قديم 06-17-2013, 07:31 AM   #1
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي أحكام البيّنات


أحكام البيّنات

الشيخ أحمـد الداعـور

بسم الله الرحمن الرحيم
أحكام البيّنات

أحكام البيِّنات كباقي الأحكام الإسلامية أحكام شرعية مستنبطة من أدلتها التفصيلية. والبينات إما أن تكون على المعاملات وإما أن تكون على العقوبات، إلا أن الفقهاء لم يفصّلوا بين أحكام البينات في المعاملات عن أحكام البينات في العقوبات، فذكروها كلها في كتاب الشهادات، وأكملوا بعض أبحاثها في كتاب الأقضية وفي كتاب الدعوى والبينات، وبيّنوا في بحث بعض العقوبات بعض البينات لأنها شرط من شروطها وجزء من أبحاثها.
والبينة هي كل ما يبين الدعوى وهي حجة المدعي على دعواه. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» وأخرج البيهقي بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البيَّنة على المدعي واليمين على من أنكر» فالبينة هي حجة المدعي التي يثبت بها دعواه. فهي برهان لإثبات الدعوى، فلا تكون بينة إلا إذا كانت قطعية يقينية، فلا يصح لأحد أن يشهد إلا بناء على علم أي بناء على يقين، فلا تصح الشهادة بناء على الظن، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للشاهد: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» فما جاء عن طريق المعاينة أو ما هو من قبيلها مثل أن يأتي عن طريق إحدى الحواس وكان مقطوعاً بتمييز المحسوس وكان ذلك عن علم أي عن يقين فيجوز للإنسان أن يشهد به وما لم يأت عن هذا الطريق لا تجوز الشهادة به لأنها لا تكون إلا عن يقين، فإذا كانت عن يقين كشهادة التسامع بما تصح به كالنكاح والنسب والموت وما شابهها فإنه حينئذ يجوز للشاهد أن يشهد لأنه متيقن ولكن لا يفسر ذلك بشهادته، لأن اليقين لازم له حتى يصح أن يشهد.
وكذلك اليمين لا بد أن تكون عن يقين مقطوع به، فالمدعي حين يحلف لإثبات دعواه في حالة أن ليس لديه إلا شاهد واحد في دعاوى الأموال وما شابهها، والمدعى عليه حين يحلف عند عجز المدعي عن إثبات دعواه لا يصح لكل منهما أن يحلف إلا عن يقين مقطوع به، فإن كان عن ظن فلا يصح أن يحلف أي منهما عن ظن. ولهذا أوعد الله على اليمين الغموس وعيداً كبيراً، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق» وأخرج البخاري من حديث ابن عمرو جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، واليمين الغموس» فهذا دليل على أن اليمين لا تكون إلا عن يقين.
ومثل الشهادة واليمين سائر البينات وهي الإقرار ودفاتر التجار وسائر المستندات الخطية فإنه لا بد أن تكون قطعية يقينية فلا يصح أن تكون ظنية لأن البينات برهان لإثبات الدعوى وحجة المدعي على دعواه، والبرهان والحجة لا تكون حجة ولا يكون برهاناً إلا إذا كان مقطوعاً به.
غير أن كون البينات مبنية على العلم أي اليقين لا يعني أن الحكم بها مبني على اليقين، ولا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، وإنما يعني فقط ذاتها، أي أنها هي لا يصح أن تكون إلا يقينية. أما الحكم بها فليس كذلك. وذلك لأن الحكم مبني على غلبة الظن لا على اليقين، لأن الله يقول للرسول: ïپ‌فاحْكُمَ بَيْنَهم بِمَا أَرَاكَ اللَّهُïپ› أي بما تراه من الرأي، وهو يشمل الرأي الصادر عن يقين والرأي الصادر عن الظن، والرسول صلى الله عليه وسلم قد حكم في قضية وقال ما يدل على أن حكمه كان بناء على غلبة الظن، عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» فهذا دليل على أن القاضي يحكم بالظن، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بأن الحاكم يحكم بالظن فعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» فهذا كله دليل على أن كون الشهادة يقينية لا يعني أن الحكم مبني على اليقين بل هو مبني على غلبة الظن.
وأما مسألة أن كون الشهادة لا تكون إلا عن يقين لا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، فذلك لأنها عن يقين عند الشاهد، وأما القاضي فقد يكون لديه واقع يناقض هذه الشهادة بل قد يكون لديه نص قطعي يناقض هذه الشهادة، وقد يغلب على ظنه كذب الشاهد، ولذلك لا يلزم القاضي بالحكم بالشهادة ولو كانت عن يقين بل له أن يحكم بها وله أن يردها.
أحمـد الداعـور

__________________

التعديل الأخير تم بواسطة طالب عوض الله ; 06-20-2013 الساعة 03:23 PM
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:34 AM   #2
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 4 - 5


أنواع البيّنات

البينات أربعة أنواع ليس غير وهي: الإقرار، واليمين، والشهادة، والمستندات الخطية المقطوع بها. ولا توجد بينة غير هذه البينات الأربع. وأما القرائن فليست من البينات شرعاً، لأنه لم يأت أي دليل شرعي يدل على أنها من البينات. إذ الإقرار قد جاء دليله في القرآن والحديث قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، فالله قد أخذهم بإقرارهم فكان حجة عليهم. وفي الحديث جاء في حديث ماعز عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز ابن مالك: «أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان، قال: نعم، فشهد أربع شهادات فأمر به فرجم». وفي حديث أبي بكر في قصة ماعز أنه جاء فاعترف أربع مرات فأمر بجلده. وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واغد يا أنيس ـ لرجل من أسلم ـ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» واليمين جاء دليله في القرآن والحديث قال الله تعالى: لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وقال : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». والشهادة قد جاء دليلها في القرآن والحديث، قال الله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وعنه  أنه قال: «شاهداك أو يمينه» والمستندات الخطية جاء دليلها في القرآن قال تعالى: وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا فإنها تدل على المستندات الخطية بما في ذلك دفاتر التجار والإقرارات وغير ذلك. فهذه البينات كلها قد جاء دليل عليها من الكتاب والسنة. أما القرائن فليس لها دليل لا من كتاب ولا من سنة فلا تعتبر من البينات سواء التي يسمونها القرينة القاطعة أو غيرها. لأنه لم يرد دليل يدل على اعتبارها بيّنة. ولا تعتبر البينة بينة شرعاً إلا إذا كان هناك دليل على ذلك أو كانت داخلة تحت دليل من الأدلة، وعليه فإن قصاص الأثر، وكلاب الأثر، وما شاكل ذلك ليس من البينات في شيء. صحيح أن القرائن وقصاص الأثر وكلاب الأثر وما شاكل ذلك يؤتنس بها ولكن الأئتناس شيء والبينة شيء آخر، فهذه وغيرها مما يمكن أن يؤتنس به يجوز استعمالها للأتناس، وذلك كقول القتيل أن فلاناً هو الذي قتله فإنه يؤتنس به ولكن ذلك كله لا يكون بينة على الدعوى، والرسول صلى الله عليه وسلم حين سأل الجارية من قتلك وسمي لها فلان وفلان فأشارت إلى اليهودي فإنه لم يأخذ قولها بينة ولكنه ائتنس به فجيء باليهودي فاعترف فقتل. وكذلك القرائن وأمثالها يؤتنس بها ولا تكون بينة.
وأما أخبار المخبرين وشهادة أهل الخبرة وتقارير الكشف والمعاينة وما شاكل ذلك فإنها ليست بينات وإنما هي أخبار فيصح أن تكون مبنية على الظن ويكفي فيها المخبر الواحد، وهي لا تكون لإثبات دعوى وإنما لكشف أمر من أمور الدعوى، كبيان قيمة الأرض أو ثمن العربة أو نفقة الأولاد أو عقل المدعى عليه أو مرض المدعي أو ما شاكل ذلك فإن هذه وأمثالها تثبت بالأخبار ولا تحتاج إلى بينة فيصح للمخبر فيها أن يبنيها على الظن ويكفي فيها المخبر الواحد.

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:38 AM   #3
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 5 - 6


الإقرار والأيمان

الإقرار والأيمان وإن كانتا من البينات ولكن الفقهاء أفردوا لكل منهما باباً خاصاً غير باب البينات، ولذلك يرجع لكل منهما في بابه من مراجع الفقه المعتبرة لا سيما تلك التي تأتي بالحكم ودليله. إلا أنه لا بد من التنبيه إلى مسألة في الإقرار ومسألة في الحلف. أما مسألة الإقرار فإنه لا يصح أن يكتفي القاضي بإقرار المدعى عليه بل لا بد أن يتثبت من الإقرار ليعرف هل المقر أقر وهو يدرك أن ما أقر به هو المدعى أو هو الذي وجبت فيه العقوبة، فلا بد أن يسأله عما أقر وأن يوغل في السؤال، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقر ماعز بالزنا سأله ثلاث مرات عن إقراره وسأل أهله عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يستفسر المقر عما أقر حتى يسأله صراحة لا يكني في الأمور التي لا يستحسن ذكرها، فعن أبي هريرة قال: «جاء الأسلمي إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراماً أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل عليه في الخامسة فقال: أنكتها؟ قال: نعم. قال كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً» الحديث. فهذا يدل على مدى الاستفسار الذي يجب أن يستفسره القاضي من المقر، ولا يصح أن يكتفي بمجرد إقراره بل لا بد أن يتثبت من الإقرار ليتأكد أنه إقرار يقيني.
وأما مسألة الحلف فإن المراد بها الأيمان على الماضي لا على المستقبل، فالأيمان على المستقبل التي تصح فيها الكفارة لا تدخل في البينات، بل الذي يدخل في البينات هو الأيمان على الماضي وهي ما تسمى باليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في النار. ومما يجب التنبيه أن اليمين حين يطلبها الحاكم من المدعي أو المدعى عليه إنما هي على نية المحلف أي على نيّة الحاكم فلا تدخل فيها التورية ولا تصح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمينك ما يصدقك به صاحبك» وفي رواية مسلم: «اليمين على نية المستحلف» فهذا دليل على أن الاعتبار إنما هو بقصد المحلف من غير فرق بين أن يكون المحلف هو الحاكم أو الغريم، وبين أن يكون المحلف ظالماً أو مظلوماً، صادقاً أو كاذباً، فاليمين على نية المحلف لا على نية الحالف. وأما ما روي عن سويد بن حنظلة قال: «خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له فتخرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فخلى عنه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: أنت كنت أبرّهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» فإنه وإن كان يدل على أن اليمين على نية الحالف وتصح فيه التورية وتدخله المعاريض ولكن ذلك فيما إذا لم يستحلفه القاضي أو الغريم، وأما إذا استحلفه القاضي أو الغريم فإن اليمين على نية المحلف لا على نية الحالف، فحتى لا يمكّن القاضي أحداً من اللجوء إلى التورية والمعاريض لأكل حقوق الناس أو للفرار من العقوبة عليه أن لا يقبل من المدعي أو المدعى عليه أن يبادر هو باليمين فيحلف قبل أن يستحلف، بل على القاضي أن يكلف المطلوب منه اليمين بحلف اليمين، فإن بذلك لا تبقى هناك شبهة بأن اليمني على نية المحلف لا على نية الحالف لأنه استحلف من قبل القاضي.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:42 AM   #4
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 6 - 7


الشهادات

الأصل في البينات هو الشهادات. وقد جاء الكتاب والسنة بأحكام الشهادات صريحة مفصلة قال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ وقال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وقال عز وجل: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وروى الترمذي عن وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء، قال: ليس لك منه إلا ذلك. فانطلق الرجل ليحلف له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: لئن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله تعالى وهو عنه معرض» وروى أبو داود عن رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ فقالوا يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم يهود يجترؤون على أعظم من هذا، قال: فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده» فهذه النصوص تدل على الشهادات وعلى البينة وعلى أن الشهادات من البينات.
وتحمّل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، لأن طلبها جاء طلباً جازماً، قال الله تعالى: وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وقال تعالى: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وعلى ذلك فإن دعي إلى تحمل شهادة من نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة إن لم يكن هناك من يقوم بها. وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك، فإن قام بالتحمل أو الأداء اثنان سقط عن الجميع، وإن امتنع الكل أثموا. إلا أن الممتنع إنما يأثم إذا لم يكن عليه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه لقول الله تعالى: وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». وهذا كله إذا دعي للشهادة. أما إذا لم يدع للشهادة فإنه ينظر، فإن كانت الشهادة حقاً لله تعالى فإنه يندب له أن يؤدي الشهادة دون أن يدعى لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها». أما إذا كانت عنده شهادة لآدمي لم يحل له أداؤها حتى يسأله، لما رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون» وعن ابن عمر قال: «خطبنا عمر بالجابية فقال: أيها الناس، إني قمت فيكم كقيام رسول الله فينا، قال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد» الحديث. فهذا دليل على أن الشاهد لا يتقدم بشهادته قبل أن تطلب منه.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:44 AM   #5
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 7 - 8


تعريف الشهادة

الشهادة هي إخبار صدق، لإثبات حق، بلفظ الشهادة، في مجلس القاضي. هذا هو تعريف الشهادة. والشهادة مشتقة من المشاهدة وهي المعاينة، وقد سمي الأداء شهادة لأن المعاينة كانت سبباً له. فالشهادة إنما تكون إذا كانت هناك معاينة، أو ما هو من نوعها مثلها كالسماع والحس وغير ذلك مما هو مثل المعاينة. فمن حيث أن السبب المطلق للأداء المعاينة، سمي الأداء شهادة، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله للشاهد: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع». وهذا دليل على أنه لا يصح لأحد أن يشهد إلا بناء على علم، أي بناء على يقين مقطوع به.فلا تصح الشهادة بناء على الظن. فما جاء عن طريق المعاينة أو ما هو من قبيلها مثل أن يأتي عن طريق إحدى الحواس وكان ذلك عن علم أي عن يقين فيجوز للإنسان أن يشهد به، وما لم يأت عن هذا الطريق لا تجوز الشهادة به، لأنها لا تكون إلا عن يقين.
وعلى ذلك لا تجوز الشهادة بالسماع، أي لا يجوز أن يشهد الشاهد بقوله سمعت من الناس، أو سمعت الناس يقولون أو ما شاكل ذلك. إلا أنه قد استثني من شهادة السماع تسعة مواضع تجوز فيها الشهادة بالسماع وهي: النكاح، والنسب، والموت، والقضاء، وهذه الأربعة لا خلاف في قبول الشهادة فيها بالسماع. والمهر، والدخول بزوجته، والعتق، والولاء، والوقف، وهذه فيها خلاف. غير أن الراجح أن هذه المواضع التسعة تجوز فيها الشهادة بالسماع، وهذا ليس من قبيل الشهادة على الشهادة أي شهد بناء على شهادة غيره، بل هو من قبيل الشهادة بما يعلم، فسماعه من الناس أن فلاناً مات سماعاً جعل عنده اليقين بموته، وأن فلاناً هو القاضي، أو ما شاكل ذلك، فإنه شهادة عن يقين، إذ لتكرار ذلك واستفاضته صار حقيقة يقينية عنده فتكون شهادته عن علم. ولكن لا يقول للقاضي أنه شهد بناء على السماع إذ لو قال ذلك لا تقبل شهادته، بل يشهد بالأمر كما لو شاهده. إذ لا يجوز للقاضي أن يقبل الشهادة بناء على السماع. فإن السماع في هذه المواضع التسعة إنما هو لجواز أن يشهد الشاهد فقط، يعني أن من طرق العلم بما يشهد عليه السماع في هذه الأمور التسعة فقط، وما عداها لا يصح، لأن واقع هذه الأمور التسعة لا يحصل التسامع بها إلا إذا كانت يقينية ومشتهرة وما عداها لا ينطبق عليه هذا الواقع.
ومن ذلك كله يتبين معنى كون الشهادة إخبار صدق، ويتبين أنها حقيقة إخبار صدق، فهي إخبار صادق صدقاً يقينياً. وأما أنها لإثبات حق فلأن البينة إنما شرعت لإظهار الحق، وبناء عليه لا تقبل الشهادة بالنفي الصرف. فشهادة النفي غير مقبولة، لمناقضتها لتعريف الشهادة. إلا أن النفي المؤول بإثبات فإنها تجوز الشهادة به لأنها حينئذ لا تكون شهادة بالنفي بل شهادة في الإثبات، ولهذا قالوا بعدم جواز الشهادة بالنفي الصرف ولم يقولوا بالنفي فقط، لأن النفي المؤول بإثبات تجوز الشهادة به.
والشهادة لا بد أن تكون بلفظ أشهد بصيغة المضارع، فإذا لم يقل الشاهد أشهد بل قال أنا أعرف الخصوص الفلاني هكذا، أو أخبر بهذا أو ما شاكل ذلك فإنه لا يكون قد أدى الشهادة، لأنها لا تكون حينئذ قد انطبق عليها تعريف الشهادة فلا تكون شهادة، ولأن النصوص ناطقة بلفظ الشهادة فلا يقوم غيره مقامه، على أن الشهادة تتضمن اليمين بل هي من ألفاظ اليمين فيكون معنى اليمين ملاحظاً فيها. أما اشتراط لفظ المضارع فلكي يفيد أنه يشهد للحال، إذ لو قال شهدت لا يجوز لاحتمال الإخبار عما مضى فلا يكون شاهداً للحال. غير أنه لو شهد بغير لفظ الشهادة وسأله الحاكم أتشهد هكذا وأجاب بقوله نعم هكذا أشهد يكون قد أدى الشهادة.
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة طالب عوض الله ; 06-17-2013 الساعة 07:47 AM
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:48 AM   #6
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 8 - 10


ثم ان الشهادة حتى تعتبر لا بد أن تكون في مجلس المحاكمة، لأن شرط الشهادة مجلس القضاء، وتعريف الشهادة ينص على أنها إخبار صدق في مجلس القاضي، فلو أخبر الشاهد في غير مجلس القاضي ولو بلفظ أشهد حتى ولو أمام الشخص الذي هو القاضي ولكن لم تكن الجلسة جلسة محاكمة فإنه لا يعتبر شهادة لأن مجلس القاضي شرط أساسي في اعتبارها. ويستثنى من ذلك المحكم فإنه تجوز الشهادة أمامه في غير مجلس المحاكمة، فلو شهد أمام المحكم في أي مكان اعتبرت شهادته، لأن المحكم لا يتقيد حكمه بمجلس بل أي مجلس حكم فيه كان مجلس حكمه، بخلاف القاضي فإنه يتقيد بمجلس حكمه المعين من الإمام وبمحل ولايته، فالمجلس شرط من شروط حكم القاضي، وهو معين بالمجلس الذي عينه له الإمام ولذلك لا تصح الشهادة أمامه إلا في مجلس قضاء.
والشهادة إنما هي لإثبات الدعوى على المدعى عليه، ولذلك إنما تكون في دعوى أمام القاضي، غير أن ذلك لا يعني أن من شروط الشهادة سبق الدعوى، بل ذلك يفصل فيه بين حق الآدمي وحق الله. فإن كان الحق حقاً لآدمي معين، كالحقوق المالية، والنكاح والبيع وغير ذلك من العقود والتصرفات، وكالقصاص من العقوبات، وكالوقف على آدمي معين، وما شاكل ذلك فإن سبق الدعوى شرط من شروط الشهادة، لأنه يشترط سبق الدعوى في الشهادة بحقوق الناس، فلا تسمع الشهادة في ذلك إلا بعد الدعوى، لأن الشهادة فيه حق لآدمي فلا تستوفى إلا بعد مطالبته، وإذنه، ولأنها حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقدمها عليها.
أما إن كانت الشهادة حقاً لآدمي غير معين كالوقف على الفقراء والمساكين، أو الوصية للفقراء والمساكين، وكطريق للناس، أو كانت حقاً من حقوق الله تعالى كالحدود، والزكاة ونحو ذلك، فلا تفتقر الشهادة به إلى تقدم الدعوى، لأن ذلك ليس له مستحق معين من الآدميين يدعيه ويطالب به. ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر، وشهد الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر أيضاً، من غير تقدم دعوى، فأجيزت شهادتهم.
وعليه فإنه ما دام مجلس القاضي شرطاً من شروط الشهادة فلا بد فيها من سبق الدعوى في حقوق الناس، ولا يشترط سبق الدعوى في غير حقوق الناس، ولكنها حتى تكون شهادة وحتى تكون إثباتاً لا بد أن تكون في مجلس المحاكمة.

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:52 AM   #7
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 10 - 12


شروط الشاهد

يشترط في الشاهد ما يشترط في سائر التكاليف من أنه لا بد أن يكون بالغاً عاقلاً لحديث رفع القلم عن ثلاث ومنها الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق، ولأن الله يقول: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ، مِنْ رِجَالِكُمْ فذكرت الرجال فقط مما يدل على أن شرط الشاهد أن يكون رجلاً أي بالغاً. ويشترط فيه فوق ذلك أن يكون عدلاً. فلا يجوز أن يقبل في شيء من الشهادات من الرجال والنساء إلا العدل، وذلك لأن وصف العدل قد قرنه الله بالشاهد في أكثر من آية مما يدل على أنه وصف لازم وهذا يدل على أنه شرط من شروط الشهادة. قال تعالى: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ وقال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ فالعدالة شرط في الشهادة.
والعدل هو من لا يظهر عليه الفسق، فمن كان فاسقاً ظاهر الفسق لا تقبل شهادته، ومن لم يكن ظاهر الفسق تقبل شهادته. وقد اختلف في تعريف العدل فقيل ان العدل هو من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة، وهذا غامض لأن تعريف الكبائر غير متفق عليه، بل إنه غير متفق على أن هناك كبائر وصغائر، فإنه ليس في الذنوب صغيرة، فمخالفة أمر الله كبيرة سواء أكانت كذباً أم كانت شهادة زور، وما جاء من النص على ذنوب بأنها كبيرة المراد منه التشديد على النهي عنها وإلا فإن هناك ذنوباً أكبر مما نص عليه ولم ينص على أنها كبيرة، فقد نص على شهادة الزور بأنها كبيرة ولم ينص على قطّاع الطرق بأنهم مرتكبوا كبيرة. وشهادة الزور نوع من الكذب فهي كبيرة، والكذب على رسول الله  لم يأت في الكبائر، فلا يوجد حد للكبائر ولا حد للصغائر حتى يقال من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة، وعليه كان التعريف غامضاً. والأولى أن يقال أن العدل هو من كان منزجراً عما يعتبره الناس خروجاً عن الاستقامة. وذلك أن كلمة عدل بالنسبة للشهود وردت في القرآن في آيتين اثنتين: اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ، وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ فهي من ألفاظ القرآن، وعلى ذلك لا تفسر تفسيراً اصطلاحياً ولا تفسيراً كيفياً وإنما تفسر كما تفسر سائر ألفاظ القرآن وجمله، فتفسر بمعناها اللغوي إن لم يكن لها معنى شرعي آخر ورد في الكتاب والسنة، فإن كان لها معنى شرعي فتفسر بالمعنى الشرعي. وبالاستقراء لم يوجد لكلمة عدل بالنسبة للشاهد معنى خاص جاء به الشرع غير معناها اللغوي وعلى ذلك يجب تفسيرها بالمعنى اللغوي، وكلمة العدل بالنسبة للشاهد معناها في اللغة من عرف عند الناس بشكل عام أنه مستقيم، قال في القاموس المحيط "العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعدول والمعدلة، عدل يعدل فهو عادل من عدول، وعدل بلفظ الواحد وهذا اسم للجمع، رجل عدل وامرأة عدل وعدلة، وعدل الحكم تعديلاً أقامه، وفلاناً زكاه، والميزان سواه، والعدلة محركة كهمزة المزكون" فهذا النص لمعنى العدل بالنسبة للشاهد يدل على أن العدالة هي الاستقامة، غير أن تعريف العدالة بأنها الاستقامة، وتعريف العدل بأنه ما قام في النفوس أنه مستقيم كلام غامض لأنه ليس لهذه الاستقامة حد يوقف على معرفته، لأن أحوال الناس تتفاوت، ولأن البيئات تتفاوت في نظرتها للاستقامة، والاستقامة وإن كانت هي السير في الطريق المستقيم ولكن ذلك الطريق المستقيم شيء اصطلاحي وليس لغوياً ولا شرعياً فكان لا بد من إعادة تفسير لفظ الاستقامة إلى نظرة الناس بحسب بيئاتهم ومجتمعاتهم وهذا ما سارت عليه القواميس اللغوية التي تخصصت في تفسير الكلمات اللغوية الواردة بشأن الأحكام الشرعية، قال في المصباح المنير "وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها، وعدل هو بالضم عدالة وعدولة فهو عادل أي مرضي يقنع به، ويطلق العدل على الواحد وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الانباري وأنشدنا أبو العباس:

وتعاقدا العقد الوثيق واشهدا. = من كل قوم مسلمين عدولاً.

وربما طابق في التأنيث وقيل امرأة عدلة، قال بعض العلماء، والعدالة صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة ظاهراً، فالمرة الواحدة من صغائر الهفوات وتحريف الكلام لا تخل بالمروءة ظاهراً لاحتمال الغلط والنسيان والتأويل، بخلاف ما إذا عرف ذلك وتكرر، فيكون الظاهر الإخلال، ويعتبر عرف كل شخص وما يعتاده من لبسه وتعاطيه للبيع والشراء وحمل الأمتعة وغير ذلك، فإذا فعل ما لا يليق به لغير ضرورة قَدَحَ وإلا فلا" فهذا النص يدل على أن العدالة تختلف باختلاف البيئات، وهذا كله راجع لأن كلمة الاستقامة غامضة فكان هذا التفاوت باعتبارها، ولكن يمكن أن يرجع لتفسير اللغة لكلمة عدل وتؤخذ دلالة التفسير، فقولهم "ما قام في النفوس أنه مستقيم" يعني من لم يعرف عنه المجاهرة بالخروج عما يعتبره الناس غير لائق، ولذلك فإن الأولى أن يقال العدل هو من كان منزجراً عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة، سواء أكان مسلماً أم كافراً، ذلك أن العدالة اشترطت في شهادة المسلم واشترطت في شهادة الكافر بلفظ واحد من غير تمييز قال تعالى: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني من غير المسلمين. فقال ذوي عدل من المسلمين أو ذوي عدل من غير المسلمين. فكيف يتأتى تعريف العدالة بأنها ارتكاب كبيرة والإصرار على صغيرة بالنسبة لغير المسلم. ثم كيف نرفض من عق والدية مرة ونقبل من كان جاسوساً مرة لأن الجاسوسية ليست من الكبائر؟!! لذلك كان الحق هو ما ذكر من أن العدل هو من كان منزجراً عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة. فمن كانت هذه حاله كان عدلاً لأنه ممن قام في النفوس أنه مستقيم، ومن عرف بالجرأة على الحرام أو المجاهرة بالمعصية أو كان غير مبال بها، أو معروفاً بعدم الاستقامة، كان فاسقاً. فالعدل يقابله الفاسق والعدالة يقابلها الفسق. والفاسق هو من كان غير منزجر عن الحرام أو من كان معروفاً بعدم الاستقامة، والعدل هو من كان منزجراً عن الحرام أو من لم يعرف عنه عدم الاستقامة.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 07:53 AM   #8
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 12 - 13


ويؤيد كون العدالة شرطاً في الشهادة قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ فإن مفهوم عدم قبول خبر الفاسق قبول خبر العدل، أي إن جاءكم غير فاسق، أي عدل، فلا تتبينوا بل اقبلوا. ورفض خبر الفاسق دليل على أن كونه غير فاسق أي عدلاً شرط في قبول شهادته.
والأصل في المسلم أن يكون عدلاً حتى يثبت عليه الفسق، لأن اعتناق الإسلام يجعل الأصل في معتنقه أن يكون عدلاً، كتب عمر إلى أبي موسى "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد أو ضنيتاً في ولاء أو قرابة" أي أن الأصل في المسلم العدالة وما جاء على الأصل لا يطلب البينة عليه بل البينة إنما شرعت لإثبات خلاف الأصل، وعليه لا يسأل عن الشاهد المسلم هل هو عدل أم لا؟ لأن الأصل في المسلم أن يكون عدلاً، فإذا طعن به الخصم فإن على الخصم أن يثبت دعوى عدم عدالته أي دعوى أنه فاسق، فإن أثبت ذلك بأن أثبت أنه قد حد الحد الشرعي فحينئذ ترد شهادته. أما إذا لم يثبت الخصم طعنه في الشاهد فإنه لا يلتفت إلى قوله ويصار إلى الأصل بأنه عدل.
أما الكافر فإنه إن كان معروفاً بانزجاره عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة فإن الأصل فيه العدالة فلا يسأل عنه لأن من كان معروفاً بهذا فهو عدل، فإذا طعن بشهادته فعلى الذي يطعن بها أن يثبت طعنه، وأما إن كان معروفاً بأنه ممن لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة فإن القاضي يسأل الخصم عنه فإن لم يطعن به قبل شهادته لأن عدم طعنه قبول لشهادته، وإن طعن به كان على القاضي أن يسأل عنه وليس له أن يكلف الطاعن بإثبات طعنه، لأن العدالة ليست الأصل هنا، فعلى القاضي أن يسأل عن شهادة الشاهد، لأن حكم من لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة حكم الفاسق فعلى القاضي أن يسأل عنه. وأما إن كان الكافر مجهولاً ولكنه معروف بأنه متدين بدين فإن الأصل فيه الانزجار عما يعتقده حراماً في دينه لأن الأصل في الإنسان أن يسير بحسب عقيدته فهو منزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة.
فسؤال القاضي عن الشاهد إنما هو في حالة واحدة هي حالة الكافر المعروف بأنه لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة، وما عدا ذلك فلا يسأل القاضي عن الشاهد، فإذا ثبت الطعن به رد شهادته من غير سؤال وإذا لم يثبت لا يردها، وفي حالة السؤال عن الشاهد يتحرى القاضي بنفسه بشكل شفوي عن الشاهد بأي أسلوب يراه ليقنع هو بصدق الشهادة أو كذبها. وأما ما يسمى بالتزكية السرية والعلنية فإنه عمل لا أصل له في الشرع وهو فوق كونه لا يوصل إلى معرفة الشاهد فيه إمكانية جعل الفاسق تقبل شهادته، ولذلك لا يصح أن يتبع أسلوب التزكية مطلقاً.
وكما تشترط العدالة في الشهادة يشترط فيها الضبط، ومعنى الضبط هو حسن السماع والفهم والحفظ إلى وقت الأداء، أي يشترط فيها ما يشترط في الخبر لأنها إخبار بلفظ الشهادة فلا بد أن يتوفر فيها الضبط.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 08:00 AM   #9
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 13 - 19 /1


شهادة غير المسلم

إن اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً اشتراطاً مطلقاً مناقض للنصوص الشرعية، فقد ورد جواز شهادة غير المسلم في الوصية في السفر كما جاء في آية: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ وورد جواز شهادة غير المسلم في القتل كما يفهم من حديث بشير بن يسار في قتيل خيبر. وعليه لا يصح أن يشترط في الشاهد أن يكون مسلماً اشتراطاً مطلقاً. وكذلك لا يصح أن يطلق جواز شهادة غير المسلم إطلاقاً عاماً لأن ذلك يتعارض مع النصوص الشرعية، فقد ورد اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في الأمور المالية كما جاء في آية: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ وورد اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في الطلاق والرجعة كما في آية: فَأَمْسِكُوهنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وعليه لا يصح أن تجوز شهادة غير المسلم بشكل مطلق في جميع الحوادث. وعلى ذلك لا بد من التفصيل في شهادة غير المسلم والتقيد بالنصوص من الكتاب والسنة من غير أي تأويل.
وعند التدقيق في هذا الموضوع نجد أن الشهادة عمل من الأعمال التي جاء بها خطاب الشارع، وهي تكليف من التكاليف الشرعية، والكافر مخاطب بخطاب الشارع كالمسلم سواء بسواء، لأن الإسلام جاء لجميع الناس: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ وكما أن الكافر مكلف بالأصول، أي بالعقيدة الإسلامية فكذلك هو مكلف بالفروع أي بالأحكام الشرعية بدليل مخاطبة الله لهم بالفروع في آيات متعددة: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ  الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى إلى غير ذلك. وبما أن الشهادة من الفروع ومما جاء في خطاب الشارع فيكون المسلم والكافر مكلفين بها ولا كلام. أما أداء الكافر للفروع فإن ما جاء منها مشترطاً فيه الإسلام كالصلاة والزكاة والحج وما شاكل ذلك فلا تصح من الكافر وهو كافر، لأن الإسلام شرط في صحة أدائها، وما لم يشترط فيه الإسلام كالجهاد والبيع والإجارة وما شاكل ذلك فإنها تصح من الكافر وهو كافر ولذلك قاتل قزمان وهو كافر مع الرسول، وعامل الرسول اليهود فرهن درعه عند يهودي. وعلى ذلك فإن أي عمل أو أي عقد أو أي تصرف، أي أي شيء جاء خطاب الشارع به يصح أداؤه من الكافر ما لم يأت نص يشترط فيه الإسلام، وهذا عام يشمل الشهادة وغيرها من سائر الفروع. فعلى هذا يبحث في الشهادة هل اشترط فيها الإسلام كالصلاة والزكاة أم لم يشترط فيها الإسلام كالجهاد والبيع؟ فإن اشترط فيها الإسلام لم تصح من الكافر، وإن لم يشترط ذلك صحت. وبتتبع النصوص في الكتاب والسنة لا نجد أن هناك نصاً يشترط الإسلام في الشهادة اشتراطاً مطلقاً كما هي الحال في الصلاة والحج مما اشترط فيه الإسلام. وأما الآيات التي جاء فيها اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً فإنها آيات خاصة في مواضيع معينة وليس فيها أية آية عامة، فهي خاصة في الموضوع الذي جاءت به وليست عامة. فيكون اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً خاصاً في ذلك الموضوع الذي جاءت به فلا تصلح دليلاً على اشتراط الإسلام في الشهادة بل تكون دليلاً على ما جاءت به كآية الرجعة والطلاق. وعلى ذلك فإن الحكم الشرعي جواز شهادة الكافر في كل شيء إلا ما جاء النص باشتراط الإسلام فيه، فما جاءت النصوص مشترطة الإسلام في الشاهد لا تصح فيه شهادة الكافر، وما لم يأت نص باشتراط الإسلام فيه صحت فيه شهادة الكافر كما يصح منه الجهاد والبيع والرهن والإجارة وغير ذلك من التكاليف.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2013, 08:02 AM   #10
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,903
افتراضي 13 - 19 /2


أما الدليل على أن الإسلام اشترط في مواضيع معينة فقط ولم يشترط اشتراطاً عاماً فهو الآيات التي جاءت تنص على شرط الإسلام في الشهادة، فإنها جاءت خاصة في مواضيع معينة، قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ الآية. فهذه الآية موضوعها الدّين والأمور المالية والتجارية: تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ، وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً فالآية تبحث في الحقوق المالية، فهي خاصة في موضوع الحقوق المالية، فكل ما فيها من أحكام خاص بالحقوق المالية ولا يتعداها إلى غيرها. لأنه إذا جاء النص في موضوع فإن النص يكون معلقاً بذلك الموضوع، فالنص الذي يقال في حادثة معينة، والنص الذي هو جواب سؤال يجب تخصيصه في موضوع الحادثة أو السؤال ولا يصح أن يكون عاماً في كل شيء، لأن السؤال معاد في الجواب، ولأن الكلام في موضوع معين، فيجب أن يقتصر الحكم على ذلك الموضوع، لأن لفظ النص الذي يبين فيه حكم الحادثة أو حكم السؤال معلق بالحادثة وحدها أو السؤال وحده وليس معلقاً بغيرها مطلقاً، فيكون الحكم معلقاً بموضوع الحادثة أو موضوع السؤال، أي بالذي يجري الحديث عنه أو بالأمر المسؤول عنه وليس معلقاً بغيره، فلا يعم غير الموضوع بل يكون خاصاً به. وما جاء في الآية هو الحقوق المالية، والحديث جرى عن الحقوق المالية، فيكون الحكم معلقاً بالحقوق المالية فلا يعم غير الحقوق المالية بل يكون خاصاً بها لا يتعداها إلى غيرها. ومن هذا يتبين أن اشتراط الإسلام في الشاهد الوارد في قوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ خاص بالحقوق المالية لأن موضوع الآية الحقوق المالية فلا يكون شرطاً عاماً للشاهد بل يكون شرطاً للشهادة في الحقوق المالية.
وبناء على هذه الآية يشترط أن يكون الشاهد مسلماً في جميع الحقوق المالية، في الدين والتجارة وسائر الحقوق المالية كاستحقاق ثمن المبيع وأجرة الدار وبدل المتلف والمغصوب وما شاكل ذلك من الحقوق المالية التي كالدّين والتجارة. لأن اشتراط الإسلام في الشاهد صريح في الآية: مِنْ رِجَالِكُمْ أي من المسلمين، وكون موضوع الآية هو الحقوق المالية واضح كل الوضوح، فلا كلام باشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في الحقوق المالية.
إلا أنه ينبغي أن يعلم أن الحقوق المالية غير العقود، وغير التصرفات، ولذلك لا تعني الآية اشتراط الإسلام في الشهادة في البيع والإجارة والوكالة والرهن وغير ذلك من العقود، ولا في التصرفات كالهبة ونحوها، فإن هذه ليست من الحقوق المالية بل هي عقود وتصرفات فتجوز شهادة غير المسلم فيها إن لم يرد نص خاص في الموضوع. والدليل على أن العقود والتصرفات لا تدخل في الحقوق المالية أن الآية قد حددت الحق بقولها: الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وبقولها: تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ وبقولها: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا فالمسألة تتعلق بأثمان التجارة والديون أي بالنقد، يعني بالمال بمعنى النقد لا بالمال بمعنى المتمول، ولذلك سميت الآية آية الدين. والعقود والتصرفات ليست حقوقاً مالية بل معاملات. إلا أن استحقاق الأثمان والأجور من الأمور المالية، فعقد البيع لا يدخل في الحقوق المالية ولكن استحقاق ثمن المبيع يدخل في الحقوق المالية، وعلى هذا المنوال تجري سائر العقود والتصرفات. فيكون اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً إنما هو في مثل استحقاق ثمن البيع، وما عداه كعقد البيع مثلاً فلا يشترط في الشاهد فيه أن يكون مسلماً. وبذلك يظهر أن الآية خاصة في موضوع معين، وأن ما فيها من أحكام خاص في هذا الموضوع. وآية الوصية جاء فيها اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً، قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فهذه الآية موضوعها الوصية، فهي تبحث في الوصية، وعلى ذلك فهي خاصة في موضوع الوصية، فكل ما فيها خاص بالوصية ولا يتعداها إلى غيرها. ذلك أن شهادة غير المسلم في العقود كالبيع وفي التصرفات كالهبة جائزة، والوصية من التصرفات، فلو لم يأت النص لكانت شهادة غير المسلم فيها جائزة ولكن جاء النص واشتراط في الشهادة في الوصية أن يكون الشاهد مسلماً حيث قال: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فكان شرط الشاهد في الوصية أن يكون الشاهد مسلماً. فإن معنى الآية هو: إذا نزلت بأحدكم أسباب الموت ومقدماته وأراد حينئذ أن يوصي، فالشهادة المشروعة بينكم أي بين المسلمين في ذلك هي شهادة اثنين من رجالكم ذوي عدل، وذلك بأن يشهدهما الموصي على وصيته، أي أن الشهادة المشروعة بين المسلمين في الوصية هي شاهدان ذوا عدل من المسلمين. ويظهر أن هذا الاشتراط لأنها من خصوصيات المسلمين ولذلك قال: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ والبين أمر اعتباري يفيد صلة أحد الشيئين بالآخر أو الأشياء من زمان أو مكان أو حال أو عمل، وقالوا انه يطلق على الوصل والفرقة، ومن دلالته على الفرقة قولهم "ذات اليمين" للعداوة والبغضاء، قال تعالى: وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ أي ما بينكم من عداوة أو فساد، وهو أمر معنوي متصل بين الأفراد، فيكون قوله: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ أي الشهادة فيما بينكم أو حكم ما يقع بينكم من الشهادة، أي بين المسلمين، فهذا الوضع يدل على أنها من خصوصيات المسلمين فاشترط فيها أن يكون الشاهد مسلماً.

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:57 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.