قديم 10-13-2013, 07:03 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي منطقة ما لا نص فيه في النظام السياسي الإسلامي


منطقة ما لا نص فيه في النظام السياسي الإسلامي


الكاتب:أبوالهمام الخليليّ.

إن الشريعة الإسلامية جاءت تبياناً لكل شيء، فغطت بأحكامها جميع أفعال العباد، و القول بخلاف ذلك هو اتهام للشريعة بالنقص، فلا وجود إذاً لمنطقة فارغة من الأحكام الشرعية،أو ما يسمى بمنطقة الفراغ التشريعي.

والشريعة قد غطت بالأدلة الشرعية من كتاب وسنة وإجماع صحابة و قياس،جميع أفعال العباد بالأحكام إما بالتنصيص المباشر، و إما بالعموم و إما بالقياس، و لا يوجد فعل إنساني لا حكم شرعي له مطلقاً.فحتى أفعال الرسول عليه السلام الجبلية،التى هي بلا خلاف على الإباحة له و لأمته، لم تكن مباحة من غير دليل، بل فعله عليه السلام الجبلي و تميزه عن فعل غيره من المسلمين بلا إنكار،هو بحد ذاته دليل على الاباحة، فلا فعل و لا شيء فالت من الدليل.

كل هذا من ناحية الشريعة بشكل عام،أما من ناحية النظام السياسي في الإسلام فإنه كذلك مغطى كغيره بالشريعة،و ليس ثمة تصرفات سياسية متروكة هكذا بلا حكم شرعي.ولكن ما يميز السياسة الشرعية في النظام السياسي هو كونها أعطت مساحات واسعة يتحرك في الحاكم في رعايته الشؤون، و خلت بين يده خيارات عدة مباحة، ينتقي منها الأصلح لرعاية شؤون الأمة.

إن ما جاء به النص الشرعي، بمنطوقه أو مفهومه أو معقوله،من أحكام تتعلق بالنظام الساسي بشقيها القطعي و المظنون الذي يحتاج إلى اجتهاد و ترجيح،هي أحكام تتبناها الدولة و تلزم بها الرعية، وتمثل هذه الأحكام القانون التشريعي.في مقابل القانون التشريعي هناك قانون خادم للقانون التشرعي، هو القانون الإجرائي،و هو قانون تسنه الدولة ليس انشائياً لأحكام، لأن الدولة ليست من مصادر الدليل،بل تسنه من باب الأساليب و الوسائل التي أباحها الشرع، لتحقيق تنفيذ القانون التشريعي، وهو في جملته يقع في منطقة ما لا نص مباشر فيه،و لكنه بلا ريب محكوم بالشريعة بكلياتها و عمومياتها،و بدليل الحكم الأصلي الذي جاءت هذه القوانين الإجرائية لتنفيذه.

إننا عندما نتحدث عن كليات الشريعة و عمومياتها هنا، فإننا نتكلم عن القواعد الكلية و القواعد العامة، و لسنا نتحدث عن كليات الشريعة هنا بمعنى مقاصدها العامة، من حفظ الدين وحفظ النفس و حفظ العقل وحفظ النسل و حفظ المال، فهذه كلها مقاصد شرعية لها فائدة فكرية،و وليست أداة تشريعية، بمعنى هي مفيدة لفهم التصور العام للشريعة و ليست عللاً تدور مع الأحكام وجوداً وعدما ً،و في هذا خلاف،و لكن فكرة كونها علل لم يقم عليها دليل راجح.

السياسة الشرعية عندما تركت للحاكم أن يتصرف وفق الأصلح، في دائرة الإجراءات التنفيذية للأحكام الشرعية،فهو يتقصد المصلحة و درء المفسدة فيما جعل له من صلاحيات، و هذه المصلحة هنا مصلحة لم يأتِ عليها الدليل المباشر بالاعتبار أو بالالغاء،فهي مصلحة مرسلة من الدليل الجزئي.

إن المصلحة المرسلة لا تكون إلا في الأمور الدنيوية المحضة، أو في الوسائل و الأساليب و الإجراءات التي تتغير بتغير الأزمنة و الأمكنة،لأنه في غير هذه الأحوال نجد الشارع قد راعى المصالح الحقيقية للبشر و بين أحكاماً شرعية ثابتة لها.

وعليه، لا وجود لمنطقة فراغ تشريعي،إذ الأدلة غطت أحكام أفعال العباد جميعها،وبالتالي غطت القانون التشرعي قطعاً، حيث أن القانون التشريعي موضوعه هو الحكم الشرعي بما يشتمل عليه أحكام عريضةمن قواعد كلية أو عامة، و إنما هناك منطقة تركتها النصوص قصدا ـ لأولي الأمر والرأي، وأهل الحل والعقد في الأمة، بما يحقق المصلحة العامة، ويرعى تطبيق الشريعة،هذه المنطقة هي منظقة القانون الإجرائي.

إن القوانين الإجرائية مقصورة على مجالات مخصوصة،و هي الأنظمة ذات العلاقة بالوسائل و الأساليب المطلوبة لتنفيذ الحكم الشرعي،أو بكلمات أخرى،هي الإلزام أو المنع من مباح معين يعد وسيلة أو أسلوباً متعلقاً بالحكم الشرعي،فللدولة أن تتبنى في ذلك بحسب المصلحة مع اشتراط عدم مخالفة الشرع. والقوانين الإجرائية،بالاستقراء،مقصورة على الوسائل و الأساليب في مجالين و حيدين هما:

الأول: اقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة.

الثاني:تنظيم المباحات المتعلقة برعاية الشؤون، وتشمل ثلاثة أمور فقط:

1.منع ما يؤدي إلى الضرر أو المحرم، فمثلاً، حرمت الشريعة الخمر،فيجوز للدولة أن تضع قانوناً اجرائياً تحدد من خلاله شروط صناعة الأدوية أو المنتجات الصناعية التي تدخل الكحول المسكرة في تركيبها،حتى لا ينجم عن ذلك تصنيع للخمور المحرم صنعها، و هكذا.

2.تنظيم الانتفاع بالملكية العامة و مرافق الجماعة،حتى لا يختص أفراد دون غيرهم بالاستئثار بها،فالطرق مثلا من مرافق الجماعة،فللدولة سن قانون ينظم حركة السير،و المعادن و الأحراش و الغابات و غيرها هي من الملكية العامة فتسن الدولة قانوناً ينظم الانتفاع بالملكية العامة رفعاً للنزاع و الاستئثار.

3.تنظيم المباحات الخاصة بشؤون الدولة،كسن قانون إداري ينظم شؤون الموظفين و شؤون الجيش و غيرها من شؤون الدولة الخاصة.

فلا يجوز للدولة التدخل بالمنع أو الازام باصدار قوانين اجرائية للأساليب و الوسائل،في غير هذه الأحوال،و عليه ليس للدولةمثلاً سن قانون ينظم ألوان البيوت،لأن ذلك لا يترتب عليه ضرر أو محرم وليس من تنظيم الملكية العامة وليس من تنظيم شؤون الدولة الخاصة بها، و ليس للدولة سن قانون يمنع تعدد الزوجات أو يمنع الزواج من الكتابيات غير المسلمات و غير ذلك.

إن هناك فريقاً من الكتاب يسعون إلى سحب المسائل المتعلقة بنظام الحكم في الإسلام من تحت يد النص و الدفع بها إلى دائرة ما لا نص فيه، و هناك يجعلونها تحتَ سحبِ و طرق الأدلةِ المختلف فيها، وعلى رأسها المصالح المرسلة، وهذا التفريغ يتم بعدة أشكال منها الطعن في الأحاديث الثابتة، ومنها نزع القدسية عن أفعال النبي عليه السلام و الزعم بأنه قام بها بوصفه السياسي لا الرسالي، ومنها رد نصوص الآحاد من الصحاح أو تأويلها عندما تتصادم مع مقاصد الشريعة و كلياتها،ذلك أن الكلي القطعي مقدم على الجزئي الظني،فهم يعمدون إلى القضاء على كل نص خاص،لا يخدم فكرتهم، و نقل الشريعة لتصير مجموعة من المبادئ العامة الواسعة،تتسع للشيء و ضده.و هنا خطورة فكرة الفراغ التشريعي تبرز.

الخلاصة:
النظام السياسي في الإسلام نظام كامل من جهة الأحكام،واسع من جهة الوسائل و الأساليب التي تناسب العصر و الحال من خلال القوانين الاجرائية،منطقة ما لا نص فيه،هي منطقة مغطاة بالأحكام،بواسطة العموم و القياس، و أما المصالح المرسلة،فهي ليست دليلاً قائماً في ذاته،بل هي تتحرك تحت قواعد الشريعة،و هي جوهر القوانين الاجرائية.
انتهى.
6/7/2013
أبو الهمام الخليليّ.
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
منطقة ما لا نص فيه

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.