قديم 08-20-2015, 05:21 PM   #21
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي حول استعمال لفظ وزير و وزارة في الدولة الإسلامية

حول استعمال لفظ وزير و وزارة في الدولة الإسلامية

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تامر ألجبوح
السؤال:
السلام عليكم، هل يجوز استعمال لفظ وزير في الدولة الإسلامية مع أن هذا اللفظ له واقع في النظام الرأسمالي؟
الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن هناك تبايناً بين مفهوم الوزير والوزارة في الإسلام، وبين مفهومها في النظام (الديمقراطي). ولما كان المعنى الذي تعنيه (الديمقراطية) للوزير والوزارة هو المعنى الطاغي على الناس، وإذا أطلق لا ينصرف إلا إلى المعنى (الديمقراطي)؛ لذلك، ودفعاً للالتباس، ولتعيين المعنى الشرعي بالذات دون غيره، لا يصح أن يطلق على المعاون للخليفة لفظ وزير ووزارة مطلقاً من غير تقييد، بل يطلق عليه لفظ معاون وهو معناه الحقيقي، أو يوضع قيد مع لفظ وزير أو وزارة يصرف المعنى (الديمقراطي)، ويعين المعنى الإسلامي وحده كأن يقال وزير تفويض...

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

27 من ذي الحجة 1434هـ ألموافق2013-11-01
منقول

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:23 PM   #22
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي هل يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟

هل يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟
اقتباس:
السؤال:
الخلافة عقد مراضاة واختيار، وقد اشترطت الأمة على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على أن من يحكمها لا بد أن يحكمها بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وزادوا على ذلك (منهج الشيخين(؟... فهل يمكن أن نفهم من ذلك أنه يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟ نرجو التوضيح وجزاكم الله خيرا.
الجواب:
قبل الجواب أذكرك بما يلي:
أ-إن للمسلم أن يشترط في العقود ما شاء إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، في قضية عتق بريرة... ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».

وأخرج الترمذي في الحديث الصحيح عن كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».

ب-فإذن يجوز أن يشترط المسلم في العقود إلا أن يُحلَّ حراماً أو يحرم حلالاً، أي إلا أن يخالف شرع الله، فهو شرط باطل لا يصح ولا يجوز.

ج-إن تقليد المجتهد لمجتهد آخر جائز، وهذا ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه فإن اشترط مسلم على مجتهد أن يقلد مجتهداً آخر في مسألةٍ ما وإلا فلا يبايعه، فهذا جائز لأن تقليد المجتهد لمجتهد آخر يجوز.

جاء في الشخصية الجزء الأول باب واقع التقليد الفقرة الثانية صفحة 222 ما يلي:

(...والمجتهد إذا حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأدّاه اجتهاده إلى حكم فيها، فلا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أدّاه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ظنه أو ترك العمل بظنه في هذه المسألة إلا في أربع حالات:

إحداها - إذا ظهر له أن الدليل الذي استند إليه في اجتهاده ضعيف، وأن دليل مجتهد آخر غيره أقوى من دليله، ففي هذه الحالة يجب عليه ترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده في الحال وأخذ الحكم الأقوى دليلاً...

ثانيتها - إذا ظهر له أن مجتهداً غيره أقدر على الربط، أو أكثر اطلاعاً على الواقع، وأقوى فهماً للأدلة، أو أكثر اطلاعاً على الأدلة السمعية، أو غير ذلك، فرجّح في نفسه أن يكون هو أقرب إلى الصواب في فهم مسألة معينة، أو في فهم المسائل من حيث هي... فإنه يجوز له أن يترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده ويقلد ذلك المجتهد الذي يثق باجتهاده أكثر من ثقته باجتهاد نفسه.

ثالثتها - أن يتبنى الخليفة حكماً يخالف الحكم الذي أداه إليه اجتهـاده. ففي هـذه الحـال يجب عليه ترك العمل بما أداه إليه اجتهاده والعمل بالحكم الذي تبناه الإمام...

رابعتها - أن يكون هناك رأي يراد جمع كلمة المسلمين عليه لمصلحة المسلمين. فإنه في هذه الحالة يجوز للمجتهد ترك ما أدى إليه اجتهاده، وأخذ الحكم الذي يراد جمع كلمة المسلمين عليه، وذلك كما حصل مع عثمان عند بيعته... إلا أن هذا يجوز للمجتهد ولا يجب عليه. بدليل أن علياً لم يقبل أن يترك اجتهاده لاجتهاد أبي بكر وعمر، فلم ينكر عليه أحد، مما يدل على أن ذلك جائز وليس بواجب.

وهذا كله في المجتهد إذا كان اجتهد بالفعل، وأداه اجتهاده إلى حكم في المسألة. أما إذا لم يسبق للمجتهد أن اجتهد في المسألة، فإنه يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين... فقد صح عن عمر أنه قال لأبي بكر: "رأينا تبعٌ لرأيك" وصح عن عمر أنه كان إذا أعياه أن يجد في القرآن والسنة ما يقضي به إذا ورد عليه الخصوم نظر هل كان لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به. وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة في حوادث متعددة ولم ينكر عليهم منكر، فكان إجماعاً سكوتياً.) انتهى

د- إن نصوص البيعة للخليفة تناقض التقييد بالمدة، لأن البيعة للرسول صلى الله عليه وسلم والبيعة للخلفاء الراشدين كانت على الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا قيْدُها، فإن ترك الخليفة الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ولايته تنتهي وفق الأحكام الشرعية الواردة في ذلك التي فصَّلت كيفية عزل الخليفة وصلاحية المظالم... ووضع قيد آخر لا يجوز لأنه يخالف نص البيعة، الذي هو الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ثابت بالسنة وإجماع الصحابة:

أما السنة، فقد أخرج البخاري عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ... فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» وأخرجه مسلم كذلك.

وأخرج مسلم أيضاً عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»

وواضح من كل ذلك استمرار البيعة والطاعة ما دام الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا عند الكفر البواح، أي المخالفة القطعية للشرع.

وأما إجماع الصحابة، فإن بيعة الخلفاء الراشدين فكانت على الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست على مدة محددة، وكانت بيعتهم على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت إجماعاً بعدم تحديد المدة، وإنما استمرار الخليفة متوقف على طاعته لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أي الحكم بما أنزل الله. أخرج معمر بن راشد في جامعه قال: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ... أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ».

وواضح من هذه الأدلة أن المدة غير محددة، بل طاعة الخليفة لله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم هي المنصوص عليها، فما دام يحكم الخليفة بما أنزل الله فولايته مستمرة، فإذا خالف نصاً مقطوعاً به فتنتهي ولايته ولو كانت شهراً أو شهرين... وذلك وفق الأحكام الشرعية الواردة في عزل الخليفة وصلاحية قاضي المظالم...

هـ-أما ما حدث في انتخاب الخليفة بعد عمر رضي الله عنه، وأنهم اشترطوا على عبد الرحمن بن عوف الذي كان موكلاً بسؤال الناس عن الخليفة الذي يريدون، اشتَرَطُوا أنهم يبايعون الخليفة الذي إذا عرضت عليه مسألة كانت قد حدثت في عهد الخليفتين قبله وحكم فيها أبو بكر أو عمر فعليه أن يقلدهم في حكم تلك المسألة الذي حكم فيه، ولا يجتهد فيها، فرفض علي رضي الله عنه ذلك إلا أن يجتهد رأيه في كل مسألة، وقبل عثمان رضي الله عنه فبايعوه، فهذا الشرط جائز لهم أن يشترطوه، وجائز له أن يقبله فيقلد، أو لا يقبله فيجتهد، فتقليد المجتهد لمجتهد آخر جائز شرعاً كما بيّنا سابقاً عن تقليد المجتهد لمجتهد آخر في عصر الصحابة رضوان الله عليهم.

والخلاصة أن الشرط جائز في العقود إذا لم يخالف نصاً شرعياً، وإلا فلا يجوز ولا يصح، ولأن شرط تحديد المدة للخليفة مخالف لنص البيعة الثابت بالسنة وإجماع الصحابة الذي هو الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذن لا يجوز اشتراط تحديد المدة على الخليفة الذي يراد بيعته.
16 من جمادى الثانية 1434 ألموافق 06-04-2013
منقول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:25 PM   #23
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي إقامة حدٍ من حدود الله في الأرض من قِبَل مجموعات جهادية أو أفراد؟

هل يجوز شرعاً إقامة حدٍ من حدود الله في الأرض من قِبَل مجموعات جهادية أو أفراد؟
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نور أبو القيلات
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل يجوز شرعاً إقامة حدٍ من حدود الله في الأرض من قِبَل مجموعات جهادية أو أفراد في ظل "عدم وجود دولة الخلافة الإسلامية"، وبارك الله فيكم وأعانكم
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن إقامة الحد تترتب على حكم القضاء بعد ثبوت البينة الشرعية، والقضاء هو الإخبار بالحكم على وجه الإلزام، وهذا الإلزام يعني وجود قوة تُلزم الخصوم بالحكم، وهذه القوة هي السلطان، أي الحاكم الذي يقيم شرع الله ويلزم المسلمين بهذه الأحكام، فلا تنفذ الحدود إلا من الحاكم الذي يقيم شرع الله. وأما الأدلة على ذلك فهي ما يلي:

1- أدلة مجملة ومنها:

يقول سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ... ﴾

ويقول سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

ويقول سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً... ﴾.

وأخرج البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»

وأخرج مسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ»

وأخرج الترمذي في سننه عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ...».

وهذه أدلة مجملة توجب إقامة الحدود والعقوبات (فاجلدوا، فاقطعوا، فاقتلوه، جلد مائة والرجم...)، فلم تبين من الذي يقيم العقوبة وكيف يقيمها. والأدلة المجملة كما في الأصول تحتاج إلى بيان، والتزامها يكون وفق بيان هذا المجمل. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة هذا المجمل، وكذلك بينه إجماع الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الخلفاء الراشدين بياناً واضحاً بأن العقوبات يقيمها الحاكم بكيفية واضحة مبينة في النصوص الشرعية، ومن هذه النصوص المبينة للنصوص المجملة:

أ- يقول سبحانه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. وهذه الآية الكريمة، وآيات أخرى غيرها مستفيضة في هذا الموضوع، تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المكلف بتنفيذ الأحكام، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحكم هو خطاب لكل حاكم يحكم بالإسلام يأتي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بناءً على القاعدة الأصولية التي تنص على أن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته على وجهه، فإن كان في موضوع الحكم كان خطاباً للخلفاء من بعده صلى الله عليه وسلم ما لم يرد دليل التخصيص، وهو هنا غير وارد، وإذن فالذي ينفذ الأحكام هو الحاكم الذي يحكم بالإسلام.

ب- وهناك أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم تبين أن صاحب الذنب الذي يوجب الحد كان يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم الحد عليه:

أخرج مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ»، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، «فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ»، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

وأخرج البيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ "رَجُلًا ذَكَرَ أَنَّ ابْنَهُ زَنَا بِامْرَأَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ»، فَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ الْآخَرِ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا".

وأخرج البيهقي كذلك في السنن الصغير عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا، زَنَا بِامْرَأَةٍ، فَلَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ، فَرُجِمَ» وأخرج النسائي نحوه.

وأخرج أبو داود في سننه عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَيَّ خَمِيصَةٌ لِي ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا؟ قَالَ: «فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وفي رواية الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِلَى الْوَالِي، فَإِذَا أُوصِلَ إِلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ.

ج- وهناك حوادث في عهد الخلفاء الراشدين كان يؤتى بصاحب الذنب الذي يوجب الحد إلى الخليفة أو نوابه لإقامة الحد عليه، ومن هذه الحوادث:

أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عَنْ حُضَيْنِ أَبِي سَاسَانَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: حَضَرْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ وَرَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ: «أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ...»

وأخرج أحمد في مسنده عن عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ "أبي موسى الأشعري" «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: انْزِلْ وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ: " مَا هَذَا؟ " قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ فَتَهَوَّدَ. قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ».

وقاتل أبو بكر المرتدين عندما أنكروا الزكاة، أخرج ابن حبان في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عَنْهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قاتلهم أبو بكر وقَالَ: "وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ".

والخلاصة هي كما أن الخاص قاض على العام، والمقيد قاض على المطلق وفق قواعد الأصول، فإن المبين قاض على المجمل، فيكون الذي يقيم الحدود هو الحاكم الذي يحكم بالإسلام، أي الإمام، وهذا أمر ثابت وفق ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سار عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، كما بينا آنفاً... وهذا أمر مشهور طوال عهود الخلافة الإسلامية، وقد وردت أقوال لبعض العلماء المعتبرين في هذا الأمر:

- قول ابن تيمية "خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله والسارق والسارقة فاقطعوا... لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يوجب عليهم... والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه".

- قال الإمام علاء الدين الكاساني: "وأما شرائط جواز إقامتها يعني الحدود... فهو الإمامة".

- القرطبي يقول: "لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر - الحدود - الإمام ومن ينوب منابه".

- قال الإمام الشافعي: "لا يقيم الحد على الأحرار إلا الإمام ومن فوض إليه الإمام".

- قال ابن قدامة: "لا يجوز لأحد إقامة الحد إلا بالإمام أو نائبه".

3- وفي حالة عدم وجود السلطان الذي يحكم بشرع الله فإن الواجب على المسلمين هو العمل الجاد المجد لإيجاد السلطان الذي يحكم بالإسلام لأنه فرض للنصوص الكثيرة الواردة في ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة:

أما الكتاب فقد قـال تعالى مخاطباً الرسـول عليه الصـلاة والسـلام: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بينهم بما أنزل الله هو خطاب لأمته صلوات الله وسلامه عليه، ومفهومه أن يوجِدوا حاكماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر في الخطاب يفيد الجزم؛ لأن موضوع الخطاب فرض، وهذا قرينة على الجزم كما في الأصول، والحاكم الذي يحكم بين المسلمين بما أنزل الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخليفة. ونظام الحكم على هذا الوجه هو نظام الخـلافة. هذا فضلاً عن أن إقامة الحدود وسائر الأحكام واجبة، وهذه لا تقام إلا بالحاكم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن إيجاد الحاكم الذي يقيم الشرع هو واجب. والحاكم على هذا الوجه هو الخليفة، ونظام الحكم هو نظام الخـلافة.

وأما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للخليفة ليس غير. فالحديث يوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. وروى مسلم عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به». وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فهذه الأحاديث فيها وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. فوصف الرسول بأن الإمام جنة هو إخبار فيه مدح لوجود الإمام، فهو طلب؛ لأن الإخبار من الله ومن الرسول، إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. وفي هذه الأحاديث أيضاً أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهو يعني طلب إقامتهم. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم. وهذا يعني أمراً بإقامة خليفة، والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمره قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر». فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحداً.

وأما إجماع الصحابة فإنهم، رضوان الله عليهم، أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب وفاته، واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض. والصحابة الذين يجب عليهم الاشتغال في تجهيز الرسول ودفنه اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة عن الاشتغال بدفن الرسول، وسكت قسم منهم عن هذا الاشتغال، وشاركوا في تأخير الدفن ليلتين مع قدرتهم على الإنكار، وقدرتهم على الدفن، فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، أي تأخر الدفن ليلتين، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. وأيضاً فإن الصحابة كلهم أجمعوا طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة. ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة، فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

وهكذا فإن الواجب على المسلمين عند عدم وجود الحاكم الذي يحكم بالإسلام "الخليفة" أن يبذلوا الوسع في إيجاده، ووجود الخليفة فرض وأي فرض، فهو الذي يقيم الحدود الواجبة من رب العالمين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبخاصة وأن إقامة الحدود فرض عظيم فيه صلاح الأمة واستقامة أمرها. أخرج ابن ماجه في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا».

وفي الختام فإني ألفت نظر المسلمين في مناطق النزاع التي لا يوجد فيها حكم مستقر ولا دولة، ألفت نظرهم إلى وجوب حل المشاكل بين المسلمين صلحاً، فلا يتركوا هذه المشاكل تتفاقم بين الناس بل يحلوها صلحا فيقوم العلماء وأولو الألباب وأهل الحل والعقد في البلد بالإصلاح بين الناس لحل مشاكلهم، وسد حاجات الفقراء منهم، والوقوف مع المظلوم لأخذ حقه ممن ظلمه... وذلك للنصوص العامة في هذه الأمور، وفي الإصلاح بين الناس، وهذه النصوص غير مخصصة بوجود الحاكم، وكذلك للنصوص المطلقة في الإصلاح غير المقيدة بوجود الحاكم، ومن هذه النصوص:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

وأخرج أحمد في مسنده عَنْ أم الدرداء عن أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: "إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ قَالَ: وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" وأخرجه أبو داود في سننه، وصححه ابن حبان عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بلفظ: قال رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ، بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، وَالْقِيَامِ؟» ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ».

وعليه فإن حل المشاكل في مناطق النزاع حيث لا وجود لدولة يكون صلحاً بشرط أن لا يحل هذا الصلح حراماً ولا يحرم حلالاً بناء على النصوص الشرعية الواردة ومنها:

أخرج أبو داود في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» زَادَ أَحْمَدُ، «إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»

وأخرج الترمذي في سننه عن كَثِيرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وكذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».

فالإصلاح بين الناس مطلوب سواء أوجد الحاكم أم لم يوجد. هذا هو الحكم الشرعي الذي أراه في المسألة، والله سبحانه أعلم وأحكم.


والخلاصة:

1- إن الحدود يقيمها الحاكم الذي يحكم بالإسلام، وهي تكفر الذنب الذي أوجب الحد، أي لا يعاقب المذنب في الآخرة على ذلك الذنب الذي حُدَّ عليه في الدنيا. أخرج البخاري في صحيحه عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.

2- في مناطق النزاع حيث لا دولة، ولا حكم مستقر، فلا تترك المشاكل تتفاقم بل تحل صلحاً بتدخل أهل الحل والعقد والعلماء والذين لهم قبول مؤثر، ويصدقوا العمل ويخلصوا فيه، والله سبحانه المستعان.

هذا هو الراجح لدي في سؤالك حول إقامة الحدود، وقد ذكرت الأدلة الشرعية في ذلك ووجه الاستدلال ومن ثم استنباط الحكم، والله سبحانه أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
30 من محرم 1435هـ الموافق 2013-12-03
منقول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:27 PM   #24
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي حول استقرار الرأي على عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين

حول استقرار الرأي على عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد علي بوعزيزي
السؤال:السلام عليكم شيخنا الفاضل
ورد في كتاب أجهزة دولة الخلافة وبالتحديد فقرة حصر المرشحين ص 31:
...ثم ناقش عبد الرحمن الخمسة الباقين وحصرهم في اثنين علي وعثمان... وبعد ذلك استطلع رأي الناس واستقر الرأي على عثمان خليفة. وفي ص 33 ...فادع إلي عليّا وعثمان... ثم أخذ بيد علي. لماذا علي وقد تعين عثمان للخلافة؟ أخوكم بوعزيزي.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الذي تبين لعبد الرحمن بن عوف هو أن الناس يريدون علياً إذا حكم في أي قضية تعرض عليه بالحكم نفسه الذي حكم به أبو بكر وعمر إذا كانت هذه القضية قد حدث مثلها في عهدهما، فعلي لم يوافق وعثمان وافق، عندها تعين عثمان خليفة...

فجملة (ورشح عمر للمسلمين ستةً وحصرها فيهم ينتخبون من بينهم خليفةً، ثم ناقش عبد الرحمن بن عوف الخمسة الباقين وحصرهم في اثنين: علي وعثمان، بعد أن وكله الباقون. وبعد ذلك استطلع رأي الناس واستقر الرأي على عثمان خليفةً.) لا تعني أن عثمان قد تعين خليفة خلال الاستشارة، بل تعين خليفة عندما رفض علي ووافق عثمان.

ويبدو أن الذي التبس عليك هو ظنك أن حرف العطف بين (استطلع رأي الناس)، وبين (استقر الرأي على عثمان خليفة)، ظنك أن (الواو) بينهما تفيد الترتيب وفورية الوقوع، وليس الأمر كذلك فحرف العطف الواو يفيد مجرد العطف، فإذا قلت جاء عمر وخالد، فلا يعني أنهما جاءا معاً أو فوراً الواحد تلو الآخر، بل قد يكون بينهما وقت، هذا جاء قبل الظهر، وذاك جاء بعده.

وهكذا الجملة المذكورة (استطلع رأي الناس)، قد يكون فرغ منه ليلاً، و(استقر الرأي على عثمان خليفة) كان فجراً بعد الصلاة، وبعد سؤال علي وعثمان.


وتوضيحاً لما جرى نقول التالي:

• "استطلع عبد الرحمن رأي الناس"، فوجدهم يريدون علياً إذا وافق على شرطهم وإلا فعثمان إذا وافق على شرطهم..

• بعدها قال عبد الرحمن: "فادع إلي علياً وعثمان"، فعرض على علي الشرط فلم يوافق، ثم عرضه على عثمان فوافق..

• بعد ذلك كانت النتيجة "واستقر الرأي على عثمان خليفة".

آمل أن يكون الموضوع قد اتضح.


أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 من ربيع الثاني 1435هـ ####2014-02-17م
منقول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:29 PM   #25
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي علاقة تأخير دفن الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيعة

علاقة تأخير دفن الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيعة
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حفيظه حمدوني
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وفقك الله وسائر حاملي هذه الكلمة الباقية بإذنه لما يحب ويرضى.
هناك من يقول بأن استدلال بعض الفقهاء على أن تأخير دفن نبي الهدى عليه الصلاة والسلام هو الدليل على وجوب البيعة غير صحيح، وإنما كان لأسباب أخرى كإمهال المسلمين لحضور الجنازة و... بل إن الدليل هو أنه بمجرد موته صلى الله عليه وسلم قاموا لتنصيب إمام وهذا دليل على وجوب البيعة وليس التأخير في الدفن. فلا علاقة للتأخير بالبيعة!! فهلا أوضحت لنا ذلك بشكل تفصيلي؟؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
يا أخي قبل جوابك عن تأخير الدفن... أذكر لك بعض الأمور الأصولية عن الأحكام الشرعية:

الأصل في الأمر الشرعي، سواء أكان قولاً أم فعلاً، أنه يفيد الطلب ويحتاج إلى قرينة تبين نوع الطلب، فإن كانت القرينة تفيد الجزم كان الطلب جازماً أي فرضاً، وإن كانت القرينة لا تفيد الجزم ولكن تفيد ترجيح الخير فيه فيكون الطلب غير جازم، أي ندباً، وإذا كانت القرينة تفيد التخيير فيكون الطلب على الإباحة.
وهذا ينطبق على كل نص شرعي سواء أكان نصاً "قولاً" في كتاب الله سبحانه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أم كان فعلاً للرسول صلى الله عليه وسلم، أم كان فعلاً أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، أم كان إقراراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم...:
1- مثلاً: قول الله سبحانه ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فهنا أمر ﴿فَانْتَشِرُوا﴾، أي طلب بالخروج من المسجد بعد صلاة الجمعة، ونبحث عن القرينة لنرى إن كان الانتشار أي الخروج من المسجد بعد انتهاء الصلاة فرضاً أم ندباً أم مباحاً... فنجد أن المسلمين كانوا بعد انتهاء صلاة الجمعة، منهم من يخرج فوراً ومنهم من يجلس قليلاً أو كثيرا... وكان ذلك بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم... أي أن من يخرج أو يجلس سواء، وهذا يدل على أن ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ أمر يفيد الطلب على الإباحة.
2- ومثلاً: الوقوف للجنازة:
أخرج النسائي في سننه قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَامَ» وَقَالَ عَمْرٌو: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ». فهنا قام الرسول صلى الله عليه وسلم لجنازة مرت عليه، وهذا الفعل يفيد الطلب بالقيام، ثم نبحث عن قرينة لمعرفة إن كان هذا الطلب للجزم فيكون فرضاً أو غير الجزم مع الترجيح فيكون ندباً، أو للتخيير فيكون للإباحة، فنجد في سنن النسائي عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: «أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ صلى الله عليه وسلم». وهذا يدل على أن القعود والجلوس على التخيير، أي على الإباحة.
وهكذا البيعة في السقيفة، فهي فعل أجمع الصحابة عليه، فيدل على الطلب ببيعة الخليفة إذا شغر مركز الخلافة، ولتقرير أن هذا الطلب فرض أو مندوب أو مباح، فإننا نبحث عن القرينة، فنجدها تفيد الجزم لأن الصحابة قدَّموا البيعة على دفن الميت وهو فرض، وهذا يعني أن البيعة هي فرض وأهم من فرض دفن الميت.
ولهذا فإن الدليل على أن بيعة الخليفة إذا شغر مركز الخلافة هو فرض، الدليل على ذلك هو تأخير دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تمت البيعة، ولأن دفن الميت فرض فإذن الذي جُعل أولى منه هو فرض.
وهكذا فإن تأخير الدفن إلى أن تمت البيعة، هو الذي بيَّن أن بيعة الخليفة واجبة وفرض وأي فرض.

هذا من الناحية الفقهية.
أما القول إن تأخير الدفن لا علاقة له بالبيعة، بل إمهال المسلمين لحضور الجنازة، فهذا أمر بعيد عن الواقع الذي حدث، فخبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان حدثاً صارخاً سمع به المسلمون في المدينة وحولها، والمسلمون تقاطروا للمدينة وللمسجد ولكنهم انشغلوا بالبيعة لأبي بكر انعقاداً وطاعة... وإليك تسلسل الأحداث كما وردت في السير:
فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه، ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت.
ولذلك فتأخير الدفن لم يكن ليجتمع المسلمون للجنازة، بل هم كانوا مجتمعين وبخاصة الصحابة، ولكنهم انشغلوا بالبيعة، فلما فرغوا منها انعقاداً وطاعة اشتغلوا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى؟ في وسط الليل بعد الفراغ من البيعة، ولو كان التأخير لأجل تجمع الناس للجنازة، لكان في نهار الاثنين أو ليلة الثلاثاء أو نهار الثلاثاء... ولكنهم انتظروا اكتمال البيعة لأبي بكر انعقاداً وطاعة، وبعد أن انتهت بادروا فوراً إلى الاشتغال بدفن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء.
ولذلك فإنه بالتفكر والتدبر لتأخير الدفن يتبين أنه لم يكن لأي سبب سوى سبب الفراغ من بيعة أبي بكر انعقاداً وطاعة، فهو إذن من صميم العلاقة بالبيعة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

22 من ربيع الثاني 1435 ألموافق 2014-02-22م

منقول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:30 PM   #26
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي حول تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة

حول تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أيمن ألفوغاري
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ورد في كتاب الدولة الإسلامية في موضوع بيعة العقبة الثانية وما بعدها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه (فكر) في أكثر من موضع، مع أن الموضع يكون وحياً من الله وليس تفكيرا من الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: فكر بالهجرة، والهجرة وحي من الله.
أرجو توضيح المقصود بالتفكير هنا، وبارك الله فيكم؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
قبل الجواب مباشرة عن تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، فإني أعيدك إلى بداية طلب النصرة حتى بيعة العقبة الثانية ثم الهجرة، وذلك ليتضح الجواب بإذن الله:
1- لقد توفيت خديجة رضي الله عنها قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وفي العام نفسه توفي أبو طالب، كما جاء في عيون الأثر، حيث ورد فيه:
(...عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ... ثُمَّ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصِيبَتَانِ: وفاة خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُنُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَقَالَ زياد البكائي عن ابن إسحق: إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ توفيا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ ذلك بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مُهَاجِرِهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ.) انتهى
2- وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: (تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ورَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبك يَا بُنَيَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ» وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ»)
3- في هذه الظروف الصعبة أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بحدثين كبيرين عظيمين، وهما الإسراء والمعراج، والإذن للرسول صلى الله عليه وسلم بطلب نصرة أهل القوة من القبائل لحماية الدعوة وإقامة الدولة... وموضوع الإسراء والمعراج ليس هنا مكانه، وأما طلب النصرة، فقد قال صاحب عيون الأثر وغيره من أهل السير:
(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في أواخر شوال سنة عشر من النبوة، خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَحْدَهُ - وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ - يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا منه ما جاءهم به من اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الطَّائِفِ عَمِدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ وَهُمْ أُخْوَةٌ ثَلاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ، وَحَبِيبٌ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غَيْرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ... ولم يستجيبوا... بل أغروا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ...) انتهى
4- بعد ذلك تتابع طلب النصرة، فقد كان رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ إذَا كَانَتْ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتّى يُبَيّنَ لَهُمْ مَا بَعَثَهُ الله بِهِ... فأتى عليه الصلاة والسلام كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِيهِمْ سَيّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مُلَيْحٌ فَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ... وأتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: "يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم" فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم... وأتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم... وأتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فاشترطوا أن يكون لهم الأمر في الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الأمر لله يضعه حيث يشاء»، فرفضوا وقالوا لا حاجة لنا بأمرك... ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما... قال علي: وكان أبو بكر في كل خير مقدما، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو... قال: لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أوَقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا؟ فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنى الحميد... فقال القوم... وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم في الرد إذ فصحتم في الصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه».
5- ثم ورد في عيون الأثر وفي غيره من كتب السير:
(قَالَ ابن إسحق: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الأَنْصَارِ، رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ فَقَالَ لَهُمْ الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ... فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُولِئَك النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُوا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِسْلامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا...) انتهى
فلما استدار العام وعادت الأشهر الحرم وجاء موعد الحج لمكة، أتى الموسم من السنة الثانية عشرة اثنا عشر رجلا من أهل يثرب فالتقوا هم والنبي بالعقبة، فبايعوه بيعة العقبة الأولى. جاء في حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار: (وفي الموسم من السّنة الثّانية عشرة: وافاه اثنا عشر رجلا من الأنصار، فبايعوه عند (العقبة) بيعة النّساء...)
أخرج أحمد في مسنده عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ عَلَى: «أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ».
6- فلما انصرفوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير كما جاء في سيرة ابن هشام وغيرها من السير:
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ... قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ... فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ... ولكن الله شرح صدرهما للإسلام...، فأسلما، وأقبل سعد عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ... فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسوله. قَالَا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ...).
7- وجاء في سيرة ابن هشام وفي حدائق الأنوار وغير ذلك من السير: (ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ من السنة الثالثة عشرة للبعثة مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ... قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا... قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا... قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم... قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا)، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ). قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا - يَعْنِي الْيَهُودَ - فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ... قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الْحَرْبِ - وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ...) انتهى
8- وهكذا تمت بيعة العقبة الثانية، بيعة النصرة بعد أن فشا الإسلام في المدينة، ثم الهجرة فإقامة الدولة. ويتبين من كل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بطلب النصرة منذ السنة العاشرة للبعثة، أي قبل بيعة العقبة بنحو ثلاث سنين حيث كانت بيعة العقبة الثانية في موسم السنة الثالثة عشرة للبعثة، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان موحى إليه بأعمال طلب النصرة، فيبحث عن أهل القوة من القبائل ويطلب نصرتهم، ولما جاءته أخبار المدينة من مصعب بن عمير، ثم جاء الثلاثة والسبعون رجلاً والمرأتان فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المدينة مؤهلة لأن تنصره لإقامة الدولة وإعزاز الإسلام والمسلمين، وفكر بالهجرة لها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن أهل القوة لينصروه ويذهب إليهم ويقيم حكم الإسلام، فالتفكير في الهجرة اقتضاه طلب النصرة نفسه، فكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قبيلة ويطلب نصرتها، فكذلك كان عندما علم أن المدينة المنورة أصبحت مؤهلة لأن تعطي النصرة وتقام الدولة فيها، ولذلك فإن تفكيره صلى الله عليه وسلم بالهجرة للمدينة لم يكن خارجاً عن مقتضيات طلب النصرة الذي أوحى الله له به منذ ثلاث سنين قبل بيعة العقبة الثانية. ومع ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن أراه الله سبحانه دار الهجرة، وأذن له صلى الله عليه وسلم بالهجرة كما جاء في البخاري: (قال ابْن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ، إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً... فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»... قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: عُرْوَةُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ»...).
9- وهكذا فإن التفكير بالهجرة إلى المدينة بعد أن وصلته صلى الله عليه وسلم أخبارها هو من مقتضيات طلب النصرة التي أذن الله له به منذ السنة العاشرة للبعثة، فهي كذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف وبني شيبان وبني عامر... ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحول هذا التفكير لعمل إلا بعد أن أراه الله سبحانه دار الهجرة وأذن له صلى الله عليه وسلم بالخروج: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» و«فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» كما جاء في البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
آمل أن يكون الموضوع قد اتضح لك، والله سبحانه ولي التوفيق.
أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

03 من جمادى الأولى 1435 ألموافق2014-03-04م
منقول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:33 PM   #27
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي 07/3 المشاركة في أنظمة الكفر

المشاركة في أنظمة الكفر
اقتباس:
السؤال:
خلال البحث في تحريم مشاركة المسلم في نظم الحكم الحالية التي لا تحكم بالإسلام، قال أحدهم إنه سمع أحد الشيوخ يجيز هذا الاشتراك مستدلاً بأن يوسف عليه السلام قد حكم بشريعة الملك في مصر... وأن النجاشي مكث سنين يحكم بالكفر علماً بأنه كان مسلماً وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه صلاة الغائب... ثم إن المصلحة وهي دليل شرعي تقتضي ذلك، فإن المسلم وهو في الحكم يراعي مصالح المسلمين أكثر من العلماني...
والسؤال هو ما مدى صحة هذا الاستدلال؟ ثم هل فعلاً هناك شيوخ يقولون بهذا؟ نرجو إجابتنا وجزاك الله خيرا.
الجواب:

نعم يقول بهذه الأقوال بعض مشايخ السلاطين، وهي أقوال لا تقوم بها حجة، لأن الحكم بما أنزل الله أدلته صريحة واضحة، قطعية الثبوت قطعية الدلالة وهي ليست محل خلاف بين الأئمة. إن الحكم بما أنزل الله فرض، يقول الله سبحانه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ والنصوص في هذا المعنى كثيرة. أما عدم الحكم بما أنزل الله واللجوء إلى الحكم بالشرائع الوضعية فإنه كفر إذا اعتقده الحاكم، وظلم أو فسق إذا لم يعتقده الحاكم، وهذا وارد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾. وأما ما استدل به مشايخ السلاطين، فكما قلنا لا تقوم به حجة، وذلك لما يلي:

1- إن الاستدلال بعمل يوسف عليه السلام على قول القائلين إنه كان يحكم في بعض القضايا بشريعة ملك مصر، أي بغير ما أنزل الله، هذا الاستدلال هو في غير محله، لأننا مأمورون باتباع الإسلام الذي جاء به محمد عليه وآله الصلاة والسلام بوحي من الله سبحانه، ولسنا مأمورين باتباع شريعة يوسف عليه السلام أو غيره من الأنبياء عليهم السلام، وذلك لأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، فهو منسوخ بالإسلام، يقول سبحانه. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، ومعنى "مهيمنا" أي ناسخا، فالإسلام نسخ شرائع الكتب السابقة، ولذلك فشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا.

وهناك بعض أئمة الأصول قد أخذوا بالقاعدة بشكل آخر أي: «شَرْعُ مَنْ قبلَنا شرع لنا ما لم يُنْسَخ»، وهي تحدد أن الاستدلال بالشرائع السابقة يكون فقط بالأحكام التي لم تُنْسخ من تلك الشرائع. أما الأحكام التي جاءت شريعتنا ونسختها فلا يجوز أخذها من الشرائع السابقة، بل نحن مطالبون بما ورد في شريعتنا، والحكم بما أنزل الله صريح في الإسلام، وهو ناسخ لكل شريعة سابقة تخالفه، وعليه فإن جميع علماء الأصول المعتبرين، سواء أقالوا بالقاعدة الأولى "شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا" أم قالوا بالقاعدة الثانية "شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ"، فكلاهما يوجب الحكم بما أنزل الله لأنه منصوص عليه في الإسلام بشكل صريح واضح قطعي الثبوت والدلالة، وناسخٌ للشرائع السابقة إذا خالفته.

ونقول ذلك على افتراض أن يوسف عليه السلام حكم في بعض القضايا بشريعة ملك مصر، مع أن الصحيح هو أن يوسف عليه السلام نبي وهو معصوم، فلا يحكم إلا بما أنزل الله عليه، فهو كما قال سبحانه في سورة يوسف يحاور صاحبيه في السجن بأن الحكم لله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فيوسف عليه السلام يقول ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فالحاكمية هي لرب العالمين الذي يعبده المسلم ويأخذ تشريعه منه وحده ولا يتخذ رباً سواه.

ويوسف عليه السلام ما كان ليخالف فعلُه قولَه فتراه يدعو لحاكمية الله سبحانه ومن ثم يحكم بالكفر. إن هذا القول معناه الطعن في عصمة نبي من أنبياء الله تعالى والافتراء عليه، وهو أمر كبير... وإذن فإن يوسف عليه السلام لم يكن يحكم بالكفر، بل كان يحكم بما أنزل الله عليه، صادقا مخلصاً لله سبحانه. وكما قلنا فعلى فرض أن الله سبحانه أجاز ليوسف عليه السلام في شريعته أن يحكم في بعض القضايا بقوانين ملك مصر، فإن الإسلام قد نسخ الشرائع السابقة وصار الواجب علينا بعد رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحكم بالإسلام لا غير.

2- وأما الاستدلال بموقف النجاشي فهو في غير محله أيضاً، فإن من يدقق في المسألة يجد أن النجاشي كان ملكاً قبل إسلامه. وقد أسلم سراً وتوفي بعد إسلامه بوقت قصير، ولم يكن قادراً على تطبيق الإسلام ولم يجرؤ على إعلان إسلامه، فقد كان قومه كفاراً... وهذا لا ينطبق على من كان مسلماً معروفاً بإسلامه عند الناس، ونزيد الأمر تفصيلاً فنقول:

أ- إن كلمة النجاشي ليست اسم شخص الحاكم للحبشة، بل هو لقب لكل من كان يحكم الحبشة، فكان يسمى "النجاشي" كما كان يسمى حاكم الفرس بكسرى والروم بقيصر...، والنجاشي الذي أسلم وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه لم يمض على إسلامه سنين كما في السؤال، بل فترة قصيرة لا تتجاوز أياماً أو شهراً أو شهرين... فهو ليس النجاشي الذي هاجر المسلمون إليه من مكة، وليس هو النجاشي الذي أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري بعد صلح الحديبية عندما أرسل الرسل إلى الحكام، بل هو نجاشي آخر تولى الحكم بعد النجاشي الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم له رسالة مع الحكام الآخرين، والروايات في هذا الموضوع في البخاري ومسلم، وقد وهم من ظن النجاشي الذي أسلم أنه هو نجاشي الحبشة الذي هاجر إليه المسلمون من مكة، أو أنه النجاشي الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه عمرو بن أمية الضمري بعد الحديبية، والروايات في ذلك التي تعارض ما في البخاري ومسلم تردّ، وأما الأدلة على ما ذكرناه آنفاً فنذكر منها:

أخرج مسلم عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: («أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى»، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.) انتهى

وأخرج الترمذي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ» وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ") انتهى.

وواضح من حديث مسلم والترمذي النص على أن النجاشي الذي أسلم وصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو النجاشي الذي أرسل الرسول إليه رسائله مع الحكام الآخرين.

ب- حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل الرسائل للحكام بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الحديبية أي بعد ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وحيث إن هذا النجاشي الذي أسلم ليس هو النجاشي الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه مع الحكام الآخرين، بل هو نجاشي بعده، فيكون تولى الحكم نحو السابعة للهجرة.

ج- ولأن أبا هريرة كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته على النجاشي الذي أسلم كما هو في أحاديث الصلاة على النجاشي، ومعروف أن أبا هريرة بعد أن أسلم قد وفد إلى المدينة مع وفد دوس في نحو سبعين أو ثمانين وفيهم أبو هريرة وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ. فساروا إليه فلقوه هناك. وقد قسم لهم رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم من غنيمة خيبر، وخيبر كانت في السنة السابعة للهجرة، وهذا يعني أن النجاشي الذي أسلم قد استلم حكم الحبشة في نحو السابعة للهجرة وتوفي في السابعة للهجرة، أي لم يمكث سوى أيام أو أشهر قليلة...

د- لقد كان الحبشة في ذلك الوقت كفارا على دين النصرانية، وحاكمهم النجاشي أسلم سراً دون أن يعلموا، بل ودون أن يعلم أحد، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يُفهم من أحاديث الصلاة على هذا النجاشي، قد عَلم عن وفاة النجاشي بالوحي، ومفهوم الأحاديث في الصلاة عليه يدل على ذلك:

- أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا». وفي رواية أخرى «نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ».

- وأخرج البخاري عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، قَالَ: فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ «كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي»، وفي رواية أخرى عن جابر قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: «مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ».

ومفهوم الكلمات الواردة في الأحاديث: «نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، «نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ»"، «مات اليوم رجل صالح...». فالنعي في اليوم الذي مات فيه، والنجاشي في الحبشة والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، فهو يعني أن الخبر بالوحي، وكذلك فإن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ»، «مات اليوم رجل صالح...»، يعني أنهم لم يكونوا يعلمون بموته...

هـ- وعليه فإن حالة النجاشي لا تنطبق هنا، فهو أسلم سراً، وقومه كفار، وتوفي بعد وقت قصير، ولم يعرف أحد بإسلامه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي... فلا تنطبق هذه الحالة على مشاركة المسلم المعروف بإسلامه في الحكم بغير ما أنزل الله، والقائلون بأنها تنطبق ليس لهم دليل، ولا شبهة دليل.

3-وأما الاستدلال بالمصلحة، وأنها دليل، فهو أيضاً في غير محله، ونستعرضه على النحو التالي:

هناك بين علماء أصول الفقه من قال بالمصلحة كدليل، ولكنهم اشترطوا أن لا يكون ورد في الشرع أمر بها أو نهي عنها، وأما إذا ورد بها أمر أو نهي، فلا يؤخذ بحكم المصلحة بل يؤخذ بالذي ورد في الشرع. ولم يقل أحد من علماء الأصول المعتبرين بتعطيل النصوص التي جاء بها الوحي بحجة أن المصلحة تتطلب ذلك.

فالربا حرام، حرمه الشرع بنصوص جاء بها الوحي فإذا كانت المصالح تتطلبه، فإن الشرع يرفضه ويحرمه، وإذا أفتى به بعض من يُسّموْن علماء فإن فتواهم مردودة عليهم وهي تتصادم مع الشرع الذي جاء به الوحي.

ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله هي حرام بشكل قطعي مثل حرمة الربا لأن النصوص من الوحي جاءت بذلك. فلا يبقى أي محل لتحكيم المصلحة، فحيث ما يكون الشرع تكون المصلحة وليس العكس.

ونحن في بحثنا هذا نجاري علماء الأصول الذين تساهلوا وقالوا بالمصالح المرسلة، فحتى على مذهب هؤلاء لا محل للاستدلال بالمصلحة. مع أن الحقيقة هي أن المصالح المرسلة غير موجودة، وهي موجودة في نظر الذين قالوا بأن الشرع ترك بعض الأمور دون أن يأمر بها أو ينهى عنها، وقالوا إنهم يستعملون المصلحة في هذا الحقل. والحقيقة أن الشرع لم يترك بعض الأمور دون بيان حكمها، بل هو بيّن أحكام كل شيء ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

4- والخلاصة هي أن المشاركة في أنظمة الكفر والحكم بغير ما أنزل الله هي كفر إذا كان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله يعتقد هذا الحكم، وهي ظلم وفسق إذا كان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله لا يعتقد هذا الحكم، كما في الآيات الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والقائلون بأنه يجوز للمسلم أن يشارك في الحكم بغير ما أنزل الله ليس لهم دليل ولا شبهة دليل، لأن النصوص في منع ذلك قطعية الثبوت والدلالة.

آمل أن يكون الجواب واضحاً كافياً شافياً بإذن الله سبحانه.
الرابع من رجب 1435هـ ألموافق 3/5/2014م

منقووووول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 05:34 PM   #28
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,949
افتراضي 13/3 (الجهاد ليس هو الطريقة لإقامة الخلافة)


(الجهاد ليس هو الطريقة لإقامة الخلافة)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لون ترافلر
السؤال:

(assalamu alaikum our honorable ameer:
We say that establishment of khilafah and jihad are different obligations justifying the point that jihad can't be the methodology to establish the khilafah. Can you explain that these two are different obligations?
May allah (swt) accept you and give you the responsibility to guide the ummah) end
ترجمة السؤال:
اقتباس:
(السلام عليكم ورحمةالله وبركاته:
نحن نقول إن الخلافة فرض والجهاد فرض آخر، وأنَّ الجهاد ليس هو الطريقة لإقامة الخلافة... أرجو توضيح الأمر...
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منك وينعم عليك بقيادة الأمة)
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هناك أمور أساسية يجب إدراكها جيداً لأنها توضح الجواب:
1- إن الأدلة المطلوبة لاستنباط الحكم الشرعي لمسألة ما هي الأدلة على المسألة وليست الأدلة على غير المسألة:
أ- مثلاً إذا أردت معرفة كيف أتوضأ، فإني أبحث عن أدلة الوضوء حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة... ولكني لا أبحث عن أدلة الصيام لآخذ منها حكم الوضوء وكيفيته.
ب- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الحج، فكذلك أبحث عن أدلة الحج حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الصلاة لآخذ منها حكم الحج وكيفيته.
ج- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الجهاد: على العين أو على الكفاية، في الدفاع أو ابتداء، ما يترتب على الجهاد من أحكام الفتح ونشر الإسلام، سواء أكان الفتح عنوةً أم صلحاً... فإني أبحث عن أدلة الجهاد حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الزكاة لآخذ منها حكم الجهاد وتفاصيله.
د- وهكذا في كل مسألة، فإنه يبحث عن أدلتها حيث وردت في مكة أو في المدينة، ويؤخذ الحكم الشرعي للمسألة من هذه الأدلة وفق الأصول المتبعة.
2- والآن نأتي إلى مسألة إقامة الدولة الإسلامية، ونبحث عن أدلتها، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ونستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة.
أ- إننا لا نجد أي أدلة لإقامة الدولة الإسلامية إلا التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته في مكة المكرمة، فقد دعا إلى الإسلام سراً، فأوجد كتلة مؤمنة صابرة... ثم أعلنها بين الناس في مكة وفي المواسم... ثم طلب نصرة أهل القوة والمنعة، فأكرمه الله سبحانه بالأنصار، فهاجر إليهم وأقام الدولة.
ب- لم يقاتل الرسول صلى الله عليه وسلم أهل مكة ليقيم الدولة، ولم يقاتل أي قبيلة ليقيم الدولة، مع أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم كانوا أبطالاً في القتال، أقوياء أتقياء... ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يستعمل القتال لإقامة الدولة، بل استمر يدعو ويطلب نصرة أهل القوة إلى أن استجاب له الأنصار فأقام الدولة.
ج- ثم فرضت أحكام الجهاد للفتح ونشر الإسلام، وحماية الدولة الإسلامية، ولم يفرض الجهاد لإقامة الدولة، وكل هذا واضح في سيرته صلى الله عليه وسلم.
د- وهكذا فإذا أريد معرفة كيفية إقامة الدولة، فتؤخذ من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعوة وطلب النصرة واستجابة الأنصار وإقامة الدولة... وإذا أريد معرفة أحكام الجهاد، فتؤخذ من الأدلة الشرعية المتعلقة بالجهاد، فكل فرض تؤخذ أدلته من الأدلة الشرعية المتعلقة به، فإقامة الدولة تؤخذ من أدلة إقامة الدولة، والجهاد من أدلة الجهاد، ويلتزم بذلك على وجهه، والله سبحانه هو ولي التوفيق.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

28 من رجب 1435هـ ألموافق2014-05-27م
منقووووووول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 09:07 PM   #29
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,877
افتراضي 16/2 دوافع الصراع بين الدول

دوافع الصراع بين الدول
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أ. أحمد فؤاد فؤاد
السؤال:‏
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ورد في كتاب مفاهيم سياسية في موضوع "دوافع ‏الصراع بين الدول" صفحة 54 الفقرة الأولى السطر الأول "لا يخرج الصراع الدولي منذ فجر التاريخ وحتى ‏قيام الساعة عن أحد دافعين: إما حب السيادة والفخر، وإما الركض وراء المنافع المادية، ثم في الصفحة نفسها في ‏الفقرة ما قبل الأخيرة السطر 15 ورد "وأخطر دوافع الصراع بين الدول هو دافع الاستعمار بجميع أشكاله". ‏السؤال: في الفقرة الأولى تم تحديد وحصر دوافع الصراع بين الدول بدافعين اثنين فقط لا غير ولا ثالث لهما ‏وذلك عندما قال "لا يخرج الصراع الدولي... عن أحد دافعين"، ولكن في الفقرة الثانية ذُكر دافع ثالث لم يرد ‏ذكره في الفقرة الأولى ألا وهو "الاستعمار". والسؤال بطريقة أخرى: هل دوافع الصراع الدولي اثنان أم ثلاثة؟ ‏لأن القارئ للفقرتين يلاحظ تناقضاً واختلافاً بينهما، إذ كيف يمكن التوفيق بينهما؟ لأنه لو كانت دوافع الصراع ‏الدولي اثنين فلماذا ذُكر دافع ثالث جديد وهو الاستعمار؟
ألجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لا يوجد تناقض بين ما جاء في كتاب مفاهيم سياسية صفحة 54 في مطلعها من أن دوافع الصراع الدولي ‏محصورة بدافعين اثنين هما دافع حب السيادة والفخر ودافع الركض وراء المنافع المادية، وما جاء في الصفحة ‏نفسها بعد ذلك من أن دافع الاستعمار بجميع أشكاله من أخطر دوافع صراع الدول، وذلك لأن دافع الاستعمار ‏مندرج تحت دافع الركض وراء المنافع المادية، لأن الاستعمار هو طريقة المبدأ الرأسمالي في تحصيل المنافع ‏بمقياسهم الذي هو "النفعية"، وهذا يعني أن الاستعمار راجع إلى دافع أسبق منه وهو دافع الركض وراء المنافع ‏المادية، وليس هو دافعاً جديداً غير الدافعين المذكورين في مطلع الصفحة، ولو دققت النظر لوجدت أنه ذكر أمراً ‏آخر قد يُظن أنه دافع آخر... ولكن النص أرجعه إلى دافع حب السيادة والفخر، فقد جاء في الصفحة ذاتها ما يلي:‏

‏(أما دافع الحد من نمو قوة دولة أخرى، كما حصل مع الدول ضد نابليون، وكما حصل مع الدول ضد ‏الدولة الإسلامية، وكما حصل مع الدول ضد ألمانيا النازية، فإنه يدخل في حب السيادة؛ لأنه وقوف في وجه ‏سيادة الغير.) انتهى.‏

فكما لم يعدّ دافع الحد من نمو قوة دولة أخرى دافعاً خارجاً عن الدافعين المذكورين، فكذلك الاستعمار لا يعد دافعاً خارجاً عن الدافعين المذكورين، لأن هذين الدافعين هما دافعان رئيسيان يندرج ‏تحتهما أمور أخرى ذات علاقة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 من محرم 1436 ألموافق2014/11/10م
منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2015, 09:09 PM   #30
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,877
افتراضي 17/2 معنى “القدرة” في شروط انعقاد الخلافة

معنى “القدرة” في شروط انعقاد الخلافة
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نظام ر.د. مشاهدة المشاركة
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لدي سؤال: ورد في كتاب الشخصية الجزء الثاني ص 33 البند السابع لشروط الخليفة القدرة ومن ثم بين القدرة واسترسل في الكتابة حتى وصل إلى العبارة التالية: (وكذلك لا يشترط لانعقاد الخلافة أن يكون الخليفة شجاعاً، أو من أصحاب الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح). السؤال: ألا يعتبر ذلك من القدرة؟
ألجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن الذي ورد في الكتاب هو: (وكذلك لا يشترط لانعقاد الخـلافة أن يكون الخليفة شجاعاً، أو من أصحاب الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، لأنه لم يصح حديث في ذلك، ولا يندرج تحت حكم شرعي يجعل ذلك شرط انعقاد، وإن كان الأفضل أن يكون شجاعاً ذا رأي وبصيرة) انتهى، وكما تعلم فإن شرط الانعقاد يعني أن الأمة لو انتخبت خليفة لا يستوفي شروط الانعقاد فإن خلافته باطلة... وبتدبر هذين الأمرين اللذين ذكرتهما يتبين أنهما ليسا من شروط الانعقاد بمعنى أن الأمة لو انتخبت خليفة لا يستوفيهما فلا تبطل خلافته لأن الأدلة الشرعية لا تدل على ذلك. ولكن هما من شروط الأفضلية أي أن الأفضل أن تراعي الأمة هذين الشرطين عند انتخاب الخليفة، فتحرص على انتخاب الذي تتوفر فيه شروط الانعقاد وأكبر عدد من شروط الأفضلية، فهذا أفضل وأقوم.

أما القدرة فهي من شروط الانعقاد وتعني أن يكون الخليفة قادرا على القيام بأعباء الخلافة، دون تحديد القدرة بشيء معين، فكل ما يؤثر في القدرة على القيام بأعباء الخلافة تأثيراً مخلاً يعد خارماً لشرط القدرة، وذلك لأن عمل الخليفة هو تطبيق أحكام الشرع، وهذا يتطلب القدرة على مباشرة الأعمال بنفسه أو متابعة الأعمال بنفسه إذا كلف غيره القيام بها، فإذا كان غير قادر على ذلك فإنه لا يستطيع الوفاء بعقد الخلافة المنصب على شخصه لتطبيق أحكام الشرع، ويكفي في ذلك استيفاء شروط الانعقاد ومنها القدرة فإذا فقدت فإن عقد الخلافة لا يستمر صحيحاً، كأن يصاب الخليفة بمرض فقدان الذاكرة، أو دخوله في الإنعاش مدة طويلة، أو نحو ذلك من أمراض بحيث يستمر معه المرض مدةً طويلة تؤثر في سلامة الحكم في الدولة، فلا يتمكن الخليفة معها من مباشرة الأعمال بنفسه أو متابعة الأعمال بنفسه إذا كلف غيره القيام بها... وتتولى محكمة المظالم اتخاذ إجراءات التأكد من عدم القدرة ومن ثم القرار اللازم لإعلان شغور مركز الخلافة...

أما عدم استيفاء شروط الأفضلية فلا تبطل عقد الخلافة، فأن يكون شجاعاً يتقن أرقى أسباب القتال، أو يكون من أصحاب الرأي المتخرج من أعلى الجامعات... فكل هذا ليس شرط انعقاد، فلا يبطل عقد الخلافة، لأنه لا دليل شرعي عليه، ولأن مثل هذه الشروط لا تؤثر في القيام بأعمال الخلافة تأثيراً مخلاً، ولأن الخليفة إذا تطلب الأمر الشجاعة المناسبة في بعض الأمور كالحروب مثلاً، فإنه يمكنه الاستعانة ببعض أصحاب الشجاعة في هذا الأمر، وكذلك إذا تطلب الأمر رأي أصحاب الدراسات الجامعية العليا فإن الخليفة يمكنه أن يرجع إلى مثل هؤلاء من رعيته، ومع ذلك فكما قلنا آنفاً فإن الأولى هو أن تنتخب الأمة الخليفة الذي يحوز على شروط الانعقاد وشروط الأفضلية، لكنها لو اختارت الحائز على شروط الانعقاد ولم يحز على كل شروط الأفضلية فخلافته صحيحة ما دام قد استوفى شروط الانعقاد لأن الأدلة الشرعية الصحيحة تفيد ذلك.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

27 من محرم 1436 ألموافق2014-11-20م

منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:04 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.