قديم 10-13-2013, 06:49 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي جواب سؤال: قاعدة من باب أولى.


بسم الله الرحمن الرحيم

قاعدةُ من بابِ أولى

الكاتب أبو الهمّام الخليليّ
اقتباس:

السؤال:

قاعدةُ من بابِ أولى،ليست نصاً شرعياً، فلا هي آيةً ولا حديثاً،فما الدليلُ على حُجيِّتِها؟أليستْ دليلاً محضَ عقليَّ لم يقلْهُ اللهُ ولا رسولُه؟!!

أمثلة:
إذا كان الشاهد تشترط فيه العدالة فالقاضي و الخليفة تشترط فيه العدالة من بابِ أوْلى.
إذا كان المجنون لا يصح أن يتصرف في أمر نفسه، فلا يصح أن يتصرف في أمور الناس،كأن يكون إماماً من بابِ أولى.
إذا كانت بيعة الصبي غيره ليكون خليفةً غير معتبرة، فلا يجوز أن يكون خليفة من باب أولى.
إذا كان العبد لا يملكُ التصرف بنفسه،فلا يصح أن يتصرف بغيره، كأن يكون خليفةً، من باب أولى.
الجواب مصحوباً بأمثلة للبيان:

توطئة:

قاعدة من بابِ أوْلى هي نوعٌ من مفهوم الموافقة.

مفهوم الموافقة هو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النطق. مثاله : (فلا تقل لهما أفٍ)، فمحل النطق المصرح به هو حرمة التأفف، و هو موافق في الحكم للضرب و الشتم و السجن التي سكت عنها النص.
ويسمى تنبيه الخطاب،لأنه ما نبه الخطاب إليه؛ حيث أن السامع يتنبه عند مخاطبته بالمعنى المنطوق به إلى معنى غير مذكور موافق للمعنى المذكور في الحكم بالمساواة له فيه والأولوية به عنه.

ويسمى أيضا فحوى الخطاب لأنه مَرْماهُ الذي يتَّجه إِليه القائل بعرف اللغة،

هناك علاقة وثيقة بين قواعد اللغة و القواعد الأصولية، لأنّ القواعد الأصولية إنّما وُضعت لاستنباط الأحكام الشرعية من نصوصِ الكتابِ والسنّةِ،و هي نصوصٌ عربيةٌ يعتريها ما يعتري أي نص عربي. فالنصوصُ الشرعيَّةُ كالنصوصِ اللغوية تعتريها عوارضُ كثيرةٌ، فيعتريها العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية و الإشارة، والتأصيل والزيادة، والتأسيس والتوكيد، والحذف، والإضمار،والاشتراك، والترادف…، ونحو ذلك؛ فالنصوص الشرعية إنما صِيغتْ من النصوص العربية التي يعتريها كلُّ هذه العوارض، وكلُّ هذه العوارض مباحثُ لغويةٌ أُدخلت في صُلب علم أصول الفقه وهي مباحثُ أصليةٌ وليست مستعارة. ودلالة مفهوم الموافقة الأصولي هي دلالة لغوية صرفة،مبناها على التلازم الذهني بين التركيبة اللفظية و المعنى، وتدخل في باب البلاغة، و من ينكرها ينكر باباً أصيلاً في اللغة.

وللتوضيح، خذ مثالاً،قوله تعالى "فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا"،فهذا قول بلسان عربي بليغ جداً، فلو كان هناك شيء أدنى من الأف لنهى عنه، كما روي عن ابن عباس، فالمقصود النهي عن (الأذى) الذي أقله الأذى باللسان بأوْجز كلمةٍ ،كلمةٍ غير دالة على أكثر من حصُول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم ، فيفهم منه ،وَفْق اللغة و أصول الفقه جميعاً، النهيُ مما هو أشد أذى بطريق فحوى الخطاب بالأوْلى .

ففحوى الخطاب،أو مفهوم الموافقة أو مفهوم الأَوْلى آتٍ من جهةِ البلاغة في الآية،و هو ما يسميه أهل البلاغة "الإشارة"، وهي " أن تطلق لفظًا جليًا(منطوقاً) تريد به معنى خفيًا (مفهوماً)"، و "الإشارة" تشبه "الكناية" إلا أن الفرق بينها وبين الكناية أن الإشارة في الحسن والكناية في القبيح،حيث الكناية "لفظ حسن يشير إلى معنى قبيح"، وكلاهما يستخدمُ في إجمال الخطاب،بناءً على التلازم الذهني عند سماع التركيبة اللفظية،التي تَستدعي كل المعاني الخفية بمجرد إطلاقها و النطق بها.

فقوله تعالى : ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ) أشار بالمنطوقِ (بر الوالدين وتَرْكِ التعرض إليهما بيسير من الإيلام) إلى معنىً خفيٍ (مفهوم) هو النهي كذلك عن كثير الإيلام ، و هو كقوله تعالى : ( فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ) إشارة إلى عفافهن.و الإشارات في القرآن كثيرة، ومن هذا النوع قول الرجل لخادمه:"لا تعطِ زيداً حبةً، ولا تقل له أفٍ، ولا تظلمْهُ بذرة، ولا تعبس في وجهه"،فإنه يتبادر إلى الذهنِ تلازماً عند سماع هذه الجمل،امتناع اعطاء ما فوق الحبة،و امتناع الشتم و الضرب،وامتناع الظلم بالذرة وما فوق، وامتناع أذيته بغير التعبيس من هجر الكلام و غيره،و جميعُ المسكوت عنه أولى وآكدُ بالنهي من المنطوق به، ومنه في اللغة فلان طويل النجاد رفيع العماد كثير الرماد إشارة بقوله ـ طويل النجاد ـ إلى تمام خلقته وبقوله ـ رفيع العماد ـ إلى أن بيته مرتفع يعرفه الاضياف والطرّاق وبقوله ـ كثير الرماد ـ إلى كثرة قراه الاضياف .

حجية مفهوم الموافقة

إن حجية مفهوم الموافقة،مبناها على التلازم الذهني،الذي لا ينفك،بين المنطوق به و المسكوت عنه،وفقَ معهود اللغة و التخاطب، فكما أن المنطوق له تلازم ذهني على دلالته اللفظية،كدلالة الأسد على الشجاعة،فإنه قد تكون لدلالة التركيب اللغوية على المسكوت عنه تلازم ذهني أيضاً، لا احتمال فيه، لا ينفك عنها،فيكون بذلك حجة مستفادة بقوة من النص.

وعليه إذاً، ينقسمُ مفهوم الموافقة إلى قطعي جلي، لا احتمال فيه، كآية التأفيف ،يُعملُ به، وإلى ظني وهو ما فيه احتمال، يسقط الاستدلال به ، ومثاله قوله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ) فإن هذا عند طائفة يشعر بأن القاتل عمدا عليه تحرير رقبة من طريق أولى ، لكن فيه احتمال من جهة قصر الكفارة على المخطئ ، لكون ذنب المتعمد أعظم من أن يكفر ، ولهذا اتفقوا على العمل به إذا كان جليا ، وتنازعوا في المظنون فيه ، فلم يوجب مالك الكفارة في العمد لما ذكرناه .
الخلاصة: اشتراط العدالة والعقل و البلوغ و الحرية بناءاً على قاعدة من باب أولى،هو اشتراط توجبه اللغة،و التلازمُ الذهني،فهو معنى شرعي،أشارت إليه النصوص.
قد يقول ضعيفُ الفكر،ومن لا مِراسَ له بشيء من أصول الفقه، حسبُنا فهمُ الصحابة الأُوَل،و قال اللهُ قال الرسولُ؟!! قلتُ: إنّ ما احتجتُ لِبيانِه أنا بصفحتين هنا،كان عند الصحابةِ الكرامِ سليقةٌ طبيعيةٌ،لا صناعةً صعبة،و لكن احتجْنا للبيان لمّا ضعُفَت سَليقةُ الأنام.

أبوالهمّام الخليلي.

22/07/2013
[/color][/size]
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
قاعدة من باب أولى

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.