". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "للأرض رقبة ومنفعة. فرقبتها هي أصلها، ومنفعتها هي استعمالها في الزراعة وغيرها. وقد أباح الإسلام ملكية رقبة الأرض، كما أباح ملكية منفعتها، ووضع أحكاما لكل منهما. أما ملكية رقبة الأرض، فينظر فيها: فإن كانت البلاد، التي منها هذه الأرض، قد فتحت بالحرب عنوة، كانت رقبة الأرض ملكا للدولة، واعتبرت أرضا خراجية، ما عدا جزيرة العرب. وإن فتحت صلحا ينظر، فإن كان الصلح على أن الأرض لنا، وأن نقر أهلها عليها مقابل خراج يدفعونه، فإن هذا الخراج يبقى أبديا على الأرض، وتبقى أرضه خراجية إلى يوم القيامة، ولو انتقلت إلى مسلمين بالإسلام، أو بالشراء، أو بغيره.

أما إن كان الصلح على أن الأرض لهم، وأن تبقى في أيديهم، وأن يقروا عليها بخراج معلوم يضرب عليهم، فهذا الخراج يكون بمقام الجزية، ويسقط بإسلامهم، أو ببيعهم الأرض إلى مسلم. أما إن باعوا الأرض إلى كافر، فإن الخراج يكون باقيا، ولا يسقط لأن الكافر من أهل الخراج والجزية. وإن كانت البلاد قد أسلم أهلها عليها، مثل إندونيسيا، أو كانت من جزيرة العرب، كانت رقبة الأرض ملكا لأهلها، واعتبرت أرضا عشرية. والسبب في ذلك أن الأرض بمنزلة المال، تعتبر غنيمة من الغنائم، التي تكسب في الحرب، فهي حلال، وهي ملك لبيت المال. فقد حدث حفص بن غياث عن أبي ذئب عن الزهري قال: "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس البحرين. قال الزهري: فمن أسلم منهم قبل إسلامه، وأحرز له إسلامه نفسه وماله إلا الأرض، فإنها فيء للمسلمين، من أجل أنه لم يسلم أول مرة وهو في منعة". والفرق بين الأرض وبين غيرها من الغنائم من الأموال، أن الأموال تقسم ويتصرف بها، وتعطى للناس، وأما الأرض فتبقى رقبتها تحت تصرف بيت المال حكما، ولكنها تظل تحت يد أهلها ينتفعون بها. وكون الأرض باقية لبيت المال لا تقسم رقبتها، وإنما يمكن الناس من الانتفاع بها، ظاهر في كونها غنائم عامة لجميع المسلمين، سواء من وجدوا حين الفتح، أم من وجد بعدهم. أما جزيرة العرب فإن أرضها كلها عشرية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة، وتركها لأهلها، ولم يوظف عليها الخراج، ولأن الخراج على الأرض بمنزلة الجزية على الرؤوس، فلا يثبت في أرض العرب، كما لا تثبت الجزية في رقابهم، وذلك لأن وضع الخراج على البلاد، من شرطه أن يترك أهلها، وما يعتقدون، وما يعبدون، كما في سواد العراق. ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. قال تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم). وقال: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون). وما دام لم تؤخذ جزية منهم، فكذلك لا يؤخذ خراج على أرضهم".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: نتناول هذا الموضوع من جوانب عدة هي:

أولا: للأرض رقبة ومنفعة. فرقبتها هي أصلها، ومنفعتها هي استعمالها في الزراعة وغيرها.

ثانيا: أباح الإسلام ملكية رقبة الأرض، كما أباح ملكية منفعتها.

ثالثا: وضع الإسلام أحكاما لكل من ملكية رقبة الأرض وملكية منفعتها.

رابعا: أحكام ملكية رقبة الأرض إن كانت البلاد قد فتحت بالحرب عنوة:

1) رقبة الأرض تكون ملكا للدولة.
2) تعتبر الأرض أرضا خراجية، ما عدا جزيرة العرب.

خامسا: أحكام ملكية رقبة الأرض إن فتحت صلحا وكان الصلح على أن الأرض لنا:

1) يقر أهلها عليها مقابل خراج يدفعونه.
2) يبقى هذا الخراج أبديا على الأرض.
3) تبقى أرضه خراجية إلى يوم القيامة، ولو انتقلت إلى مسلمين بالإسلام، أو بالشراء، أو بغيره.

سادسا: أحكام ملكية رقبة الأرض إن كان الصلح على أن الأرض لهم:

1) تبقى الأرض في أيديهم.
2) يقروا عليها بخراج معلوم يضرب عليهم.
3) يكون هذا الخراج بمقام الجزية.
4) يسقط هذا الخراج بإسلامهم، أو ببيعهم الأرض إلى مسلم.
5) إن باعوا الأرض إلى كافر يظل الخراج باقيا، ولا يسقط لأن الكافر من أهل الخراج والجزية.

سابعا: أحكام ملكية رقبة الأرض إن كانت البلاد قد أسلم أهلها عليها، أو من جزيرة العرب:

1) رقبة الأرض تكون ملكا لأهلها.
2) تعتبر الأرض أرضا عشرية.

ثامنا: الأرض بمنزلة المال، تعتبر غنيمة من الغنائم، التي تكسب في الحرب، فهي حلال، وهي ملك لبيت المال.

تاسعا: الفرق بين الأرض وبين غيرها من الغنائم من الأموال:

1) الأموال تقسم ويتصرف بها، وتعطى للناس.
2) الأرض تبقى رقبتها تحت تصرف بيت المال حكما.
3) وتظل تحت يد أهلها ينتفعون بها.
4) وكون الأرض باقية لبيت المال لا تقسم رقبتها.
5) يمكن الناس من الانتفاع بها.
6) الأرض غنائم عامة لجميع المسلمين، سواء من وجدوا حين الفتح، أم من وجد بعدهم.

عاشرا: أرض جزيرة العرب كلها عشرية للأسباب الآتية:

1) لأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة، وتركها لأهلها.
2) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوظف عليها الخراج.
3) لأن الخراج على الأرض بمنزلة الجزية على الرؤوس، فلا يثبت في أرض العرب.
4) لأن الجزية لا تثبت في رقابهم، وذلك لأن وضع الخراج على البلاد، من شرطه أن يترك أهلها، وما يعتقدون، وما يعبدون، كما في سواد العراق.
5) لأن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2020, 11:34 AM   #96
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي ●(ح 91)أحكام #الأراضي (ج2)

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح91)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح90)
●(ح 91)أحكام #الأراضي (ج2)
الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الحادية والتسعين, وعنوانها: "أحكام الأراضي". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة التاسعة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "وعلى هذا، فإن رقبة الأرض، في جميع البلاد التي افتتحها الإسلام عنوة، أو صلحا على أن الأرض لنا، تكون ملكا للدولة، وتعتبر أرضا خراجية، سواء أكانت لا تزال تحت يد الأمة الإسلامية، كمصر، والعراق، وتركيا، أم أصبحت تحت يد الكفار، كإسبانيا، وأوكرانيا، والقرم، وألبانيا، والهند، ويوغسلافيا ونحوها. وكل أرض أسلم عليها أهلها كإندونيسيا، وكل أرض في جزيرة العرب هي ملك لأهلها، وتعتبر أرضا عشرية. أما منفعة الأرض فهي من الأملاك الفردية، سواء أكانت أرضا خراجية، أم أرضا عشرية، وسواء أقطعتهم إياها الدولة، أم تبادلوها بينهم، أم أحيوها، أم احتجروها. وهذه المنفعة تعطي المتصرف بالأرض من الحقوق ما يعطى لمالك العين، وله أن يبيعها، ويهبها، وتورث عنه، وذلك لأن للدولة أن تقطع (أي تعطي) الأراضي للأفراد، سواء أكانت الأرض عشرية، أم خراجية. إلا أن الإقطاع في الأرض الخراجية هو تمليك منفعة الأرض، مع بقاء رقبتها لبيت المال. وأما في الأرض العشرية فهو تمليك لرقبة الأرض ومنفعتها".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: من الآراء والاجتهادات العمرية موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من تقسيم الأرض المفتوحة على الفاتحين المنتصرين من الصحابة الذين طالبوه بتقسيمها عليهم باعتبارها غنيمة غنموها بسيوفهم, ومعهم في ذلك دليلان شرعيان: الأول استجابة لقول الله جل في علاه: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير). (الأنفال 41)

والثاني اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما قسم أرض خيبر على المقاتلين الذين فتحوها, وكان عمر نفسه واحدا منهم. طالبوه بذلك عندما فتح سعد بن أبي وقاص فارس والعراق, وكانت أرضه تسمى السواد من كثافتها وخضرتها, بحيث يراها الرائي من بعيد كأنها كتلة سوداء, وطالبوه بتقسيم أرض الشام عندما فتحت الشام, وطالبوا قائده عمرو بن العاص عندما فتح مصر أن يقسم أرضها عليهم, ولكن عمر رضي الله عنه أبى عليهم ذلك, ولم يستجب لمطالبهم هذه لاعتبارات رآها أقرب لمقاصد الشرع من التقسيم الذي يعتبره المطالبون حقا لهم, أثبته لهم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

روى أبو عبيد في الأموال عن إبراهيم التيمي قال: لما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا افتتحناه عنوة, قال: فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه. قال: فأقر أهل السواد في أرضهم, وضرب على رؤوسهم الجزية, وعلى أرضيهم الطسق أي الخراج, ولم يقسم بينهم.

وروى أبو عبيد عن ابن الماجشون قال: قال بلال لعمر في القرى التي افتتحها عنوة: "اقسمها بيننا, وخذ خمسها". فقال عمر رضي الله عنه: لا, هذا عين المال, ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين". فقال بلال وأصحابه: "اقسمها بيننا". فقال عمر رضي الله عنه: اللهم اكفني بلالا وذويه! قال: فما حال الحول ومنهم عين تطرف.

وروى أبو عبيد عن سفيان بن وهب الخولاني قال: "لما افتتحت مصر عنوة بغير صلح قام الزبير بن العوام فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها. فقال عمرو بن العاص: لا أقسمها. فقال الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين, فكتب إلى عمر. فكتب إليه عمر أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة".

وقال أبو عبيد: "أراه أراد أن تكون فيئا موقوفا للمسلمين ما تناسلوا, يرثه قرن بعد قرن, فتكون لهم قوة على عدوهم. ومعنى كلام عمر رضي الله عنه, وتفسير أبي عبيد له: أنه يريد أن يكون وقفا على الأجيال القادمة يتوارثونه جيلا عن جيل.

وقال أبو عبيد: وحدثنا أبو الأسود عن أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: "أما بعد فقد بلغني كتابك: أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم, وما أفاء الله عليهم, فانظر ما أجلبوا عليك في العسكر من كراع أو مال, فاقسمه بين من حضر من المسلمين, واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين. فإنا لو قسمنا بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء".

وقال أبو عبيد: وحدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي إسحق عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين, فأمر أن يحصوا, فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين, فشاور في ذلك فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "دعهم يكونوا مادة للمسلمين".

وقال أبو عبيد: وحدثنا هشام بن عمار الدمشقي عن يحيى بن حمزة قال: حدثني تميم بن عطية العنسي قال: أخبرني عبد الله بن أبي قيس الهمداني قال: قدم عمر الجابية, فأراد قسم الأرض بين المسلمين, فقال له معاذ: "والله إذن ليكونن ما تكره, إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم, ثم يبيدون, فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة, ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا, وهم لا يجدون شيئا, فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم. قالوا: فصار عمر إلى قول معاذ. وهكذا اتفق رأي عمر وعلي ومعاذ ومعهم عثمان وطلحة على عدم التقسيم لما يترتب عليه من مفاسد, والنظر في أمر يسع أول الناس وآخرهم. وهذا ما أكدته شتى الروايات عن عمر فقد روى عنه زيد بن أسلم أنه قال: "تريدون أن يأتي آخر الناس وليس لهم شيء؟! وعنه قال: "لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلا قسمتها". وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا واحدا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر, ولكن أتركها خزانة لهم يقتسمونها".

وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأحكام الشرعية المتعلقة بالأراضي الخراجية والعشرية التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

1. إن رقبة الأرض، في جميع البلاد التي افتتحها الإسلام عنوة، أو صلحا على أن الأرض لنا، تكون ملكا للدولة.
2. تعتبر هذه الأرض أرضا خراجية، سواء أكانت لا تزال تحت يد الأمة الإسلامية، كمصر، والعراق، وتركيا، أم أصبحت تحت يد الكفار، كإسبانيا، وأوكرانيا، والقرم، وألبانيا، والهند، ويوغسلافيا ونحوها.
3. كل أرض أسلم عليها أهلها كإندونيسيا، وكل أرض في جزيرة العرب هي ملك لأهلها، وتعتبر أرضا عشرية.
4. منفعة الأرض هي من الأملاك الفردية، سواء أكانت أرضا خراجية، أم أرضا عشرية، وسواء أقطعتهم إياها الدولة، أم تبادلوها بينهم، أم أحيوها، أم احتجروها.
5. هذه المنفعة تعطي المتصرف بالأرض من الحقوق ما يعطى لمالك العين، وله أن يبيعها، ويهبها، وتورث عنه.
6. للدولة أن تقطع (أي تعطي) الأراضي للأفراد، سواء أكانت الأرض عشرية، أم خراجية.
7. الإقطاع في الأرض الخراجية هو تمليك منفعة الأرض، مع بقاء رقبتها لبيت المال.
8. الإقطاع في الأرض العشرية هو تمليك لرقبة الأرض ومنفعتها.
9. رفض عمر بن الخطاب تقسيم أرض سواد العراق؛ لتكون وقفا للأجيال القادمة, يتوارثونها جيلا بعد جيل, وحتى لا يتجمع المال في أيدي فئة من المسلمين دون غيرهم.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2020, 11:35 AM   #97
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي ●(ح 92)#اجتهاد عمر في مسألة منع تقسيم #الأرض الخراجية (ج1)

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح92)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح92)
●(ح 92)#اجتهاد عمر في مسألة منع تقسيم #الأرض الخراجية (ج1)
الحمد لله الذي #شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا #نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم #الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم #سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الثانية والتسعين, وعنوانها: "اجتهاد عمر في مسألة منع تقسيم الأراضي #الخراجية". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة التاسعة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر #السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "وعلى هذا، فإن #رقبة الأرض، في جميع البلاد التي افتتحها الإسلام عنوة، أو صلحا على أن الأرض لنا، تكون ملكا للدولة، وتعتبر أرضا خراجية، سواء أكانت لا تزال تحت يد الأمة #الإسلامية، كمصر، والعراق، وتركيا، أم أصبحت تحت يد الكفار، كإسبانيا، وأوكرانيا، والقرم، وألبانيا، والهند، ويوغسلافيا ونحوها".

ونقول #راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: قال تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير). (الأنفال 41)
هذه الآية الكريمة توجب قسمة كل غنائم الحرب بين الغانمين الذين شاركوا في الحرب, سواء أكانت عقارا أم مالا منقولا, ومفهومها أن خمس الغنائم لله وللرسول, وأن الأخماس الأربعة الباقية للغانمين, ولكن عمر بن #الخطاب رضي الله عنه ترك العمل بهذه الآية عمدا, ولم يعمل بمقتضاها, ولم يقسم الأرض المغنومة.

فهذه الآية #قطعية الثبوت شأنها شأن كل القرآن, فهو ثابت بالتواتر اليقيني الذي لا ريب فيه, ولكنها ليست قطعية الدلالة, ولا يملك فقيه بصير بالقرآن وباللغة ودلالاتها أن يزعم أن الآية تدل دلالة #قطعية على أنها تشمل كل ما غنم من أموال منقولة وغير منقولة حتى تشمل العقارات والأرضين والجبال والأنهار؛ لأن حقيقة ما يغنمه الإنسان في الحرب هو ما يحوزه بالفعل ويستولي عليه, وهذا معقول ومشاهد في الكراع والسلاح والثياب والنقود والأدوات ونحوها مما يمكن أخذه وحمله ونقله. بخلاف الأراضي #الشاسعة, والسهول الواسعة, والجبال الشامخة, والأنهار العظيمة, فمن ذا الذي يقول: إنه حازها واستولى عليها إلا بضرب من التجوز والتوسع في الاستعمال اللغوي على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة؟! فكأن عمر رضي الله عنه قال #للصحابة الذين عارضوه وطلبوا قسمتها عليهم: "إنكم لم تغنموا هذه الأرض على وجه الحقيقة, فلا دليل لكم في آية الغنيمة؛ لأنها في المنقولات وما شابهها.

وإذا كان عمر لم يخالف نصا #قطعيا بتركه العمل بآية توزيع الغنيمة, فهو من باب أولى لم يخالف نصا قطعيا إذ لم يأخذ بالتقسيم النبوي لغنائم خيبر, ويتضح ذلك فيما يأتي:

1. إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل بذاته على الوجوب, فلا بد من قرينة أخرى مصاحبة له لا بهذا الفعل وحده؛ وليس فعل النبي براد لفعل عمر, ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آية من #كتاب الله فعمل بها, واتبع عمر آية أخرى فعمل بها, وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين؛ ولهذا وسع عمر رضي الله عنه ومن وافقه وأشار عليه من #فقهاء الصحابة من أمثال علي ومعاذ أن يخالفوه صلى الله عليه وسلم ظاهرا, وإن لم يخالفوه حقيقة.

2. إن كثيرا من التصرفات #النبوية تدخل في باب السياسة والإدارة والاقتصاد, وهي تصرفات بوصف الإمامة لا بوصف التبليغ عن الله, أي أنها قرار من قرارات السلطة السياسية أو الإدارية العليا, اتخذه #الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من باب حسن الرعاية, وهو بهذا يسن للأئمة من بعده أن يتصرفوا بهذه الصفة كما تصرف.

3. إن السنة النبوية ثبت فيها #تقسيم الأرض, وترك تقسيم الأرض, وكلاهما سنة متبعة, فقد ثبت في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة ولو في جزء منها على الأقل, ومع هذا لم يقسم أرضها ولا دورها, بل تركها في أيدي أهلها, فعلم جواز الأمرين, فالنتيجة أن قسمة #الأرض المفتوحة سنة, وعدم قسمتها سنة أيضا, وهذا لا ينازع فيه منازع, وفيه متسع لاقتداء عمر رضي الله عنه به.

4. يؤكد هذا ما جاءت به بعض الروايات, وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقسم كل أرض خيبر, بل قسم بعضا وترك بعضا #لنوائبه وحاجاته باعتباره مسؤولا عن الأمة. فقد ذكر ابن قدامة في المغني أن كلا الأمرين من القسمة وعدمها قد ثبت فيه حجة عن #النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه قسم نصف خيبر, ووقف نصفها لنوائبه, وهو ما رواه أبو عبيد في الأموال.

5. ونضيف إلى ذلك كله استناد #عمر رضي الله عنه إلى القرآن, فقد احتج بالآية المتعلقة بتوزيع الفيء, وهي الآية العاشرة من سورة الحشر التي وجد فيها ضالته التي ينشدها, وهي قوله تعالى: (والذين #جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين #سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). (الحشر10)

وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

1. لم يخالف عمر رضي الله عنه #نصا قطعيا بتركه العمل بآية توزيع الغنيمة, وهي الآية الحادية والأربعون من سورة الأنفال.
2. لم يخالف عمر رضي الله عنه نصا قطعيا حين لم يأخذ بالتقسيم النبوي لغنائم خيبر.
3. يتضح عدم #مخالفة عمر رضي الله عنه للنص القطعي مما يأتي:

1) فعل النبي وحده لا يدل بذاته على الوجوب, فلا بد من قرينة أخرى مصاحبة له.
2) كثير من التصرفات النبوية تدخل في باب #السياسة والإدارة والاقتصاد بوصف الإمامة لا بوصف التبليغ عن الله.
3) السنة النبوية ثبت فيها تقسيم الأرض, وترك تقسيم الأرض, وكلاهما سنة متبعة.
4) يؤكد هذا أن الرسول لم #يقسم كل أرض خيبر, بل قسم بعضا وترك بعضا لنوائبه وحاجاته باعتباره مسؤولا عن الأمة.
5) استناد عمر رضي الله عنه إلى الآية العاشرة من سورة الحشر التي وجد فيها ضالته التي ينشدها فعمل بما أدى إليه #اجتهاده في فهم هذه الآية والتي تعطي للأجيال القادمة حقا في الأراضي التي تفتح عنوة.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز #الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة #الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2020, 01:16 PM   #98
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي اجتهاد عمر في مسألة منع تقسيم الأرض الخراجية (ج2)

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح93)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح93)
●(ح 93)اجتهاد عمر في مسألة منع تقسيم الأرض الخراجية (ج2)

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الثانية والتسعين, وعنوانها: "اجتهاد عمر في مسألة منع تقسيم الأراضي الخراجية". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة التاسعة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "وعلى هذا، فإن رقبة الأرض، في جميع البلاد التي افتتحها الإسلام عنوة، أو صلحا على أن الأرض لنا، تكون ملكا للدولة، وتعتبر أرضا خراجية، سواء أكانت لا تزال تحت يد الأمة الإسلامية، كمصر، والعراق، وتركيا، أم أصبحت تحت يد الكفار، كإسبانيا، وأوكرانيا، والقرم، وألبانيا، والهند، ويوغسلافيا ونحوها".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: جاء في كتاب "فضائل الصحابة" لأحمد بن حنبل: "حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت نافعا مولى عبد الله بن عمر يقول: أصاب الناس فتحا بالشام، فيهم بلال، وأظنه ذكر معاذ بن جبل، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب:

إن هذا الفيء الذي أصبنا لك خمسه، ولنا ما بقي ليس لأحد فيه شيء، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فكتب عمر: إنه ليس على ما قلتم، ولكني أقفها للمسلمين، فراجعوه الكتاب، وراجعهم، يأبون ويأبى، فلما أبوا قام عمر فدعا عليهم فقال: "اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال، فما حال الحول عليهم حتى ماتوا جميعا رضي الله عنهم".

ومعنى قوله: "فراجعوه الكتاب وراجعهم" أي بحث كل منهم في القرآن الكريم ليجد الدليل الشرعي الذي يؤيد رأيه الذي ذهب إليه في توزيع الأراضي على الفاتحين. ومعنى قوله: "يأبون ويأبى" أي ظل كل منهم متمسكا برأيه, ومكثوا في ذلك يومين أو ثلاثة, ثم هدى الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الحكم الشرعي الصحيح, وإلى الحجة القوية الساطعة الدامغة!

وقد كانت حجة عمر في ذلك أن قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب). (الحشر 6) الآية فإن الله قد قال: (فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل). (الحشر 7) ثم قال: (للفقراء المهاجرين). (الحشر 8). ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم. فقال: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم). (الحشر9) فهذه للأنصار خاصة، ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: (والذين جاءوا من بعدهم). (الحشر10) فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم، فقد صار الفيء بين هؤلاء جميعا.

فهذا دليل عمر على أن الأرض التي لم يسلم أهلها عليها وتفتح تكون ملكا لجميع المسلمين إلى يوم القيامة. والإمام يملك منفعتها للناس. وقد استشار المسلمين فاختلفوا، فأرسل إلى عشرة من الأنصار، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، من كبرائهم وأشرافهم.

وكان مما قاله لهم: "وقد رأيت أن أحبس أرضين بعلوجها، وأضع فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية من بعدهم. أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لا بد لها أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء لهم. فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟" رواه أبو يوسف في كتاب الخراج، فقالوا جميعا: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت!.

فاستشهاد عمر بالآية، وبعلة إبقاء الأرض بأنها غلة دائمة لبيت المال، استشهاد بدليل قوي، ولذلك كانت الأرض التي تفتح فتحا أرضا خراجية، تبقى رقبتها ملكا لبيت المال، وينتفع أهلها بها. وهذا هو حكم الأرض، سواء أفتحت عنوة كأرض العراق، أم فتحت صلحا كمدينة بيت المقدس.

إن رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقسيم أرض سواد العراق المفتوحة على الفاتحين كان اجتهادا صائبا منه بني على بعد نظر؛ لتكون تلك الأراضي وقفا للأجيال القادمة, يتوارثونها جيلا بعد جيل, ولو لم يفعل لما بقي لمن يأتي بعدهم شيء, وحتى لا يتجمع المال في أيدي فئة من المسلمين دون غيرهم.

وإذا أردنا أن نناقش موقف عمر رضي الله عنه نرى أن التوفيق حالفه بلا شك, وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو يوسف من أن السياسة العمرية التي أيدها فقهاء الصحابة مثل علي ومعاذ كانت توفيقا من الله لعمر, وقد أدت إلى تحقيق العدل الذي دعا إليه الإسلام.

وملخص هذه السياسة نقل ملكية رقبة الأرض المفتوحة عنوة من الأفراد المالكين إلى مجموع أفراد الأمة الإسلامية كلها في سائر الأجيال, فليس ملكها لشخص أو لأشخاص, بل هي للمسلمين جميعا, وذلك لما لملكية الأرض من أهمية اقتصادية وسياسية واجتماعية.

وقد عبر الفقهاء عن حكم الإسلام فيها بأن تصير وقفا للمسلمين, يضرب عليها خراج معلوم, يؤخذ منها كل عام, ويقدر حسب طاقة الأرض يكون أجرة لها, وتقر في أيدي أربابها ما داموا يؤدون خراجها, سواء أكانوا مسلمين أم من أهل الذمة, ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها, ولا بانتقالها إلى مسلم؛ لأنه بمنزلة أجرتها.

وهذا ما صنعه عمر رضي الله عنه, وقد كان لقراره هذا الآثار الإيجابية الآتية:

1. القضاء نهائيا على نظام الإقطاع: فقد ألغى عمر رضي الله عنه كل الأوضاع الإقطاعية الظالمة التي احتكرت كل الأرض لصالحها, واستعبدت الفلاحين لزراعتها مجانا, فقد ترك عمر أرض السواد في أيدي فلاحيها يزرعونها مقابل خراج عادل يطيقونه يدفعونه كل عام, وقد اغتبط الفلاحون بقرار عمر رضي الله عنه.

2. قطع الطريق على جيوش الروم والفرس بعد طردهم: لقد أدت سياسة عمر في تمليك منفعة الأرض المفتوحة عنوة لفلاحي الأمصار إلى شعورهم بالرضا التام, مما جعلهم يبغضون حكامهم من الفرس والروم, ولا يقدمون لهم أية مساعدات, بل كانوا على العكس من ذلك يقدمون المساعدات للمسلمين ضدهم.

3. مسارعة أهل الأمصار المفتوحة إلى الدخول في الإسلام: فقد ترتب على ما تقدم من تمليك منفعة الأرض للفلاحين أن سارعوا إلى الدخول في الإسلام الذي انتشر بينهم بسرعة مدهشة لم يسبق لها مثيل, فقد لمسوا العدل وتبين لهم الحق, وأحسوا بكرامتهم الإنسانية من معاملة المسلمين لهم.

4. تدبير الأموال لحماية الثغور: وقد اتخذ عمر رضي الله عنه أكثر من ثلاثين ألف فارس من المرابطين. هذا بخلاف قوات المشاة, وقوات أخرى كالجمالة. وهذه خصصها كجيش منظم لحماية الثغور, وكفل لهم أرزاقهم وصرفهم عن الاشتغال بأي شيء عدا الجهاد في سبيل نشر دعوة الإسلام.

وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأحكام الشرعية المتعلقة بالأراضي الخراجية والعشرية التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

1. رفض عمر بن الخطاب تقسيم أرض سواد العراق؛ لتكون وقفا للأجيال القادمة, يتوارثونها جيلا بعد جيل, وحتى لا يتجمع المال في أيدي فئة من المسلمين دون غيرهم.
2. قرار عمر بتمليك منفعة الأرض للفلاحين كان له الآثار الإيجابية الآتية:

1) القضاء نهائيا على نظام الإقطاع.
2) قطع الطريق على جيوش الروم والفرس بعد طردهم.
3) مسارعة أهل الأمصار المفتوحة إلى الدخول في الإسلام.
4) تدبير الأموال لحماية الثغور.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-29-2020, 10:54 AM   #99
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي ●(ح 94)الفرق بين العشر والخراج

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح94)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح94)
●(ح 94)الفرق بين العشر والخراج
لحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الرابعة والتسعين, وعنوانها: "الفرق بين العشر والخراج". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثلاثين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني. يقول رحمه الله:

"والفرق بين العشر والخراج، هو أن العشر على ناتج الأرض، وهو أن تأخذ الدولة من الزارع للأرض عشر الناتج الفعلي، إن كانت تسقى بماء المطر سقيا طبيعيا، وتأخذ نصف العشر عن الناتج الفعلي، إن كانت الأرض تسقى بالساقية، أو غيرها، سقيا اصطناعيا. روى مسلم عن جابر قال: قال عليه الصلاة والسلام: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور, وفيما سقي بالساقية نصف العشر". وهذا العشر يعتبر زكاة، ويوضع في بيت المال، ولا يصرف إلا لأحد الأصناف الثمانية، المذكورين في آية (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم). (التوبة60). أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ، حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، يعلمان الناس أمر دينهم، فقال: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". وأما الخراج على الأرض، فهو أن تأخذ الدولة من صاحب الأرض قدرا معينا، تقدره، وتحدده، بحسب إنتاج الأرض التقديري عادة، لا الإنتاج الفعلي. ويقدر على الأرض بقدر احتمالها، حتى لا يظلم صاحب الأرض، ولا بيت المال. ويحصل الخراج كل سنة من صاحب الأرض، سواء زرعت الأرض أم لم تزرع، وسواء أخصبت أم أجدبت. بعث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عثمان بن حنيف على السواد، وأمره أن يمسحه، فوضع على كل جريب عامر، أو غامر، مما يعمل مثله، درهما وقفيزا. أخرجه أبو يوسف في الخراج عن عمرو بن ميمون وحارثة بن مضرب، وحدث الحجاج بن أرطأة عن ابن عوف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مسح السواد، ما دون جبل حلوان، فوضع على كل جريب عامر أو غامر يناله الماء بدلو، أو بغيره، زرع، أو عطل درهما وقفيزا واحدا. أخرجه أبو يوسف في الخراج، ويوضع الخراج في بيت المال في غير باب الزكاة، ويصرف على جميع الوجوه التي تراها الدولة، كما يصرف سائر المال.

والأرض التي فتحت عنوة، وضرب عليها الخراج، يبقى خراجها أبد الدهر، فإن أسلم أهلها، أو باعوها إلى مسلم، لم يسقط خراجها، لأن صفتها من كونها فتحت عنوة باقية إلى آخر الزمان، ووجب عليهم دفع العشر مع الخراج؛ لأن الخراج حق وجب على الأرض، والعشر حق وجب على ناتج أرض المسلم بالآيات والأحاديث، ولا تنافي بين الحقين؛ لأنهما وجبا بسببين مختلفين. وأما ما استدل به الأحناف، على عدم الجمع بين العشر والخراج، من حديث يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم" فإنه ليس بحديث، ولم يثبته الحفاظ أنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. ويبدأ بأداء الخراج، فإن بقي بعد أداء الخراج، مما تجب فيه الزكاة، من زروع وثمار، ما يبلغ النصاب، تخرج منه الزكاة، وإن لم يبلغ النصاب، فلا زكاة عليه.

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: ورد في المادة الثالثة والثلاثين

بعد المائة من مواد دستور دولة الخلافة ما نصه: الأرض العشرية هي التي أسلم أهلها عليها، وأرض جزيرة العرب. والأرض الخراجية هي التي فتحت حربا أو صلحا ما عدا جزيرة العرب، والأرض العشرية يملك الأفراد رقبتها ومنفعتها، وأما الأرض الخراجية فرقبتها ملك للدولة ومنفعتها يملكها الأفراد، ويحق لكل فرد تبادل الأرض العشرية ومنفعة الأرض الخراجية بالعقود الشرعية وتورث عنهم كسائر الأموال. ودليل هذه المادة هو أن الأرض بمنزلة المال، تعتبر غنيمة للمسلمين إذا أخذت فتحا بالحرب كسائر الغنائم. وهذه هي الأرض الخراجية، فتكون رقبتها ملكا لبيت المال، وأما إذا أسلم أهلها عليها فإنها تكون كأموال المسلمين ملكا لهم، يملكون رقبتها وهذه هي الأرض العشرية. أما دليل كون الأرض غنيمة كسائر الأموال فقد حدث حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه، فإنها فيء للمسلمين، لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون".

وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

أولا: الفرق بين الأرض العشرية والأرض الخراجية ما يأتي:

1. الأرض العشرية هي التي أسلم أهلها عليها وأرض جزيرة العرب. يملك الأفراد رقبتها ومنفعتها.
2. والأرض الخراجية هي التي فتحت حربا أو صلحا ما عدا جزيرة العرب. رقبتها ملك للدولة ومنفعتها يملكها الأفراد.
3. يؤخذ العشر على الناتج الفعلي للأرض فتأخذ الدولة من الزارع النسب الآتية:

1) عشر الناتج الفعلي، إن كانت تسقى بماء المطر سقيا طبيعيا.
2) نصف العشر عن الناتج الفعلي، إن كانت الأرض تسقى بالساقية، أو غيرها، سقيا اصطناعيا.

ثانيا: تأخذ الدولة من صاحب الأرض الخراج على الناتج التقديري وفق الأحكام الشرعية الآتية.

1. تقدر الدولة الخراج وتحدده بحسب إنتاج الأرض التقديري لا الفعلي.
2. يقدر الخراج على الأرض بقدر احتمالها، حتى لا يظلم صاحب الأرض، ولا بيت المال.
3. يحصل الخراج كل سنة سواء زرعت الأرض أم لم تزرع، وسواء أخصبت أم أجدبت.
4. يوضع الخراج في بيت المال في غير باب الزكاة، ويصرف على جميع الوجوه التي تراها الدولة، كما يصرف سائر المال.
5. الأرض التي فتحت عنوة، وضرب عليها الخراج، يبقى خراجها أبد الدهر.
6. إن أسلم أهل الأرض التي فتحت عنوة، أو باعوها إلى مسلم، لم يسقط خراجها, ووجب عليهم دفع العشر مع الخراج؛ لأن الخراج حق وجب على الأرض، والعشر حق وجب على ناتج أرض المسلم بالآيات والأحاديث، ولا تنافي بين الحقين؛ لأنهما وجبا بسببين مختلفين.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-30-2020, 11:03 AM   #100
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,150
افتراضي ●(ح 95)إحياء الموات من الأرض

"إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
أضواء على كتاب النظام الاقتصادي (ح95)
بسم الله الرحمن الرحيم
إرواء الصادي من نمير النظام_الاقتصادي (ح95)
●(ح 95)إحياء الموات من الأرض
الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والتسعين, وعنوانها: "إحياء الموات من الأرض". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثانية والثلاثين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني. يقول رحمه الله:

إحياء الموات:

موات الأرض: هي الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد، فردا كان أو دولة، فلم يظهر فيها تأثير شيء، من إحاطة أو زرع، أو عمارة، أو نحو ذلك. وإحياؤها هو إعمارها، أي جعلها صالحة للزراعة في الحال. فكل أرض موات إذا أحياها إنسان أصبحت ملكا له. فالشرع يملكها من يحييها، لما روى البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق". وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحاط حائطا على أرض فهي له" وروى البخاري عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" ويكون المسلم والذمي سواء، لإطلاق الحديث. والإحياء غير الإقطاع. والفرق بينهما هو أن الإحياء يتعلق بموات الأرض، التي لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد، فردا كان أو دولة، فلم يظهر فيها تأثير شيء من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك. وإحياء هذه الأرض هو عمارتها بأي شيء يدل على العمارة".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: روى البيهقي في السنن الكبرى قال: "أخبرنا أبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا يونس عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال: "جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه أرضا فقطعها له طويلة عريضة. فلما ولي عمر قال له: يا بلال، إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا طويلة عريضة قطعها لك, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليمنع شيئا يسأله, وإنك لا تطيق ما في يديك. فقال: أجل، قال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه, وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فقال: لا أفعل والله, شيء أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: والله لتفعلن, فأخذ منه ما عجز عن عمارته, فقسمه بين المسلمين".

إن الأرض كنز يختلف عن غيره من الأموال والأملاك, فهي تحتوي على مزايا ليست في كثير من الممتلكات فهي محل للزراعة, ولاستخراج ما في باطنها من كنوز ومعادن, ومحل لإقامة الأبنية عليها لمختلف الأغراض: تجارية كانت كإقامة المباني التجارية والصناعية والمخازن أو شخصية كالمباني السكنية أو مرافق جماعية كالمباني الحكومية الخدماتية من مستشفيات ومدارس ودوائر. فالأرض إذن لا يجوز أن تهجر أو تترك من غير استخدام لما في إهمالها من خسارة وضياع للمنافع الضرورية لحياة الناس, ومن هنا فإن الشرع أكد على ضرورة استغلال الأرض حين شرع تملكها بالمبادلة أو الإرث أو الإحياء أو الإقطاع, بل لقد أكد على ضرورة استغلالها للزراعة خاصة ولسائر الاستخدامات المباحة على وجه العموم حين أعطى الدولة الحق في وضع يدها على الأرض التي يهملها صاحبها فيعطلها سنوات ثلات متتالية, لتعطيها لمن يريد زراعتها واستغلالها.

وفي الحديث إشارة إلى هذا التأكيد, فبلال قد طلب من الرسول أرضا واسعة, وقد أقطعه الرسول صلى الله عليه وسلم إياها, لكنها كانت أكبر من أن يستطيع زراعتها كلها, فتركها دون زراعة أو عمارة, لكن ولي الأمر خليفة المسلمين, الذي كلفه الله برعاية مصالح المسلمين بتطبيق أحكام الله عليهم, قد انتبه إلى حقيقة أن بلالا أخذ أرضا وعطلها بتركه إياها دون إعمار, وأدرك أن في هذا الإهمال والتعطيل ضياعا لمصالح الناس فأجبر بلالا على التخلي عن المساحة من الأرض التي لا يستطيع إعمارها, وأبقى له منها ما يطيقه أي ما في طاقته إعماره وزراعته. ولقد كان ذلك على مرأى من الصحابة رضوان الله عليهم فكان إجماعا منهم على أن من عطل أرضا فقد حقه في ملكيتها.

وهذا عام في كل أرض, وليس خاصا في الأرض المقطعة أو المحياة, بل هو فيها وفي غيرها من الأراضي الموروثة أو المتبادلة ما دامت زراعية. وعندنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه". فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لم يحدد نوع الأرض أو طريقة تملكها, بل جعل التعبير عاما في كل أرض مهما كانت طريقة تملكها: إحياء أو إقطاعا أو مبادلة أو إرثا. وإجماع الصحابة على الرضا بعمل عمر في الحديث الذي رواه البيهقي بين أن من عطل أرضا مقطعة له من قبل الدولة فللدولة أن تستردها وتقطعها لغيره.

ومن هذا الحديث نفهم الحكمة من مشروعية الإحياء والإقطاع. إنها من أجل العمل واستغلال الأرض وليس للمكاثرة في المساحات المملوكة. فمن أعطى الأرض حقها من العمل والاستثمار استمر تملكه لها, ومن عطلها إهمالا أو لعدم قدرته على استغلالها فقد حقه في ملكيتها إن استمر إهماله أو تعطيله لها ثلاث سنين متتاليات, وصار لغيره الحق في أخذها واستغلالها, أما إن كانت تلك الأرض إقطاعا من الدولة فقد صار للدولة الحق في استرجاعها وإقطاعها لغيره لزراعتها.

ومن الجدير ذكره أن العمل في الأرض ليس بالضرورة أن يقوم به مالك الأرض بنفسه, بل له أن يعمل بها بنفسه, وينفق عليها من أمواله, كما له أن يستأجر عمالا للعمل فيها, ويدفع لهم أجورا, ينفق من ماله أجرة للعمال وأثمان البذور والآلات المستخدمة فيها, فإن عجز عن النفقة أعانته الدولة في النفقات. لكن إن لم يرغب في زراعتها فإن عليه منحها لغيره ليزرعها دون مقابل؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن إجارة الأرض للزراعة.

وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

1. موات الأرض: هي الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد، فردا كان أو دولة.

2. كل أرض موات إذا أحياها إنسان أصبحت ملكا له. المسلم والذمي في ذلك سواء.

3. "من أحيا أرضا ميتة فهي له" لفظة "من" في الحديث مطلقة تفيد العموم تشمل المسلم والذمي.

4. إحياء الأرض: هو عمارتها بأي شيء يدل على العمارة.

5. ليس بالضرورة أن يعمل مالك الأرض بنفسه, بل له أن يعمل فيها, وله أن يستأجر عمالا.

6. من أعطى الأرض حقها من العمل والاستثمار استمر تملكه لها.

7. أكد الشرع على ضرورة استغلال الأرض للزراعة خاصة, ولسائر الاستخدامات المباحة.

8. أجمع الصحابة على أن من عطل أرضا فقد حقه في ملكيتها.

9. من عطل أرضا مقطعة له من قبل الدولة فللدولة أن تستردها وتقطعها لغيره.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, وللحديث بقية, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:25 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.