قديم 03-16-2016, 10:41 PM   #11
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 46 - 50 النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة

النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة
إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفلاسفة الغربيين يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها، فمن الخطأ أن نتابعهم على ذلك. فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج عدة من النهضات. ولم تكن كل نهضة كالأخرى، وإنما هناك اختلاف جوهري عميق، بل وأساسي بين نهضة وأخرى. فليس من الصواب أن يكتفي الإنسان بالبحث عن مطلق نهضة، بل عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء الإنسان أي إلى طمأنينته الدائمة. وبعبارة أخرى: ما دام هناك نهضة صحيحة وأخرى فاسدة، فهذا يعني أن على الإنسان أن يتحرى تلك الصحيحة.
إذا كان المبدأ - بعقيدته ونظامه - هو سر النهضة، فهذا يعني أن النهضة الصحيحة منبعها المبدأ الصحيح. والمبدأ الصحيح هو ذلك الذي يقوم على العقيدة الصحيحة التي تقنع العقل وتوافق الفطرة الإنسانية فتملأ القلب طمأنينة. وهذه العقيدة من شأنها أن تعطي الإجابة الصادقة والفكرة الصائبة عن الكون والإنسان والحياة. وهذا المبدأ هو القابل للتطبيق في أي زمان وأي مكان، وهو الكفيل للإنسان بالنهضة الصحيحة.
أما المبدأ الذي يقوم على عقيدة خاطئة، فإنه لا يكون قابلاً للتطبيق، إلا بقدر ما يجد في المجتمع من ظروف وأوضاع مواتية ومتناغمة مع طرحه وتوجهه، وغالباً ما تكون قابليته للتطبيق آتية من كونه هو بحد ذاته رد فعل على أوضاع أو أزمات تفاقمت في مجتمع ما، كما هو شأن المبدأ اللبرالي. ثم سرعان ما يكتشف القائمون عليه عدم قابليته للاستمرار مطبقاً بعد أن يكتشف المجتمع مخالفته لعقولهم وتنافره مع فطرتهم، وسرعان ما يرتكس ذلك المجتمع من جديد في ظل نظام كان هو نفسه السبب في نهضته فيما مضى من الزمان. وأقرب مثال إلينا هو المبدأ الشيوعي.
فقد أحدث ذلك المبدأ نهضة لم تستطع الاستمرار أكثر من عدة عقود لشدة ما بلغ من الفساد. ذلك أن عقيدته صادمت فطرة الإنسان وعقله حين نفت وجود الخالق سبحانه، فقالت "لا إله والحياة مادة". فالفطرة الإنسانية تنزع بطبيعتها إلى عبادة الخالق المدبر، والعقل يقطع ويجزم بأن الكون والإنسان والحياة كلها مخلوقة لخالق، وذلك لما يظهر فيها من محدودية وعجز ولما يتجلى فيها من آثار الإبداع والإتقان التي تدل على مبدع حكيم أحسن خلقها. وبالتالي انبثق عن هذه العقيدة نظام عفن فاسد هو النظام الاشتراكي، رفع الإنسان لحظة من عمر التاريخ ليودي به إلى الهاوية ولم يتزحزح عن صدره إلا وقد أرداه صريعاً خائر القوى لا يقدر على شيء.
أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسلاخ عن أوضاع العصور الوسطى في أوربا، فهو أيضاً مبدأ خاطىء. ذلك أن عقيدته - عقيدة فصل الدين عن الحياة - ليست عقيدة روحية. فهي بعد أن اعترفت بأن الإنسان مخلوق لخالق - علماً أنها لا تجزم بذلك - فصلت ذلك الإنسان عن خالقه وقالت له:" إن الخالق خلقك على هذه الأرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر أمرك كيفما شئت"(1 ). فخالفت بذلك فطرة الإنسان الذي يرى نفسه عاجزاً قاصراً محدوداً، ويرى خالقه مدبر أمره وحياته كلها.
وإذا كانت تلك العقيدة - التي هي أصل المبدأ - فاسدة خاطئة فمن الطبيعي أن تكون الأنظمة التي انبثقت عنها فاسدة، والحضارة التي قامت عليها منحرفة.
أما الإسلام، فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة. ذلك أن عقيدته التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعطت الفكرة الكلية الصحيحة عن الكون والإنسان والحياة حين قررت أنها جميعها مخلوقة لخالق، وعما قبل الحياة الدنيا وهو الله تعالى، وعما بعدها وهو يوم القيامة، وحددت علاقة الإنسان بخالقه، وهي وجوب الانقياد لأوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وربطت الإنسان وهو يعيش على هذه الأرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة إن هو فوّض أمره لخالقه سبحانه وانقاد لأوامره ونواهيه، وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى. يصف الله تعالى لنا رحلة الإنسان منذ نزوله إلى الأرض وحتى خروجه منها يوم الحساب قائلاً:
{ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }(2 ).
وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل الإنسان الذي يخاطبه القرآن الكريم قائلاً :{ أفي الله شك فاطر السموات والأرض }( 3). وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة الإنسان التي تنزع إلى عبادة الخالق المدبر، والتي تكلم عنها القرآن الكريم قائلاً: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فِطْرَتَ الله التي فطرَ الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }( 4).
وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية(5 )، فلا تعارض في الإسلام بين المادة والروح أو الناحية الروحية. فإذا كانت الروح هي إدراك الصلة بالله تعالى، فإن الإسلام يكون قد ربط بين المادة والروح حين أمر الإنسان بأن يسيّر أعماله المادية بأوامر الله ونواهيه، فيدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال، فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان الله تعالى. وفي الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته.
هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ. وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة الإسلامية عن كل ما سواها من النهضات تميّزاً كلياً. وإذا كان لا بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة الإسلامية وغيرها، فمن الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى الأوربية، ذلك لأن العصور الوسطى الأوربية باعتراف الجميع لم تكن عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط. إذن فلتكن المقارنة بين نهضة الحضارة الإسلامية ونهضة الحضارة الغربية المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم.
____________________________
(1)راجع: بهجة المعرفة- المجموعة الثانية - ج 4 - ص 359.
(2) سورة البقرة - الآيتان 38 - 39.
(3)سورة إبراهيم - الآية 10.
(4)سورة الروم - الآية 30.
(5) أنظر موضوع "الروح والناحية الروحية" في هذا الكتاب.

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2016, 10:50 PM   #12
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية

بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية
إن التطور في العمران والمدنية والتقنية والعلوم والنواحي المادية، وإن كان أمراً مهماً لاستمرار الحضارات، إلا أنه ليس المقياس في الحكم على مدى رقي الحضارة أو انحطاطها، ولا على مدى صوابيتها أو فسادها. فإذا كانت الحضارة كما أسلفنا هي مجموعة من المفاهيم تكيّف نمط العيش في المجتمع، فإن هذه الحضارة تُقوّم بالنظر إلى ما أوجدته في المجتمع من طريقة في العيش وما أمّنته للإنسان من الاستقرار والاطمئنان والهناء. لذلك ليس غريباً أن نقوم بمقارنة بين الحضارة الإسلامية التي تجلت على أرض الواقع طوال العصور الوسطى وبين الحضارة الغربية المعاصرة على ما وصلت إليه من تطور مدني وتكنولوجي وعلمي. فجوهر التباين بين هاتين الحضارتين هو بالدرجة الأولى تباين نوعي، وليس تبايناً في مدى التقدم المدني والتقني أو ما شاكل ذلك.
وإذا كان التباين النوعي البعيد بين كل من هاتين الحضارتين يجعل من الصعب علينا استيفاء المقارنة، فبإمكاننا أن نذكر قسطاً من تلك الفروق.
فعلى الصعيد السياسي، نجد أن الإسلام استطاع أن يجعل من الأمة الإسلامية على اختلاف قومياتها وشعوبها وألوانها وألسنتها مجتمعاً واحداً. فقد توفي رسول الله r بعد أن دخلت الجزيرة العربية كلها في الإسلام، وبعد أن قضي على الشرك فيها وبعد أن أصبحت دار إسلام تحكم بالإسلام كله عقيدة ونظاماً. وجاء بعده الخلفاء الراشدون فتتابعت الفتوحات، ففتح العراق وكان يسكنه خليط من النصارى والمزدكية والزرادشتية من العرب والفرس، وفتحت فارس وكان يسكنها العجم وقليل من اليهود والرومانيين، وكانت تدين بدين الفرس، وفتحت الشام وكانت إقليماً رومانياً يتثقف بثقافة الرومانيين ويتدين بالنصرانية ويسكنه السوريون والأرمن واليهود وبعض الرومان وبعض العرب، وفتحت شمال إفريقية وكان يسكنها البربر وكانت في يد الرومان. وجاء بعد الخلفاء الراشدين الأمويون، ففتحوا السند وخوارزم وسمرقند وأدخلوها ضمن أراضي الدولة الإسلامية، ثم فتحت الأندلس وأصبحت ولاية من ولاياتها. وكانت هذه الأقطار المتعددة متباينة القوميات واللغة والدين والتقاليد والعادات والقوانين والثقافة، وطبيعياً كانت مختلفة العقلية مختلفة النفسية، ولذلك كانت عملية صهرها ببعضها وتكوين أمة واحدة منها موحدة الدين واللغة والثقافة والقوانين أمراً عسيراً وعملاً شاقاً، يُعَدّ النجاح فيه شيئاً غير عادي، ولم يحصل لغير الإسلام، ولم يتحقق إلا للدولة الإسلامية. فإن هذه الشعوب جميعها بعد أن ظللتها الراية الإسلامية ودخلت في الإسلام صارت أمة واحدة(1 ).
ويصف ديورانت انصهار الشعوب والقوميات بالحضارة الإسلامية قائلاً:"اتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لساناً لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر باتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام. وحيث عجزت الهلّينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي. في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصاً واستمساكاً أنسياهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين وأندونيسيا والهند إلى فارس والشام وجزيرة العرب ومصر وإلى مراكش والأندلس، وتملّك خيالهم وسيطر على أخلاقهم وصاغ حياتهم وبعث فيهم آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في هذه الأيام نحو ثلاثمائة وخمسين مليوناً من الأنفس( 2)، يوحد هذا الدين بينهم ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية"(3 ).
لقد انتظم الإسلام في كثير من حقبات التاريخ مختلف تلك الشعوب في دولة واحدة موحدة، وإذا شهد التاريخ انفصال بعض الدول والإمارات عن جسم الخلافة الإسلامية، فإنه لم يكن مردّ ذلك إلى النزاعات القومية أو العرقية، ولا إلى تصدع في المجتمع الإسلامي، بقدر ما كان مردّه إلى إساءة تطبيق النظام وتسابق الأمراء والعائلات على السلطة، بدليل أن الأمة بقيت اللُحمة بين شعوبها قوية ولم تفصل بينها أي حدود سياسية.
بينما نجد الغرب إلى اليوم، رغم قيامه على مبدأ واحد ورغم أن حضارته واحدة، إلا أنه لم يستطع تذويب القوميات وصهرها لتصبح الشعوب الغربية كياناً سياسياً واحداً. فها هي المحاولة التي قام بها نابليون بونابرت لتوحيد أوربا مع بداية التاريخ الأوربي المعاصر، والتي اغتذت بالطاقة القومية الفرنسية تسقط أمام جدران القوميات الأوربية المختلفة. ثم ها هو القرن العشرون يشهد حربين عالميتين مدمرتين كانت النزعات القومية في أوربا من أهم عواملهما وأسبابهما. وها هو مشروع الوحدة الأوربية اليوم يشهد صعوبات جمة أيضاً بسبب التعصب القومي لدى شعوب أوربا، مع أن الوحدة المطروحة ليست وحدة كاملة، وإنما تقتصر على الناحية الاقتصادية والسياسة الخارجية والعسكرية دون الثقافية والتربوية والاجتماعية والمدنية وما شاكل ذلك.
أما على الصعيد الاقتصادي فإن التاريخ الإسلامي يروي لنا أوضاعاً من المعيشة قلّما شهد التاريخ عدالتها. فقد أحسن النظام الاقتصادي الإسلامي توزيع الثروة بحيث كاد المجتمع الإسلامي في أكثر حقبات تاريخه يخلو من البؤس الحقيقي.ويكفي أن نتذكر أحد أركان الإسلام الأساسية، و الذي يتكفل بإيجاد قدر كبير من التوازن الاقتصادي في المجتمع، ألا وهو الزكاة، التي قال الله تعالى عنها في القرآن الكريم: { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم }( 4). عدا عن سائر الصدقات والعطايا التي كانت كثيرة متعددة. وهذا نابع من سياسة الاقتصاد في الإسلام التي ترمي إلى ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعاً كلياً وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع( 5). فالطب مثلاً كان مكفولاً للجميع مجاناً، يقول ديورانت:"تزعم الإسلام العالم كله في إعداد المستشفيات الصالحة وإمدادها بحاجاتها، مثال ذلك أن البيمارستان الذي أنشأه نور الدين في دمشق عام 1160 ظل ثلاثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدهم بالدواء من غير ثمن، ويقول المؤرخون إن نيرانه ظلت مشتعلة لا تنطفىء 267 سنة"( 6).
حتى إن هذه العدالة لم تستثن العبيد المماليك، فلقد أوصى الرسولr بحسن معاملة العبد، لذلك فإن السيد كما يشهد ديوارنت "كان في العادة يحسن معاملته إلى حد لم يكن معه مركزه أسوأ من مركز العامل في المصانع الأوربيّة في القرن التاسع عشر، بل لعله كان أحسن حالاً من ذلك الصانع، لأنه كان أأمن على حياته منه"(7 ).
وشهدت البلاد الإسلامية ازدهاراً اقتصادياً مدهشاً لم يكن لواحدة من الدول القائمة آنذاك حتى أن تحلم به، ويكفينا نموذجاً أن نذكر ما أورده ديورانت عن الاقتصاد في الأندلس حيث قال:"بلغت الإيرادات في أيام عبد الرحمن الثالث 000،045،12 دينار ذهبي وأكبر الظن أن هذا كان يفوق إيرادات حكومات البلاد المسيحية اللاتينية مجتمعة. ولم يكن مصدر هذه الإيرادات هو الضرائب العالية بقدر ما كان أثراً من آثار الحكم الصالح، وتقدم الزراعة والصناعة ورواج التجارة"( 8). وكلام ديورانت هذا يدل بشكل واضح على أن الدولة الإسلامية لم تكن دولة استعمارية، وأن الاقتصاد الإسلامي لم يكن قائماً على امتصاص دماء الشعوب ونهب خيراتها وثروات أراضيها، بل كانت الشعوب التي تدخل حظيرة الإسلام تنعم بعدالة الاقتصاد الإسلامي حتى ولو لم تدخل الإسلام. يقول المستشرق أستانلي لين بول في كتابه "حكم المسلمين في إسبانيا":"لم تنعم الأندلس طوال تاريخها بحكم رحيم عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب"(9 ). ويذكر ديورانت أن المسيحيين في الأندلس كثيراً ما كانوا يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين ( 10)، وأن الأقاليم التي وقعت تحت حكم العثمانيين كرودس واليونان أو البيزنطيين أو البنادقة، حتى بلاد المجر نفسها ارتأت أن الأحوال فيها صارت تحت حكم سليمان إلى أحسن مما كانت عليه أيام آل هابسبرج( 11).
أما الغرب الراقي اليوم، فإنه لم يستطع أن يوقف عود اقتصاده إلا بعد أن استعمر العالم وسيطر على موارده ومصادر ثروات شعوبه وامتص دماءهم. وهو لا يزال يمعن تفكيكاً وتمزيقاً لبلاد العالم وإشعالاً للفتن فيه، حتى يبقى متربعاً على عرشه ناقباً لمناجمه مستنبطاً آباره حاصداً أراضيه قاطفاً جنانه ومسخّراً طاقاته. ورغم غنى الغرب الفاحش وأمواله الطائلة لم يستطع النظام الرأسمالي أن يحسن توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، فنرى الفروقات في مستوى الملكية تفوق حد التصور، ونجد في أغنى بلاد الغرب كالولايات المتحدة ألوفاً بل ملايين من العاطلين عن العمل الذين يسكنون الملاجىء أو المستودعات أو الأزقة أو ربما المجارير. ها هو أحد كبار الفاعلين في السياسة الأميركية وهو زبغنيو برجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر والذي يعمل حالياً مستشاراً في مركز الدراسات الاستراتيجية والعالمية بواشنطن يدق ناقوس الخطر من الأزمات المختلفة التي تعصف بالمجتمع الغربي عموماً ومجتمع الولايات المتحدة بشكل خاص فيقول حين كلامه عن المشاكل الاجتماعية والسياسية إنه على الرغم من إنفاق مبالغ هائلة في مجال النظام الصحي إلا أن عشرات الملايين من المواطنين الأمريكان لا يتمتعون بالرعاية الصحية المطلوبة، ويشكو من تهلهل البنية الاجتماعية وتداعي المرافق العمرانية حيث توجد أحياء سكانية فقيرة ومتداعية شبيهة بالموجود في أفقر دول العالم الثالث، ويتكلم عن "تجذر" مشكلة العنصرية والفقر، حيث تشير الإحصاءات إلى حقيقة مؤلمة ومخجلة وهي أن نسب الأمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر يشكلون 7،35 مليون مواطن أمريكي، ولا يجد قسم كبير منهم سقفاً يستظل به، وهذه الحالة - على حد تعبير برجنسكي - لا تليق بالقوة العالمية الوحيدة(12 ).
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2016, 10:54 PM   #13
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (ب* )

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن ذلك التماسك في المجتمع الإسلامي بين مختلف صُعده وفئاته وشرائحه ولا سيّما على صعيد الأسرة لم يشهده مجتمع من المجتمعات. ونحن في غنى عن وصف تلك الأوضاع الاجتماعية التي شهدها التاريخ الإسلامي والتي شهد بها الأعداء أنفسهم والتي لاتزال إلى حد كبير قائمة حتى اليوم، رغم التصدع الذي أحدثته الحضارة الغربية في مجتمعنا.
ولكن نظرة خاطفة إلى المجتمع الغربي ترينا مدى التفكك الاجتماعي والأسري الذي أخذ يفتّ من عضده وينكأ جراحه. ونعود لنترك الكلام لبرجنسكي حيث يشكو من "شيوع الإباحية الجنسية التي أصبحت "الطابع العام للحياة في أمريكا" وبالتالي فهي تهدد مكانة وبنية الخلية الأساسية في المجتمع وهي الأسرة، وذلك بتفاقم مشكلة ما يسمى بالأسر التي يقوم عليها أحد الأبوين (الأم غالباً) والتي تنشأ فيها أجيال من الأطفال غير الشرعيين، مع ما يصاحب هذه الظاهرة من آثار خطيرة تتمثل في تفكك الأواصر الاجتماعية. كما أن شيوع الإباحية الجنسية من أهم أسباب تفشي مرض الإيدز الخطر"( 13). كما يشكو من "استشراء الفساد الأخلاقي على أوسع نطاق عن طريق وسائل الإعلام المرئية، إذ إن كل ما تقوم به هذه الوسائل باسم الترفيه هو نشر الفساد وبث مفاهيم الجنس والعنف كوسيلة لجذب المشاهدين"(14 ). ويتكلم عن "استفحال ظاهرة الجريمة والعنف التي تزداد تعقيداً بإمكانية حصول المدنيين على الأسلحة النارية بسهولة أكثر من حصول معظم جيوش العالم عليها، هذا بالإضافة إلى انتشار الأفلام وبرامج التلفزيون التي تشجع علىالعنف والجريمة، وهذا كله يجعل أمريكا تنفرد بأعلى نسب من جرائم القتل في العالم"( 15). ولا ينسى أن يتكلم عن الانتشار المذهل للمخدرات، الظاهرة التي "تعود من ناحية إلى محاولة نفسية للهروب من واقع بائس، ومن ناحية أخرى إلى كون تجارة المخدرات البديل الأكثر إغراء للحصول على الثروة بأسرع طريق. وتشير التقارير إلى أن تجارة المخدرات تدر على أصحابها مبلغاً يصل إلى 100 مليار سنويا"(16 ). وكدليل على فساد العلاقات بين أفراد المجتمع يتكلم عن "الإفراط في التحاكم إلى القضاء، وهي ظاهرة ليس لها مثيل في أية دولة أخرى، فرجال القضاء والمحامون في أمريكا يشكلون ثلث رجال القضاء في العالم"( 17).
وفي دراسة أعدتها رابطة التجارة الإيطالية سنة 1993 اتضح أن 60 بالمائة من المتاجر والحانات والمطاعم تدفع أتاوات منتظمة لعصابات المافيا. وتقول الدراسة إن الجريمة تكسب سنوياً 25 مليار دولار من وراء الأتاوات التي يدفعها أصحاب المحلات في أنحاء البلاد. وهناك مدن تدفع مائة في المائة من محلاتها هذه الأتاوة، مثل مدينة بالرمو عاصمة صقلية، وهي تعتبر مركزاً للمافيا ووطناً أساسياً لها( 18).
وفي بريطانيا يقول إحصاء رسمي إن 34% من المطلقين و 22% من المطلقات يعيشون مع شريك من دون زواج وتبلغ نسبة المولودين خارج الزواج 7،28 في المائة من المواليد في بريطانيا وفي 1990 ولد مائتا ألف طفل خارج الزواج في إنجلترا وويلز( 19).
كل هذه الظواهر التي ذكرناها عن المجتمع الغربي - وهي غيض من فيض - نتيجة طبيعية وحتمية لوجهة النظر الغربية عن الحياة ولمفهوم السعادة في الذهن الغربي ولمقياس الأعمال في ذلك المجتمع.
وسنستمر في ترك الكلام لشاهد من أهلها، وهو برجنسكي الذي يسمي المجتمع الغربي - ولاسيما الأميركي - بعالم إباحية الوفرة فيقرر ما يلي:
عالم إباحية الوفرة عالم اختلت فيه موازين الأخلاق وموازين الخير والشر وتم إبدالها بموازين من صنع البشر "قانوني وغير قانوني"، وهكذا تم إقصاء القيم الدينية الداخلية في ضمير الفرد ووضعت مكانها قوانين وقواعد خارجية تنفذها أجهزة الشرطة والأجهزة القانونية، فلم تنتج الانضباط لوجود ثغرات عديدة في هذه القوانين ولأنها خارجية وغير ملزمة أدبياً، ولغياب الضوابط الداخلية المطلقة.
ويرى أن عالم إباحية الوفرة يشكو كذلك من اختلال مفهومي "الحرية" و"الحياة الطيبة"، حيث أصبح مفهوم الحرية إطلاق العنان لشهوات الأفراد دون التقيد بالمسؤوليات العامة ومصلحة المجتمع، وبالتالي أصبحت الحرية تعني انعدام الضوابط تماماً باستثناء الحالات التي تترتب عليها عقوبات قانونية.
أما مفهوم "الحياة الطيبة" المرتبط أساساً بمفهوم السعادة فهو -كما يرى برجنسكي - يعني في قاموس إباحية الوفـرة طلب اللذة والمتعة الحسية من طريق جمع المادة والاستهلاك لأجل الاستهلاك، وبالتالي أصبحت الوفرة غاية في حد ذاتها لا وسيلة لتحقيق السعادة، ويشن برجنسكي بهذا الصدد حملة قوية على الإعلام الغربي وعلى التلفزيون بوجه الخصوص لقيامه بالدور الأكبر في نشر مبادىء الإباحية، والجري وراء المتع والشهوات المحمومة، وإشراب قيم إباحية الوفرة للناشئة وللعنصر النسائي بصفة خاصة( 20).
أما التقدم المدني الذي يشمل العلوم والصناعة والتكنولوجيا والطب وما شاكل ذلك - والذي هو أبرز ما يفتخر به الغرب اليوم - فإنه لم يقم حائلاً أمام الشقاء والتعاسة اللذين يعاني منهما مجتمعه. فإن المدنية والعلوم هي وسائل يستخدمها الإنسان لتيسير سبل العيش ولخدمة طراز العيش ونمط الحياة التي يحياها، فإن كان هذا النمط من العيش ناجماً عن حضارة منحرفة وفكر خاطىء ونظام فاسد فإن هذه المدنية لن تزيد ذلك المجتمع والإنسانية عموماً إلا شقاء وتعاسة. يقول الفيلسوف الفرنسي غارودي الذي اعتنق الإسلام أوائل الثمانينيات:"وكما حدث في أثناء انهيار الإمبراطورية الرومانية، نعيش اليوم مرحلة "تعفن التاريخ" التي تمتاز من دون سواها بالهيمنة التقنية والعسكرية الساحقة لإمبراطورية ليس لها مشروع إنساني يمكن أن يعطي معنى للحياة وللتاريخ"( 21). ويقول الفيلسوف الإنكليزي جود:"إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ولكننا نستعملها بعقول الأطفال والوحوش"( 22).
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2016, 10:57 PM   #14
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (ج* )

لقد استخدمت الحضارة الغربية التكنولوجيا لصنع القنبلة الذرية التي أبادت الألوف من البشر، وأشعلت تلك الحضارة الحروب والفتن في العالم من أجل تسويق صناعاتها الحربية. والتكنولوجيا لدى هؤلاء أفسدت البيئة وأنتجت الأمراض العضوية المختلفة.
ثم ماذا نفع الطب أمام تلك الأمراض الفتاكة المستعصية التي أنتجتها حضارة الحريات والإباحية والشذوذ والرذيلة، حضارة الانفلات من كل القيم الروحية والخُلُقِية والإنسانية... إلا المادية؟! هل استطاع العلم أن يجمع شمل العائلة الغربية؟ هل استطاع أن يوقف الجريمة؟ هل وجد حلاً للأزمات النفسية التي يعاني منها ملايين البشر هناك؟
يقول الدكتور مراد هوفمان السفير الألماني لدى المغرب - وقد اعتنق الإسلام منذ عدة سنوات -:"لنتأمل معاً ضحايا ذلك المجتمع الصناعي وقيمة الحيدية المزعومة فحسب. إنهم يتمتعون بكل ما يريدون من الاستقلال الذاتي والحياة المؤمّنة منذ المهد إلى اللحد، والحرية أو الإباحية الجنسية التي لا تعرف محظوراً أو محرماً، والمخدرات على اختلاف أنواعها وأذواقها حسب كل مزاج وطلب، وأوقات الفراغ والعطلات والإجازات المكفولة قانونياً، وكافة الحقوق المدنية التي يحلم بها المرء، لكنهم على ذلك كله يحسون فراغاً هائلاً يملأ وجودهم الفعلي، ويتوقون إلى الحنان والدفء البشري من قبل الجماعة التي يعيشون معها أو ينتمون إليها وإلى سلطة زعيم روحي... وراء كل هذا يقبع سؤال خطير ملحّ عن مغزى الحياة أو الوجود"( 23).
إن التاريخ الإسلامي سجل لنا إسهامات في العلوم وإنتاجات في التكنولوجيا واكتشافات في الطب وإبداعات في الفنون والعمران وسائر الشؤون المدنية، جعلت من البلاد الإسلامية متحفاً رائعاً ومشهداً فتّاناً لكل من يفد إليه من الشرق والغرب. يقول ديورانت:"كان الإقليم المحصور بين بخارى وسمرقند يعد في أثناء القرن العاشر "إحدى الجنات الأرضية الأربع" وكانت الثلاث الأخر هي جنوبي فارس، وجنوبي العراق، والإقليم المحيط بدمشق في بلاد الشام"( 24). ويقول:"كان العرب على جانب كبير من المهارة الآلية الفنية، وشاهد ذلك أن الساعة المائية التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان قد صنعت من الجلد والنحاس الأصفر المنقوش. وكانت تدل على الوقت بفرسان من المعدن يفتحون كل ساعة باباً يسقط منه العدد المطلوب من الكرات على صنجة، ثم ينسحبون ويغلقون الباب"(25 ). ويتابع قائلاً:"وبلغت بلاد آسية الغربية تحت حكم المسلمين درجة من الرخاء الصناعي والتجاري لم تصل إليها بلاد أوربا قبل القرن السادس عشر"( 26).
لقد سخّرت المدنية في المجتمع الإسلامي لخدمة البشرية ولم تسخّر لإبادة الشعوب وإذلالها، فما قام به المسلمون كما تقول الفيلسوفة الألمانية زيغريد هونكة: "لهو عمل إنقاذي له مغزاه الكبير في تاريخ العالم"( 27).
إن علماء الغرب أنفسهم يشهدون أن البنيان العلمي والتكنولوجي، وعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة وما شاكل ذلك مما توصل إليه الغرب اليوم قام بغالبيته بدعامة النظريات والمنجزات التي حققها العالم الإسلامي إبان عصور نهضته. تقول زيغريد هونكة:"لقد قدم المسلمون أثمن هدية، وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم"( 28).
ويقول ديورانت:"لما أعلن روجر بيكن هذه الطريقة إلى أوربا بعد أن أعلنها جابر بخمسمائة عام كان الذي هداه إليها هو النور الذي أضاء له السبيل من عرب الأندلس، وليس هذا الضياء نفسه إلا قبساً من نور المسلمين في الشرق"( 29). ويقول الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس): "إن النهضة أو إحياء العلوم والفنون الأوربية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب، لقد استفادت أوربا أكثر مما استفاد العالم الإسلامي، ولكنها لم تعترف بهذا الجميل"(30 ).
إن تلك الثورة التكنولوجية، العظيمة التي شهدها القرن العشرون من اكتشاف الذرة واختراق للفضاء وغير ذلك، لا تعزى إلى الحضارة الغربية بقدر ما تعزى إلى تراكم المعلومات والاكتشافات والنظريات والقواعد المعرفية في الذهن البشري وسجلاته المدونة. أي إن تلك الثورة الصناعية كانت تنتظر أي حضارة ناهضة لتثمر على يديها فصادف أن كان دور الحضارة الغربية المعاصرة. بدليل أن النهضة الشيوعية - على ما فيها من مناقضة للحضارة الغربية - حققت إبان إزدهارها نفس المستوى الذي حققه الغرب من التقدم المدني والتكنولوجي، ولولا الانحطاط الذي ألمّ بكيان المنظومة الشيوعية ولاسيما الاتحاد السوفياتي لبقيت تزاحم الغرب في ذلك المجال. كما أن الحضارة الإسلامية اليوم أيضاً مرشحة لأن تلعب ذلك الدور إذا ما عادت الأمة الإسلامية إلى إحيائها من جديد.
لقد بدأت شعوب الغرب اليوم تكتشف أن نهضتها تلك ليست سبباً للسعادة بل هي سبب للشقاء والتعاسة والقلق والخوف والسعي وراء السراب.
وصدق الله العظيم إذ قال: { والذينَ كَفَروا أعمالُهُم كَسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدْهُ شيئاً وَوَجدَ الله عِندَهُ فَوفّاهُ حِسابَه والله ُ سريعُ الحساب }(31 ).
وإنه إذا كانت الشيوعية أقصر عمراً وأضيق نفساً فانهارت حضارتها بطرفة عين بسبب مصادمتها العنيفة للفطرة ونكايتها لعقل الإنسان وبديهته، فإن الحضارة الغربية سرعان ما ستلحق بها بعد أن تصل بالشعوب الغربية إلى الحضيض. وإذا كانت الشيوعية هي تلك المطرقة التي هوت على رأس الإنسان، أو ذلك المنجل الذي أصاب عنقه فأطاح برأسه وأرداه قتيلاً بالضربة القاضية، فإن الحضارة الغربية الرأسمالية هي ذلك السم الذي يجري في عروق الجسد دون أن يحس به الإنسان فتخور قواه شيئاً فشيئاً إلى أن يلقى حتفه وهو غافل عن نفسه. والذين تنبهوا إلى الخطر المحدق بالمجتمع الغربي يدعون، كما دعا برجنسكي الولايات المتحدة "إلى مراجعة كاملة للفلسفة المادية التي تقوم عليها حضارتها وإخضاع هذه الحضارة إلى عملية نقد ذاتي صارمة، كما أن على أمريكا أن تصل إلى قناعة بأن المجتمع الذي لا يمتلك قيماً وثوابت مطلقة، والذي يقوم على فلسفة تحقيق المتعة الذاتية وإرضاء النزوات هو مجتمع محكوم عليه بالانهيار والذوبان. وفي هذا الصدد يهيب برجنسكي بأمريكا أن تفقه دروس التاريخ في ازدهار الحضارات وانهيارها وفي تبوئها مرتبة الريادة وانحسارها عن هذه المرتبة فيقول: إن التاريخ يعلمنا أنه لا بد لأية قوة عظمى - لكي تحافظ على دور الريادة - من رسالة حضارية تقوم على فضائل الأخلاق وتكون نموذجاً يحتذى من الآخرين عن طواعية لا بالقوة والإكراه.... وفي غياب هذه الرسالة الحضارية فإن النموذج الأميركي سيتم رفضه كما رُفض النموذج الشيوعي السوفياتي من قبل"(32 ).
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2016, 11:11 PM   #15
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (د* )

أما نحن المسلمين، إيماناً منا بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }( 33)، فإننا على يقين أن العالم سيبقى يتخبط في مشاكله وأزماته حتى تعود الأمة الإسلامية من جديد إلى حمل الإسلام رسالة إلى العالم من أجل أن ينعم برحمة التشريع الإلهي الذي أُرسل به محمد r رحمة للعالمين. وذلك لن يكون إلا بعد أن يستأنف المسلمون الحياة الإسلامية مجدداً بإعادة المجتمع الإسلامي الذي يعتنق الإسلام عقيدة ونظاماً للحياة والمجتمع والدولة، وحمل الرسالة إلى العالم.
والله عز وجل هو القائل في كتابه العزيز: { وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }( 34).
وأما الانحطاط الذي ألـمّ بالعالم الإسلامي، فإن نظرة عميقة نزيهة إلى تاريخه وحاضره ترينا أن العالم الإسلامي لم ينحطّ بسبب قصور المبدأ الإسلامي. فعقيدته هي العقيدة الصحيحة الموافقة لفطرة الإنسان ولعقله، والمنطبقةُ على واقع الكون والإنسان والحياة، ونظامه هو النظام الصحيح الذي نزل من عند الله تعالى لمعالجة مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً في كل زمان ومكان. ولكن ذلك الانحطاط كان بسبب تقصير المسلمين في فهمهم لذلك المبدأ وبالتالي إساءتهم لتطبيقه.
فالمبدأ ليس دواء سحرياً يفعل فعله على نحو خيالي ساحر، بل إن فعله متوقف على أمة تعتنقه وتفهمه حق فهمه وبالتالي تحسن تطبيقه وصياغة مجتمعها به. والأمة الإسلامية آذنت بانحطاطها منذ أن رضيت بتحويل الخلافة إلى ملك، ومنذ أن أغلقت باب الاجتهاد وأهملت شأن اللغة العربية، فأغلقت على نفسها بذلك، الباب الذي تدخل منه عوامل نهضتها. ذلك أن الاجتهاد وفهم اللغة العربية هما الطريق الوحيد لفهم الإسلام وبالتالي لإحسان تطبيقه. فبدأ بنيانها الفكري بالتآكل وأصابه الهزال، فوجدت الحضارة الغربية القائمة على المبدأ الرأسمالي طريقها إلى المجتمع الإسلامي مفتوحاً. وظن المسلمون أن تلك الحضارة ستنهض بهم كما نهضت بالغرب، ونسوا أن عقيدتها تتعارض - من حيث الأساس - مع عقيدتهم التي يحملونها والتي لا يفكرون يوماً بالتخلي عنها.
وبما أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فإن المسلمين مكلفون اليوم بالعمل على دراسة الإسلام من جديد دراسة عميقة صافية نقية واضحة، بمعزل عن أيّة غشاوة، وبعيداً عن كل اللوثات والسموم الفكرية التي تراكمت عبر عصور الانحطاط أو وفدت مع الغزو الفكري الغربي، من أجل أن يصوغوا مجتمعهم بأفكار الإسلام ومشاعره وأنظمته حتى يعود المجتمع الإسلامي المنارة التي تنير للشعوب والأمم درب الهداية والخلاص.
وصدق الله العظيم إذ قال:{إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}( 35).
_________________________________
(1)راجع تقي الدين النبهاني - الدولة الإسلامية - ص 162 - 163.
(2)هذا الرقم صحيح في الحقبة التي كتب فيها ديورانت كتابه، أما اليوم فقد فاق عدد المسلمين المليار.
(3)قصة الحضارة - ج 13 - ص 133.
(4)سورة الذاريات - الآية 19.
(5)تقي الدين النبهاني - النظام الاقتصادي في الإسلام - ص 62.
(6)قصة الحضارة - ج 13 ص 360
(7)المرجع السابق - ج 13 - ص 112.
(8) المرجع السابق - ج 13 - ص 293.
(9)المرجع السابق - ج 13 - ص 292.
(10) المرجع السابق - ج 13 - ص 297.
(11)المرجع السابق - ج 26 - ص 113.
(12)نقلاً عن مجلة الوعي - العدد 86 - مقال عن كتاب "خارج حدود السيطرة". الذي ألفه برجنسكي. ص 22 - 23.
(13)المرجع السابق - ص 23.
(14)المرجع السابق - ص 23.
(15) المرجع السابق - ص 23.
(16)المرجع السابق - ص 23.
(17)المرجع السابق - ص 22.
(18)مجلة الوعي - العدد (70 - 71) - ص 44.
(19)مجلة الوعي - العدد 57 - ص 10.
(20) نقلاً عن: مجلة الوعي - العدد 86 - ص 20 - 21.
(21)نقلاً عن مجلة الوعي - العدد 63 - ص 10.
(22) فهرس قصة الحضارة - ج 1 - ص 12.
(23)مراد هوفمان - الإسلام كبديل - ص 29.
(24)قصة الحضارة - ج 13 - ص 107.
(25)المرجع السابق - ج 13 - ص 108.
(26)المرجع السابق - ج 13 - ص 108.
(27) فهرس قصة الحضارة - ج1 - ص 11.
(28)المرجع السابق - ج 1- ص 12.
(29)قصة الحضارة - ج 13 ص 292.
(30) الإسلام على مفترق الطرق - ص 59.
(31)سورة النور - الآية 39.
(32)مجلة الوعي - العدد 86 - ص 25.
(33)سورة البقرة - الآية 113.
(34)سورة النور - الأية 55.
(35)سورة الأعراف - الآية 128.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-18-2016, 04:19 PM   #16
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 71- 72الـقسم الثاني الـحـضــارة الإسـلامـيــة

الـقسم الثاني
ألْحَضارَة ألإسْلامِيَة

قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السّماء * تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذنِ رَبِّها، وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرون * ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِنْ فَوقِ الأرضِ مَا لَهَا مِن قَرَار * يُثَبِّتُ اللهُ الّذِينَ ءامَنُوا بالقَولِ الثَّابِتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ، وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ، ويَفْعَلُ اللهُ ما يَشَاء.
___________________
إبراهيم 24-27




__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-18-2016, 04:29 PM   #17
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 73 - 77 الحـضــارة

الحـضــارة
إن كلمتي الحضارة و المدنية هما من أكثر المصطلحات شيوعاً في أيامنا هذه. ويجدر بنا - ونحن نبحث في موضوع الحضارات عموماً والحضارة الإسلامية خصوصاً - أن نقف عند مدلول هاتين الكلمتين، ولا سيما الكلمة الأولى: الحضارة، حتى يدرك القارئ ما نرمي إليه من معنى عند إيراد تلك الكلمة. صحيح كما يقال أن لا مشاحة في الاصطلاح، إلا أن ضبط الاصطلاح وتحديد مدلوله حين استخدامه أمر في غاية الأهمية، وذلك حتى لا تلتبس المعاني على السامع أو القارئ.
إن معنى كلمة الحضارة في اللغة هو كما ورد في لسان العرب: "الإقامة في الحَضَر (...) والحَضَر والحَضْرَة والحاضِرة : خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف". إذن، فحين تذكر الحضارة في اللغة فإنه يقصد بها ما هو عكس البداوة، أي سكن المدن والقرى. إلا أن هذا المعنى اللغوي للعبارة ليس هو المقصود حين الكلام عن الحضارة في النصوص الفكرية والتاريخية والسياسية المعاصرة. إذ أصبح لكلمة الحضارة مدلول اصطلاحي جديد مختلف عن المدلول اللغوي الأصلي.
ونشأة هذا الاصطلاح تعود في الواقع إلى الدراسات الأوربيّة، وذلـك حـيـن درج الغربيون على استـخـدام كـلـمــة "Civilisation" -وترجمتها إلى العربية الحضارة أو المدنية - للتعبير بها عن التطور المادي والصناعي والعمراني الذي أخذ يطّرد بسرعة خلال العصور الحديثة التي تلت القرن الخامس عشر الميلادي والتي سميت بعصور النهضة. إلا أن تلك العبارة تحولت مع مرور الوقت عن ذلك المدلول لتأخذ مدلولاً آخر جديداً. فقد أصبحت تطلق على ما يملكه شعب ما أو مجتمع ما أو أمة من الأمم من تراث وخصائص وإبداعات يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فأصبح المؤرخون والمفكرون والكتّاب يتكلمون عن حضارات عديدة سالفة ومعاصرة. كالحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية والحضارة السومرية والرومانية والفارسية والصينية والهندية وحضارة أوربّا العصور الوسطى والحضارة الإسلامية وأخيراً الحضارة الغربية المعاصرة والحضارة الشيوعية وما شاكل ذلك.
وقد نقل هذا الاصطلاح الغربي إلى اللغة العربية باستخدام عبارتين هما الحضارة و المدنية. فأصبحت هاتان الكلمتان تستخدمان للدلالة على ذلك المعنى الاصطلاحي الجديد.
إلا أن المشكلة في هذا الاصطلاح، هي أن معظم الذين يستخدمونه يُدخلون في مدلوله كل ما يملكه مجتمعٌ ما أو يرثه أو يبدعه من أفكار وتشريعات وفنون وإنجازات علمية ومادية وغيرها، بصرف النظر عما هو من مميزات ذلك المجتمع وما ليس من مميزاته، من ذلك التراث وتلك الإنجازات والإبداعات التي يملكها.
مع أننا حين نتكلم عن حضارة مجتمع من المجتمعات، فإننا نتكلم عن طريقة العيش التي تميز ذلك المجتمع عن سائر المجتمعات. وواضح للعيان تاريخاً وحاضراً أن لكل مجتمع طريقة في العيش تميزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة بشرية ذات شخصية معينة ولون متميز وهوية خاصة، هذه الطريقة في العيش التي تميز مجتمعاً عن آخر هي ما يعبر عنه باصطلاح الحضارة.
لذلك يجب أن يلحظ حين استخدام ذلك الاصطلاح وتعريف مدلوله أن لا يدخل ضمنه إلا ما هو من مقومات شخصية المجتمع التي تجعل منه مجتمعاً معيناً يختلف عن غيره من المجتمعات في طريقة عيشه، فلا تدخل الأشكال والوسائل المادية التي يستخدمها المجتمع في شؤون الحياة والتي لا يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فالمصانع والسيارات والطائرات وسائر الإنجازات المادية التي تنتجها أمة من الأمم ليست هي التي تميزها عن غيرها من المجتمعات وليست هي التي تعطيها هويتها. فهذه أشكال ووسائل "حيادية"، وعامة لكل البشر والمجتمعات. فإننا نجد أن المجتمعات التي تتمسك بحضارتها وطريقة عيشها تقف بالمرصاد أمام كل وافد من الأفكار والأنظمة ووجهات النظر في الحياة، إلا أنها تستفيد في الوقت نفسه مما ينتجه أي شعب أو مجتمع من الأشكال والوسائل المادية ما لم تكن تلك الأشكال والوسائل متعارضة مع حضارتها التي تصوغ مجتمعها وتميز حياتها. بل إنك تجد الدولة الراقية التي تتمسك بحضارتها وتفتخر بها حريصة على مواكبة كل ما يتم إنجازه في البلاد الأخرى من الاختراعات والمبتكرات الفنية والتقنية والعلمية، إذ هي من أسباب القوة التي تحرص الأمة الراقية على امتلاكها. لذلك فإننا لا نستغرب أن يعمل كل من الحلفين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، على مواكبة ما ينجزه عدوه من مبتكرات وصناعات، بل قد يصل بهما الأمر في بعض الأحيان إلى سرقة التصاميم والمخططات العلمية والصناعية والهندسية والعسكرية. وهذا يعني أن هذه الإنجازات والمبتكرات من الأشكال والوسائل المادية ليست هي التي تطبع المجتمع بطابعه الخاص وهويته المتميزة. أما حين يكون الأمر متعلقاً بالعقائد والإديولوجيا والدراسات السياسية وما شاكل ذلك فإنك تجد كلاً من الفريقين متأهباً دائماً للمواجهة، إما عن طريق ضرب جدار سميك يحول بين تلك الأفكار ووصولها إلى مجتمعه، وإما عن طريق الدعاوة المضادة حيث يجند جيشاً من المفكرين والكتاب والنقاد الذين يوسعون الأفكار الوافدة ضرباً ونقضاً وتشويهاً.
كل ذلك يحتم علينا أن نضبط المصطلح الدال على نمط العيش و هوية المجتمع، فنميز بينه وبين ما يدل على مجموعة الأشكال والوسائل المادية المحسوسة المستعملة في شؤون الحياة، والتي هي عامة لجميع الشعوب والمجتمعات. وبالتالي فإننا نخصص كلمة الحضارة للدلالة على ما يميز المجتمع فيجعل له طريقة خاصة في العيش، ونجعل كلمة المدنية دالة على الوسائل والأشكال المادية المستعملة في شؤون الحياة. وبالرجوع إلى واقع المجتمعات وما يجعلها مجتمعات ذات لون معين ونمط خاص في العيش، نجد أن مجموعة المفاهيم التي يعتنقها مجتمع ما عن الحياة هي التي تعطيه هويته وشخصيته وتجعل له طرازاً خاصاً في العيش. إذ إن تلك المفاهيم هي التي تكيف علاقات الناس فيما بينهم في المجتمع، وما المجتمع إلا ناس قامت بينهم علاقات دائمية، وطبيعة هذه العلاقات في المجتمع هي التي تعطيه هويته وشخصيته( ). وبناء عليه يمكن تعريف الحضارة بأنها "مجموعة المفاهيم عن الحياة".
ونحن المسلمين أحوج ما نكون إلى ذلك التفريق بين الحضارة والمدنية. ذلك أن الإسلام جعل من الأمة الإسلامية أمة متميزة تحيا حياة ذات نمط خاص يتفرد كل التفرد عن سائر أنماط الحياة في المجتمعات البشرية. وما ذلك إلا لأن المجتمع الإسلامي قام على أساس عقيدة مصدرها الوحي الإلهي، انبثق عن هذه العقيدة نظام متماسك وانبنت عليها أفكار شاملة ونجمت عنها مشاعر، فصاغت علاقات الناس في المجتمع الإسلامي. فكانت الحضارة الإسلامية التي تجلت في ذلك المجتمع الإسلامي حضارة متفردة متميزة تتعالى كل التعالي على سائر الحضارات البشرية.
وإذا لم يكن ذلك المصطلح موجوداً في عصور النهضة الإسلامية، فإن المسلمين فرقوا عملياً بين ما يجوز لهم أخذه من الشعوب والأمم الأخرى من وسائل وأشكال، وما يحرم عليهم أخذه مما هو مفاهيم عن الحياة، من عقائد وفلسفات وتشريعات وأنظمة وغيرها.
أما في عصرنا هذا، فمع شيوع اصطلاح الحضارة ومقولات التفاعل الحضاري و التبادل الثقافي، وإزاء الغزو الحضاري والثقافي الوافد من الغرب إلى البلاد الإسلامية، فإنه لا بد من إعطاء رأي الإسلام بوضوح فيما يجوز قبوله وما لا يجوز قبوله، مما يفد إلينا من الأمم والشعوب والدول الأخرى.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-18-2016, 04:38 PM   #18
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 77 - 82

فنقول، أما الحضارة فإنه لا يجوز أخذها من أي أمة من الأمم ولا من أي مجتمع من المجتمعات، ذلك أن حضارة المسلمين هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة، وهذه المفاهيم إمّا منبثقة من أفكار الإسلام أو مبنيّة عليها. وبما أن الإسلام هو دين الله الموحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقبل التداخل مع غيره من المذاهب والأنظمة والمبادئ، ويتسامى عن الاقتباس من أي حضارة أخرى. والناظر في التاريخ الإسلامي يلمس بجلاء أن الحضارة الإسلامية كانت بريئة من كل ما سواها من الحضارات الإنسانية. إذ لا يجوز للمسلمين أن يقتبسوا العقائد والفلسفات ولا الأنظمة والتشريعات. قال الله تعالى { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }( 2)، وقال سبحانه : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }( 3)، وقال عز وجل: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }(4 ). وقال رسول الله r "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"( 5)، وقال عليه الصلاة والسلام : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"( 6)، وقال عليه الصلاة والسلام : "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"(7 )، وقال في معرض التبكيت والذم : " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتـبـعتموهـم" قيل : " يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟" قال : "فمن ؟!"( 8).
وبناء عليه، لا يجوز أخذ الفلسفات والعقائد من الكفار لتبنيها والاستفادة منها، وإن جازت دراستها للرد عليها ومجادلة أصحابها. ولا يجوز كذلك أخذ المبادئ من لبرالية وماركسية، ولا أخذ أنظمة الحكم من ديمقراطية وجمهورية وملكية ودكتاتورية وكنفدرالية وغيرها، ولا أخذ أنظمة الاقتصاد من رأسمالية واشتراكية وغيرها، ولا يجوز أخذ وجهات النظر عن الحياة كالحرية والإباحية والوجودية والارتقائية الماركسية أو الهيغلية أو غيرها. ذلك أن كل هذه هي مفاهيم عن الحياة والكون والإنسان أنتجتها عقول المشرعين الذين رسموا للناس حضارات تتنافى مع الحضارة التي يرضاها الله تعالى لعباده.
أما المدنيّة، وهي "مجموعة الأشكال والوسائل المادية المستخدمة في شؤون الحياة"، فهذه يجوز أخذها والاستفادة منها، ما دامت غير ناجمة عن حضارة غير الحضارة الإسلامية، أو ما لم تكن متعارضة مع الحضارة الإسلامية. فهي تكون في هذه الحالة نتاجاً بشرياً حيادياً غير معبر عن وجهة نظر ولا طريقة عيش ولا عن حضارة من الحضارات. وذلك كما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب حفر الخندق من الفرس حين أبلغه إياه سلمان الفارسي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب، وكما أخذ عمر بن الخطاب أسلوب الدواوين من الفرس أيضاً، وهي شكل من أشكال المحاسبة المالية وإدارة الأعمال، وكما استفاد المسلمون على مر عصور نهضتهم من العلوم والإنجازات المادية التي أبدعتها الشعوب السالفة والمعاصرة لهم، إذ إن هذه الأشياء تنطبق عليها القاعدة الشرعية "الأصل في الأشياء الإباحة". وبناء عليه يجوز للمسلمين اليوم أن يأخذوا أو يقتبسوا من أي شعب من الشعوب الإبداعات المادية من عسكرية ومدنية وصناعية وغيرها، كالطائرة والسيارة والآلة العسكرية ومعدات الطب والهندسة والمختبرات والنظريات العلمية. بل ربما وجب ذلك في بعض الأحيان، وذلك حين تكون تلك الوسائل من أسباب القوة لقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }( 9)، أو حين تكون تلك الأشكال والوسائل مما لا يتم الواجب إلا به. فإذا كان تصريف الأعمال في مؤسسات الدولة يقتضي العمل بأنظمة إدارة الأعمال وإدخال أجهزة "الكمبيوتر"، وإذا كانت رعاية شؤون الناس تقتضي من الدولة تنظيم السير والبناء والأسواق بأساليب حديثة، فلا بأس في استفادة تلك الأساليب من أي دولة من الدول. ذلك أن كل هذه الأشكال والوسائل المدنية لا ترتبط بحضارة من الحضارات.
أما إن كانت تلك الوسائل والأشكال ناجمة عن حضارة غير الإسلام ومتعارضة مع الحضارة الإسلامية، فإنها في هذه الحالة تأخذ حكم الحضارة، فلا يجوز للمسلمين أخذها والانتفاع بها. مثال ذلك أن صورة امرأة عارية هي في الغرب شكل مدني، ولكن هذا الشكل المدني يرتبط بالحضارة الغربية التي أنتجت الانحلال والفساد الخلقي باسم الحرية بجميع أشكالها. فهذا الشكل المدني مما لا يجوز للمسلمين أخذه لأنه يتعارض مع الإسلام وحضارته التي تعُدّ المرأة عرضاً يجب أن يصان. وكذلك مصانع الخمور وآلات قتل الذبائح المخالفة للطريقة الشرعية، وأسواق البورصة القائمة على العقود الربوية وما شاكلها. فهذه كلها أشكال ووسائل أنتجتها حضارة غير الحضارة الإسلامية، وتتعارض مع الإسلام فلا يجوز أخذها.
ويأخذ حكم الوسائل والأشكال المدنية، كل الفنون والأزياء، فإن كانت ترتبط بوجهة نظر أو حضارة أو دين غير الإسلام، فلا يجوز للمسلمين أخذها. فلا يجوز لهم ارتداء أزياء الرهبان والراهبات والكهّان ومن شاكلهم، إذ لا يجوز التشبه بالكفار.
وخلاصة الكلام، أن الحضارة هي "مجموعة المفاهيم عن الحياة" فلا يجوز للمسلمين أخذها أو أخذ شيء منها من غير الإسلام، لأن إسلامهم أعطاهم حضارة كاملة متميزة. وأما المدنية - وهي مجموعة الأشكال والوسائل المادية المستعملة في شؤون الحياة - فإنها عامة لجميع البشر والمجتمعات، ويجوز للمسلمين أخذها ما لم تتعارض مع الإسلام وحضارته.
_______________________
(1) راجع في هذا الكتاب "المجتمع ونهضته".
(2) سورة المائدة - الآية 16
(3) سورة الأعراف - الآية 3
(4)سورة المائدة - الآية 3
(5)رواه مسلم - كتاب الجمعة - الحديث 43
(6) رواه مسلم - كتاب الأقضية - الحديث 17
(7)رواه أحمد - 4/126
(8) رواه مسلم - كتاب العلم - الحديث 6
(9)سورة الأنفال - الآية 60

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-18-2016, 04:45 PM   #19
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 83 - 89 ألإسلام ألمبدأ

إلإسلام ألمبدأ
إن الإنسان بطبعه وفطرته يبحث عن السعادة والرقي والرَّفاهَةِ، ويسعى إلى حياة كريمة يتجلى فيها ارتفاعه وعلوه فوق سائر المخلوقات.
ولقد بحث الإنسان منذ القدم عن السبيل لتحقيق هذا الرقي والرَّفاهِيَةِ من أجل الوصول إلى السعادة، فشرع المفكرون والفلاسفة والمشرعون بوضع النظريات والعقائد والإديولوجيات من أجل ذلك الهدف، وسار الناس وراء هؤلاء على اختلاف اتجاهاتهم ونظرياتهم وفلسفاتهم. ولكن، هل حقق جميع هؤلاء غايتهم وأملهم المنشود ؟ الجواب بالطبع ... لا.
ذلك أن هؤلاء لم يدركوا الطريق إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة.
إذا أراد الإنسان أن يحصل على النهضة الصحيحة وبالتالي على السعادة عليه أن يحصل على السلوك البشري السويّ. فسلوك الإنسان هو السبب في أن يؤدي بصاحبه إلى النهضة أو إلى الانحطاط. فما هو السلوك ؟
إن السلوك هو مجموع ما يقوم به الإنسان من أعمال في حياته ومجتمعه. وهذه الأعمال مردّها جمعيها في حقيقة الأمر إلى تلك الطاقة الحيوية التي يتمتع بها الإنسان.
الطاقة الحيوية في الإنسان هي التي تدفعه إلى القيام بالأعمال التي نشاهده يقوم بها. وهذه الطاقة الحيوية، هي مجموع ما لدى الإنسان من حاجات عضوية وغرائز، والتي يشعر الإنسان بالحاجة إلى إشباعها. فهو يريد أن يأكل ويشرب، ويريد أن يلبس وأن يمتلك وأن يدافع عن نفسه ويريد أن يقدّس ويبجّل ... وغير ذلك من الحاجات التي نراه يسعى لإشباعها، { زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا...}(1 ).
وقد وجد الإنسان أن وسائل إشباع هذه الحاجات والرغبات موجودة في الأشياء التي حوله والتي سُخّرت له، فاندفع ليحصل منها على ما يحتاجه ويريده. وهنا وجد نفسه أمام مشكلة :
ما هي طريقة الانتفاع بالأشياء التي حوله ؟ أي ما هي طريقة إشباع حاجاته وغرائزه ؟ فالانتفاع بتلك الأشياء، وإشباع الحاجات والغرائز لدى الإنسان ليس عملية آلية وتلقائية كما هو شأن البهيمة، وإنما لدى الإنسان ذهن يضع أمامه الكثير من الخيارات والسبل للانتفاع والإشباع.
فإذا اختار الإنسان كيفية معينة للانتفاع بالأشياء وطريقة معينة لإشباع حاجاته وغرائزه فإنه يكون قد اختار سلوكاً معيناً، فهذا هو السلوك. إنه تلك الكيفية التي اعتمدها في إشباع رغباته وتلك القواعد التي تتحكم بتصرفاته وأفعاله وردود الأفعال التي تصدر عنه، ومواقفه إزاء الأشياء والأحداث التي يعاينها، وطريقة علاجه للمشاكل التي تعترضه في حياته.
والآن بعد أن عرفنا السلوك، نأتي إلى البحث الجوهري. ما هو السلوك السوي المؤدي إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة ؟ والإجابة تبدأ بما يلي :
إذا أردنا العثور على السلوك السوي، فلا بد لنا من الحصول على الفكر الصحيح، ذلك أن سلوك الإنسان مرتبط بمفاهيمه، وهو يكيّف سلوكه في الحياة بحسب مفاهيمه عن الأشياء. فسلوك الإنسان كما قررنا هو مجموع علاقاته مع الأشياء والناس من حوله، ومفهوم الإنسان عن تلك الأشياء هو الذي يعين له موقفه منها. فمفاهيم الإنسان عن شخص يحبه تكيف سلوكه نحوه، على النقيض من سلوكه مع شخص يبغضه وعنده مفاهيم الكراهية عنه، وعلى خلاف سلوكه مع شخص لا يعرفه ولا يوجد لديه أي مفهوم عنه. لذلك إذا أردنا أن نرتقي بسلوك الإنسان فلا بد من أن نوجد له المفاهيم الصحيحة أولاً، { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }(2 ).
إلا أنه لا يتأتى وجود هذه المفاهيم عن الأشياء، إلا إذا كانت مستندة إلى الفكر عن الحياة الدنيا، أي كانت نابعة من وجهة نظر عن الحياة الدنيا، توضح للإنسان معنى وجوده في هذه الحياة والغاية منها. فإن هو حدد لنفسه الغرض من وجوده في هذه الدنيا وماهي المهمة التي تفرضها عليه تلك الغاية استطاع أن ينظر من خلالها نظرة ثابتة إلى الأشياء، فيكيف سلوكه تجاهها على نحو يجعله منسجماً مع نفسه.
والفكر عن الحياة الدنيا أيضاً، لا يتركز تركزاً منتجاً إلا بعد أن يوجد الفكر عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة الدنيا وعما بعدها، وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وذلك بإعطاء الفكرة الكلية عما وراء هذا الكون والإنسان والحياة، لأنها القاعدة الفكرية التي تُبنى عليها جميع الأفكار عن الحياة. ذلك أن الإنسان يشعر ويدرك أن الحياة هي حلقة ضمن سلسلة متصلة الحلقات، وبالتالي فهي جزء من كل، لذلك كان إعطاء الفكرة الكلية عن هذه الأشياء هو حل العقدة الكبرى عند الإنسان، والتي ما زالت تلح عليه منذ أن وجد على وجه الأرض، ولا زالت تقلقه مالم يحلّها. ومتى حلت هذه العقدة الكبرى حلت باقي العقد، لأنها جزئية بالنسبة لها أو فروع عنها.
فإذا ما حصل الإنسان على هذا الحل فإنه يكون قد حصل على العقيدة، وعلى القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كل فكر فرعي عن السلوك في الحياة وعن أنظمة الحياة. وبعبارة أخرى يكون قد حصل على "المبدأ".
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-18-2016, 04:51 PM   #20
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي /02

فالمبدأ في اصطلاح الناس جميعاً هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه أفكار. ولا يصح أن يسمى الفكر مبدأ إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثق عنه كل الأفكار عن الحياة. والفكر الأساسي هو الذي لا يوجد قبله فكر مطلقاً. وهذا الفكر الأساسي محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة ولا يوجد غيرها فكر أساسي، لأن هذا الفكر هو الأساس في الحياة.
وإن هذا المبدأ كفيل بأن ينهض بالإنسان، إلا أنه لا ينهض به النهضة الصحيحة إلا إذا كان حلاً صحيحاً يوافق فطرة الإنسان، ويقنع العقل، فيملأ القلب طمأنينة.
والمبدأ لا بد أن ينشأ في ذهن شخص، إما بوحي الله له به وأمره بتبليغه، وإما بعبقرية تشرق في ذلك الشخص. أما المبدأ الذي ينشأ في ذهن إنسان بوحي الله له به، فهو المبدأ الصحيح، لأنه من خالق الكون والإنسان والحياة، وهو الله تعالى، فهو مبدأ قطعي الصحة. وأما المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص بعبقرية تشرق فيه فهو مبدأ باطل، لأنه ناشىء من عقل محدود يعجز عن الإحاطة بالوجود، ولأن فهم الإنسان للتنظيم عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، مما ينتج النظام المتناقض المؤدي إلى شقاء الإنسان، لذلك كان المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص باطلاً في عقيدته وفي نظامه الذي ينبثق عنها، { اتَّبِعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }( 3).
من هنا كان الإسلام هو المبدأ الوحيد الصحيح في الدنيا، فالإسلام الذي أوحاه الله تبارك وتعالى إلى نبيه محمد  وختم به الرسالات عمد إلى العقدة الكبرى فحلها للإنسان حلاً يوافق الفطرة ويملأ العقل قناعة والقلب طمأنينة.
فلقد بيّن الإسلام أن وراء الكون والحياة والإنسان خالقاً خلقها هو الله تعالى، ولذلك كان أساسه الاعتقاد بوجود الله تعالى. والإيمان بالله يجب أن يقترن بالإيمان بنبوة محمد ورسالته، وبأن القرآن الكريم كلام الله، فيجب الإيمان بكل ما جاء به. ولهذا كانت العقيدة الإسلامية تقضي بأنه يوجد قبل الحياة ما يجب الإيمان به، وهو الله تعالى، وتقضي بالإيمان بما بعد الحياة وهو يوم القيامة، وبأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا مقيد بأوامر الله ونواهيه، وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما قبلها، ومقيد بالمحاسبة على اتباع هذه الأوامر واجتناب هذه النواهي، وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما بعدها. ولذلك كان حتماً على المسلم أن يدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال - أي في سلوكه - فيسيّر أعماله بأوامر الله ونواهيه.
ومن أجل أن يسيّر الإنسان أعماله وفق أوامر الله ونواهيه، وحتى تكون العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية لمفاهيمه، جعل الله تعالى الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل نواحي الحياة، تنظم سلوك الإنسان كله، وتعالج جميع مشاكله وتنتظم جميع أفعاله. فأعطى حكماً شرعياً لكل فعل من أفعال العباد، فإن أي فعل من أفعال العباد ينطبق عليه أحد الأحكام الشرعية الخمسة وهي : الوجوب والتحريم والندب والكراهية والإباحة. قال تعالى : { ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }(4 ).
ومن مجموع تلك الأحكام الشرعية تكونت أنظمة الحياة. فعلاوة على أحكام العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات، شرع لنا الإسلام أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، بما في ذلك سياستها الداخلية، من نظام للحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم، وكذلك سياستها الخارجية من أحكام الجهاد والمعاهدات والحرب والسلم وغيرها. قال عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }( 5).
وبذلك كان الإسلام المبدأ الوحيد الكفيل بإنهاض البشرية النهضة الصحيحة وإيصالها إلى السعادة الحقيقية. وإن التاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة العظيمة. فالقرون التي شهدت تطبيق الإسلام بشكله الصحيح شهدت أعظم نهضة عرفها النوع الإنساني. وإذا أراد البشر اليوم – وعلى رأسهم المسلمون - أن ينعموا بنهضة تعلي الإنسان وتكرمه وتوصله إلى السعادة، فعليهم أن يعيدوا المبدأ الإسلامي إلى معترك الحياة من خلال تطبيقه في المجتمع والدولة. عندها سيخرجون من دياجير الظلم والظلمات إلى رحابة النور والعدل. وصدق الله العظيم إذ قال : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }( 6).
________________________________
(1)سورة الزخرف - الآية 32
(2) سورة الرعد - الآية 11
(3) سورة الأعراف - الآية 3
(4) سورة النحل - الآية 89
(5)سورة المائدة - الآية 3
(6)سورة البقرة - الآية 257

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:54 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.