قديم 03-30-2016, 09:55 PM   #1
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي قضية فلسطين

قضية فلسطين
فلسطين أرض قبل التاريخ ...
وجغرافيا قبل سايكس بيكو

الدكتور ماهر الجعبري









.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 09:56 PM   #2
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي

يأتي هذا المقال (المطوّل) ضمن سلسلة من المقالات التأصيلية حول قضية فلسطين من أجل المساهمة في إعادة صياغتها في الوعي العام للأمة الإسلامية على أنها قضية عسكرية ذات أبعاد سياسية، وعلى أنها قضية أمة لا قضية شعب أو مجموعة من الفصائل التي تحركت في فضاء الأنظمة العربية، وفي ساحات العلاقات الدولية، فأدت إلى تشويه المفاهيم الأساسية لهذه القضية.
وضمن سياق التأصيل السياسي لقضية فلسطين، لا بد من لمحة تاريخية حول فلسطين وتعاقب الأمم والحكام عليها، لتوضيح علاقة فلسطين بما يحيط بها من جغرافيا وبلاد، وعلاقة التاريخ بدعاوى باطلة أو خاطئة في المحاججات السياسية الداخلية والخارجية، ومن ثم لتبيان سياق نشأة قضية فلسطين كحلقة في سلسلة متصلة من الحوادث والحروب، غائرة الجذور في التاريخ. وبالطبع ليس المقام مقام بحث تاريخي متخصص ومفصّل ومأصّل، وإنما هي "لمحة" تلقي بالضوء على أبعاد سياسية حاضرة.
يُرجع بعض المؤرخين وجود الإنسان على أرض فلسطين إلى مئات الألوف من السنين ضمن فترة العصر الحجري القديم، كما يدللون على ذلك من خلال بعض الشواهد "فقد اكتشفت بقايا هياكل في مغارة الزطية قرب قرية المجدل شمالي مدينة طبريا عام 1925، وقد عاش صاحبها قبل 200.000 سنة. كما اكتشفت بقايا هياكل في مواقع أخرى في كهوف الكرمل والناصرة تعود إلى قبل 100.000 سنة" (حسب جميل خرطبيل). بل يُنقل أنه "وجدت آثار الوجود البشري في منطقة جنوبي بحيرة طبريا، في منطقة تل العبيدية وهي ترقى إلى ما بين 600 الف سنة مضت وحتى مليون ونصف سنة مضت" (تاريخ فلسطين).
ثم إن الكنعانيين عمّروا فلسطين بين 3000 إلى 2500 قبل الميلاد. وبينما رفض بعض كتّاب التاريخ المعاصرين إقرار أي وجود لليهود على أرض فلسطين كما فعل مثلا جميل خرطبيل حتى قال أن "المؤرخين العرب القدماء كالطبري وغيره، فقد ارتكبوا أخطاء كبيرة" لدى سردهم حوادث بني إسرائيل في فلسطين، ينقل مؤرخون أن بني إسرائيل، في نحو 1250 قبل الميلاد، استولوا على أجزاء من بلاد كنعان الداخلية. ومن المعلوم أنه وردت نصوص قرآنية ذات إيحاءات متصلة، أما نصوص التوراة، فإن موقف الإسلام منها يتمثل في رفض ما عارض القرآن، وقبول ما وافق، والصمت عمّا لم يوافق ولم يعارض.
وبالطبع، تشير قصص الأنبياء إلى قدوم نبي الله إبراهيم إلى فلسطين وكانت تسمّى أرض كنعان، ويقدّر بعض المؤرخين أن ذلك حصل في حدود 1900 قبل الميلاد (الجزيرة نت)، ومن المقطوع به أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا، بل لم تكن الديانة اليهودية قد نزلت بعدْ، والنص القرآني القاطع المُفهم يُقرر: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ". وقد نزل إبراهيم في الخليل وهي مأهولة معمورة حيث اشترى مغارة من أهلها ليدفن فيها كما تفيد بعض الروايات. ومن ثم تعاقب من بعده فيها إبنه إسحق، ومن ثم إبنه يعقوب، عليهما السلام، ومن ثم كانت قصة إبنه يوسف عليه السلام ونشأته وتمكّنه في مصر، ودعوته لأهله للعيش فيها، حيث ظلّ بنو إسرائيل في مصر حتى ولد موسى، عليه السلام، وكان فرعون يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إلا أن تم خروج بني إسرائيل من مصر.
ووردت قصة تِيْه بني إسرائيل في سيناء، وورد في القرآن خطاب موسى عليه السلام لبنى إسرائيل في قوله "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ"، وقد أورد الطبري في تفسيره أن أهل التأويل اختلفوا في الأرض التي عناها هنا، فقال بعضهم هي الطور وما حوله، وقيل هي أرض أريحا، وقيل هي "دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن"، ويخلص الطبري إلى أنه ليس ثمة قطع بالمقصود من هذه الأرض، إلا أنها لا تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك، أما معنى "التي كتب الله لكم" أي التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها. ومن ثم كانت فترة لأنبياء الله داود وسليمان وغيرهما، وفي هذا السياق يدّعي اليهود أحقيتهم التاريخية بفلسطين.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 09:58 PM   #3
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي (2)

والعاقل المنصف يدرك أن يهود قد عادوا أنبياء الله، ومكروا لقتل المسيح عليه السلام، ولا يمكن أن يكونوا خلفا لسلف من الأنبياء الأطهار، بل إن بعض المؤرخين قد شكك حتى في وجود علاقة نسب (بيولوجي) بين يهود أوروبا (الذين احتلوا فلسطين) وبين بني إسرائيل الذين عاصروا الأنبياء، ولهذا تحرص بعض الأبحاث البيولوجية لدي اليهود على موضوع الجينات وترابطها وتسلسلها التاريخي.
ثم عبر مئات السنين التي تلت، تعاقب على الأرض الآشوريون والبابليون، وإسكندر الأكبر، ومن ثم تناوب عليها البطالسة المصريين والسلوقيون السوريين، والأنباط، وفي عام 63 قبل الميلاد تم ضمّ فلسطين إلى الإمبراطورية الرومانية، ثم كانت بعثة المسيح عليه السلام في فلسطين، وما حصل من تآمر اليهود عليه، وظلت فلسطين تحت الحكم الروماني حتى فتحها خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 637 ميلادي الموافق 16 للهجرة. وبعد الفتح الإسلامي للقدس، سمح الخليفة عمر لليهود بزيارة القدس وممارسة شعائرهم الدينية فيها.
وقبل الفتح ارتبط الدين الخاتم ببيت المقدس حيث كان أول قبلة توجّه إليها المسلمون في الصلاة، وتمت رحلة الإسراء من مكة لبيت المقدس حسب النص القطعي الذي هو أقوى من كل روايات التاريخ، وسميت سورة من القرآن الكريم باسم تلك الرحلة، التي استهلت بقول الله تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ"، وهي آية تُقرّر أن فلسطين أرض مباركة، وهي بذلك جزء من عقيدة المسلمين. وظلّت فلسطين ضمن دولة الخلافة زمن الأمويين والعباسيين، وشيّد الخليفة الأموي الخامس عبد الملك، مسجد قبة الصخرة، ثم شيّد الوليد بن عبد الملك المسجد الأقصى، وذلك في القرن الهجري الأول.
وبعد منتصف القرن الثالث الهجري، طرأ على دولة الخلافة ضعف، استمر وتزايد في ظل نزاعات على السلطة والحكم، ولا شك أن تلك الظروف السياسية من التمزق، قد حركت أطماع الصليبيين، فأشعلت الحروب الصليبية، وتم احتلال فلسطين بعد تسيير عدة حملات عديدة للفرنجة، وتمت إقامة مملكة القدس اللاتينية في الفترة ما بين 1099 و 1187 للميلاد، بعد ارتكاب جرائم صليبية وحشية: من إحراق وذبح لآلاف من المسلمين العزّل من الرجال والنساء والاطفال.
ثم انبرى القائد عماد الدين زنكي بن أقسنقر لجهاد الصليبيين، واستمرت جهود زنكي في توحيد قوى المسلمين لمحاربة الصليبيين، ووّحد العديد من مدن الشام تحته، وحاول في سنة 534 هـجري الاستيلاء على دمشق مرتين دون جدوى، "فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام" (فلسطين في التاريخ الإسلامي). وقُتل -رحمه الله- غدراً بينما كان يحاصر قلعة "جعبر"، فتبعه في الجهاد ابنه نور الدين محمود، الذي تولى حلب وما يتبعها، وكان شخصية إسلامية فذة وورعة، وظل يستهدف تحرير فلسطين واسترداد بلاد المسلمين، وتوحيدها تحت راية الإسلام.
وتمكن نور الدين زنكي من إكمال مسيرة أبيه: ففتح دمشق عام 549 هجري (1154م)، ومن ثم ضم العديد من مدن وقلاع الشام وأخضعها لسلطانه، وأدرك أن تحرير فلسطين واقتلاع الاحتلال الصليبي يقتضي السيطرة على مصر وتوحيدها مع الشام من أجل وضع الصليبيين بين فكّي كمّاشة. وبالفعل تمت السيطرة لنور الدين على مصر بعد ثلاث حملات أرسلها لمصر من أجل ذلك الغرض، وفي العام 564 هجري (1169م) تولى صلاح الدين "الوزارة" في مصر
تحت الخلافة الفاطمية، ثم أسقط الخلافة الفاطمية ووحد مصر مع الشام في العام 567 هجري (1171م)، بأمر من نور الدين زنكي. وكانت إستراتيجية نور الدين زنكي تقوم على توحيد الشام ومصر مع الموصل واليمن وتشكيل جبهة إسلامية من العراق إلى الشام فمصر واليمن تمهيدا للتحرير الكامل لفلسطين. وفيما كان نور الدين يجهّز لتحرير بيت المقدس وفلسطين، وكان قد جهز منبرا جديدا للمسجد الأقصى، وبينما كان متوجها لمصر من أجل ترتيب أمورها والتحرك لفلسطين، توفّي رحمه الله عام 570 هجري (1174م).
ثم جاء من بعده صلاح الدين الذي جهّز جيشه للمعركة الفاصلة، واجتاز صلاح الدين نهر الأردن، وفي العام 583 هجري الموافق 1187 ميلادي انتصر جيش صلاح الدين في معركة حطين التي كانت إحدى المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي وتاريخ فلسطين، حيث فتحت الطريق أمام المسلمين لتحرير معظم أرجاء فلسطين، وتم خلال أيام قليلة تحرير العديد من مدن فلسطين، ومن ثم تتوج ذلك العام المبارك بالنصر وتحرير القدس في منتصف رجب، وعادت بيت المقدس لحكم الإسلام بعد 91 سنة هجرية (88سنة ميلادية) من الحكم الصليبي.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 09:59 PM   #4
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي (3)

واستمر صلاح الدين في مسيرة تحرير كافة مدن الشام مثل اللاذقية والكرك ثم صفد. إلا أنّ الصليبيين الذين سقطت مدنهم وقلاعهم تجمعوا في صور وحشدوا مزيدا من القوى، ومن ثم هاجموا مدينة عكا عام 585 هجري الموافق 1189 ميلادي، وتحصنوا هنالك حتى جاءتهم إمدادات الحملة الصليبية الثالثة التي دعا إليها البابا أوربان الثاني، وقادها ثلاثة من ملوك أوروبا (ألمانيا وانكلترا وفرنسا)، وعاد الصليبيون ليكون لهم موطئ قدم جديد في فلسطين.
واستمر الصراع العسكري الدموي بين المسلمين والصليبيين، ورابط صلاح الدين حول عكا سبعة وثلاثين شهراً، حتى اضطر لعقد هدنة الرملة مع ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، عام 588 هجري الموافق 1192 ميلادي، وكانت محددة بثلاث سنوات وثلاثة أشهر، رغم أنه كان مصّرا على مواصلة الجهاد ورفض الهدنة، إلا أن أمراءه ومستشاريه أصروا عليه من أجل قبول الهدنة، بحجة خراب البلاد، ومن أجل استراحة المحارب والتحضير للحرب، بعد إرهاق الجند والناس، وتحت ضغط قلة الموارد، وألحّوا عليه بالهدنه على اعتبار أن الفرنجة لا يوفون بعهودهم ولا يلبثون أن يتفرقوا. ومن المقرر في التاريخ أن تلك الهدنة لم تتضمن أي اعتراف للصليبيين بأيّ حق لهم على أرض فلسطين، واقتصرت على عدم القتال على ما انتزعوه من أرض فلسطين حتى تنتهي الهدنة. وتوفي صلاح الدين –رحمه الله- بعد ستة أشهر من توقيع تلك الهدنة.
وفيما عادت الصراعات على السلطة بين خَلَف صلاح الدين، وقَوِيت شوكة المملكة الصليبية في عكا، وأعادوا احتلال القدس عام 626 هجري الموافق عام 1229 ميلادي، ثم عام 638 هجري (1240م) ضمن حالة من النزاعات كانت فيها القدس ورقة مفاوضات وملفا ضمن صفقات التحالفات، حتى تم تحريرها نهائيا من الصليبين في العام 642 هجري (1244م)، وظلت كذلك حتى نهاية الدولة العثمانية.
وآل حكم مصر من بعد الأيّوبيين للمماليك عام 647 هجري (1250م)، وقد خاضوا معارك الجهاد ضد المغول والصليبيين، وتوّجوا ذلك بمعركة عين جالوت التي وقعت عام 658 هجري (1260م)، والتي تعد أخت حطين في طبيعتها الفاصلة في التاريخ الإسلامي، حيث انتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا على المغول، وأدت لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيا، وقد وقعت في منطقة تسمى عين جالوت بين مدينة جنين والناصرة وبيسان، في شمال فلسطين. وكان المماليك هم من طهر فلسطين من آخر الصليبيين عام 1291 ميلادي في قيساريا وعكا.
وفيما كان اسم المنطقة "جند فلسطين"، فقد قُسّمت إلى ستة أقضية هي غزة وقاقون، والقدس، والخليل ونابلس، وكانت جميعها تابعة للشام. وكذلك الحال تحت الخلاقة العثمانية، قسمت فلسطين إلى خمسة مناطق سميت سناجق، وهي سنجق القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون، وكانت جميعها تابعة لولاية دمشق، وبالطبع لم تكن هنالك فواصل محددة ولا حدود ثابتة تعرّف فلسطين كمنطقة جغرافية قائمة بذاتها طيلة القرون السابقة ضمن مراحل الخلافة الإسلامية، وتشير بعض المراجع (فلسطين ) إلى أن اسم فلسطين يمكن أن ينطبق على "المنطقة الممتدة من نهر الليطاني في لبنان شمالا إلى رأس خليج العقبة جنوبا، ومن البحر الأبيض المتوسط غربا إلى الضواحي الغربية للبادية السورية في الأردن شرقا. ويمكن أيضا اعتبار صحراء النقب جزءا طبيعيا من شبه جزيرة سيناء وعدم شموله بمنطقة فلسطين جغرافيا".
ومع تفاقم أزمات اليهود واضطهادهم في المجتمعات الأوروبية (وخصوصا الشرقية منها حيث سكن اليهود) خلال الثمانينات من القرن التاسع عشر وما تلاها، تبلورت عند اليهود قضية إقامة دولة يهودية، وكان احتلال فلسطين هو الطريق لذلك مستندين إلى عقيدتهم.
وفيما بدأت مرحلة الاستعمار الأوروبي وتمزيق دولة الخلافة، كانت بريطانيا تُعد لاستغلال تحقيق حلم اليهود من أجل مصالحها الاستعمارية، وكانت الحكومات الأوروبية تشجع الهجرة اليهودية إلى فلسطين للتخلص منهم. وفي ظل ضعف دولة الخلافة العثمانية تعاظمت تلك الهجرة على إثر دعوات من الحركة الصهيونية، والتي أدت إلى تأسيس تجمعات يهودية جديدة في فلسطين، خاصة في منطقة السهل الساحلي، حول القدس وفي مرج بن عامر.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 10:00 PM   #5
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي (4)

وحاول اليهود الاتصال بالسلطان عبد الحميد لإقناعه بتأسيس وطن قومي لليهود، واستغل زعيمهم هرتزل ضائقة الخلافة المالية فحاول إغراء السلطان عبد الحميد بالمال، وأجرى اتصالاته تلك برعاية من الدول الاستعمارية الأوربية عام 1901. ولكنّ ردّ السلطان عبد الحميد كان تاريخيا وبقي محفوظا ومحفورا في قلوب وعقول المسلمين (كما هو مسطر في رسالته الشهيرة لشيخه محمود أفندي أبي الشامات)، وشهد على ذلك الرد حكماء صهيون في بروتوكولاتهم، وهرتزل في مذكّراته، حيث ذكر هرتزل في سياق مقابلته للسلطان: "ونصحني السلطان عبد الحميد بأن لا أتخذَ أية خطوة أخرى في هذا السبيل، لأنَّه لا يستطيع أن يتخلى عن شبرٍ واحد من أرض فلسطين؛ إذ هي ليست ملكًا له، بل لأمته الإسلامية التي قاتلت من أجلها، وروت التربة بدماء أبنائها، كما نصحني بأن يحتفظ اليهود بملايينهم وقال: إذا تجزّأت إمبراطوريتي يومًا ما فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أمَّا وأنا حيٌّ فإنَّ عمل المِبْضَعِ في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون" (السلطان عبد الحميد الثاني في الميزان).
وأدرك اليهود في النهاية أن السلطان عبد الحميد يظلّ معرقلا لمشروعهم، وأنَّ حلمهم بإنشاء وطن قومي لهم لن يتحقق طالما ظل خلفية للمسلمين، لذلك شارك اليهود في التآمر لعزله ومن ثم للقضاء على دولة الخلافة، ودفعوا تلك الأموال التي رفضها –رحمه الله- للمتآمرين من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الذي كان معظمهم من الماسونيين، فخانوا الأمة ونفّذوا مؤامراة عزل السلطان والقضاء على الخلافة الإسلامية، التي ألغاها أتاتورك نهائيا عام 1924.
وشارك قادة ما سميّت "الثورة العربية الكبرى" بالمؤامرة ضد الخلافة، ومهّدوا لاحتلال فلسطين، وهو ما تأكد فيما تم كشفه في مراسلات الشريف حسين ونائب ملك بريطانيا مكماهون، حيث جاء في جواب مكماهون في 24 أكتوبر من العام 1915 حول طلب الشريف حسين تحديد الحدود ما يشير إلى نيّة بريطانيا المبيّتة في فلسطين، "إن ولايتيّ مرسين واسكندرونة وأجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال أنها عربية محضة. وعليه يجب أن تستثنى من الحدود المطلوبة".
والتقت مصالح بريطانيا، مع حلم اليهود، ولذلك تبنّت بريطانيا مشروع إقامة دولة يهودية منذ مطلع القرن الماضي، إذ قدّم الوزير البريطاني اليهودي هربرت صاموئيل سنة 1908 مذكرة اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا شارحا الفوائد الاستعمارية التي ستجنيها بريطانيا، ووافق العديد من سياسيي بريطانيا على تلك المذكرة (مشاريع سياسية أحدثت النكبة وأخرى كرّستها).
وكانت بريطانيا تخطط مع القوى الاستعمارية (فرنسا على وجه التحديد، وبإطلاع وموافقة روسيا) على تدويل فلسطين، كما تم في المعاهدة السرية لاقتسام تركة الخلافة العثمانية فيما بين بريطانيا وفرنسا، المعروفة بمعاهدة "سايكس بيكو" والموقعة عام 1916 (معاهدة سايكس بيكو)، حيث نصّت المادة الثالثة منها على ما يلي: "تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين) يعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة"، وكانت الغاية الاستعمارية من تأسيس منطقة دولية في فلسطين تكوين قاعدة للدول الغربية الكافرة، وجسر للاستعمار في أهم بقاع الارض استراتيجية من أجل تمزيق دولة الخلافة، وكي يضمنوا عدم عودتها مرة ثانية.
ولما أفشت روسيا سر تلك المعاهدة (بعد الثورة الشيوعية سنة 1917)، احتج زعماء اليهود على المعاهدة وفكرة تدويل فلسطين لدى الحكومة البريطانية، حيث أنها تتنافى مع فكرة الوطن القومي اليهودي، فأكدت لهم بريطانيا أن التدويل هو مجرد خطوة مرحلية تكتيكية نظرا لأطماع فرنسا وروسيا بفلسطين، وأن بريطانيا ستعمل على إلغاء التدويل (فلسطين تاريخها وقضيتها، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2003). ومن ثم تجرأت بريطانيا على إصدار "وعد بلفور" في كانون ثاني من العام 1917، وقد جاء في سياق طمأنة اليهود بعد إفشاء سر معاهدة سايس بيكو، وقد نص الوعد على: "إن حكومة صاحب الجلالة ترى بعين العطف تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"، ومن ثم أقرته فرنسا وإيطاليا عام 1918، وتلتهما أمريكا في عام 1919، مما يشكف عن تآمر غربي قديم مسيّر بالعقلية الصليبية نحو نزع فلسطين من المسلمين، سواء عبر التدويل أو عبر إنشاء وطن قومي لليهود.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 10:01 PM   #6
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي (5)

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918)، كانت بريطانيا قد احتلت فلسطين حتى تسهل لليهود هجرتهم إلى فلسطين، ولما دخل الجنرال البريطاني ألنبي القدس وقف على جبل الزيتون فيها وقال جملته الشهيرة التي تكشف عن مكنون العقلية الصليبية: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، وهي صدى لمقولة الجنرال الفرنسي "غورو" عندما دخل دمشق ووقف على قبر صلاح الدين –رحمه الله- وركله بقدمه "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وفي عام 1920 أعاد الاستعمار البريطاني تشكّله تحت مسمى الإدارة المدنية، وتم تعيين الوزير اليهودي البريطاني صاموئيل –صاحب المذكرة أعلاه- كأول مندوب سامي على فلسطين.
وحتى بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين، لم تكن هنالك حدود "تاريخية" ثابتة تعرّف فلسطين على وضعها الحالي المسمى "حدود فلسطين التاريخية"، نظرا لارتباط تاريخ فلسطين بما يحيطها من بلدان، وحيث أن الخلافة الإسلامية لم تعرّف حدودا ثابتة بين ولايتها، بل مرت الإشارة –أعلاه- إلى جند فلسطين وأقضيتها وسناجقها خلال الخلافة، وظلت فلسطين جزءاً متصلا من بلاد الشام. وعبر التاريخ، كان تحديد أرض فلسطين يضيق ويتسع باختلاف العصور المتعاقبة عليها، ولم تتحدد ما تسمى "حدود" فلسطين على ما هو متعارف عليها في هذا الزمن إلا خلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، ولذلك فإن الحدود المشار إليها اليوم "كحدود فلسطين التاريخية" هي نتيجة سلسلة من المفاوضات والاتفاقيات بين الإمبراطوريات والقوى الاستعمارية مطلع القرن العشرين، وإن الحديث عن "كيان فلسطيني" مبتور عن محيطه ارتبط بالاحتلال البريطاني وبالصراع على النفوذ وبفكرة إنشاء وطن قومي لليهود.
واستمرت الهجرة اليهودية تحت الرعاية البريطانية والتسهيل الأوروبي، وانتفض الناس في فلسطين عدة مرات ضد المآمرة البريطانية والهجرة اليهودية، منها ثورة يافا (عام 1919)، ثورة البراق (عام 1929). وحصلت الهجرات اليهودية على عدة مراحل: كانت الموجة الأولى في الفترة 1882-1903، ولحقتها الموجة الثانية حتى عام 1914، ثم كانت الموجة الثالثة في الفترة من 1919-1923، ثم الرابعة في الفترة 1924-1928. وكانت عصابة الهاغانا قد تأسست عام 1921 كمنظمة عسكرية صهيونية، ورغم أنها كانت سرية وغير مشروعة إلا أن الإنتداب ساعدها وغض الطرف عن نشاطاتها، فيما كان تطبيق القوانين صارماً ضد الفلسطينيين فيما يتعلق بحيازة الأسلحة، وتشكلت بعدها عصابات يهودية أخرى مثل عصابة شتيرن عام 1939، وفي الفترة ما بين 1940-1945 واصلت عشرات الألوف من اليهود الهجرة والدخول بشكل غير رسمي، واستمرت على تلك الحال بعد ذلك (تسلسل التاريخ الفلسطيني منذ العصور الأولى حتى عام 1949).
وبدأت قضية فلسطين بالتبلور كقضية عسكرية للتخلص من الاحتلال البريطاني، وهو ما أدركه المجاهد عز الدين القسام -رحمه الله- الذي خاض الجهاد ضد بريطانيا بعدما كان قد جاهد ضد الاحتلال الفرنسي لسورية عام 1920، ولمّا طارده الفرنسيون انتهى به المطاف في فلسطين، وأسس فيها حركة جهادية ضد الاحتلال الانجليزي لفلسطين، ونفّذت عمليات فدائية ضد المستوطنات اليهودية، بهدف إحباط الهجرة إلى فلسطين، إلى أن استشهد على يد الاحتلال البريطاني عام 1935 (الشيخ عز الدين القسّام).
وفي المقابل كانت هنالك توجهات مبكرة لتسييس قضية فلسطين بعيدا عن قتال الإنجليز قادها الحاج أمين الحسيني، الذي ترأس الهيئة العربية العليا، التي أنشئت عقب استشهاد عز الدين القسام عام 1935، وضمّت مختلف التيارات السياسية الفلسطينية (وتعتبر من الجذور التي أنبتت منظمة التحرير لاحقا)، وحرّكت ما عرف بثورة 1936، ومن المعروف أن الحسيني كان يؤيد الجهود السياسية لحل القضية الفلسطينية (الحاج أمين الحسيني).
وتحددت رؤية بريطانيا بصدور الكتاب الأبيض لسنة 1939 (مشروع الكتاب الأبيض، White Paper of 1939)، والمعروف أيضاً بكتاب مكدونالد الأبيض نسبة لوزير المستعمرات البريطاني، الذي رفض فكرة الدولة اليهودية وفكرة الدولة العربية، فيما نص على "أن هدف الحكومة البريطانية هو أن تشكل حكومة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة ...، يشارك العرب واليهود في حكومتها ..."، وأبقى باب الهجرة لليهود مع تحديد أعداد المهاجرين، وحدد المشاركة في الحكومة بناء على نسبة كل منهما لإجمالي سكان فلسطين في سنة 1949.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 10:03 PM   #7
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي (6)

وتعاظمت العصابات اليهودية، التي تآمرت مع بريطانيا من أجل أن تتسلم الأراضي الفسطينية (الممسمّاة الآن 1948)، وأخذت قضية فلسطين تتبلور بشكل قوي على الساحة الدولية: ففي نيسان عام 1947 أحالت بريطانيا ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، معلنة أنها ستنهي انتدابها في 15 أيار من العام 1948. وفي 29/11/1947 عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا، تم فيه التصويت على قبول مشروع كان قد قدم مسبقا بشأن تقسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين رقم 181، وكانت أمريكا ممن شجع إصدار ذلك القرار. وكانت حرب 1948 كانطلاقة لدولة اليهود، وسارعت دول الغرب بالاعتراف بدولة يهود، وتم قبولها كعضو في الأمم المتحدة في 28-3-1948. وهكذا تبلورت القضية الفلسطينية كقضية سياسية على الساحة الدولية.
وأمام هذه الوقفة التاريخية لا بد من بلورة مجموعة من النقاط التي تنعكس على واقع قضية فلسطين الحالي، منها:
• التاريخ ليس مصدرا لإقرار الأحقية بالبلاد، فهي أرض معمورة قبل التاريخ وقبل ظهور اليهود الأصليين، ثم إن اليهود المحتلين لفلسطين قد فقدوا الصلة الشرعية ببني إسرائيل من أتباع موسى عليه السلام، بل إن بني إسرائيل أنفسهم قد فسقوا خلال الديار زمن الأنبياء وقتّلوا الرسل. وفوق ذلك، فإن هؤلاء المحتلين لفلسطين ممن يحملون العقيدة اليهودية قد فقدوا صلة النسب ببني إسرائيل، ولذلك ليس ثمة من قيمة للحديث عن الأحقّية التاريخية، ولا عن وعد الله لأمثالهم، بل هنالك توعّد لله سبحانه للمجرمين منهم، وهذه اللفتة هي فقط من أجل سحب البساط من تحت أقدام أصحاب الدعاوى اليهودية وممن يتحدث عن أباطيل المستشرقين. ولا قيمة لكل محاولات التزوير التاريخي الذي يمارسه اليهود.
• إن فسطين مرتبطة بعقيدة المسلمين وبتاريخهم الممتد لثلاثة عشر قرنا من الخلاقة، وقد ظلت محل أطماع الصليبين، وساحة جهاد للمسلمين على فترات متعددة من تاريخهم.
• إن احتلال فلسطين ظل في كل مرة مرتبطا بتشرذم المسلمين وبفرقتهم وبضعف الخلافة أو تمزقها أو القضاء عليها، فيما كان تحريرها مرتبطا بالعمل على وحدة البلاد وتوحّد العباد، وكان دائما مستندا إلى عمقها في مصر والشام، ولذلك فإن التعامل مع القضية كشأن داخلي فلسطيني، والتعامل مع الشام ومصر كدول شقيقة يخالف الحقائق التاريخية عدا عن مخالفته للأحكام الشرعية.
• إن الحديث عن "حدود فلسطين التاريخية" كجغرافية محددة تفصل فلسطين عن محيطها في الشام هو تضليل تاريخي وتزييف للحقائق، إذ لم تتحدد تلك الحدود إلا خلال فترة الاحتلال البريطاني وضمن مسيرة المؤامرات الاستعمارية، ولم تكن فلسطين منفصلة عن الشام بل ظلّت خلال قرون طويلة تابعة لولاية دمشق والشام.
• ظلت عقلية الحروب الصليبية مسيطرة على الممالك في أوروبا قديما، وعلى الدول الأوروبية حديثا، ولا يمكن أن تزول هذه العقلية من ساحة الصراع، بل هي تتجلى اليوم في صراع حضارات كوني، وما فلسطين إلا ساحة من تلك الساحات الدموية.
• ليس ثمة من تشابه بين الهدنة التي عقدها صلاح الدين وبين أية اتفاقية تعقدها الفصائل الفلسطينية مع الاحتلال اليهودي، فقد كانت من قبل حاكم مسلم لوقف مؤقت للقتال دون اعتراف بالاحتلال، على خلاف أية اتفاقية دائمة توقعها قادة فصائل معترفة بالاحتلال.
• لقد كان تحرير فلسطين دائما قضية عسكرية تتعلق بالجهاد، ولذلك فإن حصرها بالقضية السياسية لا يؤدي إلى تحريرها، وإن التحالفات مع الصليبيين ومع قوى الاستعمار الأوروبي قد أدت دائما للاحتلال، ولا يمكن أن تكون طريقا للتحرير.
• لم تخض الأمة حربا حقيقية مع كيان يهود، وتحاول دولة يهود الإفادة من الحرب المسرحية عام 1948 لتخلق صورة ذهنية لها بأنها قوة لا تغلب، وذلك تزييف للواقع، لأن انتصار عصاباتها كان نتيجة تآمر الأنظمة العربية.
• لقد سطر التاريخ صحائف مشرقة لأبطال الأمة الذين حرروا فلسطين أو رفضوا التنازل والتآمر عليها، فيما سطّر أيضا سجلات عار مخزية لمن تآمر عليها، ولذلك فإنّ ما يجري على الساحة الفلسطينية من تآمرات حاليا ستلقي بأصحابها في مزابل التاريخ، ولا يمكن أن تضعهم الأمة في خانة عمر وصلاح الدين والسلطان عبد الحميد.
• لقد كانت الثورة العربية الكبرى خنجرا في صدر الأمة، وممهدا لاحتلال فلسطين، ولذلك من المهم أن تعي الأمة على ما خلف الشعارات "الثورية" من مؤامرات، وأن لا تنخدع بمن ينسّق مع الغرب تحت إطار العلاقات الدولية، فذلك التنسيق لا يمكن إلا أن يؤدي لتحقيق برامج الغرب ومصالحه.
22/1/2012
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-10-2017, 08:07 PM   #8
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,806
افتراضي ولّى زمن الإنتفاضة

ولّى زمن الانتفاضة

د. ماهر الجعبري

قد تدفعنا الأحاسيس العفوية في ساعة غفلة إلى القفز فوق متطلبات الحكمة والوعي السياسي، فتغلب المشاعرُ الأفكارَ، وقد تقودنا المجاملة السياسية إلى السير مع تدفق التيار العاطفي، ومن ثم نستسلم لتلك "التابوهات" العاطفية التي اختلقتها "الرموز" الوطنية، وتلقّفها الإعلام المأطّر، ثم صارت مقدسة عند الأتباع والأشياع، ولم يعد أحد يجرؤ على تناولها ونقاشها بعقلانية دون لهيب العاطفة، إذ إن من يمّسُها أو يحسُّها، يصبح خارجا عن وحدة الصف، أو مرتدا على الوطنية، أو "قاعدا" عن الجهاد...
.
أمام هذا المشهد، يمكن أن نكون –شئنا أم أبينا- شركاء في جريمة إراقة دماء أبنائنا الأبرياء على حواجز الاحتلال الصهيونية، خصوصا عندما يتقاعس أصحاب الرتب العسكرية، ويتحول الخطاب العسكري إلى الصبية والفتيات من أجل أن يتصدوا للمعركة، بينما ينام العساكر آمنين، فتنقلب الحالة، ويصبح "التحريض" توريطا للدماء البريئة.
***
هنا قررت أن أتحدث بلا مواربة، متجاوزا حدود "الدبلوماسية السياسية"، وأن أنقل أحاسيس الشارع العفوية، وأن أتحدث لغة البسطاء، من الذين لا يحلمون الألقاب النضالية، والذين ليس لهم رصيد من الأسرى ولا من الشهداء! ومن القاعدين عن "الجهاد!"، ذلك "الجهاد!" الذي يهدف إلى إحكام قبضة الأجهزة الفصائلية على الضفة الغربية وغزة.
وقد استجمعت الجرأة الفكرية والشعورية "للتطاول!" على تلك "التابوهات" الوطنية، وخصوصا بعدما تجاوزت مرحلة "المجاملة العاطفية"، وأنهيت صفتي الإعلامية الرسمية، وصرت قادرا على الكتاب بعفوية الناس، وتلقائية البسطاء.
***
وهذا المقال "يتطاول!" على الانتفاضة والمقاومة، اللذين يمثلان عمودين في تركيبة تلك المحرمات الوطنية. واستهل مقالي هذا ببرقية إلى الفتية الأبرياء والفتيات العفيفات، من الذين لم تتمزق عن أجسادهم بعدُ براقع الطفولة، أو بالكاد فعلت، في تصريح صريح:
إن من يدفعكم لمواجهة الاحتلال المدجج بالسلاح بصدوركم العارية متعاميا عن طبيعة الحرب يَقتُلكم، وإن من يدعوكم للموت بصرخة يائسة في وجه عدو لا يأبه بحياتكم يخدعكم ويسلمكم لآلة القتل بلا رحمة، ليظل هو منتصبا صنما وطنيا، بل إن قلبه الصخري أكثر صلادة وبلادة من الصنم الحجري، الذي قدّسته الجاهلية الأولى.
.
هي أصنام وطنية خرقاء وتماثيل عربية شمطاء وأخرى متأسلمة تتغابى، تهتف بالأتباع والأشياع بأن المقاومة الشعبية هي السبيل للتحرير، فيهُبّ الصبية يتواثبون نحو الحواجز الصهيونية، تُراق دماؤهم الزكية كأنه مشهد درامي، ينتجه الإعلام الخانع والممانع مسرحية بعنوان "الضحية"، في بث مباشر! ويكون الأطفال فيها أرقاما بلا أرواح، "وكومبرس" بلا أمهات. ثم يتاجر بها الزعماء المنتصبون في المحافل الدولية -بلا حس ولا شفقة- من أجل استجداء "وقفة صدق!" من أئمة الاستعمار! وتكون ورقة سياسية في مفاوضاتهم وحواراتهم، ومحاصصتهم.
.
ثم يعود القادة والزعماء ينعمون في قصورهم، وتظل جيوشهم وأجهزتهم تحرس كهولتهم الخرقاء وشيخوختهم النكراء. وتظل الرموز الوطنية تنعم بالمناسف على موائد المصالحة، وبالدولارات في الحقائب الدبلوماسية، ثم يخلد الجميع إلى فراشهم الوثير، يحتضنون أبناءهم المدلّلين في الليالي الدافئة، يداعبونهم ويخيرونهم بين دراسة الطب أو الهندسة، في أمريكا أو في بريطانيا، بعد أن يحفّظّوهم أغاني الرثاء الوطنية، "ليجاهدوا" بها على فضائياتهم، وهم يرقصون على الجثث الغضة أو المجمّدة في حفلات تأبينها، بينما تتمزق قلوب الأمهات الثكلى، وتسيل عيون الآباء دماء لا دموع.
.
نعم، نحترم الآخرين ونحترم مشاعرهم وبطولاتهم، ولهم وجهات نظر يرونها، ولكنّ الصمت على دماء الأبرياء لا يحتمل المجاملة السياسية، إذ لا يمكن أن يُضحّى بها في لعبة المعادلات السياسية، ثم يستمر الجميع بالسكوت المخزي، فكيف تلقون الله أيها الصامتون وأيها المحرّضون، وأيها المطبّلون عندما تقف أم ثكلى بين يدي الله تُطالب بحقها فيمن قتل ابنها أو دَفَعَه للمحرقة بلا حماية؟
.
تُحرضون فتيات يافعات -لم تُمسك أحداهُن بعدُ سكينا في المطبخ لفَرمِ السَلَطة- على حمل سكينا مثلّمة، تلوّح بها بسذاجة الأطفال، وبرخاوة اليد الطريّة كأنها تُحيّي صاحباتها، فلا تستطيع أن تُحدَثَ بها خدشا في صحن "بالوظة" فلسطينية، فكيف بها أن تخترقَ بزة عسكرية صهيونية! تلك البزة ذات الجودة العالية التي تم شراؤها من أرباح عقود اقتصادية مع دول الممانعة ومع نماذج الحكم المتأسلمة!؟
.
أي سخف هذا الذي نحياه! وأية مهزلة! وكيف سيكتب التاريخ هذا المشهد الفظيع؟ أليس من الواجب أن تتساءلوا بهدوء وعقلانية قبل الاندفاع الغريزي والانقياد السطحي؟ من هم أولئك الذين يغضبون اليوم؟! ويريدونكم أن تغضبوا ضد ترمب السفيه؟
إنهم هم الزعماء وقادة الفصائل، ممن تنازلوا عن القدس عندما هتفوا للشرعية الدولية، واعترفوا بقرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي أقرّ بأن حلّ القدس هو عبر "الاحتلال الدولي الدائم"، والذي نص على "تقرير وضع القدس في نظام دولي دائم".
وهم بعض أصنام الفصائل الذين تنازلوا عن القدس عندما دعوا إلى استجلاب قوات احتلال دولي (طرف ثالث) للقدس، وعندما اعتبروا أن حائط البراق يهودي. وهم الزعماء "الإسلاميون!"، الذين تنتفخ أوداجهم غضبة ضد قرار ترمب، بينما لم يجف الحبر الذي كتبوا به دعواهم بأن لليهود حقا في القدس، تلك التي يعتبرونها اليوم خطا أحمر، كما اعتبروا من قبل حلب وغيرها.
.
كم مرة سيخدعكم دجاجلة الممانعة -العلمانية والمتأسلمة على حد سواء- وأبواق المقاومة وتجار المشروع الوطني الاستثماري؟ أليست أمهاتكم اللواتي تراقبن كل خلية تنمو في أجسادكم أحق بكم وبحياتكم؟ أليست الحياة في سبيل الله أجلَّ وأعلى من الموت من أجل تلك الأصنام الوطنية؟!
.
إنها الخديعة السياسية الكبرى التي تُمرر تحت عناوين عاطفية تسللّت إلى عقلياتنا كمحرمات وطنية، وقد احتشد خلفها جيش كبير من "مجاهدي الإنترنت"، يطنطنون خلف الشاشات، يحرسونها من أي انتقاد أو محاسبة، بدعوى الجهاد والاستشهاد، ويشحنون الفتية عاطفيا، ثم يهتفون في جنازاتهم ثائرين، ويتابعون مشاورهم الجهادي على شبكات التواصل الاجتماعي.
.
وإني لا أبرّئ نفسي من الوقوع في ذلك الشرَك العاطفي في مقال سابق، أو عبر كلمة تأبينية مضت إلى غير رجعة. ولذلك فإني اليوم أقف هنا وقفة صدق مع نفسي أولاً، وقد امتلكت الجرأة الفكرية لأن أعلن اعتذاري عن أي لحظة عاطفية قد تكون ساهمت في الإثارة الشعورية، وصوّرتْ الموقف الدموي على غير حقيقته، ولذلك قررّت أن أواجه الحقيقة المرة بلا مواربة، وأن أُعلنها صريحة مدوية: #بلا_انتفاضة_بلا_بطيخ.
.
وإنّي أوقع هذا الإعلان بصفة "قاعد لم يجاهد"، ولا يريد أن يجاهد في سبيل تمرير حل الدولتين الأمريكي، أو لكي تكون "أبو ديس" عاصمة #المشروع_الوطني_الاستثماري. وسأرفع رأسي وصوتي بها، مهما علت أصوات مجاهدي ومناضلي حلّ الدولتين، ومهما استمروا في قصف الجبهات الألكترونية، وفي استهداف كل لحظة صدق أو كلمة وعي، فهي فئة محصورة في الأتباع والأشياع مهما تداعوا على الصفحات، أما البسطاء وهم جُل الناس فيدركون الحقيقة.
.
لإنها صرخة توعوية... تكشف مؤامرة الحكام والأصنام والإعلام، الذين اجتمعوا على إرادة التمثيل الكفاحي، ويريدون لهذه الهبة أن تنتفخ لبرهة، ثم تنفجر حتى تنفس عن الضغط، بينما تسير أمريكا في خطة ترمب لتكون القدس عاصمة "إسرائيل"، كما كانت قد اتفقت مع هؤلاء "الغاضبين!" من الساسة والزعماء، الذين يريدون تضليل الناس بأن القدس (الشرقية) هي الحق الأوحد، في قول الله تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ"، مضللين عن حقيقة أن "البركة" فيما حوله، تشمل بلاد الشام بأكملها، ومنها "تل الربيع"، حيث قامت عاصمة الاحتلال الصهيوني، وكما تحدث مفسرون، وقالوا "إن الله تبارك وتعالى، بارك ما بين العريش والفرات وفلسطين، وخَصّ فلسطين بالتقديس".
.
لذلك فإنه من التضليل بل من الاستغباء المقصود أن تنحصر الغضبة لأجل الأقصى وبيت المقدس في القدس الشرقية، بينما تغفل عن اغتصاب "تل الربيع" وبقية فلسطين المباركة، التي اعتبرها الحكام والأصنام والإعلام حقا صهيونيا لا نزاع فيه، وحيث تنتصب سفارة الاستعمار الأمريكي اليوم، بما يمثل التفافا فكريا على الثابت العقدي، واستحمارا شعبيا عابرا للبلدان.
.
وإن المقام ليس مقام الحديث عن الجهاد الذي هو من قطعيات الإسلام، وليس مقام التباهي بحب الأوطان، أو الدفاع عن الأقصى، بل هي مكاشفة حول "تابوهات" المقاومة والانتفاضة، التي أسَرتْنا وضللت أبناءنا: بأن تلك الهبات هي الجهاد، ولا جهاد غيره، ثم حصرت التحرير في تلك المقاومة، التي تحولت إلى شعبية، تصفق لها الفصائل المدججة بالسلاح، بدل أن يصفق الشعب للمقاومين المسلحين في تلك الفصائل، وبعدما تفلسفت بفلسفة المساومة، ثم انحشرت في أنفاق المصالحة.
***
ومن ثم، فإن زمن الانتفاضة التي يرعاها الحكام وتحركها الأصنام قد ولى، ولا أظنه يرجع، وخصوصا بعدما تم ربط الأفراد بالمصالح والضرائب والوظائف والقروض والرواتب والمقاعد البرلمانية.
.
وقبل الختام، لا بد من التأكيد أن حراك الجماهير مطلوب، إذ هو يعبر عن ضمير الأمة الحي، ومنه هبة القدس ضد فرض البوابات الألكترونية على المسجد الأقصى، ولكن تلك الهبة تميّزت بعفويتها وعدم انقيادها للفصائل ولا الزعماء، ولم تنشغل بتمثيل دور الضحية، عن الكفاحية نحو الأمة ومعها ضد صمت الحكام، فأرهقت كواهلهم، ثم أثمرت فرجا مؤقتا.
.
ومن الحراك المشروع أيضا هبات الشعوب في العواصم العربية التي تخرج من قلوب وعقول الأمة، لا من أروقة المتآمرين، غضبة للقدس والأقصى، وتحريكا للنخوات، وتحميلا للمسؤوليات، لا لمجرد الصراخ في وجه المحتل. وهو الذي يكون سياسيا سلميا توعويا نحو الأمة من أجل تحمّلها مسؤولية التحرير، لا لتمثيل دور الضحية على الحواجز الصهيونية، أو من أجل حصر القضية في فصائل متناحرة على كعكة السلطة. فشتان بين الكفاح السياسي والاستجداء السياسي!
ألمصدر :
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:52 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.