قديم 02-23-2014, 01:59 AM   #11
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 23 - 25

ثالثها: الحبل: أي ظهور الحبل عليها، وإذا حبلت المرأة، ولا زوج لها، عليها الحدّ، لقول عمر: " والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصناً، إذا قامت بينة، أو كان الحبل والاعتراف " . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " يا أيها النّاس إن الزنا زناءان: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي " وهذا قول سادة الصحابة، ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف، وهذا الأمر مما ينكر، ولم يوجد منكر فكان إجماعاً.
إلاّ أنه في حالة الحبل يدرأ الحدّ عن المرأة إذا بينت سبباً للحبل، لأنّه يكون حينئذ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، فإذا قالت المرأة إنها حبلت من إدخال ماء رجل في فرجها دون زنا، سواء بفعلها أو بفعل غيرها، أو قالت إني أكرهت على الزنا إكراهاً ملجئاً، أو قالت غير ذلك من أسباب الحبل التي تكون شبهة يُدرأ الحد عنها ولا يقام عليها، فقد روى سعيد: حدثنا خلف بن خليفة حدثنا هاشم " أن امرأة رُفعت إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحدّ " . وروى البراء بن صبرة عن عمر " أنه أُتي بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت، فقال: خلّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد ( أن لا يقتل أحد إلا بإذنه ) " . وفعل عمر وإن كان ليس دليلاً شرعياً ولكنه حكم شرعي، فيجوز تقليد عمر بهذا أي يجوز للخليفة أن يأمر بعدم الحكم بالقتل بعد استكمال أسباب الحكم إلاّ بإذنه.
هذه هي بينة الزنا، ولا يثبت الزنا بغيرها مطلقاً، فهي ليست داخلة تحت نصوص الشهادات، ولا تحت نصوص البينات، بل هي بينة خاصّة لأمر خاص، وتعتبر جزءاً لا يتجزأ من أحكام حدّ الزاني، فهي نص ويجب التقيد بهذا النص. وعليه لا يثبت الزنا بشهادة طبيب على بكر بأنها ثيب، أو بأنها زنت، أو بأنها قد وُطِئت، أو ما شاكل ذلك، وكذلك لا يثبت بشهادة قابلة، ولا يثبت بأي شيء سوى واحد من هذه الثلاثة، حتى لو تحقق القاضي من الزنا، لأنّ المقصود ليس إقامة بينة على الزنا، بل إقامة بينة معينة عينها الشرع، وليس المقصود إقامة الأمارات، والأمور التي تثبت للقاضي وقوع الزنا، أو تجعل القناعة تحصل عند القاضي، بأن الزنا قد وقع، بل المقصود هو ثبوت الزنا بهذه البينة المخصوصة، وليس ثبوت الزنا فقط، بل ثبوته ببينة معينة. ولهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم: يظهر قناعته بأن امرأة معروفة زانية ومع ذلك لم يحدّها لعدم وجود البينة، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله : " لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها " وعن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعَنَ بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهادي هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها ؟ قال: لا تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام " وفي لفظ البخاري " كانت تظهر في الإسلام السوء " أي كانت تعلن بالفاحشة ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة الزنا ولا اعتراف، وأيضاً فقد جاء في حديث ابن عباس عن قذف هلال بن أمية لامرأته بشريك بن سمحاء ونزول آية اللعان، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم: فأرسل إليهما فجاء هلال فشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم: يقول " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " ثمّ قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة وقفوها، فقالوا إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:: " أنظروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الاليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سمحاء " فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:: " لو لا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " وفي رواية البخاري " من حكم الله " ففي هذه الحادثة ظهرت الإمارات بشكل واضح أنها زانية، وأظهر الرسول قناعته بأنها زانية ومع ذلك لم يحدّها لأنّ الزنا لم يثبت بالبينة الشرعية التي جاء بها القرآن، وهو يؤيد أنه لا يحدّ الشخص إلاّ إذا ثبت الزنا بالبينة الخاصة بالزنا، أي الإقرار، أو أربعة شهود، أو الحبل.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 02:02 AM   #12
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 26 - 27


حد اللواط

عقوبة اللواط غير عقوبة الزنا، لأنّ الزنا غير اللواط. فواقع هذا غير واقع هذا، وكل منهما يختلف عن الآخر. فاللواط ليس نوعاً من أنواع الزنا حتى يقال إنه يدخل تحت عموم الأدلة الواردة في الزنا، لأنّ الزنا إيلاج رجل في فرج امرأة، واللواط إيلاج رجل في دبر ذكر، والإيلاج في الفرج غير الإيلاج في الدبر، ومن هنا كان هذا غير ذاك. وأيضاً لا يقاس اللواط على الزنا، لأنّ النص الوارد في الزنا لم يعلل حتى يصح القياس بجامع العلة. وفوق هذا فإن إتيان المرأة في دبرها لا يكون لواطاً، ولا يسمونه لواطاً، لأنّ اللواط ليس الإتيان في الدبر، وإنما هو إتيان الرجل الرجل، أي إيلاج الرجل في دبر ذكر. وعليه فالزنا غير اللواط، ولا يقاس عليه. وأما حديث: " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان " ففي إسناده محمد به عبد الرحمن، وكذّبه أبو حاتم، وقال البيهقي لا أعرفه، والحديث منكر. ولو فرض صحته فإن المراد منه التشبيه، أي كالزانيين، بدليل أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول " فلو كان قوله " زانيان " على الحقيقة لكان حد اللواط كحد الزنا، وحتى إن الحديث الذي يروونه برجم اللوطية يروونه برجم البكر، أي برجم المحصن وغير المحصن، وهذا يعني أن حكم اللواط غير حكم الزنا، لذلك كله فإن عقوبة اللواط غير عقوبة الزنا.
أما الحكم الشرعي في عقوبة اللواط فهو القتل، سواء أكان محصناً أم غير محصن، فكل من ثبت عليه اللواط سواء أكان فاعلاً أم مفعولاً به يقتل حدّاً، والدليل على ذلك السنة وإجماع الصحابة. أما السنة فعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " رواه الخمسة إلاّ النسائي، وقال الحافظ رجاله موثوقون، إلاّ أن فيه اختلافاً. وقال ابن الطلاع في أحكامه ( لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة انتهى ). فهذا دليل من السنة أن حكم اللواط هو القتل. وأما ما روي عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس " في البكر يوجد على اللوطية يرجم " فإن المراد منه يقتل بالرجم، وليس معناه أن حدّه الرجم، ويدل على ذلك أن الأدلة الواردة في قتل الفاعل والمفعول به مطلقاً لم تفرق بين البكر والثيب، والرجم حد للثيب فقط، ونص الحديث أنه يفعل ذلك بالبكر، مما يدل على أنه غير حدّ الرجم. وعليه فإن حديث ابن عباس من طريق سعيد بن جبير ومجاهد لا يعارض حديث ابن عباس من طريق عكرمة، فإن كلا منهما يدل على القتل، إلاّ أن حديث الرجم يدل على القتل بأسلوب معين، وحديث القتل يدل على القتل مطلقاً. فالحكم هو القتل ويجوز أن يقتل بالرجم، ويجوز أن يقتل بالشنق، ويجوز أن يقتل بالرصاص، ويجوز أن يقتل بأية وسيلة من الوسائل. فالحكم هو القتل، وليس الأسلوب، ولا الوسيلة التي يقتل بها.
وأما إجماع الصحابة فإن الصحابة قد اختلفوا في أسلوب قتل اللوطي ولكنهم أجمعوا على قتله. فقد أخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه أنه رجم لوطياً، وأخرج البيهقي عن أبي بكر أنه جمع النّاس في حق رجل يُنكَح كما يُنكَح النساء، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكان أشدهم يومئذ قولاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: " هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلاّ أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار " ، وروي عن جعفر بن محمد أن أبيه عن علي في غير هذه القصة قال: " يرجم ويحرق بالنار " . وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطي فقال: " ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكساً، ثمّ يتبع الحجارة " . وروي عن علي: " أنه يقتل بالسيف، ثمّ يحرق لعظم المعصية " وذهب عمر وعثمان: " إلى أنه يلقي عليه حائط " . فهذه كلها أراء تدل جميعها على القتل، وإنْ اختلفت في أسلوب القتل. على أنه قد حكى صاحب الشفاء: " إجماع الصحابة على القتل " . وعليه يكون الإجماع، أي إجماع الصحابة قد انعقد على أن اللوطي حكمه القتل، سواء أكان فاعلاً، أم مفعولاً به، محصناً كان، أو غير محصن. وإجماع الصحابة وحده دليل شرعي فكيف إذا تأيّد ذلك بالسنة. وعليه فإن الحدّ المقدر شرعاً للوطية ليس حدّ الزنا، وإنما هو القتل بغض النظر عن الوسيلة التي يقتل بها.
وبينة اللواط ليست كبينة الزنا، وإنما كبينة أي حد من الحدود غير الزنا، لأنّه ما دام لا يصدق على اللواط أنه زنا فلا يصدق عليه دليل بينة الزنا، فيدخل تحت أدلة باقي الحدود. وعليه يثبت اللواط بالإقرار، ويثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، كبينة السرقة وغيرها من بينات الحدود. ويشترط في حد اللواط أن يكون اللوطي، فاعلاً كان أو مفعولاً به، بالغاً عاقلاً مختاراً، وأن يثبت اللواط عليه بالبينة الشرعية، وهي شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فلو كان صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً إكراهاً ملجئاً لا حد عليه.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 02:15 AM   #13
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 28 - 29


حكم إتيان المرأة في دبرها

إتيان المرأة في دبرها حرام، فيحرم على الرجل أن يأتي المرأة في دبرها، واعتبرها بعض الأئمة من الزنا، وهو وإن كان لا يسمى لواطاً ولكنه كاللواط. وقد يقال اللواطة بالمرأة، فيفهم منه إتيان المرأة في دبرها، ولكن اللواط إذا أطلق، معناه إتيان الرجلِ الرجلَ، وليس له معنى آخر، فلا يقال عن إتيان المرأة في دبرها أنه اللواط. ولهذا فإن حرمة إتيان المرأة في دبرها ليس آتياً من حيث كونه زنا، ولا آتياً من حيث كونه لواطاً، فإنّه ليس بزنا، ولا هو باللواط، وإنما آت من الأدلة الشرعية التي دلت عليه. قال الله تعالى: ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ). فهو نص بتقييد إتيان المرأة من حيث أمر الله إتيانها وهو الفرج، ومفهومه أن لا تأتوها من غير المكان الذي أمركم الله إتيانها منه، وهذا راجع إلى ما أمر الله به من النكاح من مثل قوله: ( فانكحوا ما طاب لكم ) وقوله: ( وأنكحوا الأيامى منكم ) وقوله: ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) وهو الزواج. فالأمر نص في أن يأتي الرجال النساء في المكان الذي أمر الله به وهو الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: " ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) يقول في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى " . وقال مجاهد: " ( من حيث أمركم الله ) يعني الفرج " . ولا يقال إن هذا راجع لقوله: ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) لأنّ الآية: ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يَطْهُرْنَ فإذا تَطَهّرْنَ فأْتوهن من حيث أمركم الله ) لا يقال ذلك لأنّ المحيض زمن، وليس بمكان، فلو كان هو المقصود لقال ائتوهن في غير وقت المحيض، ولكنه عبر بحيث الدالة على المكان، فلا يمكن أن ينصرف للحيض، لوجود حيث وهي لا تدل إلاّ على المكان، فمعناه ليس المحيض، بل المكان، أي ائتوهن من حيث أمركم الله، أي في المكان الذي أمركم وهو الفرج، فإنّه هو الذي أمر بإتيانه بآيات النكاح والزواج، ويؤيد هذا أنه عقب ذلك بالآية التي بعدها ببيان وضعية النساء بأنها للنسل وقال: ائتوا ما يأتي منه النسل وذلك لا يكون الا في الفرج. ولذلك قال: ( فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) فإن هذه الآية (نساؤكم حرث لكم ) بيان لما قبلها وهو قوله: ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) فهي بيان للمكان الذي أمر الله به وهو الفرج، وقوله: ( حرثكم ) كناية عن مكان الزرع، وقوله: ( أنّى شئتم ) أي كيف شئتم لأنّ  أنّى  معناها كيف وليس معناها من أين فإن كلمة ( أنّى ) تستعمل بمعنى كيف، ولا تستعمل بمعنى من أين إلا في النادر القليل، على أنه لو فرض أنها تستعمل في المعنيين فإن قوله ( حرثكم ) قرينة على أن معناها هنا " كيف " وليس من أين، وهذه القرينة جاءت في موضعين، فإنّه قال: ( نساؤكم حرث لكم ) وهذا كاف بأن معنى كونهن حرثاً أن يؤتَيْنَ في مكان الحرث، ولكنه كرره فأعاد كلمة الحرث عند أمره بالإتيان فقال فأْتوا حرثكم أنّى شئتم ) ولم يقل فأتوهن أنى شئتم، للتأكيد ولنفي كل احتمال. فكأن الله يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم من موضع الحرث، فقوله: ( فأْتوا حرثكم ) نص في الإتيان في الفرج. على أن سبب نزول الآية وهو الموضوع الذي نزلت فيه دال على أن الموضوع هو السؤال عن كيفية الإتيان فيكون خاصاً به. عن سفيان بن سعيد الثوري أن محمد بن المنكدر حدثهم أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول فأنزل الله ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) قال ابن جريح في الحديث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مقبلة ومدبرة إذا كان في الفرج " . وعليه فإن قوله تعالى: ( فأْتوهن من حيث أمركم الله ) يدل على تحريم إتيانها في غير ما أمر الله به، وقوله: ( نساؤكم حرث لكم ) الآية بيان لما أمر الله الإتيان منه وهو الفرج، علاوة على ما جاء في آيات النكاح والزواج. وهذا دليل على تحريم إتيان المرأة في دبرها. على أن هناك أحاديث تنص صراحة على أن النهي عن إتيان المرأة في دبرها. عن خزيمة بن ثابت: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى " وعن علي بن طلق قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن فإن الله لا يستحي من الحق " وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن الحارث عن مخلد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه " وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة يرفعه قال: " لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها " . فهذه الأحاديث كلها دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن. فيحرم على الرجل إتيان امرأته في دبرها. إلاّ أن الشرع لم يجعل له حدّاً مقدراً من العقوبة فلا يكون من الحدود، وإنما يدخل في باب التعزير، ولذلك على الإمام أو القاضي أن يقدر له عقوبة موجعة تكون زاجرة، لأنّ العقوبة ولو كانت تعزيراً لا بد أن تكون رادعة، فلا بد أن تكون موجعة، والأولى ترك تقديرها للقاضي.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 02:20 AM   #14
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 30


حد القذف

القذف هو الرمي بالزنا، وقذف المؤمنات الغافلات المحصنات هو المحرّم، وإلا فمن قذف زانية وأتى بشهداء فليس كذلك. والقذف المحرّم قد حُرِّم بالكتاب والسنة، قال تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون ) وقال سبحانه: ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات " وكلمة المحصنات هنا في الآيتين والحديث: العفائف جمع عفيفة. وكلمة المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان: أحدها العفائف، هنا في الآيتين، والثاني بمعنى المتزوجات، كقوله تعالى: ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) وقوله تعالى: ( محصنات غير مسافحات ) والثالث بمعنى الحرائر مقابل الإماء، كقوله تعالى: ( ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وقوله تعالى: ( والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وقوله تعالى: ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) والمعنى الرابع بمعنى الإسلام كقوله تعالى: ( فإذا أحصن ) قال ابن مسعود إحصانها إسلامها. فكلمة المحصنات من الألفاظ المشتركة ككلمة عين تطلق على عدة معان، والمراد هنا معنى واحد منها وهو العفائف.
ومن قذف مسلمة محصنة جُلِد الحدّ ثمانين جلدة، على أن يكون القاذف مكلَّفاً مختاراً، وأن تكون المحصنة قد جمعت شرائط الإحصان. وشرائط الإحصان الذي يجب الحدّ بقذف صاحبته خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن تكون كبيرة يجامع مثلها.
ويعتبر لإقامة الحدّ بعد تمام القذف بشروطه الخمسة شرط واحد أساسي، وهو: أن لا يأتي القاذف ببينة على قذفه، لقول الله تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ) فيشترط في جلدهم عدم البينة، وكذلك يشترط عدم الإقرار من المقذوف لأنّه في معنى البينة. فإن كان القاذف زوجاً اعتبر شرط آخر وهو امتناعه عن اللعان، أما إن امتنعت الزوجة عن اللعان فترجم.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 02:26 AM   #15
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 31 - 32


حد شارب الخمر

حُرِّمت الخمرة بآية المائدة وهي قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ). فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حُرِّمت الخمر " . وفي حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرّم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع، قال: فاستقبل النّاس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها " .
والمراد بالخمر الوارد في الآية كل شراب مسكر، وليست الخمر خاصّة بما يتخذ من العنب فقط، بل هو وما يتخذ من غير العنب من الأشربة المسكرة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل " وقد أراد عمر بذلك التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية أي آية المائدة ليس خاصاً بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها. ويوافقه حديث أنس، فقد روى البخاري قال: حدثنا مسدد حدثنا معتمر عن أبيه قال: " سمعت أنساً قال: كنت قائماً على الحي أَسقيهم عمومتي - وأنا أصغرهم - الفضيخ، فقيل حرمت الخمر، فقال إكفئها فكفأتها، قلت لأنس ما شرابهم ؟ قال: رطب وبسر، فقال أبو بكر بن أنس، وكانت خمرهم فلم ينكر أنس " فهذا يدل على أن الصحابة فهموا أن تحريم الخمر تحريم كل مسكر، ويؤيد ذلك ما أخبره أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِتْعِ، وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل شراب أسكر فهو حرام " . وهناك أحاديث كثيرة أن الشراب الذي يتخذ من أي شيء إذا أَسكر فهو خمر. عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً " . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام " فثبت من ذلك أن الخمر ما خامر العقل أي ستره، وأن كل مسكر خمر. وعلى هذا فكل شراب أسكر وغطى العقل يعتبر خمراً سواء أكان متخذاً من العنب أم متخذاً من الذرة أم التمر أم الشعير أم القهوة أم غير ذلك. فكل مسكر يقال له خمر. وفي الحبشة يتخذون من القهوة خمراً وهي خمر خاصّة بإمبراطور الحبشة. وعليه فالسبيرتو والكلونيا وشراب الجن وما أشبه ذلك خمر لأنّها مسكرة والرسول يقول " كل مسكر خمر " . وعلى هذا فإن الخمر لها معنى شرعي غير معناها اللغوي، وهذا المعنى الشرعي هو الذي نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم وجاء في الأحاديث. فالحرمة للخمر الوارد في الآية هي حرمة كل شراب مسكر سواء اتخذ من العنب أم من غيره، لأنّه كله خمر.
وتحريم الخمر لم يكن لعلة من العلل وإنما حرمت لأنّها خمرة تماماً كتحريم الميتة، فالله تعالى قال: ( حُرمتْ عليكم الميتة ) ولم يعلل فتكون حراماً لأنّها ميتة، وكذلك فإن الله تعالى قال: ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ) إلى قوله ( فهل أنتم منتهون ) لم يعلل النهي عنها بل أمر باجتنابها أي حرمها من غير تعليل فتكون حراماً لأنّها خمر، لا لعلة من العلل، لا سيما وقد ورد ما يدل على أنّها حرمت لأنّها خمر، فقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب " أي حرمت لأنّها خمر، وحرم المسكر من كل شراب لأنّه مسكر، فلا علة في تحريم الخمر ولذلك لا تعلل.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 06:10 AM   #16
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 33 - 35


مقدار عقوبة شارب الخمر
عقوبة شارب الخمر من الحدود، فيجب الحد على من شرب الخمر، أي على من شرب أي شراب مسكر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شرب الخمر فاجلدوه " وقد ثبت أن كل مسكر خمر فيتناول الحديث قليله وكثيره. وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للشراب حدّاً، وعلى جلد شارب الخمر، وقد اتفقوا على ثبوت حد الشارب، وأجمعوا على أنه لا ينقص عن أربعين.
والناظر في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع جلد شارب الخمر يجد أنّها تدل على أن شارب الخمر يجلد أربعين، وأنه يجوز أن تزيد على أربعين فأما الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد أربعين فقد أخرج مسلم في حديث حُضَين بن المنذر في جلد الوليد أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة " وأخرج الترمذي عن أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين " وعن أبي سعيد قال: " جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين "، وعن أبي سعيد قال " جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطاً " . فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على أن شارب الخمر يجلد أربعين، فإنها كلها تدل على الأربعين نصاً، ويكفي فيها حديث علي وهو قوله: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " ويؤيدها في ذلك الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد نحواً من أربعين، فقد أخرج مسلم عن أنس قال: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر فَجُلِدَ بجريدتين نحو أربعين " وأخرج النسائي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه ( أي شارب الخمر ) بالنعال نحواً من أربعين " وأخرج أحمد والبيهقي: " فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال " أي أن الرسول أمر نحواً من عشرين رجلا. فهذه الأحاديث لم تعين الأربعين تحديداً بل قالت نحواً من أربعين فيجوز أن تكون أكثر، ويجوز أن تكون أقل، غير أن أحاديث التحديد بالأربعين قد منعت أن تكون أقل من أربعين، لأنّها نصت على الأربعين، ولا يوجد أحاديث أخرى قد نصت على أقل من أربعين، فينفى احتمال أن يكون أقل من أربعين ويبقى احتمال أن يكون أكثر من أربعين، لأنّ اقتران قوله ( أربعين ) بقوله نحواً من أربعين ينفي النقصان عن الأربعين، وبذلك تكون هذه الأحاديث مؤيدة القول بأن الحدّ أربعون، ولكنها تعطي معنى آخر وهو جواز الزيادة على الأربعين، غير أن هناك أحاديث لم تبين عدداً معيناً للحدّ، بل جاءت تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يضرب الشارب، ولم تبين مقدار ما يضرب. فعن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين " . عن عقبة بن الحارث قال: " جِئَ بالنعمان أو ابن النعمان شارباً فأمر رسول الله مَنْ كان في البيت أن يضربوه فكنت فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد " ، وعن السائب بن يزيد قال: " كنا نُؤْتى بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمْرَةِ أبي بكر وصدراً من إِمْرَة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدراً من إِمْرَة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين " . وعن الزهري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حدّاً، وإنما كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول ارفعوا " وأخرج أبو داود بسند قوي عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حداً " ، وأخرج النسائي عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَقِتْ في الخمر حدّاً " ، وكلمة يقت من التوقيت أي لم يقدره بقدر، ولم يحدّه بحدّ. فهذه الأحاديث لم تذكر حدّاً معيناً لشارب الخمر، بل إن بعضها صرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حداً. وهذا يعني أن تحديد الجلد بعدد معين أي بأربعين لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو يعارض تحديد الحد بأربعين. بل إن الأحاديث تنفي صراحة تحديد الحدّ بـعدد معين، فيكون ذلك معارضاً لتحديد الحدّ بأربعين وتكون هذه الأحاديث معارضة للأحاديث التي حددت الحدَّ بأربعين. والجواب على ذلك بالنسبة للأحاديث التي لم تذكر عدداً معيناً تعتبر من قبيل المطلق، أي كأنها تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بضرب شارب الخمر، ولم تذكر مقدار ما أمر أن يضربه من الحدّ. فحديث أنس يقول: " جلد في الخمر بالجريد والنعال " فهو مطلق، وحديث عقبة يقول: " فأمر رسول الله من كان في البيت أن يضربوه " فهو مطلق، فهذان الحديثان واضح فيهما أنهما من قبيل المطلق، وإذا ورد نص مطلق من قيد عدد أو صفة، وورد نص مقيد بعدد أو صفة فإنّه يحمل المطلق على المقيد ويسري القيد على الجميع، وهنا ورد نص مطلق من غير أن يقيد بعدد، وورد نص مقيد بعدد معين، فإنّه من غير شك يحمل المطلق على المقيد، فتحمل الأحاديث التي لم تذكر العدد على الأحاديث التي ذكرت العدد. وأما حديث السائب فإنّه يدل على أنهم كانوا يضربونه من غير التقيد بعدد معين فهو ليس من قبيل المطلق بل من قبيل الإخبار بأنه لم يكن لحدّ الخمر مقدار معين فهو مثل الأحاديث التي بعده أي مثل حديث الزهري وابن عباس. وهذه الأحاديث التي تنص على أن الرسول لم يحد حداً للخمر هي نفي وليس إثباتاً، فتحمل على أنه حسب علمهم لم يعرفوا أنه قد حدّ حدّاً معيناً، بدليل أن غيرهم قد روى أن الرسول قد حدّ حدّاً معيناً. مثل حديث أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين " ومثل ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أزهر: " أنه صلى الله عليه وسلم أمر بجلد الشارب أربعين " فيكون من نفى تحديد الحدّ نفى بحسب علمه، فلا يعارض الحديث الصحيح الذي أثبت العدد. على أن هذه الأحاديث نفي وأحاديث الأربعين إثبات، والقاعدة الأصولية إذا تعارض النفي والإثبات قدم الإثبات على النفي، فتقدم الأحاديث التي تثبت حدّاً معيناً، على الأحاديث التي تنفي وجود حدّ معين. على أن إعمال الدليلين أولى ولذلك يحمل النفي على أنه حسب علمهم، وهذا لا ينفي أن غيرهم يعلم غير هذا، أي يعلم أن لحدّ الشرب حداً معيناً عينه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 06:14 AM   #17
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 35 38

ومن ذلك كله يتبين أن شارب الخمر يجلد أربعين جلدة عملاً بالأحاديث التي نصت على الأربعين، والتي نصت على أنه حول الأربعين. فيكون لحدّ الشرب حدّ معين هو الأربعون. وأما الدليل على أنه يجوز أن يزيد عن أربعين، ولكن لا ينقص عن الأربعين، فهو الأحاديث التي نصت على نحو الأربعين وهي حديث أنس: " فجلد بجريدتين نحو أربعين " وحديث النسائي: " ضربه بالنعال نحواً من أربعين " وحديث البيهقي: " فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين " فإنها كلها تدل على أنه يجوز أن يكون قد جلد أقل من أربعين أو أكثر من أربعين، غير أنه لما كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم " أربعين " قد ثبت في أحاديث متعددة فإن النص على الأربعين ينفي أن يكون أقل من أربعين فيمنع احتمال تفسير كلمة " نحو أربعين " بأقل من أربعين ويبقى معناها أربعين أو أكثر من أربعين، وهذا إشارة إلى جواز الزيادة على الأربعين، ويؤيده حديث الزهري بأنه عليه السلام " كان يأمر من حضر أن يضربوا بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا " فإنّه إذا قرن بالأحاديث التي تنص على " الأربعين " يفهم منه أنه لم يقل لهم ارفعوا قبل الأربعين ولكن يجوز أن يكون قد قال لهم ارفعوا بعد الأربعين، وعلى ذلك فإنّه تصح الزيادة على الأربعين. ولعل هذا هو الذي اختلف فيه الصحابة أي اختلفوا بمقداره، فإنا نجد عمر رضي الله عنه يستشير في حد شارب الخمر فعن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عهد عمر استشار النّاس، فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر " وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم ( يعني عمر ) فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنّهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين " فهذان الحديثان يدلان على أن عمر استشار الصحابة في مقدار حد الخمر، وإذا كان يمكن أن يقال إن عمر لم يستشر الصحابة في جلد هؤلاء الشاربين من النفر من أهل الشام حد الخمر، وإنما استشارهم فيما فعلوه من شرب الخمر ومن تأولهم الآية الكريمة، فالاستشارة قد وقعت في الشرب على أساس التأول وليس في حد الشارب، ولذلك أشار عليه علي بأن يستتيبهم لأنّهم أحلوا الحرام فإن لم يتوبوا قتلهم وإن تابوا جلدهم ثمانين. فيمكن أن يقال هذا عن استشارة عمر في حديث النفر من أهل الشام، ولكن حديث أنس صريح في أن الاستشارة في مقدار حد الشرب، ويدل عليه قول عبد الرحمن له " أخف الحدود ثمانين " فهو نص في أن الاستشارة في مقدار الحد. فكيف يستشير عمر في مقدار الحدّ، وأحاديث ضرب الشارب أربعين ونحو أربعين ثابتة ويعرفها عمر، فالاستشارة في مقدار الحد إذا قرنت بأحاديث الأربعين وأحاديث نحو الأربعين تدل على أنه كان يستشير فيما زاد على الأربعين، أي كان يستشير في ضرب الشارب فوق أربعين فأشار عليه عبد الرحمن بأن أخف الحدود ثمانين، وبذلك يظهر أمران: أحدهما أن الصحابة قد فهموا أنه يجوز زيادة الحدّ على أربعين، والثاني أن اختلاف الصحابة في مقدار حدّ الخمر إنما هو فيما زاد على الأربعين لا في الأربعين.
وأيضاً فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، وأجد في نفسي منه شيئاً إلا صاحب الخمر، فإنّه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنّه " وقد قال فيه أبو داود وابن ماجة: لم يسن فيه شيئاً إنما قلناه نحن. ومعنى لم يسنه يعني لم يقدره ولم يوقته بلفظه ونطقه. فهذا الحديث يقول فيه علي أن الرسول لم يقدر لحدّ الخمر مقداراً معيناً، في حين أن علياً نفسه يقول: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سُنّة " فكيف يتأتى أن يقول: " وذلك أن رسول الله لم يَسُنّه " مع أنه يقول: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " إلاّ أن يكون قد قصد في قوله " لم يَسُنّه " أي لم يقدّر له حدّاً فيما زاد على الأربعين، فكأن البحث إنما هو فيما زاد على الأربعين، إذ مسألة الأربعين مبتوت فيها بالأحاديث التي جاءت نصاً صريحاً بها.
ومن ذلك يتبين أن اختلاف الصحابة في مقدار الحدّ إنما هو اختلاف فيما زاد على الأربعين، لا في الأربعين، وأن قول علي بأن الرسول لم يقدر حداً معيناً في الخمر، وما ورد من أحاديث " أن الرسول لم يفرض في الخمر حداً " إنما هو فيما زاد على الأربعين، بدليل قول علي بأن الرسول جلد أربعين وبدليل الأحاديث التي تنص على الأربعين. ويتبين أن النص على الأربعين إذا قرن بأن الرسول لم يحدد حدّاً وبقول الرسول نحو أربعين يكون دليلاً على أنه تجوز الزيادة على الأربعين. إلاّ أن هذه الزيادة لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حد معين، فلم يثبت أنّها ثمانون، ولا أقل ولا أكثر، وإنما ثبت مطلق الزيادة ليس غير.
غير أن الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان اجتهادهم لا يعتبر من الأدلة الشرعية، ولكنه حكم شرعي توصلوا إليه باجتهاد صحيح، فهو فوق كونه يصح أخذه لأنّه حكم شرعي رآه مجتهد، فإنّه يؤتنس بقولهم، ويؤنس برأيهم، ولذلك يعين ما زاد على الأربعين بحدّ معين هو ثمانون جلدة، فيكون الحدّ أربعين، ويجوز أن يأمر الخليفة بجلده ثمانين. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، والصحابة رضوان الله عليهم جلدوا أربعين، وجلدوا ثمانين، فيكون الحدّ أربعين وثمانين. أما الدليل على أن الصحابة قد ضربوا أربعين، وضربوا ثماني فأحاديث كثيرة تدل على ذلك: روى أحمد ومسلم عن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر فَجُلِدَ بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عهد عمر استشار النّاس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر " وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم ( يعني عمر ) فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنّهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين " وعن حضين بن المنذر قال: " شهدت عثمان بن عفان أُتِيَ بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثمّ قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارّها من تولى قارّها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة، وهذا أحب إلي " وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في شرب الخمر قال: " إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة " فهذه الأحاديث والآثار صريحة في أن ما عليه الصحابة هو أنهم كانوا يجلدون شارب الخمر أربعين، ويجلدونه ثمانين، وأن عملهم استقر على هذين الحدين، أما الأربعون فثابتة بنص الحديث فهم قد جلدوا أربعين عملاً بنص الحديث لا باجتهادهم بدليل قول علي: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " وأما الثمانون فقد جلدوها الشارب باجتهادهم، لما فهموه من جواز الزيادة على الأربعين، ولأنهم رأوا أن أخف الحدود ثمانون، أو لأنّ الشارب إذا سكر هذى وإذ هذى افترى فجعلوا عليه حد المفتري أي حد القذف وهو ثمانون. هذا هو ما سار عليه الصحابة، وما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فجلد الأربعين ثابت بالسنة، وجلد الثمانين ثابت عن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون حد شارب الخمر أربعين وثمانين.
هذان الحدان هما حدّ شارب الخمر، ولا يجوز غير هذين الحدّين مطلقاً، لأنّه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم أنه جلد غير الأربعين والثمانين، فلا يجوز أن يكون خمسين ولا تسعين ولا غير ذلك لأنّه حد وليس تعزيراً، ولأنه ثبت فيه مقداران عن الرسول وعن الصحابة فيقتصر على أخذ المقدارين ليس غير. إلاّ أنه يجوز للخليفة أن يوجب أحدهما، أي يجوز له أن يأمر بأحدهما إلزاماً ويجعله واجباً، لأنّه إن أوجب الثمانين فقد دخلت فيها الأربعون الثابتة بالسنة والزيادة الجائزة بالتقدير الذي اتفق عليه الصحابة وهو الثمانون، وإن أوجب الأربعين فإنها ثابتة بالسنة، وما زاد عليها جائز للإمام، وليس واجبا عليه، فيكون لا شيء عليه بإيجاب الأربعين فقط.
وإنما يضرب من شرب الخمر الحدّ إذا كان عالماً أن كثيره يسكر، فأما غيره فلا حد عليه لأنّه غير عالم بتحريمها، ولا يجب الحدّ حتى يثبت شرعاً بأحد شيئين: الإقرار أو البينة، ويكفي أن يشهد أحد الشاهدين على شرب الخمر والآخر على القيء، لما جاء في حديث حُضّيْن: " فشهد رجلان: أحدهما حُمْران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها " .

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 06:21 AM   #18
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 39 - 40


حد السرقة

حد السرقة هو قطع اليد، لقوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ولما روى البخاري عن عائشة قالت: قال صلى الله عليه وسلم " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً " ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه " ولما روي عن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد امرأة، قالت عائشة وكانت تأتي بعد فارفع حاجتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتابت وحسنت توبتها " .
والسرقة أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، على شرط أن يكون نصاباً يقطع عليه، ون يخرجه من حرز مثله، وأن لا تكون في هذا المال شبهة. سواء أكان أخذ المال ليلاً أم نهاراً، وسواء أكان دخل إلى المكان بالخلع أم بغيره، وسواء أكان مكاناً للسكنى، أم كان مكانا عاماً، وسواء أكان مقنعاً متخفياً، أم كان ظاهراً، وسواء أكان يحمل سلاحاً، أم لا يحمل. فكل أخذ للمال على وجه الاختفاء يعتبر سرقة. ولكنه لا يقطع على السرقة إلاّ إذا استكملت شروطها الشرعية، التي جاءت بها النصوص الصحيحة. ولهذا لا يجب القطع إلاّ بسبعة شروط: أحدها: أن ينطبق على الأخذ تعريف السرقة، ومعنى السرقة هو أخذ المال على وجه الاختفاء والاستتار. فإن اختطف، أو اختلس، أو انتهب، أو خان لم يكن سارقاً، ولا قطع عليه، لما روى أبو داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع " ولا قطع على جاحد الوديعة، لأنّ واقعه جاحد وليس بسارق، فهو خائن وليس بسارق، والخائن لا قطع عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس على الخائن ولا المختلس قطع " . والاختلاس نوع من الخطف والنهب، فهو يستخفي في ابتداء اختلاسه، ويستثنى من الخائن جاحد العارية فإنّه يقطع للنص الوارد فيه. وأما النشال فإنّه يقطع لأنّه ينطبق عليه تعريف السرقة فهو يأخذ المال على وجه الاختفاء.
الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصاباً. وقال البعض يثبت القطع في القليل والكثير، واستدلوا بعموم الآية، فإن لفظ السارق والسارقة اسم جنس محلى بالألف واللام فهو من ألفاظ العموم فيشمل كل سارق، ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله السارق، يسرق الحبْلَ فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده " والبيضة لا تساوي ربع دينار، وسياقها هنا للدلالة على القليل لا على نفس البيضة، أي يقطع مهما كانت سرقته قليلة، ولكن ما تدل عليه النصوص اشتراط النصاب، فعن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً " وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقطع يد السارق إلاّ في ربع دينار فصاعداً " وفي رواية قال: " اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك " . فهذه الروايات صريحة الدلالة في النص على النصاب، فتعتبر مخصصة لعموم الآية كتخصيص عموم الزنا بالرجم، وأما حديث أبي هريرة فيجمع بينه وبين حديث النصاب بأن المراد بالبيضة بيضة السلاح، وقد قال الأعمش في رواية حديث البيضة: " كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم " وروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: " أنه قطع يد سارق في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار " ثمّ أنه لا يدل على القلة، بل يدل على قلة محدده، وحددها بتمثيله بالحبل والبيضة. وعليه فإن النصاب شرط في القطع فإن لم يبلغ نصاباً فلا قطع.
ونصاب القطع مقدر بربع دينار من الذهب، وهو يساوي 1,0625 غراماً ذهباً، لأنّ دينار الذهب الشرعي يساوي 4,25 غراماً ذهباً.
والدليل على أن هذا هو نصاب السرقة، ما رُوي عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلميقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً " وما رواه البخاري عن هشام عن أبيه قال: " أخبرتني عائشة أن يد السارق لم تقطع على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ في ثمن مجنّ جحفة أو ترس " والمجنّ والجحفة مثل الترس، وما رواه البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: " قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم " .
ونصاب السرقة لا يقدر إلاّ بالذهب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجنّ، قيل لعائشة ما ثمن المجنّ ؟ قالت: ربع دينار " فالنصاب قدّر بالذهب، فيجب تقديره بالذهب عملاً بالنص. ويجعل الذهب أساساً في التقدير، فتقدر به الفضة، وكانت قد قدّرت به أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، كما تقدر به النقود الورقية اليوم، إذ يبقى الذهب هو الأساس في تقدير نصاب السرقة. وكان قد وردت أحاديث تقدّر ربع الدينار بثلاثة دراهم أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والدرهم يساوي 2,975 غراماً فضة على أساس أن دينار الذهب كان يساوي 12 درهماً فضة تقريباً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما اليوم يزيد ثمن دينار الذهب على 60 درهماً فضة، لذلك فإن ربع الدينار الذهب في هذه الأيام يساوي أكثر من 15 درهماً فضة تقريباً. فقد ورد في رواية " وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " وورد في رواية لأحمد " أنه كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " وأخرج ابن المنذر " أنه أُتي عثمان بسارق سرق أترجّة فقوّمت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع " . فذلك كله يدل على أن النصاب ربع دينار، وتقدر به الفضة والنقود الورقية، وإن المال المسروق يقدر على أساس ذلك.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 06:25 AM   #19
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 41 -42

الشرط الثالث: أن يكون المسروق مالاً محترماً، أذِنَ الشارع بتملكه، فيشترط أن يكون مالاً، وأن يكون هذا المال محترماً، أي أذِنَ الشارع بتملكه. فإن سَرَق غير مال، أي ما لا يعتبر مالاً، فلا يقطع. فلو سرق حُراً لا يقطع، لأنّه لا يعتبر مالاً، وإن سرق مالاً غير محترم، أي لم يأذن الشارع بتملكه فإنّه لا يقطع. فلا قطع في سرقة الخمر والخنزير من المسلم، لأنّها ليست مالاً محترماً، أما سرقتها من غير المسلم ففيها القطع، لأنّ الشارع أذِنَ لهم بتملك الخمر والخنزير، فهي بالنسبة لهم مال محترم، وكذلك يقطع في سرقة آنية الخمر إذا بلغت نصاباً، ويقطع في سرقة المصحف، وكتب العلم إذا بلغ ثمنها نصاباً.
الشرط الرابع: أن يسرقه من حرز، ويخرجه منه، فإن وجد باباً مفتوحاً، أو حرزاً مهتوكاً فلا قطع عليه، لما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحريسة التي توجد في مراتعها، قال: فيها ثمنها مرتين، وضَرْبُ نَكال، وما أُخِذ من عطنة ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن " والحريسة هي التي ترعى وعليها حرس. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار فقال: " ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن " وروى النسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق فقال: مَنْ أصاب منه بفيه مِنْ ذي حاجة، غير متخذ خُبْنَة فلا شيء عليه، ومَنْ خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومَنْ سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجَرِين فبلغ ثمن المِجنّ فعليه القطع " فدل كل ذلك على أن الحرز شرط في القطع. فالماشية إذا أخذت من المرعى فلا قطع بأخذها، لأنّها لم تؤخذ من حرز مثلها، فإذا أخذت من عطنها، أو زريبتها أو ما شاكل ذلك مما هو حرز مثلها ففيها القطع. والثمر إذا أخذ عن الشجر فلا قطع بأخذه، فإذا أخذ من المكان الذي يحفظ فيه، وهو الجرين ففيه القطع، وهكذا كل شيء لا قطع فيه إذا أُخذ مِنْ غير حرز مثله، وفيه القطع إذا أُخذ مِنْ حرز مثله، وبلغ ثمنه ربع دينار ذهباً.
ويرجع في الحرز إلى اصطلاح النّاس، لا إلى نصوص اللغة، ولا إلى نصوص الشرع، وذلك لأنّه وصف واقع، واصطلاح على تسمية هذا الواقع، فلا يرجع فيه إلى الدليل، وإنما إلى ما اصطلح النّاس عليه. أي أن الحرز هو ما اصطلح النّاس عليه لحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان، فحرز النقود غير حرز المواشي، وغير حرز الثياب وهكذا... ويشترط أن يخرجه من الحرز، حتى يحصل القطع، فإن لم يخرجه منه فلا قطع. ويستثنى من اشتراط الحرز العارية، فإن جاحد العارية يقطع، لأنّ المخزومية التي أراد أن يشفع لها أسامة، والتي قال لأجلها الرسول والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، قد حدها الرسول، لأنّها كانت تستعير، ثمّ تنكر ما استعارته، وقطع الرسول يدها لجحدها العارية، فتكون العارية مستثناة بنص الحديث من اشتراط الحرز، عن عائشة قالت: " كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أسامة لا أراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل، ثمّ قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، فقطع يد المخزومية " .
الشرط الخامس: أن تنتفي الشبهة عن المال المسروق، من حيث أن له حقاً فيه، أو أن له أن يأخذ منه، وعليه فلا قطع بالسرقة من مال أبيه، ولا من مال ابنه، ولا من مال له فيه شراكة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت ومالك لأبيك " وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " وكذلك لا قطع فيما أخذه من بيت المال. لما روى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس أن عبداً من رقيق الخمس، سرق من الخمس، فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقطعه وقال: " مال الله سرق بعضه بعضاً " وسأل ابن مسعود عمر رضي الله عنه عمن سرق من بيت المال فقال: " أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق " وعن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: " ليس على من سرق من بيت المال قطع " ومثل بيت المال ما هو داخل في الملكية العامة، فإن فيه شبهة أن يكون له حق فيه، سواء أكان نفس المال ملكية عامة كالنفط، أم صار ملكية عامة، لأنّه صار من الحمى، كالكهرباء والماء، فإنّه إن سرق منها لا يقطع، ولكن يعزر، لوجود الشبهة، ولأنه كالمال الذي لبيت المال. وكذلك لا يقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال الآخر، لأنّ أحد الزوجين يتصرف في مال الآخر بغيابه، فتكون هذه شبهة فلا قطع. والحاصل أن كل مال فيه شبهة الأخذ لا يجري فيه القطع إذا سرق لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات.
الشرط السادس: كون السارق بالغاً عاقلاً ملتزماً أحكام المسلمين، مسلماً كان أو ذمياً، فإن كان صبياً أو مجنوناً فلا قطع، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رُفِعَ القلم عن ثلاث: النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المبتلى حتى يعقل " ورَفْعُ القلم عنهم يعني أنهم غير مكلفين شرعاً.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-23-2014, 06:33 AM   #20
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,255
افتراضي 43 - 45

الشرط السابع: أن تثبت السرقة بالإقرار، أو البينة العادلة. أما الإقرار فلا بد أن يكون مقروناً بالوصف، أي أن يصف السارق الشيء الذي سرقه، لاحتمال أن يكون سرق مالاً لا قطع فيه، وهو يظن القطع. روى أحمد عن أبي أمية المخزومي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بلص فاعترف اعترافاً، ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخالك سرقت ؟ قال: بلى، مرتين أو ثلاثاً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطعوه " . فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يتثبت أن المال المسروق هو من السرقة التي تقطع، فقال له ما أخالك سرقت ؟ فلما أجابه أكثر من مرة، قال: اقطعوه. ويندب للقاضي الذي يقر أمامه السارق تلقين المسقط للحدّ، والمبالغة في الاستثبات، والإقرار يكفي فيه مرة واحدة ككل إقرار. أما ما ورد من تكرار الإقرار، فالمراد منه التثبيت، وليس شرطاً في الإقرار. وأما البينة فيشترط أن تكون رجلين عدلين، أو رجلاً وامرأتين، أي من نوع بينة العقوبات، وأن يصفا السرقة وصفاً يميزها إن كانت غائبة، أو يشيراً إليها إن كانت حاضرة، وأن لا يختلفا في الشهادة اختلافاً يجعلهما متناقضين، فإن اختلفا كأنّ شهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق أتومبيلاً، والآخر شهد بأنه سرق موتوسيكلاً، فإنّه لا قطع لعدم اكتمال نصاب الشهادة.
هذه هي شروط القطع في السرقة، فإذا استوفت السرقة هذه الشروط قطع السارق. ولا يكتفى بقطع يده بل يجب أن يرد المال المسروق لصاحبه، فقد أخرج أبو داود عن الحسن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وجد عَيْنَ مالِه عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه " وهذا عام يشمل السارق والمغتصب والمختلس والخائن، وأخرج أحمد عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سُرق من الرجل متاع، أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن " فهو نص في أن المال المسروق يُرَدُ لصاحبه. فإذا كانت العين قد تلفت، أو استهلكت ضمنها، فعليه أن يدفع ثمنها لصاحبها، وإن كانت العين قد نقصت بغير استعمال، كتعثث الثوب، وكتلف آلات الأوتومبيل، أو ما شاكل ذلك فيجب أخذ الأرْش. ومثل ذلك لو كان النقص بالاستعمال، وإذا كانت العين ذات منفعة كطائرة أو جمل، فإن له أن يطالب السارق بمنفعتها مدّة بقائها في يده، سواء انتفع بها بالفعل، أم لم ينتفع بها.

مالا قطع فيه

هنالك أموال وحالات لا قطع فيها، لورود الأحاديث الدالة على عدم القطع، ولأنها لا تدخل فيما يجب القطع بأخذه. فقد ورد عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا قطع في ثَمَرٍ، ولا كَثَرٍ " فالثمر اسم الرطب المعلق على الأشجار، وأما الكثر فهو النخل الصغار يسرق ليغرس في أرض أخرى، والكَثَرُ أيضاً جُمّار النخل وطلعها، والجمّار شحم النخلة. وعن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا قطع في الطعام المهيأ للأكل " ولا فرق في ذلك بين الطعام الذي يهيئه أهل البيت لأكلهم، وبين الطعام الذي يهيئه صاحب المطعم للبيع، فإن نص الحديث منطبق على كل طعام مهيأ لأن يأكله الناس. وأما الطعام الذي لا يزال حباً، أو سنبلاً كالقمح ونحوه، فإنها غير مهيأة للأكل، فإن كانت في غير حرزها كالحنطة في الحقل، سواء أكانت محصودة، أم غير محصودة فلا قطع فيها، أما إن كانت في حرز مثلها ففيها القطع، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حريسة الجبل، فقال: " هي ومثلها إذا جمعها المراح ففيها غرم مثله وجلدات نكال " وفي حديث عمرو بن شعيب قال: " يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها ؟ قال: من أخذ بِفيِه، ولم يتخذ خُبْنَةً فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، وضرب نَكالٍ، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجنّ " فهذا كله يدل على أن البساتين والحقول ومراعي الماشية وما شاكل ذلك لا قطع فيها.
ولا قطع في عام السَّنَةِ وهي زمان القحط، لما روي عن مكحول رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا قطع في مجاعة مضطر ". وذكر الحسن عن رجل قال: " رأيت رجلين مكتوفين ولحماً فذهبت معهم إلى عمر رضي الله عنه، فقال صاحب اللحم: كانت لنا ناقة عشراء، ننتظرها كما ننتظر الربيع، فوجدت هذين قد اجتزراها، فقال عمر رضي الله عنه: هل يرضيك من ناقتك ناقتان عشراوان مربعتان، فانا لا نقطع في العذق، ولا في عام السَّنة " أي عام المجاعة، وكان ذلك في عام المجاعة. والعشراء الحامل التي أتى عليها عشرة أشهر قرب موعد ولادتها، فهي أعز ما يكون عند أهلها، ينتظرون الخصب والسعة للبنها، كما ينتظرون الربيع، ومعناه لا قطع في عام السَّنَة. ومثل ذلك سرقة الجائع الذي لا يجد ما يأكله، فانه إذا سرق ليشبع جوعته لا قطع عليه، لأنه ينطبق عليه قول الرسول: " لا قطع في مجاعة مضطر ".
وعلى هذا فإن صغار النخل التي تؤخذ لتغرس في أرض أخرى وكذلك جميع الفسائل، أي جميع ما يؤخذ ليغرس في غيره، وجُمّار النخل وطلعها فإنّه لا قطع فيه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا قطع في ثَمَر أو كَثَر " ولم يرد ما يقيد الكَثَر بشيء، فيكون لا قطع فيها مطلقاً، سواء أخذت من حرزها أو من غيره، وكذلك لا قطع في الطعام المهيأ للأكل من غير أي قيد، سواء أخذ من حرزه أو من غير حرزه، لإطلاق حديث " لا قطع في الطعام المهيأ للأكل " . أما الثمر والحنطة ونحوها فإنّه لا قطع فيها إن أخذت من غير الحرز، أما إن أخذت من الحرز فيقطع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " وما أخذ من أجرانه ففيه القطع " .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:29 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.