قديم 10-13-2013, 07:08 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي الطائقية السياسية

بسم الله الرحمن الرحيم
نظرات في الطائفية السياسية وحقوق الأقلية الدينية في الفكر السياسي الإسلامي


ما هي الطائفيةُ السياسية،و ما علاقتُها بالدينِ و المذهبِ، وفكرةِ حقوقِ الأقلياتِ الدينيةِ؟ وهل ولادةُ الطائفيةِ السياسيةِ هي ولادةٌ طبيعيةٌ أم مشبوهةٌ تحملُ بصماتِ الكافرِ المستعمرِ؟وبعدَ هذ كلِّه،ما السبيلُ للتخلصِ من الطائفيةِ السياسيةِ و تطهيرِ مجتمعاتِنا منها؟ثم كيفَ ينسجمُ رفضُ الطائفيةِ الساسيةِ وهي لا تنفصلُ عن دينٍ أو مذهبٍ بدعوتِنا إلى دولةٍ إسلاميةٍ،يعتبرُ الدينُ سببُ وجودِها؟ ما دورُ فكرةِ التابعيةِ و فكرةِ المواطنةِ في رفضِ الطائفيةِ؟

الإجابةُ عن هذه الأسئلةِ هو متنُ هذه المقالةِ وجوهرُها.

ما هي الطائفيةُ الساسيةُ؟أهي الدينُ أم المذهبُ أم الأقليةُ الدينيةُ؟
الدينُ ليس طائفياً و المذهبُ ليس طائفياً، و الأقليةُ الدينيةُ ليست بالضرورةِ طائفيةً،ولكن ليس من طائفيةٍ إلا تقومُ على دينٍ أو مذهبٍ،الطائفيةُ السياسيةُ هي انتماءٌ سياسيٌ لمجموعةٍ دينيةٍ أو مذهبيةٍ،بحيثُ يكوِّنُ هذا الإنتماءُ هُوِيةً سياسيةً مميزةً و فاصلاً سلوكياً لتلك المجموعةِ عن سلوكِ الأمةِ،فالطائفيةُ "مصدرٌ صناعيٌ" استخدمَ للدلالةِ على ما في الطائفةِ من الخصائصِ، وباقترِانها بالسياسةِ صرنا أمامَ خصائصَ إضافيةٍ طارئةٍ خصائصَ سياسيةٍ مميزةٍ لجزءٍ من المجتمعِ يتحركُ و يطوفُ ليس على أساسِ مصلحةِ المجتمعِ و مبدئِه و قيمِه،إنما يتحركُ الجزءُ حولَ مصالحِه السياسيةِ،بغضِ النظرِ وافقت أم خالفت مصالحَ الكلِّ،إذاً نحنُ أمامَ طائفيِّةٍ سياسيةٍ بمعنى فاعليةٍ سياسيةٍ خاصةٍ بمجموعةٍ من الناسِ داخلَ حدودِ الأمةِ منفصلةٍ عن الفاعليةِ السياسيةِ للأمةِ ككل.و عليه فالأقليةُ الدينيةُ إن بُني لها سياجٌ سياسيٌ ،و هُويةٌ سياسيةٌ،انتقلت، بفعلِ هذا الوصفِ الطارئِ، من كونِها أقليةً دينيةً ، إلى طائفةٍ سياسيةٍ.

ليس هناك من أحدٍ يمتدحُ الطائفيةَ السياسيةَ، فالكل يقذِفها بالشتيمةِ، ويعتبرُها مشكلةً سياسيةً و أزمةً مجتمعيةً،و نوعاً من التمزيقِ الداخليِّ،و قنبلةً قابلةً للإنفجارِ،مفقدةً المجتمعَ السلمَ الأهليَّ و الإستقرارَ،يعيشُ المجتمعُ بسببِها يدُه على قلبِه، سواءً كان من أعدائِها أم من أبنائِها ،و إن كان أبناؤها يشتمونها باللسانِ بينما يتحركونَ على أساسِها في الميدان.

تاريخياً، حدث في أوروبا في العصورِ الوسطى بين البروتستانت والكاثوليك أو الأرثوذكس و الكاثوليك (بيزنطة وروما) صراعاتٌ طائفيةٌ،وكانت دمويةً للغاية،و يبدو أن الغربَ استفادَ من تاريخِه بصنعِ شيءٍ من حاضرِنا،ففي تاريخِنا المعاصرِ ارتبطت ولادةُ الطائفيةِ الساسيةِ في بلادِنا بالمستعمرِ،خاصةً في العراقِ و لبنانَ و سوريا ،تماماً كما ارتبطت بالإستعمارِ نشأةُ دولةُ التجزئةِ القطريةِ والحدودِ السياسيةِ التي رسمها المستعمرُ بمسطرتِه و كما أثيرت مشاعرُ و أفكارُ الوطنيةِ و القوميةِ بفعلِه،جرياً على قاعدةِ فرقْ تسدْ، و كما هي العادةُ أيضاً أوجدَ المستعمرُ حراساً من بينِنا يُستدعون للدفاعِ عن هذا التشظي و الانشطارِ،فيُستدعى رجالُ الدينِ للدفاعِ عن حدودِ الطائفيةِ كما يُستدعى المفكرون و المنظرون و المطبلون للحفاظ على هذه المأساة،فتكونُ الطائفيةُ السياسيةُ مثبتةً في المجتمعِ كغيرِها بفعلِ داخليٍّ فضلاً عن الفعلِ الخارجيِّ،فالناسُ في بلادِنا لم يولدوا طائفيين أو قطريين، و أجدادنا لم يكونوا كذلك،فالناسُ يُصنعوا ويُنتجوا قطريين و طائفيين،فقد عبِّئت الناسُ سياسيًا بالطائفيةِ و القطريةِ حتى و صلْنا إلى جيلٍ يموتُ و يتعصبُ لحدودِ الطائفةِ أو القطرِ،و هو لم يصنعْها إنما صنعَها عدوُه،فإلى جانبِ الخارجِ، قاعدةُ فرقْ تسدْ تتمتعُ بدعمٍ داخليٍّ، محروسٍ من قبلِ من أنتجَهم الاستعمارُ و سهَر عليهم .

الطائفيةُ السياسيةُ تتمأسسُ في المجتمعِ بفعلِ الدستورِ و قوانينَ أساسيةٍ،إذ عندما ينصُ القانونُ على محاصصةٍ سياسيةٍ في الدولةِ ويعُطي الناسَ حقوقاً على أساسِ نظامِ كوتاتٍ طائفيٍّ،يبدأ الفرزُ المذهبيُّ والدينيُّ، و يعادُ أوتوماتيكياً تعريفُ الهويةِ و الحقوقِ و الجماعةِ و يتقلصُ الولاءُ للمجتمعِ والدولةِ لحسابِ الطائفةِ في المجتمعِ،و كلٌ يذهبُ لمن يتقوى به و يجدُ مصالحَه عندَه،هكذا يحدثُ الإستقطابُ في المجتمعِ بشكلٍ سحريٍّ،فلا يتصورُ المرءُ بعدئذ نفسَه إلا في سياقِ انتمائِه الضيقِ،فإذا ما تقوت الطائفيةُ على الدولةِ،صارت الطائفةُ نفسُها هي الدولة،تديرُ أمورَها بشكلٍ مستقلٍ عن الدولةِ،و تصبحُ لها مؤسساتهُا الخاصةُ،و مستشفياتُها،و مدارسُها،وهكذا،تتفكك الدولةُ لصالحِ دويلاتِ الطائفية.

و من هنا نستطيعُ أن نفهمَ كيف يستقيمُ ما يبدو من تعارضٍ بينَ أن من يقودُ الطائفةَ بالغالبِ غيرُ متدينٍ،أو علمانيٌّ، وبينَ أن الطائفيةَ تقومُ على المذهبِ أو الدينِ،إذ معظمُ الأحيانِ تكونُ "الطائفيةُ" السياسيةُ مكرسةً من ساسةٍ ليس لديهم التزامٌ دينيٌّ أو مذهبيٌّ بل هو موقفٌ انتهازيٌّ للحصولِ على "عصبيةٍ" كما يسميها ابن خلدون أو شعبيةٍ كما يُطلقُ عليها في عصرِنا هذا ليكونَ الانتهازيُّ السياسيُّ قادرًا على الوصولِ إلى السلطة. ونستطيعُ أن نفهمَ كيف يُستعمل رجلُ الدينِ ويُستدعى جندياً على حدودِ الطائفةِ،يستخدمُه الانتهازيون كما يستخدمون المال.

و تعيشُ المجتمعاتُ حالةً من الاحتقانِ و الظلمِ و التهميشِ،حالَ كونِ طائفةٍ اعتلت السلطةَ و خطفت الدولةَ من الجميع،هنا تتحولُ الدولةُ إلى دولةِ إرهابٍ رعبٍ،لا يُسمحُ للإنسانِ العاديِّ التنفسَ خارجَ ما تسمحُ له مصالحُ الطائفةِ المتنفذةِ و سوريا منذ عام 1970 مثالٌ كبيرٌ على ذلك.

في لبنانَ أسستْ الطائفيةُ السياسيةُ ،من خلالِ متصرفيةِ جبلِ لبنانِ،و قد كانت المتصرفيةُ فكرةً طائفيةً استعماريةً، و هي نظامٌ حكمٍ أقرتْه الدولةُ العثمانيةُ بضغطٍ مباشرٍ من الدولٍ الغربيةِ على رأسِها بريطانيا و فرنسا، وتم بموجَبِه فصلُ جبلِ لبنان عن سوريا لأولِ مرة. وقد جاء في أعقابِ مذابحِ 1860 وعملَ به من عام 1860 وحتى عام 1915. وقد جعلَ هذا النظامُ المناطقَ الداخليةَ في لبنان (الحاليَّ)، ذاتَ التواجدِ المعتبرِ للنصارى والدروز، تحت حكمِ متصرفٍ نصراني، عثماني غيرِ لبناني، تعينُه الدولةُ العثمانية بموافقةِ الدولِ الاوروبية. وقد استمرَ أثرُ هذا النظامِ حتى مطلعِ يومنِا هذا.

و في العراقِ اليومَ نرى كيف بنى المستعمرُ الأمريكيُّ الطائفيةَ السياسيةَ،واستطاعَ أن يمزقَ السلمَ الأهليَّ بينَ الناسِ هناك،إذ لم تكنْ الحالةُ السياسيةُ طائفيةً قبلَ الإحتلالِ للعراق، فالبعثُ على كل إجرامِه لم يكنْ طائفيأ،حتى أن أمناءَه الثلاثةَ الأوائلَ كانوا من الشيعةِ،وإجرامُ البعث لم يميزْ بينَ أطيافِ المجتمع،ولكن عندما قررَ الأمريكانُ تفكيكَ العراقِ عمدوا إلى المعارضةِ العراقيةِ في الخارجِ و دعموها على أساس طائفيٍّ،فبدأنا نرى أحزابأ معممةً بالعمةِ السوداءِ تتحدثُ عن قهرِ النظامِ البعثيِّ للشيعةِ،و كأن البعثَ كان سنياً. استمر الأمريكان في طريقِهم إلى أن أسقطوا النظامَ وجاءَ الحاكمُ المستعمرُ بريمر يؤسسُ للطائفيةِ السياسيةِ،و يوزعُ الحقائبَ على الأساسِ الطائفيِّ،فأعادت أمريكا تشكيلَ المجتمعِ العراقيِّ من خلالِ انتاجِها هُويات سياسيةٍجديدةٍ طبعت بالدمِ وقُننت بالدستور.

إن ولادةَ الطائفيةِ السياسيةِ في بلادِنا بلا شك مرتبطةٌ بالاستعمار ،ولكن ثمةَ عواملَ تساعدُ على تكونِ هذه الطائفيةِ السياسيةِ،منها مسألةُ الولاءِ للدولةِ،و فكرةُ التابعيةِ وَفقَ فكرنِا أو المواطنةِ وَفْقَ الفكرِ الغربي،إذ أن الدولَ يجبُ تُبنى صالحةً للإنسانِ كإنسانِ بغضِ النظرِ عن دينِه و عرقِه و منشئِه،و الشعوبُ يجبُ بناؤها معَ الدولةِ على أساسِ التابعيةِ و الولاءِ للدولةِ،فإن كان بناءُ الشعوبِ على غيرِ هذا الأساسِ أو كان ضعيفاً فتح المجالَ للطائفيةِ السياسيةِ وللانتماءات السياسيةِ الضيقةِ،وعندما تتكسرُ الدولُ أو تضعفُ تتكشفُ عما في داخلِها،فتحدِث الصراعَ و الدمار.

إن الثقافةَ المجتمعيةَ يجبُ أن تكونَ قابلةً لاستيعابِ كل مكوناتِ المجتمعِ باختلافاتها الاثنيةِ و العرقيةِ،فاختلافُ الدينِ أو المذهبِ يجبُ أن لا تسدلَ عليه الطائفيةُ السياسيةُ،ويجبُ أن يبقى يتحركُ في دائرةِ الأخذِ و الردِّ بالدليلِ و البرهان،و الأهمُ من ذلك أو يوازيه أن تطردَ الطائفيةُ من العلاقاتِ في المجتمع،فيتعاملُ الناسُ بعضُهم معَ بعضٍ بيعاً و اجارةً و رهناً و قضاءً بلا تمييزٍ ولا تحريضٍ.كما أنه من المهم أن لا يسود في ثقافة المجتمع إسقاط مصطلحات الخيانة و الأمانة و الإجرام و الاستقامة و غيرها إسقاطا طائفياً،و توزيع التهم السياسية على الهوية الطائفية.

ولكن ذلك لا يعني تجاوزَ الإسلام بحالِ،فكلُّ شيءٍ قابلٌ للتعديلِ و التكييفِ إلا الإسلام،فلا نهربُ مثلاً من مصطلح ِكافرٍ بدعوى أنه مصطلحٌ طائفيٌّ! أو نسمحُ بالزواجِ المدنيِّ بدعوى انفتاحِه على الجميعِ باختلافِ أديانِهم و مذاهبِهم! أو ندَّعي بأن غيَر المسلمِ هو أخٌ للمسلمِ،و غيرُ ذلك،لأن هذا مساسٌ بالإسلام ،والإسلامُ إنما هو خطٌ أحمرٌ لا يجوزُ تجاوزُه،فالخطابُ الإسلاميُّ يجبُ أن يكونَ ملتزِماً بالإسلامِ إلتزماً لا يقبلُ مداهنةً أو مجاملةً،ولكنه في الوقتِ ذاتِه خطابٌ سياسيٌّ رفيعٌ محتوٍ للآخرٍ،يستوعِبُه رعايةً بالتي هي أحسن،و ليس خطاباً استفزازياً لغير المسلم، خطاباً خشناً غليظاً ينفضُ الناسُ من حولِه.

فحينَ النظرِ في المشاكلِ السياسيةِ الحاليةِ يجبُ عزلُ الطائفيةِ السياسيةِ عندَ تحديدِ مواقفِنا منها حتى و إن كانت طائفيةً بامتياز،فلا يُقالُ إن المشكلةَ السوريةَ هي مشكلةٌ سياسيةٌ معَ العلويةِ النصيرية،وإن كان مبنى النظامِ السوريِّ طائفيٌّ بنكهاتٍ قوميةٍ خارجية!

وكذلك في لبنانَ،لا نحملُ على حزبِ اللهِ بسببِ كونِه شيعياً،فذك محِلُّه محِلٌ آخر،محِلُّ النقاشِ بالفكرِ بين المذاهبِ ،وإنما نحملُ عليه مواقفَه السياسيةَ كموسميةِ المقاومةِ عندَه ، و ارتباطِه بأنظمةٍ عميلةٍ، كما نكبرُ موقفَه و هو يقاتلُ أعداءَ الأمة.
و مشكلتُنا مَعَ إيران ليست مشكلةً شيعيةً سنيةً و إن تحركَ النظامُ هناك على هذا الأساسِ،فهو طائفيٌّ ولكن نحنُ لسنا طائفيين،و ومشكلتُنا معَ النظامِ السَّعوديِّ ليست هي مشكلةً مَعَ الوهابيةِ أو السلفيةِ في مقابلِ كونِ بعضِنا أشاعرةً أو ماترديةً أو متصوفةً أو شيعة،مشكلتنا معَه سياسيةٌ،فهو نظامٌ موال ٍللمستعمرِ،يطبقُ غيَر شرعِ اللهِ تعالى،و ينهبُ ثرواتِ الأمة.

و كذا المشلكةُ مع َكلِ الأقلياتِ،حتى في الموقفِ من اليهود،نحن نميزُ بين يهوديٍ سلبَ بلادَنا وقتل أبناءَنا و بين يهوديٍّ مسالمٍ يعيشُ في بلادِ الماو ماو،بمعنى نحنُ نميزُ بين الصهويونيةِ و بين اليهوديةِ كديانة،فمشكلتُنا السياسيةُ هي معَ الصهيونيةِ و ليست معَ الديانةِ اليهوديةِ،فالله تعالى لم ينهَنا عن الذين لم يقاتلونا في الدينِ و لم يظاهروا علينا أن نبرَهم وأن نقسطَ إليهم و الله يحبُ المقسطين.

إن الإسلامَ عقيدةٌ روحيةٌ سياسةٌ ينبثقُ عنها نظامُ حياةٍ لكلِ انسانٍ،و الأديانُ الأخرى عقائدُ روحيةٍ و حسب،لا تملكُ أنظمةَ حياة،إنما تملكُ أحكاماً خاصةً في الأحوالِ الشخصيةِ و الشعائرِ التعبديةِ والمأكلِ و الملبسِ،و ما شاكل،فهي بطبيعتِها منفصلةٌ عن الحياةِ و السياسةِ،و تعيشُ في إطارِ علاقةِ الإنسانِ بمعبودِه و بنفسِه،فهي لا تتعدى ذلك إلى العلاقاتِ العامةِ بين الإنسانِ والإنسانِ أي لا تتعدى و لا تؤثرُ في العلاقاتِ السياسية التي تُبنى عليها المجتمعاتُ،و بالنظرِ في شريعةِ الإسلامِ نجدُ الإسلامَ تركَ أصحابَ الأديانِ الأخرى على أديانِهم بلا إكراه أو تدخل،فكان هذا التركيبُ بين انفصالِ الأديانِ الأخرى عن الحياةِ و بين تغطيةِ الإسلامِ جميعَ مناحي الحياةِ معَ تركِه غيَر المسلمين و أديانَهم يجعلُ مسألةَ التعايشِ في المجتمعِ الإسلاميِّ بين مكوناتِه على اختلاف أديانِها طبعياً سلساً لا مشكلةَ فيه مصانٌ بسياجِ التابعيةِ.

و هنا يجدرُ بنا لفت الإنتباه إلى مسألةٍ هامةٍ و هي أن الأخوةَ الإسلاميةَ أو الموالاةَ للمسلمين غيرُ التابعيةِ لدارِ الإسلامِ بمفهومِها العامِ، فالتابعيةُ الإسلاميةُ هي حملُ الولاءِ للدولةِ والنظامِ، واتخاذُ دارِ الإسلامِ تحتَ ظل سلطانِ الإسلامِ دارَ إقامةٍ دائمةٍ، فهي تختلفُ اختلافاً جوهرياً عن الأخوّةِ الإسلاميةِ. فالرابطةُ التي تربطُ الرعيةَ بالدولةِ هي التابعيةُ بالمصطلحِ الإسلاميِّ وهي ما تُعرف اليومَ بالمصطلحِ السياسيِّ الغربيِّ بالمواطنةِ، وهذه غيُر العقيدةِ الإسلاميةِ، فالتابعيةُ رابطةٌ تربطُ بين المسلمين وغيرِهم من أصحابِ المللِ الأخرى؛ للعيشِ السويِّ تحتَ نظامٍ واحدٍ يجمعُهم الكيانُ السياسيُّ الإسلاميُّ. وهذا المعنى واضحٌ في صحيفةِ المدينةِ التي كانت عهداً أو وثيقةً بين الرسولِ صلى الله عليه وسلم كقائدٍ للدولةِ الإسلاميةِ ويهود بني عوف، وقد نصت هذه الوثيقةُ أن اليهودَ هم «معَ المؤمنين أمةٌ من دونِ الناس» فهم يعيشون معَ المؤمنين تحتَ ذمةِ اللهِ ورسولِه عليه السلام ولكن هم ليسوا من المؤمنين.

والكلامُ عن التابعيةِ والطائفيةِ يستدعي بالضرورةِ الحديثَ عن أهلِ الذمةِ و حقوقِ الأقلياتِ الدينيةِ في الإسلام،ولنكن هنا واضحين صريحين،و لا نمني الآخرين الأماني أو نجاملُهم على حسابِ مبدأ الإسلام،فنقولُ : لقد تناولَ الفقهاءُ هذه الحقوقَ من خلالِ حديثِهم عن أهلِ الذمةِ، مالهم، وما عليهم، وما يترتبُ على عقدِ الذمةِ من التزاماتٍ متقابلةٍ على طرفيِ العقدِ، والأصلُ في أهلِ الذمةِ أن لهم مالنا من الأنصافِ، وعليهم ما علينا من الانتصافِ إلا أن هناك استثناءاتٍ قليلةً في بعضِ الحقوقِ والواجباتِ، اقتضتْها المخالفةُ في الدين.

ففي الحقوقِ السياسيةِو منها حقُ تولي الوظائفِ العامةِ نجدُ الاسلامَ لا يساوى بين المسلمين والذميين في تولى الوظائفِ العامةِ. والاسلامُ يعلنُ ذلك بجلاءٍ، ولا يخادعُ بزخرفِ القولِ غروراً، كما تَدعى الديمقراطياتُ الزائفةُ، بشعاراتهِا البراقةِ، من إعلانِ المساواةِ، واحترامِ حقوقِ الانسانِ، والنأيِ عن التفرقةِ، ولكن الواقعَ يخالفُ ذلك كثيراً.
والاسلامُ اذ يفرقُ بين المسلمين والذميين في هذه الحقوقِ، ويجعلُ بعضَ الوظائفِ العامةِ مقصورةً على المسلمين وحدَهم، فذلك لأن الدولةَ الاسلاميةَ دولةٌ مبدئيةٌ، تسيرُ وَفْقَ نظامِ الاسلام، وهذا يقتضى أن تُناطَ المناصبُ السياسيةُ، والوظائفُ العامةُ الرئيسيةُ التي تُسيِّرُ دقةَ النظامِ، بشخصياتٍ مؤمنةٍ بهذا النظامِ، متفهمةٍ لطبيعتِه، قد أُشربت قلوبُها حبَه، والا فقدت الدولةُ صبغتَها الاسلامية.

فكيف يتأتى إسنادُ منصبِ الامامةِ لغيرِ المسلم، وهي خلافةٌ عن صاحبِ الشرعِ في حراسةِ الدينِ، وسياسةِ الدنيا به؟ وكيف يسوغُ أن يكونَ قائدُ الجيشِ كافراً، والجهادُ شُرعِ لاعلاءِ كلمةِ الاسلام، والذميُّ غيرُ مطالبٍ بالجهادِ أصلاً؟ فلابد أن تكونَ الوظائفُ العليا التي تقومُ على العقيديةِ الاسلاميةِ، ويبرزُ فيها عنصرُ التدين، قصراً على المسلمين وحدَهم، وذلك كالامامةِ، والقضاءِ، وقيادةِ الجيش، ووزارةِ التفويض ونحوِها، وليس لأحدٍ أن يهتمَ الاسلامَ في ذلك بالظلمِ والتعصبِ، مادامَ كفلَ للأقلياتِ غيرِ الاسلاميةِ، حقوقَها كاملةً غيَر منقوصةٍ محافظاً الحفاظَ كلَّه على كرامتِهم الإنسانيةِ،بلا تهميشٍ ولا اضطهادٍ.ولو نظرنا الى وضعِ الاقلياتِ المسلمةِ في بعضِ الدولِ الغربيةِ الرأسماليةِ، لوجدنا التمييزَ،و لوجدنا تناقضاً فاضحاً عندَهم،فهم يطالبون الأقلياتِ والأقليةَ المسلمةَ على وجهِ الخصوصِ بالإندماجِ الكاملِ في طرازِ عيشِهم وحملِ القيمِ الغربيةِ،بينما عندما يكون الحديثُ عن الأقلياتِ في بلادِ المسلمين نجدُ الغربَ ذاتَه يطالبُنا بل يفرض علينا احترامَ خصوصيتَهم و حريتَهم و حقَّهم في تقريرِ مصيرَهم حتى يصلَ بذلك إلى تفتيتِ بلادنا، باسمِ حقوقِ الأقلياتِ كما حدث في تيمورِ الشرقيةِ و كما يحدثُ في السودان.

وانظرْ إلى وضعِ غيرِ الشيوعيين في الدولِ الشيوعيةِ، تجدْ أنهم ليسوا محرومين من المناصبِ السياسيةِ الهامةِ فحسب، بل ومن كثيرٍ من الحقوقِ الإنسانية الأساسية، وكثيراً ما تلجأ الدولُ الشيوعيةُ والرأسماليةُ على السواءِ الى معالجةِ مشكلةِ الأقلياتِ عن طريقِ تذويبِها بالقهرِ والضغوطِ، أو عن طريقِ نبذِها وإبعادها عن مسرحِ الحياةِ السياسيةِ والمجتمعيةِ.

أما الوظائفُ الأخرى التي لا ترتكزُ على العقيدةِ الإسلامية، ولا تؤثرُ على أجهزةِ الحكمِ، فيجوزُ إسنادها إلى أهلِ الذمةِ، فقد سارَ الخلفاءُ على هذه الطريقةِ، فيروى أن عمرَ رضي الله عنه جعلَ رجالَ دواوينِه من الروم، وجرى الخليفتان الآخران، وملوكُ بني أمية من بعده على ذلك الى أن نَقلَ الدواوينَ عبدُ الملكِ بن مروانَ من الروميةِ الى العربيةِ. وبهذه السيرةِ وذلك الارشادِ عملَ العباسيون وغيرُهم من ملوكِ المسلمين في نوطِ أعمالِ الدولةِ باليهودِ والنصارى والصابئين، ومن ذلك جعلُ الدولةِ العثمانيةِ أكثرَ سفرائِها ووكلائِها في بلادِ الأجانبِ من النصارى.

وهو أمرٌ طبيعيٌّ في الدولِ، فكلُّ دولةٍ مبدئيةٍ لها تصورٌ لما يجبُ أن يكونَ عليه المجتمعُ،أي لها أهدافٌ تسعى لتحقيقِها في الإنسانيةِ، فالمبادئُ الثلاثةُ الإسلامُ و الرأسماليةُ و الإشتراكيةُ،كلُ واحدٍ منها يرفضُ أن يكونَ على رأسِ دولتِه أو في وسطِه السياسيِّ رفضاً أوتوماتيكياً و قانونياً أناساً لايؤمنون به،فهل تسمحُ الدولُ الرأسماليةُ لحزبٍ شيوعيٍ أن يخترقَ وسطها السياسي،أم هل سمعتَ بحزبٍ رأسمالي ليبراليٍ يتحركُ في بيئةٍ شيوعية،الأمرُ كذالك بالنسبةِ للإسلام ،والإسلامُ فوقَ كونِه أيدلوجيةً وطرازَ حياةٍ هو دينٌ بالأساسِ ،فأهدافُ الإسلامِ في الإنسانيةِ أهدافٌ تمتدُ من الحياةِ إلى ما بعدها،و مبدؤه يرومُ السعادةَ للبشريةِ في الدنيا و الآخرةِ،فكان من المحتمِ أن من يقومُ على دولةِ مبدأ الإسلام، في مراكزِها الحساسةِ،أناسٌ من جنسِ مبدأ الإسلامِ سياسةً و ديناً.

أما الحقوقُ العامةُ،وهي الحقوقُ التي تعتبُر مقوماتٍ لإنسانيةِ الإنسانِ كحقِه في الحاجاتِ الأساسيةِ من المأكلِ والمسكنِ و الملبسِ و التطبيبِ و التعليمِ و الأمنِ فهي مكفولةٌ بدستورِ الدولةِ الإسلاميةِ لكلِ إنسانٍ،فجميعُ الذين يحملونَ التابعيةِ الإسلاميةِ يتمتعون بالحقوقِ و يلتزمون بالواجباتِ الشرعيةِ،و لا يجوز للدولةِ أن يكونَ لديها أي تمييزٍ بين أفرادِ الرعيةِ في ناحيةِ الحكمِ أو القضاءِ أو رعايةِ الشؤونِ أو ما شاكلَ ذلك،بل يجبُ أن تنظرَ للجميعِ نظرةً واحدةً بقطعِ النظرِ عن عنصرِ الدينِ أو الطائفةِ أو اللونِ أو غيرِ ذلك.كما أن الدولةَ تنفذُ الشرعَ الإسلاميَّ على جميعِ الذين يحملون التابعيةَ الإسلاميةَ سواء ًأكانوا مسلمين أم غيرَ مسلمين حيثُ تنفذُ الشرعَ على المسلمين بدون أيِّ استثناءٍ،أما غيُر المسلمين أي أهلُ الذمةِ فيتركون و ما يعتقدون و ما ما يعبدون ضمنَ النظامِ العامِ،و يعاملون في أمورِ المطعوماتِ و الملبوساتِ حسبَ أديانِهم ضمنَ ما تجيزُه الأحكامُ الشرعيةُ،و تفصلُ أمورَ الزواجِ و الطلاقِ بينهم حسب أديانِهم،و هكذا يتضحُ كيف أن الإسلامَ راعى الحقوقَ الخاصةَ لغيرِ المسلمين،فلكلِ طائفةٍ ممارسةُ خصوصيتُها وَفْقَ ما بينا دون حيف.و تنفذُ الدولةُ باقي الأحكامِ الشرعية و سائرَ أمورِ الشريعةِ الإسلاميةِ من معاملاتٍ و عقوباتٍ و بيناتٍ و نظمِ حكمٍ و اقتصادٍ و غيرِ ذلك على الجميع، و يكونُ تنفيذُها على المسلمين و غيِر المسلمين على السواء.


فاللهُ سبحانه وتعالى قد حرمَ الظلمَ والاعتداءَ على أي انسانٍ، قال سبحانهإن الله لا يحب المعتدين( وقال: )والله لا يحب الظالمين( والذمى يدخلُ في عمومِ ذلك.وجاءت أحاديثٌ وآثارٌ تنهى عن ظلمِ الذمىِّ بشكلٍ خاصٍ، منها ما رواه أبو داود والبيهقيُّ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا من ظلمَ معاهدًا، أو كلفه فوقَ طاقتِه، أو أخذ شيئاً بغيرِ طيبِ نفسٍ منه، فأنا حجيجُه يومَ القيامة».

وكان الفقهاءُ يوصون الخلفاءَ بالرفقَ بأهلِ الذمةِ، فقد ذكر أبو يوسفَ في كتابِ الخراجِ الذي كتبه لهارونِ الرشيد: «ولا يُضربُ أحدٌ من اهلِ الذمةِ في استيدائهم الجزيةَ، ولا يقاموا في شمسٍ ولا غيرِها، ولا يجعلُ عليهم في أبدانِهم من المكارِه، ولكن يُرفقُ بهم، ويحبسون حتى يؤدوا ما عليهم» وقال فيه يوصيه أيضاً: «وقد ينبغي يا أميرَ المؤمنين، أيدك اللهُ أن تتقدمَ في الرفقِ بأهلِ ذمتِك، وابنِ عمِك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والتقدمِ لهم حتى لا يظلموا، ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوقَ طاقتِهم، ولا يُؤخذُ شيءٌ من أموالهِم، الا بحقٍ يجبُ عليهم».


و في خلاصةِ المقالِ نقول:
إن بناةَ الدولِ يحملون صفاتِهم السياسيةَ معَهم إلى دولهِم الناشئةِ،فكيفما كانوا كانت دولهُم،لذا كان لزاماً علينا طردُ الطائفيةِ السياسيةِ عنا،فالطائفيةُ السياسيةُ إن تركت في واقعنِا ملأته دماً و ظلماً و إرهابا،وإن وجدت في خطابِنا كانت يداً علينا تُضمُ إلى يدِ المستعمرِ، و أغلقت دوننا مستقبلَنا، أو أعاقته كثيراً،هذا من جهةٍ،و من الجهةِ المقابلةِ،يجبُ أن لا نخضعَ تحتَ ضغطِ رفضِ الطائفيةِ السياسيةِ إلى تعديلاتٍ نجريها على خطابِنا يأباها المبدأ،فنميعُ خطابِنا لعيونِ الطائفيةِ السياسيةِ و الاستعمار.إن الطريقَ إلى الخلافةِ يمضي على بصيرةٍ،و وعيٍّ سياسيٍّ،يحسبُ بدقةٍ لليومِ كما يحسب بدقةٍ للمستقبلِ ،و ستصلُ الأمةُ إلى غايتِها،و ستطبقُ شرعَ ربِها،بإذنِ الله،و ستقلعُ جذورَ الطائفيةِ الساسيةِ الآثمةِ،و ستقطعُ كلَّ يدٍ خارجيةٍ تحاولُ العبثَ في أمورِ الأمِة الداخليةِ،وسيُعطى كلُ واحدٍ حقَّه،مادامَ يحملُ التابعيةَ،بغضِّ النظرِ عن دينهِ أو طائفتِه أو مذهبِه أو لونِه أو غيرِ ذلك.
هذا واللهُ الموفقُ للعاملين المخلصين،اللهم لا تآخذنا إن نسينا أو أخطأنا،وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،و الحمد لله رب العالمين.

22/07/2011
أبو الهمام الخليليّ

أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
الطائفية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:31 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.