قديم 02-07-2016, 08:29 AM   #11
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي طريق الحق واحد

طريق الحق واحد
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فائدة في قوله تعالى :( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ )(17)البقرة ,تأمل كيف قال الله تعالى ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) فوحده، ثم قال: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) فجمعها. فإن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا بالأهواء والبدع، وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله صلّى الله عليه وسلّم، من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل وسبله.
فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يفرد الله سبحانه الحق ويجمع الباطل، كقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ)[البقرة:257] وقال تعالى: ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) [الأنعام:153] فجمع سبيل الباطل، ووحد سبيل الحق.
ولا يناقض هذا قوله تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ)[المائدة:16] فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد، وصراطه المستقيم. فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها.
وقد صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه: '' خط خطا مستقيما، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153][ أخرجه الدارمي في سننه.
وقد ذكر ابن كثير أن رجلاً سأل ابنَ مسعود رضي الله عنه: '' ما الصراطُ المستقيم؟ قال: تَرَكَنَا محمّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌّ([الجوادُّ: جمع جادّة، وهي معظم الطريق، وأصل الكلمة من جدَدَ.[النهايةلابن الأثير])وعن يساره جوادٌّ، ثمّ رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثمّ قرأ ابن مسعود الآية''(( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153).
جواد عبد المحسن

ألمصدر كتاب : حديث رمضان - 13 لعام 2015

__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-07-2016, 12:26 PM   #12
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي


حديث رمضان ( 12 )

من أوراق جواد عبد المحسن الهشلمون

إعداد : جواد عبد المحسن الهشلمون

الطبعة الأولى
2014م - 1435 هـ


.http://www.sharabati.org/vb/showthread.php?t=1375
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 07:49 AM   #13
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي الوقف واثره على المجتمع الاسامي (1)

الوقف واثره على المجتمع الاسامي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....الاخوة الاعزاء ...احب ان اطرح عليكم قضية مهمة كانت من القضايا التي يتميز فيها المجتمع المسلم وحاول الغاشم اخفاءها وهي(الوقف واثره على المجتمع الاسامي)وارجوا ان تعذروني لانني لم استطع اختصاره اكثر من ذلك.الوقف في اللغة هو الحبس والمنع، وقد عرف الوقف (اصطلاحا) بقولهم :"هو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، على مصرف مباح".والوقف نوعان: "وقف خيرى" يتعلق بالجانب الخيرى لصالح المسلمين عموما وهو ما ورد فيه الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". ويفصل معنى الصدقة الجارية ماورد في سنن ابن ماجة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أوولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته".
أما النوع الآخر فهو "الوقف الأهلى(الذرى)" والذي يوقفه المرء لصالح ذريته من بعده للانتفاع بها وقد روى البيهقي من أن عدداً من الصحابة تصدقوا بدورهم ومساكنهم، وجعلوها وقفاً في سبيل الله أو على ذريتهم. ويكون الوقف باطلا غير مشروع إذا قصد به الواقف مضارة ورثته، كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه، بل إنه تعالى نهى عن الضرر والضرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاضر ولاضرار".
و تستند مشروعية الوقف إلى الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فيدل على مشروعيته بعموم قوله تعالى { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}آل عمران92وقد بادر بعض الصحابة إلى التصدق بأحب أمواله إليه، عند نزول هذه الآية.وقد روى البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك قال: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة وقال يارسول الله إن الله يقول (لن تنالوا البر...)الآية، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: إجعلها (أي ريعها) في قرابتك.
وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: "إن أصبت ـ أي قتلت، فأموالي لمحمد ـ يضعها حيث أراه الله، فقتل، وحاز النبي صلى الله عليه وسلم تلك البساتين السبعة، فتصدق بها أي حبسها, ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم.
ومن تلك الأمثلة وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل هو ثاني وقف في الإسلام، ففي الحديث أنه أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون (أي منافعها وثمارها) في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، ولاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. ثم تتابعت الأوقاف بعد ذلك في أوجه البر والخير,فقد ادرك المسلمون كنه الحياة الدنيا وانها تفضي لما بعدها فعاشوا الآخرة في الدنيا وادركوا عمليا ان الباقيات الصالحات هي خير وابقى,وانعكس هذا الامر على علاقتهم مع مالهم فجعلوا منه مركبا موصلا الى الأخرة بل ومستمرا يدر عليهم الاجر فوقفوه على اوجه الخير الشامل للمسلمين في مجتمعهم فانهم حين قرأوا قول الحق{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}قرأوا ما قبله فادركوا معناه كاملا(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)آل عمران.
ونظام «الوقف» هوميزة تميز بها المجتمع المسلم فلم تكن موجودة وما عرفها احد او فعلها قبل المسلمين للتقرب إلى الله تعالى ,فنسيج المجتمع المسلم تاتي قوته من خلال مشاركة افراده في بناء لبناته بناء قويا ومستمرا ومستديما يستغرق الجيل الحالي والاجيال القادمة,وياتي تشابه الاوقاف وارض الخراج من ناحية استغراق منفعتها الحاضر والمستقبل وتصرف براي الخليفة ونظره, على خلاف الاوقاف فانها تحبس لتصرف على الوجه الذي اوقفها صاحبها عليها,وليس للخليفة سلطان عليها الا للتنظيم او لوجود مخالفة شرعية, ويظهر الفرق بين الارض الخراجية والارض العشرية في التصرفات في موضوع الوقف فتنفصل الرقبة عن المنفعة هنا لان التصرف يكون في الرقبة، ولذلك لا يصح وقف الارض الخراجية .
وفي العصر الأموي حدث تطور كبير في إدارة الأوقاف، فبعد أن كان الواقفون يقومون بأنفسهم على أوقافهم ويشرفون على رعايتها وإدارتها، قامت الدولة الأموية بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحداث ديوان مستقل لتسجيلها.
يتبع

__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 07:53 AM   #14
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي الوقف واثره على المجتمع الاسامي (2)

الوقف واثره على المجتمع الاسامي (2)
وفي عهد العباسيين أصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس يسمى "صدر الوقوف" وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد، لضبط أحكام الوقف وطرق التصرف فيه ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة، وأفردوا له فصولا واسعة في مدونات الفقــه الكبرى. وهذا التطور والتوسع في العناية بالأوقاف أدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية المجتمعية وسد الخلل الناتج عن خطوب الدهر وتقلب الاحوال اونزول جائحة, حتى لا يشغل المسلم عارض يلهيه او يدفعه لمعصية,وابقاء التجانس والتعاضد في المجتمع المسلم وعدم احتياجه لغيره لا استدانة ولا صدقة ولا منحة فمجتمع خير امة اخرجت للناس لا يليق به ان يكون محل صدقة اواحتياج من أي احد كان دولة او منظمة دولية اجنبية.
وقد اقتبس الغربيون هذه الفكرة ونقلوها عن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشرحين ظهر تغول الراسمالية وظهر عوارها بتفتت مجتمعهم وتحلله بطغيان المادية عليه فكانت هذه الفكرة محاولة لاخفاء عوار مبداهم ,فنشات الجمعيات التي تعنى بالفقراء ودور الايواء وأطلق عليها الغربيون لاحقا اسم"منظمات المجتمع المدنى"او المنظمات غير الحكومية والتي -ومن المفارقه - استوردنا مصطلحها منهم في القرن العشرين بعد أن همشنا دور الاوقاف ومحوناه من عندنا.
ان من المسلم به أن نظام الوقف الإسلامي ظل يمثل على مدى ثلاثة عشر قرناً صورة من أروع صور التعاضد في المجتمع المسلم وينبوعاً فياضاً من ينابيع الخير حتى آلت حال الأوقاف في العصور الأخيرة من عصور الدولة العثمانية إلى التدهور والجمود والإهمال والمحاربة، وتعرضت ممتلكاتها بسبب ذلك، إلى الانهيار والخراب، خصوصا بعد دخول البلاد الإسلامية مرحلة الاستعمار الأوروبى وخصوصا الفرنسي الذي أدرك أن أهم المؤسسات التي تدعم الطبقـــة المتعلمة الواعية في وقوفها في وجه سياسة الاستعمار وخططه هي المؤسسات التي تعتمد على الوقف كالمساجد والمدارس والزوايا والأربطة. لهذا عمد المستعمر إلى التدخل المباشر في شؤون الوقف ومؤسساته، تحت ستار إصلاح إدارتها وتحديث أنظمتها، وكان هدفه الحقيقي هو الحد من الدور الإيجابي للوقف ومؤسساته، خاصة في تنشيط الوعي الديني ومحاربة المستعمر ، ودخلت البلاد الإسلامية عهداً جديداً من التطور السياسي والاجتماعي تمثل في نشوء نظام الدولة الوطنية الحديثة على النمط الغربي.وكانت تركيا أول دولة إسلامية تقوم بإلغاء النظام القديم للأوقاف ووضع ممتلكاته تحت الإدارة الحكومية الرسمية، وذلك عقب الغاء نظام الخلافة الإسلامية مباشرة، وقد صدرت قوانين إلغاء الوقف الأهلي(الذري) في عدد من الأقطار الإسلامية الأخرى، ففي لبنان صدرت سنة 1947، وفي سوريا 1947م، ومصر 1952م، وفي العراق 1954م، وفي المغرب 1977م وفي الاردن1958ودمجت مدخولات الاوقاف بالميزانية العامة للدولة ضمن قانون الوعظ والارشاد . وتسربت ممتلكات الوقف بنوعيه الأهلي والخيري لجيوب البعض باسلوب الخصخصة او التاميم اوغيرها من الشعارات، و صمت العلماء والمفكرون عن الحديث عنه اوالبحث في أبعاده وقضاياه وبعد عن الاذهان حتى اصبح مع الاسف من الاحكام الشرعية الكثيرة المغيبة.
لقد كان للوقف أبعاد دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإنسانية غطت أنشطتها سائر أوجه الحياة الاجتماعية وامتدت لتشمل المساجد والمرافق التابعة لها والدعوة والجهاد في سبيل الله، والمدارس ودور العلم والمكتبات، والمؤسسات الخيرية، وكفالة الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل، والمؤسسات الصحية.
وكذلك الوقف للجهاد في سبيل الله ويؤكد مشروعيته ما روى أن خالد بن الوليد حبس دروعه وأكراعه في سبيل الله. وتأهيل المجاهدين,وإعداد العدة اللازمة من سلاح وطعام,وصناعة الأسلحة,وفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداءوقد سجل تاريخ الإسلام أوقافاً كانت مخصصة لهذا الغرض، ولعل أشهرها وقف صلاح الدين الأيوبي الذي كان ببلده بلبيس.
وبفضل ما تدره الأوقاف من أموال سخية في هذا المجال، قاومت الأمة الإسلامية أعداءها على مر العصور، وصدت جيوش الاستعمار في العصر الحديث، ولم ينجح المستعمر في اختراق حدودها إلا بعد أن ضعفت مؤسسة الوقف وتقلص دورها في حياة المسلمين.
وكذلك الوقف للانفاق في المواسم الدينية فانها تعتبر شعائر تعبدية، فضّلها الله تعالى على غيرها وأمر بإحيائها ومن هذه المواسم شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عاشوراء,وحرصاً على إقامة هذه الشعائر أقام المسلمون أوقافاً خاصة بها وشرطوا أن تخصص لإحيائها وأن يصرف ريعها على المحتاجين للتفريج عنهم وإدخال السرور عليهم,وهناك وثائق نصت على أن يصرف من ريع الوقف كل سنة في يوم عاشوراء في شكل إعانات ومواد غذائية، توزع على طلبة العلم والأيتام والفقراء والمساكين,وفي كل يوم من أيام رمضان على الفقراء والمساكين وطلاب العلم..ومولت الأوقاف موائد الإفطار والسحور للصائمين من الفقراء والغرباء، ووضعت بذلك الأساس لِسُنَّةٍ حسنة لا تزال حية في بعض البلاد الإسلامية ,وفي عيد الأضحى تذبح النعام وتوزع لحومها.
ومن منافع ذلك النوع من أنواع الأوقاف انها تدخل السرور على قلب المرء المحتاج لقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ( إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم إشباع جوعته وتنفيس كربته) جامع الجوامع للسيوطي.
والوقف على المدارس فقد عرف تاريخ الاسلام إيقاف أموال المسلمين على التعليم وبناء المدارس. ولدينا العديد من الأمثلة على عظمة ورقى المسلمين في هذا الصدد ومن امثلة ذلك ما روى الرحالة الشهير ابن جبير: أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة،كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة.... أشهرها وأكبرها "المدرسة النظامية". ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف "نظامية بغداد" خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء,و تحدث ابن جبير عما شاهده من هذه المدارس في القاهرة ودمشق وغيرها بأنه تأسست المدارس الموقوفة الخاصة بأبناء الفقراء والأيتام واللقطاء.
يتبع
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 07:57 AM   #15
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي الوقف واثره على المجتمع الاسامي (3)

الوقف واثره على المجتمع الاسامي (3)
ويعطي ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس,ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه، في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس.
والوقف على المكتبات كذلك فقد انتشرت المكتبات التي أوقفها المسلمون في جميع بلاد المسلمين في بغداد ومصر والشام والأندلس والمغرب على مَرِّ التاريخ,وهناك أمثله عديدة توضح المستوى الذي كانت عليه تلك المكتبات: (أ)حوت المكتبة التي أوقفها ابن مليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة، وقاعات خاصة للمحاضرات والمناظرات، وقاعة خاصة لتوجيه الباحثين والناشئين. وأعطيت من ريع وقفها مرتبات لطلبة العلم والعلماء والقائمين عليها. (ب)يقال أن المكتبة التي أوقفها بنو عَمَّار في طرابلس الشام، كانت آية في السعة والضخامة، وإنها اشتملت على مليون كتاب. (ج)يصف لنا ابن جبير عن المكتبات التي أوقفها المسلمون في مصر فيقول: "ومن مناقب هذا البلد (أي مصر)، ومفاخره أن الأماكن في هذه المكتبات قد خصصت لأهل العلم فيهم، فهم يفدون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى يأوي إليه ومالاً يصلح به أحواله. وبلغ من عناية السلطان بهؤلاء الذين يفدون للاستفادة العلمية، أن أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، وخصص لهم مستشفى لعلاج من مرض منهم، وخصص لهم أطباء يزورونهم وهم في مجالسهم العلمية، وخصص لهم الخدم لقضاء حاجاتهم."
والوقف في المجال الصحي بلغ من عناية المسلمين بالرعاية الصحية وتطوير خدماتها، أن خصصت أوقافا وقفت على رعاية المرضى جميعا دون تمييز بين فقير وغنى والخدمات الصحية التي تقدمها هذه المراكز الطبية، من علاج وعمليات وأدوية وطعام، كانت مجاناً بفضل الأوقاف التي كان المسلمون يرصدونها لهذه الأغراض الإنسانية، إذ كانت الرعاية الصحية في سائر البلاد الإسلامية إلى وقت قريب من أعمال البر والخير، ولم تكن هناك وزارات للصحة العمومية كما في العصر الحاضر.
وكان للأوقاف أثر حميد في النهوض بعلوم الطب، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يقتصر على تقديم العلاج، وإنما تعدى ذلك ذلك إلى تدريس علم الطب، فكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.
ونسرد بعض الأمثلة لبيان مستوى تلك الخدمات الطبية (أ)كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو "البيمارستان" الذي أمر ببنائه هارون الرشيد ببغداد. ثم توالت بناء المستشفيات حسب نظام الوقف حتى أصبح ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع الهجرى خمسة مستشفيات. (ب)وصل الأمر إلى بناء أحياء طبية متكاملة: فقد تحدث ابن جبير في رحلته: أنه وجد ببغداد حياً كاملاًً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان، يتوسطه قصر فخم جميل وتحيط به الغياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة، وكلها أوقاف وقفت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة ببغداد. (ج)تحدثت كتب التاريخ عن المستشفيات التي أنشئت في مصر بفضل أموال الوقف: مثل:مستشفى أنشأه الفتح بن خافان ومستشفى أمير مصر أحمد بن طولون والمستشفى التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي. وتحدث المؤرخون والرحالة عن المستشفى التي أنشأه الملك قلاوون بمصر، وجعله وقفاً لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة إنه يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لايحصى. (د)وكثرت المنشآت الصحية بمدن الأندلس حتى ان مدينة قرطبة وحدها كان بها خمسون مستشفى، أوقفها الخلفاء والأمراء والموسرون. وكذلك الحال في المغرب الأقصى حيث انتشرت المستشفيات في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، ومن أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس التي خصص جزءا منها لعلاج طير اللقلاق، وجزءا خصص للموسيقيين الذين يزورون المرضى مرة كل أسبوع للترفيه عنهم
والرعاية الاجتماعية كذلك فقد تعددت أنواع الوقف في هذا المجال عبر التاريخ الإسلامي فهناك أوقاف للّقطاء واليتامى لإيوائهم ورعايتهم وختانهم وأوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم,وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم، وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم.
وأوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
وأوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار.
ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب(السقايات) وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها ومنها ما يزال قائما.
وهناك أوقاف مشهورة في التاريخ لتزويد مكة المكرمة بالماء الطاهر الطيب، أشهرها وقف السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، وما زال يعرف بعين زبيدة. المراجع تحرير نظام الوقف الإسلامي ونظام الوقف الإسلامي.
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 03:36 PM   #16
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر

كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر

عَنَدَ الرَّجُلُ : خَالَفَ الْحَقَّ وَهُوَ عَارِفٌ بِهِ,عَنَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ : تَبَاعَدَ عَنْهُمْ, عَنَدَ عَنِ الطَّرِيقِ : مَالَ عَنْهُ وَعَدَلَ, عَنَدَ العِرْقُ أَو الجُرْحُ : سال دمُه ولم يجفّ, عَنَدَ فلانٌ : استكبر وتجاوز الحدَّ في العصيان.
عنَدَ: عنَد الشَّخصُ:خالف الحقَّ وردّه وهو عارفٌ به هو عنيد في خصومته حتى النهاية ،في قوله تعالى { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }15 ابراهيم, يعني عتا وطغى وتجاوز الحَدَّ في المعارضة لا يمكن التَّفاهم معه لأنّه يعنِد.
عنَد عن القصد أو الطريق : مال وعدل عنه عنَد عن أصحابه : تركهم في سفر وأخذ في غير طريقهم.
اِسْمٌ لِمَكَانِ الْحُضُورِ دَخَلْتُ عِنْدَ صَاحِبِي { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }
ظَرْفٌ لِزَمَانِ الحُضُورِ : وَصَلَ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ
بِمَعْنَى لَدَى : (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) النحل آية 96.
وتَأْتِي بِمَعْنَى الظَّنِّ وَالْحُكْمِ : هَذَا عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا,وتعني الْمِلْكِيَّةُ وَتَأْتِي مَجَازاً : عِنْدَ الْحَاجَةِ عِنْدَ الاقْتِضَاءِ, عِنْدَهُ عِلْمٌ كَمَا تَلْحَقُ بِهَا مُخْتَلِفُ الضَّمَائِرِ : عِنْدِي,عندهم ,عندنا....وهكذا, كان عند حُسْن الظَّنِّ به : تصرَّف حَسَنًا كما كان متوقَّعًا منه.
ان للسلطان بطانتان بطانة السوء وبطانة الخير بطانة السوء تنظر ماذا يريد السلطان ثم تزينه له وتقول هذا هو الحق هذا هو الطيب ولو كان من أجور ما يكون تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلبا للدنيا, أما بطانة الحق فإنها تنظر ما يرضى الله ورسوله وتدل الحاكم عليه, هذه هي البطانة فتوصف الحسنة او بالبطانة السيئة,لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله) (رواه أحمد ، والبخارى ، والنسائى ، وابن خزيمة ، وابن حبان عن أبى سعيد).
ان كلمة الباطل عند سلطان جائر هذه ضد الجهاد, وكلمة الباطل عند سلطان جائر تكن بأن ينظر المتكلم ماذا يريد السلطان فيتكلم به عنده ويزينه له وقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد ,فقد روى طارق بن شهاب - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وضَعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ : أيُّ الجهادِ أفضلُ ؟ قال : «كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر». أخرجه النسائي. وقال عند سلطان جائر لأن السلطان العادل كلمة الحق عنده لا تضر قائلها لأنه يقبل, أما الجائر فقد ينتقم من صاحبها ويؤذيه فالآن عندنا أربع أحوال:
1 - كلمة حق عند سلطان عادل وهذه سهلة: قال سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان، فوضعوا لي الرصد حول البيت ، فأخذوني بالليل. فلما مثلت بين يديه قال لي: لأي شيء لا تأتينا فنستـشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا اليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه. فقلت له : كم انفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غدا اذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا. فقال: ويحك اجحفنا بيت مال المسلمين وقد علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رب متخوض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه، له النار غدا.( و رب متخوض في مال الله و مال رسول الله له النار يوم القيامة ) رواه البخاري في الصحيح عن معاذ بن فضالة غير انه قال : فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين و اليتيم و ابن السبيل و قال : شهيدا بدل قوله حسرة و لم يذكر ما بعده
فقال أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟ فأجابه سفيان: اسكت، انما اهلك فرعون: هامان أي انت وأمثالك من بطانة السوء.
2 - كلمة باطل عند سلطان عادل وهذه خطيرة لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك بما تزينه له من الزخارف
3 - كلمة الحق عند سلطان جائر وهذه أفضل الجهاد

4 - كلمة باطل عند سلطان جائر وهذه أقبح ما يكون فهذه أقسام أربعة لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان الجائر نسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق ظاهرا وباطنا على نفسه وعلى غيره قال العلامة المحدث عبد المحسن العباد في شرحه على سنن أبي داود رحمه الله : قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبادة الواسطي حدثنا يزيد -يعني ابن هارون - أخبرنا إسرائيل حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر) ]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر)، وذلك أن الجهاد فيه احتمال السلامة واحتمال الهلاك؛ لأنه يقتل، وقد ينتصر ويغلب، ويحصل الغنيمة والأجر والثواب من الله عز وجل، وأما السلطان الجائر فهو قاهر لمن بين يديه، فيبطش به، ويؤدي ذلك إلى هلاكه، ويكون هلاكه أقرب من هلاك من يجاهد في سبيل الله، فمن أجل ذلك كانت الكلمة التي تقال عنده بهذه المنزلة، والمقصود من ذلك: أنه عندما يقول كلاماً باطلاً في مجلسه لا يسكت عليه، وإنما يبين أن الحق هو كذا، ولا يقر الباطل ويسكت عليه، وإنما يبين الحق وأنه خلاف ما يقول، وأن الذي قاله ليس بصحيح وإنما الصحيح هو كذا وكذا، لأن هذا هو الذي جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، فكونه يكون عند سلطان جائر معناه: أنه يكون عرضة للهلاك، لاسيما إذا كان ذلك الجائر معروفاً بإزهاق النفوس وإتلافها بأي سبب من الأسباب ولو كان أمراً يسيراً.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 03:41 PM   #17
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي المراء (1)

المراء
جاء في لسان العرب عن المراء: "قَالَ: وأَصله فِي اللُّغَةِ الجِدال وأَن يَستخرج الرجلُ مِنْ مُناظره كَلَامًا وَمَعَانِي الْخُصُومَةِ وَغَيْرِهَا..."، وجاء فيه أيضاً: "ومارَيْتُ الرجلَ ومارَرْتُه إِذا خَالَفْتَهُ وتَلَوَّيْتَ عَلَيْهِ..."، فلا يكون الهدف في المراء معرفة الحق والاهتداء إليه، وإنما الأخذ والرد بغرض الإزعاج و"المناكفة" ونحن في غنى عن ذلك! أخرج الطبراني في الكبير عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ آدَمَ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وأَبُو أُمَامَةَ، ووَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالُوا: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَوْمًا، وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، ثُمَّ انْتَهَرَنَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، أَخَذُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ»، ثم إن المراء عند الشخص دليل عدم انغماسه في العمل الصالح وتلبسه فيه وانشغاله به...، ولو كان جاداً مجداً مجتهداً في عمله، ينتفع بما هو خير في ليله ونهاره، لما وجد وقتاً للمراء. جاء في كتاب حديث الزهري لمؤلفه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف العوفي، الزهري، القرشي، أبو الفضل البغدادي (المتوفى: 381هـ) قال: "أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، نا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَفْصٍ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مَالِكٍ يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ الْحَسَنِ، فَسَمِعَ مِرَاءَ قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مَلُّوا الْعِبَادَةَ، وَبَغَضُوا الْوَرَعَ، وَوَجَدُوا الْكَلَامَ أَخَفَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ"، نعم لو كانوا يعملون بصدق وإخلاص لما وجدوا متسعاً للمراء...
إن كان المراء بمعنى الجدال، فالمراد بالحديث أن الاستمرار فيه بعد بيان الحق وعناد المجادل ليس فيه نفع، مع ضياع الوقت والجهد، قال ابن علان في دليل الفالحين: أي وإن كان ذا الحق في نفس الأمر، وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه ويأبى عن قبوله، وليس من طالبي الاستبصار، فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث.
وقال السندي في حاشيته على ابن ماجه: خوفا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل.
وقال المناوي في فيض القدير: كثرة المخاصمة تفضي غالبا في ما يذم صاحبه.
وإن كان المراد بالمراء: الطعن في كلام غيرك، تحقيرا له، وإظهارا لفضلك، فالمعنى أشد وضوحا، قال الصنعاني في سبل السلام: حقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه ... ولا يكون إلا اعتراضا، وهو قبيح إذا لم يكن لإظهار الحق وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه، وأما مناظرة أهل العلم للفائدة، وإن لم تخل عن الجدال فليست داخلة في النهي، وقد قال تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن {العنكبوت: 46} وقد أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا.
ويحتمل أن يكون المراء هنا هو ما يفسد ذات البين من غير مصلحة راجحة، قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود: يعني المجادلة التي تؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة، فالإنسان يبتعد عنها حتى تسلم القلوب، وحتى تصفى النفوس.
قال ابن عبدالبر في كتابه جامع بيان العلم وفضله : ( باب : ما تكره فيه المناظرة والجدال والمراء : قال أبو عمر : الآثار كلها في هذا الباب المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم إنَّما وردت في النهي عن الجدال والمراء في القرآن .
وروى سعيد بن المسيب وأبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : {المراء في القرآن كفر } ... والمعنى : أن يتمارى اثنان في آية ، يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك ، فذلك هو المراء الذي هو كفر .
وأمَّا التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من ذلك ، وهذا يبيّن لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال الله عزوجل { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ } الحج 55
والمراء والملاحاة غير جائز شيء منهما ، وهما مذمومان بكل لسان ، ونهى السلف - رضي الله عنهم - عن الجدال في الله جل ثناؤه وفي صفاته وأسمائه ,فعن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ ما ضلّ قوم بعد هدى إلاَّ لُقِّنُوا الجدل }ثُمَّ قرأ { مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } الزخرف 58 ].

المراء والامتراء والمماراة : المحاجّة فيما فيه مرية .
والمرية : التردد في الأمر والشك فيه ، قال تعالى : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ } [ الحج : 55 ] ، وقال تعالى : { فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّـِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ } [ هود : 109 ] ، وقال سبحانه : { فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّـِن لّـِقَآئِهِ } [ السجدة : 23 ] ، وقال جل وعلا : { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّـِن لّـِقَآءِ رَبِّهِمْ } [ فصلت : 54 ] ومن ذلك قوله تعالى : { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِرًا } [ الكهف 18 ] أي لاتجادل وتحاجج .
وقوله سبحانه { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } [ النجم 53 ] أي : أفتجادلونه مجادلة الشاكين المتحيِّرين لا الكائنين على بصيرةٍ فيما تخاصمون فيه .
وقرئ : { أفَتَمْرُونَه } وفُسِّرَت بالجحود ، أي : أفتجحدونه ؟ ) .( قال في إتحاف فضلاء البشر : ( واختُلف في { أفتمارونه } فحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بفتح التاء ، وسكون الميم بلا ألف من { مَرَيْتَه } إذا علمته وجحدته ... والباقون بضم التاء ، وفتح الميم وألف بعدها من { ماراه يماريه مراء } جادله ) ا هـ . إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للعلامة الشيخ أحمد بن محمد البنا ) وقد اختلف العلماء في تأويل حديث{ المراء في القرآن كفر } على أقوال :

يتبع

__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 03:43 PM   #18
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي المراء ( 2 )

المراء 2
القول الأول : أن معنى المراء في القرآن : الشك فيه والجحود ، وهذا ما عبّر عنه ابن عبدالبر بقوله : ( والمعنى أن يتمارى اثنان في آية يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك ، فذلك المراء الذي هو الكفر ... وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال عز وجل : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ }[ الحج : 55 ].
القول الثاني : أن المراد المراءُ في قراءته دون تأويله ومعانيه ، مثل أن يقول قائل : هذا قرآن أنزله الله تبارك وتعالى ، ويقول الآخر : لم ينزله الله هكذا ، فيكفر به من أنكره ، وقد أنزل الله سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شافٍ وكافٍ ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضاً يقرؤها ، وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به ؛ إذ كان القرآن منزلاً على سبعة أحرف ، وكلها قرآن منزل يجوز قراءته ويجب علينا الإيمان به .
ويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث وهو ما رواه الإمام أحمد عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ؛ قال هذا : تقليتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال هذا تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { القرآن يقرأ على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن فإن مراءً في القرآن كفر }.
وهذا ما اختاره الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال : ( وجه الحديث عندنا ليس على الاختلاف في التأويل ولكنه عندنا على الاختلاف في اللفظ ، على أن يقرأ الرجل القراءة على حرف ، فيقول له الآخر : ليس هكذا ولكنه كذا على خلافه .
وقد أنزلهما الله جميعاً ... فإذا جحد هذان الرجلان كل واحد منهما ما قرأ صاحبه لم يؤمن - أو قال : يَقْمَن - أن يكون ذلك قد أخرجه إلى الكفر لهذا المعنى ) .
ثُمَّ ذكر بسنده عن أبي العالية الرياحي أنه كان إذا قرأ عنده إنسان لم يقل : ليس هو كذا ، ولكن يقول : أمَّا أنا فاقرأ هكذا ؛ فلما ذُكر ذلك لإبراهيم ، قال : أراه قد سمع أنه من كفر يحرف فقد كفر به كله .
القول الثالث : أن المراد الجدالُ بالقرآن في الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد ، وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل ، وما يجري بينهم من الخوض في تلك المسائل التي مبناها على الاعتقاد والتسليم .
وأمَّا آيات الأحكام والحلال والحرام فلاتدخل في معنى الحديث ؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنازعوها فيما بينهم ، وتحاجُّوا بها عند اختلافهم في الأحكام ، ولم يتحرجوا عن التناظر بها وفيها ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فعُلم أن النهي منصرف إلى غير هذا الوجه ، والله أعلم .
قال ابن عبدالبر - رحمه الله - : ( وأمَّا التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من ذلك ) .
وقال : ( وأمَّا الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر ؛ لأنه علم يُحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك ، وليس الاعتقادات كذلك ؛ لأن الله عز وجل لا يوصف عند الجماعة أهل السنة إلاَّ بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أجمعت الأمة عليه ، وليس كمثله شيء فيدرك بقياس أو بإمعان نظر ) .
وقال - رحمه الله - : ( وقد أجمع أهل العلم بالسنن والفقه - وهم أهل السنة - على الكف عن الجدال والمناظرة فيما سبيله الاعتقاد مِمَّا ليس تحته عمل ، وعلى الإيمان بمتشابه القرآن والتسليم له ، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث الصفات كلها وما كان في معناها ، وإنَّما يبيحون المناظرة في الحلال والحرام ومسائل الأحكام ) .
ومِمَّا سبق يعلم أن آيات العقائد - كآيات القدر والوعيد والأسماء والصفات - لايجوز المراء والجدال فيها لأمرين :
أحدهما : أن هذه الآيات سبيلها التسليم والاعتقاد .
الثاني : أن الجدال والمراء فيها يؤدي إلى الانسلاخ من الدين ، بسبب الدخول في مباحث لا يدركها العقل ، والخوض في ذات الله ووصفه بما لا يليق به تعالى .

قال ابن عبدالبر - رحمه الله - : ( قال أبو عمر : وتناظر القوم وتجادلوا في الفقه ونهوا عن الجدال في الاعتقاد ؛ لأنه يؤول إلى الانسلاخ من الدين ، بسبب الدخول في مباحث لا يدركها العقل ، والخوض في ذات الله ووصفه بما لا يليق به تعالى .

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 /2015
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2016, 03:53 PM   #19
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة

إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة
ان القضية التي اريد طرحها هي سؤال لكل اب (كم ياخذ ولدك من تفكيرك ,وكم تاخذ انت من تفكيره..؟؟) فيشاهد أن الرجل متى رزق أولادا من ذكور أو إناث فإنه ينشغل بشأنهم ، ويهتم بتحصيل الرزق ، ويسعى في جمع المال ، ويكدح ويشقى في الطلب والتكسب ، وينشغل بذلك عن التعلم والتفقه ، ويؤثر البقاء والمقام معهم أو بقربهم ، ولو فاتته الفضائل والأعمال الصالحة ، فقد روى الترمذي عن عمر بن عبد العزيز قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم قالت: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون ، وإنكم لمن ريحان الله) قال الترمذي : " لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة " أي: فهو منقطع ، لكن عمر جزم به ، وقد لقي في المدينة من روى عن خولة يقينا ، ومعناه أن محبة الولد تحمل أباه على البخل بالمال ، والحرص على جمعه؛ ليخلفه لولده ، أو لينفقه عليه في حياته ، وكذا على الجبن الذي هو ضد الشجاعة ، فلا يخرج للجهاد خوفا من القتل وضياع أولاده ، فإن خرج لم يكن معه الجرأة على الإقدام ، وكذا على الجهل لإكبابه على التكسب ، والانشغال بالتجارات أو الحرف ، أو الأعمال التي يتحصل منها على المال ، فيبقى على جهله ، ويفوته التعلم والتفقه في الدين .

وقوله: وإنكم لمن ريحان الله أي: كالريحان الذي هو طيب الريح؛ لأنهم يشمون ويقبلون ، فكأنهم من جملة الرياحين ، فقد روى الترمذي عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه ، وروى الطبراني في الأوسط عن أبي أيوب قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن والحسين يلعبان بين يديه ، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما ، وروى البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الولد ثمرة القلب ، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة ، وروى أيضا عن الأسود بن خلف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ حسنا فقبله فقال: إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة ، وروى الإمام أحمد عن الأشعث بن قيس قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " هل لك من ولد؟ " قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك ، ولوددت أن مكانه شبع القوم . قال: " لا تقولن ذلك ، فإن فيهم قرة عين ، وأجرا إذا قبضوا ، ثم إنهم لمجبنة محزنة ، إنهم لمجبنة محزنة ، وعن يعلى بن مرة الثقفي قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فضمهما إليه ، وقال: " إن الولد مبخلة مجبنة فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نبه الأمة على ما هو أمر طبيعي واقعي من أن الآباء في الغالب يتصفون بالجبن والبخل؛ لتأثير محبة الولد ، والشفقة عليه ، فإذا كانت محبة الولد ركيزة في القلب ، وظهر أثرها في العمل ، بشدة الطلب والجمع والتكسب ، ثم الإمساك والتقتير على النفس وعلى الأهل والضيف ، والتوقف عن الإنفاق في وجوه الخير ، فإن من الواجب والمؤكد أن يعنى الوالد بولده في التهذيب والسعي في الإصلاح ، والتعهد في الصغر وبعد الكبر؛ ليكون قرة عين لأبويه ، وتثمر التربية الصالحة بالاستقامة والبعد عن الانحراف والزيغ,حتى اذا انتسب امام قوم ترحموا على والده وصدق الشاعر:
اذا المرء اعيته المروءة يافعا === فمطلبها كهلا عليه ثقيل

ان القضية المهمة في هذا الموضوع هو ليس الانجاب وانما التاديب والتربية فكما زرعت تحصد فلا يكون كل الهم على السعي للجمع لهم ماديا فقط بل لا بد من حسن التاديب.
قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنت ومالُك لأبيك))؛ حديث صحيحٌ رواه جابر - رضِي الله عنه - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه ابن ماجه.
ورواه أيضًا سمرة وأبو مسعود - رضي الله عنهما - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"، وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، وصحَّحه ابن حجر والألباني.والرواية الأخرى للحديث: ((أنت ومالُك لوالدك، إنَّ أولادكم من أطيَبِ كسْبكم، فكُلُوا من كسْب أولادكم))؛ رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

ولهذا الحديث قصَّةٌ مُؤثِّرة وردَتْ في رواية الطبراني والبيهقي لهذا الحديث من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابرٍ - رضِي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي أخَذَ مالي، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - للرجل: ((اذهَبْ فأتِني بأبيك))، فنزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يُقرِئك السلام ويقول لك: إذا جاءَك الشيخ فسَلْه عن شيءٍ قالَه في نفسه ما سمعَتْه أذناه، فلمَّا جاء الشيخ قال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما بال ابنك يَشكوك، أتريد أخْذ ماله؟ قال: سَلْهُ يا رسول الله، هل أُنفِقه إلا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على نفسي! فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيهٍ! دَعْنا من هذا، أخبِرنا عن شيءٍ قُلتَه في نفسك ما سمعَتْه أذناك))، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يَزال الله يزيدنا بك يقينًا! لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سمعَتْه أذناي فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قُلْ وأنا أسمع))، قال: قلت:
غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا = تُعَلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ
إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ = لِسُقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي = طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنَايَ تَهْمُلُ
تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا = لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ
فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي = إِلَيْهَا مَدَى مَا فِيكَ كُنْتُ أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً = كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي = فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ
قال: فحينئذٍ أخذ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتلابيب ابنه وقال: ((أنت ومالُك لأبيك)).
وذكر أنَّ رجلاً قال لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: إنَّ أبويَّ بلغا من الكبر أنِّي ألي منهما ما وليا منِّي في الصِّغَر، فهل قضيتهما؟فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم (لا؛ فإنهما كانا يَفعَلان ذلك وهما يُحِبَّان بقاءَك، وأنت تفعَل ذلك وأنت تريدُ موتهما)). كره الزمخشري في "الكشاف"

ان الوالد والوالدة تغمرهما السعادة وهما يشتريان للمولود ما يحتاجه لكف الاذى عنه حين يخرج فضلاته ويتمنيان له طول العمر,وحين تنقلب الصورة ويشتري لاحدهما ما يكف الاذى عنة لا يشعر بالسعادة وانما يقول اللهم عجل بالفرج وارحه او اللهم اختر له,هذا ان لم يقل اكثر.
جواد عبد المحسن

حديث رمضان - 13 /2015
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2016, 10:43 AM   #20
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي قوة الإرادة وحامل الدعوة (1)

قوة الإرادة وحامل الدعوة
تقول العرب :بمحض إرادته : من تلقاء نفسه / طوعًا / بلا إكراه ،أرادَ يُريد ، أَرِدْ ، إرادةً ، فهو مُريد ، والمفعول مُراد.
أراد اللهُ الشَّيءَ : شاءَه { إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }الحج 14 ,وأراد الشَّيءَ : راده ؛ تمنَّاه ، طلَبه وأحبَّه ورغِب فيه ، وأراد بهذه الكلمات كذا : قصَد بها كذا في قوله تعالى {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً}البقرة26,ويقول عز وجل(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) الإسراء 18-19).
ان معنى الارادة :انها تصميمٌ واعٍ على أداء فعل معين بقوة وعزم, وضده فاقد الإرادة . فقُوَّة الإرادة هي المثابرة على القيام بعمل ما برغم العوائق والمصاعب التي تعترض القائم بهذا العمل وتذليلها,ويقول في الموسوعة الفلسفية م.روزنتال ب.يودين - ص 15 (أن الطابع الإرادي لفعل ما، يظهر بوضوح شديد حينما يتعين على شخص أن يتغلب على عقبات معينة، خارجية أو داخلية، ليحقق هدفه ,فالارادة هي شعور داخلي, لكن القليل من الناس يستطيع تطبيقه في الواقع وهي احساس رائع لا يشعر به الا الاقوياء).
ان القوة العسكرية اوالسياسية مثلا لا تنفصل عن إرادة استعمالها ، فقوة الإرادة قوة لها ، وضعف الإرادة ضعف لها (وهذا الامر بالنسبة للفرد او للدولة) . وتضعف إرادة دولة ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أقوى منها بكثير ، أو عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق ، وذلك عندما يؤدي سباق التسلح بينهما إلى قدرة كل منهما على تدمير الأخرى تدميراً أكيداً وشاملاً . وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة ، مثل قوة المبدأ والقوة الاقتصادية والدبلوماسية والأعمال السياسية .
ان الارادة بالنسبة لحامل المبدأ(أي مبدأ)هي المحرك والدافع له لايجاد مبدأه حيا في واقع الحياة, فالارادة المنبثقة عن المبدأ هي التي تضبط ادوات الانسان من سمع وبصر وطريقة عقل للامور وللاحداث ضبطا يتوافق مع مبدأه,وليس هذا فحسب بل صياغة هذه الادوات لتتحمل هذه الاعباء,كالرياضي الذي يروض اعضاءة لتتهيأ للقفز العالي مثلا,لتكون الارادة هي التي توجه الاستطاعة توجيها يتوافق مع الهدف والغاية,فقوة الارادة عند مريدي التغيير هي زادهم في دربهم لشحذ عزيمتهم لتذليل الصعاب(فغير ممكن)ليس في قاموسهم فكيف ان كانوا من المؤمنين بربهم,وهذه احد اهم عوامل استمرار وجودهم وثباتهم.
ان الارادة في الفكر الراسمالي فقد جعلت السيادة للشعب ، والشعب هو الذي يملك الإرادة ، ويملك التقرير ، فيملك التشريع ويملك الحكم . فقالوا أن السيادة للشعب ، فهو الذي يشرع ، وهو الذي يحكم فجعلوا التشريع لمجلس منتخب من الشعب ولكنه لا يشرع وإنما الذي يشرع هو الحاكم ومجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية هو الذي يحكم, وذلك أن الشعب في أي بلد يقوم جميع أفراده بإيجاد الاتحاد بينهم لإيجاد الإرادة العامة لهم ، وذلك بأن يتعاقد كل فرد منهم مع نفسه بأن يكون للجماعة التي يعيش فيها ، وهذا هو العقد الاجتماعي . وبموجب هذا العقد يتنازل كل فرد تنازلاً كاملاً عن جميع حقوقه للجماعة كلها ، ويسهم كل فرد من الشعب بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة الإرادة العامة العليا ، وينتج عن هذا العقد هيئة معنوية جماعية ، هي الهيئة السياسية ، أو هي الدولة ، سواء سميت جمهورية ، أو سميت غير ذلك ، فالديمقراطية تعني أن يكون جميع الناس هم الدولة ، وأن لكل واحد منهم من الحق ما للآخرين في إيجاد الدولة ونصب الحكام ، وسن القوانين وغير ذلك مما يتعلق بالحكم والدولة , فالعقد الذي عقده كل واحد مع نفسه ، تنازل بموجبه عن جميع ما له من حقوق وحريات ، تنازلاً كاملاً للجماعة التي هو منها, إلاّ أن هذه الإرادة العامة هي شيء معنوي ، وحتى يكون قادراً على قضاء مصالحه يختار حكومة تكون القوة التنفيذية . لذلك يكون في الدولة هيئتان : هيئة تشريعية وهي التي تضع القوانين وهيئة تنفيذية وهي التي تختارها هذه الجماعة لتنفذ إرادتها أي قوانينها,وكذلك الامر بالنسبة للمبدأالاشتراكي من حيث تعلق الارادة به.
يتبع
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.