قديم 10-05-2014, 11:31 AM   #21
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (1)


رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر
يوسف بعدراني
رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر
يوسف بعدراني
أول أعياد العام عند أمة الإسلام هو عيد انتهاء أيام الصيام المفروضة بقول الله العام لكافة المؤمنين في أول أمرٍ بالصيام هو أمر الله بتساوي المسلمين مع مَن سبقهم مِن أتباع الأنبياء والرسل في عبادة الصيام جاء بقول الله الرحمن الرحيم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (183 البقرة). معنى الصيام في تفسير ابن كثير: "الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله". انتهى. وفي تفسير "الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ" قال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسّدي وعطاء الخراساني، مثله. انتهى. الصوم هو أصلٌ في عبادات جميع أنبياء الله ورسله منذ آدَمَ عليه السلام ولا يجوز أن يقال إنَّ نبياً مِن أنبياء الله لم يأمر بالصيام عبادةً لله لأن الآية مطلَقَةٌ في جميع "الذين آمنوا" أتباع الأنبياء الذين سبقوا دين الإسلام الذي جاء به محمَّد عليه وآله الصلاة والسلام. صيام الأنبياء وأتباعهم قبل الإسلام كان يقتصر على أيامٍ معدوداتٍ من الشهر وهذا ما فعله الرسول محمَّد صلوات الله عليه وما أمر به أصحابه الصوم ثلاثة أيام كل شهر وأتبعه بصوم عاشوراء. ثم نزلت آية تخصيص المسلمين بأيامٍ يكتمل بها حكم الصيام وتميِّزهم عن غيرهم مِن الأمم قاطبةً حتى يوم القيامة وتنسخ الآية السابقة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (185 البقرة). هذه الآية جامعة في فضل شهر رمضان على غيره أنه بسبب نزول القرآن فيه، وفي وصفه الجامع للقرآن في أنه "هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ " وقوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، ولحكم الصيام وسبب تخصيص فرض عبادة الصيام في هذا الشهر وعذر مفطِرِه وأنه كمال حكم الصوم وسبب الاحتفال بصومه وندَبَ إلى الاستزادة مِن بِرِّ هذه العبادة في زمنها المفروض والمندوب. وبيَّن حكم الرخصة بعدم الصوم في رمضان وإيفاء دين الصوم في غيره مِن الأيام ليكتمل عدد أيام شهر الصوم على الإنسان في كلِّ حوْل. ثم يختم بآية جامعة لعناصر دوام الخير على الإنسان طوال عمره في تكليف الله له بالصيام بقوله: "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "(1).
الله اختصَّ هذا الشهر بتنزيل كتبه على عباده الرسل ففي الحديث: قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمْران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة ـ يعني ابن الأسقع ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صُحُف إبراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لسِتٍّ مَضَين من رمضان، والإنجيل لثلاث عَشَرَةَ خلت من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور أنزل لثنتَي عشرة [ليلة] خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم. رواه ابن مَردُويه. أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل ـ فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1]. وقال: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } [الدخان: 3]، ثم نزل بعدُ مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس،. انتهى.
لا يختلف الناس في وجوب صوم رمضان ونحن في بحثنا هنا لسنا بصدد بحث وجوبه بل الموضوع هو العيد أو الفرح الذي يستحضره وهو ما يحدِّد نقطة البحث في: لماذا الفرح؟ أم: هل الفرح هو بالصيام أم هو بانتهاء الصيام؟ هل الفرح هو واجب أم مِنْ مظاهر الحدث أم هو نتيجة حتمية طبيعية مِن طبيعة الصيام؟ ونحن حتى نستبين ذلك يلزمنا تبيان طبيعة الصيام ليس بفعل الصيام الذي هو الامتناع عن الطعام والشراب ودنس السريرة واللسان والخُلْق، بل في واقع نتيجته في حسن التزام شعائره لأن الفرح يكمن هناك لا بالصبر على الجوع والصمت عن بذاءة اللسان. الفرح دائماً وفي كلِّ الأعمال يكمن في نتيجة الفعل وليس بذات الفعل؛ وهكذا هو الفرح والسرور العائد؛ العيد الذي يتكرر في كل عام هو في نتيجة الفعل الذي هو هنا الصيام في رمضان تحديداً. شهر رمضان هو شهر كُتُب الله التي أنزلها على رسله السابقين وشهر نزول القرآن الذي ينسخ كُتُبَ الله على جميع رسله، فليس أعظَمَ مِن هذا الشهر في تاريخ الإنسانية منذ وجودها وحتى زوال هذا الجنس الإنساني عن الأرض. وهو شهر البركات الزائدة على المؤمنين الذين اتبعوا رسل الله في قومهم وزمنهم، وعلى الناس الذين يسلِمون ويتبعون الرسول الآخِر إلى يوم الدين.
نستحضر نتائجه مِما قاله فيها رسول الله:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ" (1793 مسلم). وفي رواية ثانية: "إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ" هنا "فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ" تفسِّر معنى " فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ" كما جاء في شرح الإمام النووي: فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: .... وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمَجَاز، وَيَكُون إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الثَّوَاب وَالْعَفْو، وَأَنَّ الشَّيَاطِين يَقِلُّ إِغْوَاؤُهُمْ وَإِيذَاؤُهُمْ فَيَصِيرُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ، وَيَكُون تَصْفِيدهمْ عَنْ أَشْيَاء دُون أَشْيَاء، وَلِنَاسٍ دُون نَاسٍ، وَيُؤَيِّد هَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة: ( فُتِّحَتْ أَبْوَاب الرَّحْمَة ). انتهى.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:34 PM   #22
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (2)

فشهر رمضان يقال له شهر الرحمة التي تعني قبول التوبة ومغفرة الذنوب، ولهذا نجد كثيراً مِن العصاة يتوقفون عن معاصيهم في هذا الشهر لأنه بسبب انحطاطهم يظنون أن التوبة لمدة شهر تمحو ذنوبهم السابقة لهذا الشهر. كذاك النساء العاصيات لله في أزواجهن وأولادهن وأنفسهن وسفورهن وترك عبادتهن لله، ونجد كثيراً مِنَ الذين لا يصلون يقبلون على الصلاة، وأكثر شاربي شبيه بول الشيطان ينكرونه في شهر رمضان. المنافقون يخف نفاقهم وتنكفئ المتفحشات ويمتنع الفساق عن بذيء القول وتختبئ الشحناء في دهاليز الحلقوم وتنطفئ البغضاء بين الناس ويتواضعون لحكم الله بالنصيحة وقبولها وقولها بشرع الله. يقابل هذا زيادة في صلاة المؤمن ويتسابق الناس على الإنفاق على الفقراء ويتباهون بحسن الخلق في القول والعلاقة والعطاء وتتواصل الأرحام ويستزيد الأبناء مِن معين البر وتعم الرأفة بين الأزواج، وتصدح طبقات الأصوات بتلاوة القرآن وتدارسه، ويتعهَّدُ الناس التفكر بآيات الله وتدبُّرَ معانيها وأحكامها ومقاصد شرع الله فيها، فأين فسحة عمل الشياطين إذا سكب الناس شبيه بولهم خمرة إبليس في مراحيضهم بدل حلقومهم؟ وكيف تعمل الشياطين بدون وقودهم مِن نفاق الناس؟ وكيف تنجح الشياطين ببث البغضاء بين الصائمين والمصلين والمسبِّحين والذاكرين والمتَفقهين والمتعفِّفين والمتصدِّقين؟ نجاح الشيطان يكون بترك الإنسان العمل بأحكام الله، لكن شهر رمضان هو شهر التنبه إلى معصية الله؛ المؤمن دائم الحذر مِنَ المعصية لكنه في رمضان يزداد حَذَراً لأنَّ أجرَ إتيان الطاعة مضاعف. والذي يعصي الله في حياته يقبل على الامتناع عن المعصية والتزام الطاعات لأنه يعلم أن رحمةَ الله يسكبها الله سكباً في هذا الشهر وأنها في هذا الشهر سكبٌ مِن مغفرةٍ وهدايةٍ وثواب. شهر رمضان شهر مبارَكٌ لأن واقعه وأحكامه يتحكَّمُ شرعُ الله فيه بأهواء الناس تحكماً مباشراً وكأنه سبحانه بهذه الأحكام يصادر طاقة الخيار في عباده الذين يتأرجحون بين الطاعة والمعصية البيِّنَة وبين الإيمان وكفر الغفلة. هكذا يتحوَّل هذا الشهر إلى واقعٍ حياتي لا يوجد فيه فسحة للشيطان يجوس فيها ولا تربة يدنِّسها لأن أحكام رمضان تجفِّفُ مصادر طاقة المعاصي.
شهر رمضان يسمى شهر الرحمة، وشهرالتقوى أو شهر العبادة، وشهر البركة، وشهرالصيام، وشهر المغفرة أو شهر التوبة؛ كلها تسميات لما هي عليه أحكام هذا الشهر وليس لأعمال الفرد في هذا الشهر. فرحمة الله تعالى في هذا الشهر كما هي في كل وقت تتنزَّل بشرطها {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (31) آل عمران. لكنها في هذا الشهر تفيض على الجانب السابق في الحياة الزمن الذي سبق شهر الرحمة الذي يعيشه الفرد وكأنه انتبذ مكاناً قصياً للعبادة والتفكر والتقرُّب باعتزال أهوائه وانشغاله بالتهيّؤ وكأنه ميِّتٌ غداً يشتغل بشرع الله للعمل به يتطهَّر مِن دنسِ ما سبق مِن قوله وعمله ونيته. رحمة الله في شهر رمضان تفيض لتغسل ذنوب الفرد المؤمن من معاصي اللمم ومعاصي الغفلة والكسل وما شاكلها مما لم يثبت عليه الفؤاد أو تنعقد عليه قناعة غسلاً جامعاً إن أدرك رمضان بأركانه وأحكامه واستمسك بما ألهم الله به النفس مِن تقواها. الحديث: "كل حسنة بعشرِ أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به". أخرجاه من حديث أبي هريرة. الصيام هو بلا شك حسنة رئيسة في حياة المسلم، استثناء الله سبحانه وتعالى الصيام من ثواب الحسنة الذي يتضاعف سبعمائة حسنة يخرِج ثواب صوم رمضان مِن مقياس العدد والوزن إلى ما تتصف به الرحمة الإلهية التي ذكر الله توصيفها بأنها وسعت كل شيء. هذا الحديث يمنع العقل مِنَ الحديث عن مقدار ثواب الصيام لأنه يدل على طبيعة ثواب الصيام أنها مِن غير العدد والمقدار الذي يمكن للعقل أن يتعامل معه. يفسِّر حديث "... إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" الحديث التالي الذي يحدِّث به جبريل رسول الله عليهما الصلاة والسلام: "...... فلما صَعِدْتُ الثانيةَ قال: من أدركَ شهرَ رمضانَ فلم يُغفر له فأبعدهُ اللَّهُ - قل: آمين. فقلت: آمين". أخرجه البخاري في «بر الوالدين» من حديث كعب بن عجره، وأخرجه غيره. المغفرة هي الحوض الذي يخرج منه المؤمن إلى الحياة بعد رمضان، فرمضان شهر له ناموسه في الطاعة والتعبُّدِ لله الغفور الرحيم مَن أحيا شعائرَ هذا الشهر بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيَّةِ التوبة لله خرج مغفوراً له بوعد الله كما حدَّث عنه جبريل وأمَّنَ عليه رسول الله إلى البشر أجمعين عليهما أفضل الصلاة والسلام.
التوبة في هذا الشهر كما هي في كل آن؛ هي بحسب أحكام التوبة لا بأعمال الفرد الذي ينوي التوبة ولا يعمل بعمل حكمها الذي بيَّنَهُ سبحانه بقوله الكريم: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (54 - 55) الأنعام. أعمال هذا الشهر هي آداب الإسلام في غيره، فأحكامه من مثل حديث أبي هريرة بقوله: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةً قَالَ: « إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ ». 1941 – مسلم. الرفث فاحش الكلام وهو سبيل الشحناء التي هي موئل البغضاء والنزاع، والجهل هو حال انتفاء الصواب في القول والفعل، وغياب الحكمة في تقليب الأمر هو الزيت يسكبه الأحمق على الغضب ليشتعل مشاتَمَةً ونزاعاً وقتالاً. جاء في معناه في شرح النووي: ...... وَاعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصَّائِمِ عَنْ الرَّفَث وَالْجَهْل وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَة لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ ، بَلْ كُلّ أَحَد مِثْله فِي أَصْل النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الصَّائِم آكَدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى. (لَكِنَّ الصَّائِم آكَدُ) لأن هذه محظورات في الحياة محوها يحتاج إلى كفارات وقد أكرم الله عباده المؤمنين بالكثير منها في الحياة العادية. لكن هذه المحظورات في رمضان لا نجد لها كفارة، فأهمُّ كفارات الخطايا والذنوب هي كفارة رمضان فإن وقع الإثم في رمضان فأيُّ كفَّارةٍ ستمحوه وليس أكبرَ مِن عبادة شهر رمضان في الإسلام ولا أكبرَ منه كفارةً؟ لا نفهم معنى أمر الرسول صلى الله عليه وسلَّم بقوله: «... فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ » إلا مِن خلال الفهم أن الصيام هو غُسلٌ لما بقي منها بعد العبادات الأخرى والنوافل والقربات التي يتقرب بها المؤمن إلى الله في كلِّ عملٍ يقوم به وفي كل زمنٍ يعيشه بين رمضان الذي يبتعد هلاله ورمضان الذي يهلُّ بالبركات إن شاء الله. فهل يمكن لماءِ الغُسلِ بعدَ أن ينجس بعمل قبيح أن يبقى صالحاً للتطهر به؟ طهارة الصيام أكثر ما يلزم الحرص عليها بالقول لأن فعل الآثام أكثر وضوحاً ولذلك يمكن بيسرٍ عدم الوقوع فيه، لكن اللسان يلويه الشيطان بأسرع مِن لمحة الخاطر ولذلك خطورته ووجوب التنبه منه والحذر الدائم. المبادرة بالقول «... إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ » هي لمباشرة التحوُّط مِن السقوط في أثر الشيطان، هذا القول المباشر يسبق الشيطان بسرعة الخاطر فيصدمه ولذلك نراه بالحس يجفل مِن سرعة الخاطر بقول الإيمان. «...إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ » هو إعلان براءةٍ مِنَ المعصية بالصوت العالي والنيةِ التي لا تخفى على الله، وهو هروب بالقلب والنفسِ والعقلِ مِن إفسادِ ماء التطهُّرِ للصيام، هل هناك عبادةٌ لله لا يتطهَّرُ لها المؤمن؟ ليس في الإسلام حسب ما نعلم، حتى طهرةَ المال لا يؤديها المؤمن إلا وقد عقَّدَ النية على تطهير نفسه بالنفقة وتطهير ماله بإنفاقه حتى اللقمةِ لا يلتقمها إلا بعد أن يكون قد التزم حقَّ طُهرها بأن عَقَدَ على عدم تلوثها بالسحت. غير المسلمين قاطبة لا يوجَدُ عندهم فكرُ طُهرٍ يفرضُ عملاً به يمتنعون عن الآثام، طريقتهم في التطهُّر هي ما هي عليه في جميع وثنيات التاريخ والحاضر؛ يطلبون مِنَ كاهِنِ الصنم أن يغفر لهم! أو يسجدون لذات الصنم ليأخذوا منها الغفران، كيف يغفر لهم الصنم؟ أو كيف يعرفون أنَّ الصنم غفر لهم؟ لا أحد يعرف كيف يغفر الصنم ذنوبهم، ولا كيف يمكن أن يغفر كاهن الصنم لهم، هم يعتقدون أنه بمجرَّد سؤال المغفرة تقع، لا يوجد لها نظام وقوع، أو نظام استحقاق، أوحتى فكرُ حاجةٍ ابتداءً. بلغ بهم السخف والسفاهة للاعتقاد بأنَّ اعترافهم بالخطيئة يغفر لهم؛ سبحان الله ما أتفههم مِن بشرٍ يشرِّعون لأنفسهم مغفرة الله! مَن لا يعتقد أنَّ الصنم يغفر له، أو أنَّ كاهنه يغفر له، يتألَّه ويغفر لنفسه!
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:36 PM   #23
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (3)

يقولون إن فكر الحاجة ينبع مِن قعرٍ إنساني؛ الإنسان المذنب يشعر بارتكابه ذنباً ولذلك يحتاج إلى طلب المغفرة ولأنه لا يجد في معتَقَدِهِ غير الصنم يطلبه منه ولأن الصنم لا يستطيع النطق فإنَّهم يستنتجون أنَّ المغفرة تقع بمجرَّد طلبها من الصنم أو من كاهنه لأن كتاب الكاهن يقول لهم ذلك. ليس في فلسفتهم الفكرية فكرَ التفريق بين فكر الحاجة والإحساس بالحاجة علماً أنَّ الإحساس هو مِنَ الغريزة أو الفطرة أي أنه طبيعةً في الإنسان بينما الفكر يكتسبه الإنسان بنظامٍ مخلوق في طبيعة الإنسان، ورغمَ أنَّ التفريق بين الاثنين هو أيضاً فطريٌّ في الإنسان الطبيعي. تعريف الإنسان الطبيعي هو الذي يكون على طبيعته، الإنسان لا يتخلى عن طبيعته وهو يعي على ذلك لأن نظام الالتحام بين فكره وإحساسه هو أيضاً في طبيعته مِنَ الله، لكن إذا كانت ثقافته الفكرية تقطع نظام الالتحام أي تفصل بين طبيعةِ الإنسان وفكر الإنسانية ـ كما يحصل باعتقاد فكر الفلسفة الغربية وهي اليوم فكر الديمقراطية ـ فذلك يطمس الطبيعة الإنسانية التي فطره الله بها. طمسُ الفكر الديمقراطي للطبيعة الإنسانية هو الذي يفرض العيش بدون التفريق بين إحساسِ الحاجةِ وفكرِ الحاجةِ الذي هو نظام إشباعِ الإحساس بالرغبة. الحقيقةُ في فكر الحاجة إلى المغفرة أنه مِن فكر الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وهو غير الإحساس بالحاجةِ إلى المغفرة الذي هو مِن غريزة التدين الذي يعالِجه فكر الحاجة. لكن رباط العقل في هذا الموضوع هو ليس فكر الحاجة إلى المغفرة بل فكر إشباع غريزة التدين وهما أمران مختلفان في الموضوع وفي فكرهما وفي مرجعية فكرِ كلٍّ منهما. فكر إشباع غريزة التدين هو فكر أساسي في الفكرة الكلية عن الوجود الذي يحدِّد فكر سبب وجود الإنسان، وأيُّ محاولةٍ لفصل فكر إشباعِ غريزة ما، وبخاصةٍ غريزة التدين عن الفكرة الكلية للحياة لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الغاية الأساسية للإشباع. الفصل يكون بإيجاد فكر مِن غير مرجعيته مِن مثل فكر الوثنيات للمغفرة، يستحيل أن يكون فكر المغفرة التي يحاول الوثنيون الحصول عليها مِنَ الصنم أو مِن كاهنه هي مِن فكرةٍ كليةٍ عن الكون والإنسان والحياة وما قبلهما وما بعدهما. هذه الفكرة لا تتكوَّن مِن أفكارٍ مُتَخَيَّلَة، ولا مِن أفكارٍ افتراضية، ولا مُستَنتَجَةٍ مِن غيرها لأنها يجب أن يدلَّ عليها الواقعُ المحسوس مباشَرَةً، فجميع أفكارها هي أفكارٌ واقعية أم أنَّ لها واقعٌ محسوسٌ لا واقعٌ بطريقة البناء الفكري حسب طريقة المنطق في الابتناء أو الطريقة الهندسية بالتركيب الفكري. الفكرة الكلية لمصدر الوجود وسببه ومصيره هي الفكرة الشاملة لواقع الوجود يستحيل أن يصدر عنها فكرٌ لا يبرهن عليه واقع أو فكرٌ ليس هو برهاناً على واقع، أو أنه مِن فكرٍ لم يثبت بطريقة اليقين التي لا يتطرَّقُ إليها الشك. هذه الشروط لصحَّة الفكر لا تمتُّ إلى الفكر الوثني بأي صلة، ولا يوجَدُ أيُّ فكرٍ وثني يمكن أن يكون فكراً بمعايير الفكر. حتى العقل البشري لا يستطيع أن يُنتِجَ الأفكار الوثنية وبخاصَّة طقوسها وشعائرها، إلا أن يعمل العقل البشري بغير عناصره، ولأنه يستحيل أن يعمل بدونها فإنه لا يستطيع إيجادَ طقوس كهذه إلا عقلٌ يعمل بدون عناصر التفكير بطريقة تغييب طاقة التفكير بالتخدير الذي يحدث مِن شرب مخدِّرِ العقل "شبيه بول الشيطان" الخمرة. شارب الخمرةِ وحده لا يستطيع التمييز بين الفكر ونجس الفكر، ولا بين الصحيح والخطأ، ولا بين الواقع وخياله، ولا بين الحقيقة وتدليسها أو تحريفها أو تسخيرها للنفاق بها.
المرء في صيامه يلزمه أن يكون أقرب ما يستطيعه إلى تلبُّسِ القِيَمِ التي تسمو بالنفس إلى واقع وجوده الحقيقي بدون طغيانِ رغبات الفعل والانفعال، صيامُ رمضانَ بأحكامه حياةٌ في حِصنِ حُلُمِ الخُلق وعفَّةِ اللسان وطُهْرِ النفس. واقعُ وجود الإنسان الحقيقي هو حالُهُ في وجوده على الأرض أنه عابرُ سبيلٍ وغيره معه هو رفيقُ عبورٍ، والجمع هَبَطَ على الأرض عارٍ مِن عبء الخطايا، يحياها بخَطايا ويغادرها بأثقالٍٍ. طريقة عيشه هي طريقة جمعِ أثقالِ الخطايا أم طريقة التخفيف منها؛ طريقة العيش هي طريقة المعصية أم طريقة الطاعة للخالِق صاحب مركبةِ الهبوطِ ابتداءً ومركبةِ العبورِ ومقصدِهِ الذي وحَّدَ سبحانه بينها ـ مولِدِ الإنسان وحياته وموته وبعثه ـ بنظام الخَلْقِ الذي ابتدعه في إيجاد الإنسان. الوجود كله لإثبات الفرد أنه يحيا بنظام إيجاده أولاً؛ نظام إيجاد هذا الوجود الذي نحيا فيه "الإنسان" أنه مخلوقٌ بطاقةٍ ونظامٍ لعملٍ يوفِّي به نعمة وجوده بما يَرضَى به الخالِقُ لا بحجم أعمال "الإيفاء" للدين وعدَدِها. نِعَمُ الله لا يمكن تصنيفها أو تبويبها حتى يمكننا تعدادها لنبحث في نظامٍ لإيفائها تسلسلياً وتتابعاً لأنَّ نِعَمَ الله في طبيعةٍ خَلَقَها الله مِن رغبةٍ نظامُها في طاقةٍ، وطاقةٍ نظامُها في فكرِ إشباعها، وفكرِ إشباعٍ نظامُه في طريقته. لذلك إيفاء الله ليس بأعمالٍ بل بطبيعةِ العمل، هل الصدق مخافةً مِنَ الكذب الذي حرَّمَهُ الله أم لأنه مجدُ الإنسان في حياته؟ هل الصدق بالتزام مرجعية الصدق أم بالتزام قناعة الفرد؟ هل الصدقُ لأنه يريح النفس أم لأنه من نظام تحقيق غاية الوجود؟ طبيعة الصدق الذي يلتزمه الفرد هي التي تحدِّد هل التزامه هو مِن نظام الوفاء لعهد الله الذي عاهَدَ الفردُ عليه خالِقَهُ قبل أن يولِدَهُ اللهُ مِن أمِّه أم مِن نظامٍ يبتدعه الفرد. وطبيعة الصدق هي التي تحدِّد هل التزام الصدق هو مِن نظام الوفاء لشرط الطاعة لله الذي يفرضه الله في طريقة التعرف إلى فكر الحقيقة في سبب الوجود لتكون نتيجةُ الصدق في غاية سبب وجوده. وطبيعة الصدق هي التي تحدِّد هل التزام الصدق هو مِن نظام الوفاء بتحقيق قصد التزام نظام الوفاء أنَّ الفرد يحيا ببرهان التزام الطاعة لله بتحقيق مقاصد شرعه وليس بنظام مقصوده.
رحمة الله تتنزَّل في هذا الشهر على العبد المؤمن الذي يحرص على أداء شعائر هذا الشهر وحفظ حرماته وعقد العزم على التوبة بفيضٍ مِنَ المغفرة مِنَ الله؛ هذا هو إنجاز هذا الشهر الذي بارك الله في أعماله بركةً تزيد عن بركات أعمال العبادة في غيره. الله الرحمن الرحيم اختصَّ هذا الشهر بثواب زائدٍ في كل أمرٍ وعمل يقرِّب إلى الله عن الثواب المنصوص على هذه الأعمال في كل حين، لهذا لا عذر لمن يشهد هذا الشهر بحقِّهِ ولا ينال مغفرة الله الكاملة ويكون مِن الذين خصَّهم الله أن يكونوا مِن المجازين في باب الريان. يقول رسول الله:صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ».
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:37 PM   #24
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (4)

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ». 1942 مسلم. جاء في معناه في شرح النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ مَعَ كَوْن جَمِيع الطَّاعَات لِلَّهِ تَعَالَى، فَقِيلَ: سَبَب إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَمْ يُعَظِّم الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مَعْبُودًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ... وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّائِمِ وَنَفْسه فِيهِ حَظٌّ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ... وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَار ثَوَابه أَوْ تَضْعِيف حَسَنَاته... وَقِيلَ: هِيَ إِضَافَة تَشْرِيف، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَاقَة اللَّه} مَعَ أَنَّ الْعَالَم كُلّه لِلَّهِ تَعَالَى. انتهى. هذه كلها وغيرها مما ورد ولم ننقله معانٍ ليست مِن معنى النص بل مما يؤدي إليه تفسير معنى النص وهو ما نفعله لفهم النص بغياب واقع معناه. لذلك لا بد مِن الوقوف لمعرفة معنى النص هنا ومن بعد القبول بما يدل عليه المعنى أو ما يشتمل عليه في طيات موجباته. قول رسول الله كلاماً مقروناً مقترناً مقطعاً واحداً لا يمكن فصله إلى مقطعين أو ثلاثة: عن الله يقول: « كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ». لا يمكن أن نفهم معنى هذا النص إلا مِن خلال العلم المؤكَّد أن الأصل في الأعمال أنها كلها لله بسبب قاعدتها الشرعية التي تصدر عنها الأعمال التي تنص: "الأصل في الأعمال التزام شرع الله"، وأيضاً من خلال العلم المؤكَّد أنَّ الله يجزي على كلِّ الأعمال ولا أحد غيره حتى نفهم معنى الاستثناء هنا الذي بدوره يحتاج فهمه إلى قرينةٍ تفسِّر الاستثناء وليس النص لأن الاستثناء يقترن بالنص وليس ينفصل عنه أي لا يجوز فهم النص بفصله عن الاستثناء الذي ورد فيه لأن هذا الفصل يمنع العقل مِن المعطيات الكاملة لواقع معنى النص؛ أيّ نص يحتاج فهمه إلى تحديد معطياته الكاملة وأي نقصانٍ بها يمنع العقل ِمنَ الفهم الكامل للموضوع بل يفرض عليه استبدال ما يؤدي إليه تفسير واقع المعنى بما لا يقوم الواقع إلا به. الفكر صورة ذهنية لواقعٍ يفرض النص، النص هو الرسم البياني لواقع الفكر، الواقع هو معنى الفكر؛ الفكر يفرض النص، النص يفرض الواقع، الواقع يحدِّد معنى الفكر؛ هذه كلها معطى موحَّد في كلِّ عملية فهم لا يمكن تفكيكها في حال صعوبة إجراء عملية الفهم لأن تفكيكها يمنع العقل مِن فهمِ الفكر بصياغته. المعطى الفكري غير عنصر الفكر؛ معطى الفكر هو الفكر بنصِّه وواقعه، عنصر الفكر هو عاملٌ في التفكير؛ كلٌّ منهما مستقل لا علاقة بينهما ولا يجتمعان إلا بعملية التفكير. لذلك لا بد مِن عدم الخلط بين معطى الفكر وعنصر الفكر لأن دور كل منهما غيره عن الآخر في عملية التفكير فأي خلطٍ أو عدم فصلٍ في أساسهما ودورهما يؤدي إلى استبدالٍ في الأدوار يُنتِِجُ ارتباكاً في الفهم يصعب اكتشاف مصدره أو سببه. فهم الفكر هو التعرف إلى واقعه فقط بدون الانزلاق إلى فهم مشتقاته أو ما يؤدي إليه أو ما لا بدَّ له من أن يلتصق به أو يتكامل به، كل ذلك عملية لاحقة حسب الحاجة لأنه يتعلق بخصوبة الفكر وليس بواقعه الذي هو الأصل الذي يُرجَع إليه في كل حين لإعادة رسم خطِّ استقامة الفهم. بدون هذا الحرص لا يمكن حفظ مرجعية الخطأ والصواب في فهم المواضيع التي تتعاقب في اتصالها بالواقع الأصل للموضوع الواحد. حفظ هذه المرجعية يكون بالوعي الدائم على دقة الربط بين المسألة وواقع فكرها الذي نشأ عن وِحدَةِ المعطى أساساً وابتداءً. الفصل بين المعطى والعنصر يجب أن يكون في ثقافة فهم التفكير ليكون وضوحه طبيعياً في عملية الفهم لأنه لا يمكن التنبه إليه في عملية الفهم للحفاظ على الدور المتفرِّد كما يلزم في عملية الفهم. هذا الفصل لا يمكن أن يحصل في عملية الفهم بإجراءٍ عقلي مستقل لأنه ليس مما يتوقف عنده العقل لإجراء الفهم بل هو مِن وضوح إجراءات الفهم وأنظمته وليس مِن عناصر الفهم التي يلزم توقف العقل عند كلٍّ منها. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه" هو الإطار لواقع هذا النص أولاً وهو القرينة التي تربط الاستثناء بواقع معنى هذا النص ثانياً وهو الذي يُبقي الفهم ضمن قاعدة "الأصل في الأعمال اِلتزام شرع الله" ثالثاً. غفران الذنوب هنا لا يجري بقاعدة الحساب على الأعمال وهي لائحة الحسنات والسيئات أولاً، ولائحة الخبائث ثانياً، ولائحة الكبائر ثالثاً، وهكذا إلى اللمم وما يمحوه. يقول: «..غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه » أي بدون الرجوع إلى القاعدة التي تحكم الأعمال وهي "الأصل في الأعمال اِلتزام شرع الله" وهو ما لا يمكن قول العقل به إلا في حال استثناء الله العلي القدير لهذا الإجراء في مقام مخصوص يشترط له سبحانه شرطه ليوقِعَ هذا الاستثناء وهو هنا قوله سبحانه بالوحي إلى رسوله: « "مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا... » لذلك غفران الذنب هنا بطريقة الاستثناء لا يستطيع العقل أن يبحثه إلا بشرط هذا الاستثناء وليس بكيفيته، ولا بإمكانيته، ولا بما يؤدي إليه بل بواقعه فقط وهو واقع النص الذي ورد فيه: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ). واقع هذا النص أن الذي يؤدي الصيام بحقه الذي هو هنا "إيماناً واحتسابا" يبدأ حياة جديدة تبدأ مِن طهارةٍ شاملة ليس فيها خبثُ ولا دنسٌ ولا غِشٌّ في عقلٍ أو نفسٍ أو قول. ولو مات على هذه الحال فهو مِن أهل الجنة وهو مِنَ المبَّشرين بالجنة قبل موته وإن لم يجرِ عليه التخصيص بالاسم. هذا الواقع لشهر رمضان هو الذي يجعله أهمَّ زمنٍ في العام مِن كلِّ عام، وصيامه أهمَّ حَدَثٍ في حياة الإنسان كلَّ عام، لأنه في واقعه أنه فترة التطهُّرِ الفكري والنفسي والجسدي استعداداً لدخول الجنَّةِ الأبدية؛ واقع عمله أنه عمل إعادة صياغة النفس لتلقى الله، وهي في الحياة نقيةٌ مِن كلِّ ريبةٍ وضغينة تشتغل بتسبيح ’الحمد لله الذي أخرجَ من نفسي خبثها‘. العيش بواقع الصيام « إيماناً واحتسابا » وليس في واقعه « جوع وعطش » كما جاء في الحديث الشريف: « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ». النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وحديث: « مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه" » هو الذي يجعل عمل هذا الشهر أهمّ عملٍ في وجودِ الإنسان الذي لا يموت شهيداً لإعلاء كلمة لا إله إلا الله بطريقة العمل لتطبيق أحكام الله في الأرض. وهو ما يجعل هذا الشهر أهمّ شهرٍ في عمرِ كلِّ فردٍ إنسانٍ لأنه أهمُّ شهرٍ في تاريخ الإنسانية فكل مَنْ يعتقد أنه إنسان تفرض عليه إنسانيته البحث عن سببِ أنَّ هذا الشهر هو أهمُّ شهرٍ في زمنِ وجوده، وأنَّ عَمَلَ هذا الشهر هو أهمُّ أعمال حياته. وإن لم يقم بهذا الواجب فهو البرهان على كذبه أنه يعتقد إنه إنسان لأنه الغافل الذي يغفل عن شرط إنسانيته. ولا يتذكَّر أنه إنسان إلا للتوازن في مشيته وهندمته لذاته للتشبه بنا نحن الذين نحرص على عدم الوقوع في الغفلة عن حقيقتنا في عبورنا الحياتي على الأرض. حاجةُ الغافِلِ عن فكرِ إنسانيته للتشبه بالبشر حتى يبقى مرتبطاً شعورياً بواقعه، إذا غاب عن اصطناع هذا الارتباط بالتشبه في غياب فكر الإنسان يتحتَّم عليه أن ينتحر لأنه يشعر أنه يعيش في واقعٍ لا ينتمي إليه إلا بالتدجيل والإكراه والفصل بين عقله ونفسه وهو حالة الجنون العملية التي يعيش بها الفرد الغافل عن شرط الإنسان فيه. هذا هو السبب الرئيس الذي يفرض على الكافِر الادعاء المستمر بكذبه العلني يومياً إنه يعمل كذا لدواعٍ إنسانية، وإنه يتمسَّك بالقِيَمِ الإنسانية، ويدعو غيره للحرص عليها. حتى غدا هذا النفاق ضرورةً في فلسفة الحكم بالكفر وهو الحكم بغير ما أنزلَ الله سبحانه وتعالى، وضرورةً لكلِّ منافِقٍ يصدَحُ بآراءِ الكفر في تضليل بني قومه. ومنهم الإنسانيون "الإسلاميون" شيوخ نفاقِ هذا العصر يعلنون إنهم إنسانيون! وأنَّ دينهم "الإسلام" هو دينٌ إنساني يتساوى مع "إنسانية" الديمقراطية! وإنسانية ناس نفاقها! إيمانهم يكرِّسُ "إنسانية الديمقراطية" ليبرروا قولهم إن الإسلام هو دين الديمقراطية لتخليط أفكار الإيمان بغيرها مِن أفكارِ غير الإسلام. حتى يحيا المسلمون بفكرِ كفرٍ وفكرِ إيمانٍ فيحيون بالكفر ويموتون عليه بدون درايةٍ منهم بفضلِ براعة نفاق "الإسلاميين" تارةً في تركيا ومرة في تونس وأخرى في مصر حتى يعمَّ تضليل المسلمين في بقاع أرضهم ويقتنعوا بأن العيش بحكم غير الإسلام هو كالعيش بحكم الإسلام فكلاهما "إنساني"!
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:39 PM   #25
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (5)

عيشُ شهرِ رمضانَ إيماناً واحتساباً لله هو الذي يجعل حياة المؤمِن حياةً في جنةِ الأرض قبل جنّةِ الخلد، فالمؤمن لا يطمع بدخول الجنَّة إلا برحمةٍ مِن ربِّه الله الذي لا معبودَ (مُطاع) إلا هو. شرط التعبُّد هو توحيدُ الله بالطاعة فإذا أدرك المؤمن هذا الشرط لدخول الجنَّة يدرك شرط الصيام « إيماناً واحتسابا » أنه الصوم الخالص لله، الصوم الذي تتخلَّص به النفس مِن العمل لتحقيق نتيجةٍ، أو مِن شرط العمل بكيفيةٍ تحقِّقُ غايةً، أو مِن حاجةٍ إلى تجييش طاقةٍ للقيام بعمل، أو مِن وجوب العمل لإشباع رغبةٍ، أو حتى مِن التفكير بقصدٍ مِن عمل. النفسُ التي تصوم « إيماناً واحتساباً » هي النفس التي تحيا بطَفَحِ الرضا بمجرَّدِ العيش لعبادة الله بالصيام والدعاء والتعبُّدِ والتفكُّر تنسى التدبُّر الذي يقوم بشأنها ولا يعينها على تدبُّرِ شرط «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». محور حياة النفس المطمئنة في الحياة هو استحقاق غفران الله فكيف بمحور شهرٍ خصَّهُ الله بشرطٍ جعل قدرات تحقيقه في نفس كلِّ فرد! لا يفترق عمل المؤمن في شهر رمضان عن عمله بالإسلام في غير رمضان إلا في أنَّه في رمضان عمله يكون تاجَ أعمال حياته. "إيماناً..." في الحديث هنا لا تعني أنه كان غير مؤمنٍ وأصبح مؤمناً بهلِّ رمضان عليه، ولا تعني معنى كلمة الإيمان بأنها التزام شرع الله بأنَّ مَن صام هذا الشهر التزاماً بأمر الله "عُفِرَ له..." ولا أمثال هذه المعاني والممارسات التي يفرضها معنى الإيمان هي التي تنطبق على "إيماناً..." في هذا المقام لأنها جميعها تنطبق على كافة أصناف الصائمين ومنهم "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش". "إيماناً..." هنا هي إيمان خاص بمن يعمل عملاً خاصاً غير أعمال بقية الصائمين، جميع الصائمين يمتنعون عن الطعام والشراب ويقيمون الصلاة ويقومون بأعمال كثيرة هي مِن ثقافة الصيام في شهر رمضان ويسعون للمزيد مِن الثواب والمغفرة بقلوب خاشعة. الصيامُ "إيماناً..." في شهر رمضان يشمل صيام الناس الذي نعرفه ونقوم به كلنا ويشمل أمراً آخَرَ يحتاج التعرف إليه إعمال العقل.
حديث: « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». موضوعه مقدار مغفرته وثوابه، لذلك الثواب الاستثنائي هنا هو الضوء الذي يدل على فهم كيفيته "إيماناً واحتساباً" وليس العكس أي "إيماناً واحتساباً" هي التي تفسِّر "... غُفِرَ لَهُ..". الثواب الاستثنائي يفرض أن نفهم معنى الإيمان هنا بالمعنى الذي يتوافق مع الثواب الاستثنائي وليس مع الثواب العادي الذي يعِدُ الله به على كلِّ عملٍ بإيمان، وإلا لحصل الاضطراب بالفهم واستحال الفهم الواضح جراء ربط بين أصلين مختلفين بينما الأصل أن الفهم لا يجري إلا في مترابطين في الموضوع. ربط الغفران الاستثنائي بالإيمان الذي يكون مِن جنسه هو في التعامل مع "إيماناً..." هنا بواقِعِ أنها تتعلق ببرهان الإيمان وليس بمعناها المطلق من مثل التصديق أو الالتزام. أي بفهمٍ ليكون الثواب هو في عملٍ يشتمل برهانه العملي علانيةً غير مدحوضةً. لذلك "إيماناً..." هنا هي عمل الإيمان الذي هو هنا الصيام ببرهان الإيمان الذي هو هنا التزام أحكامه التي فرضها الله علانيةً لأنَّ الصيام لا يخفى على الناس التزام أحكامه التي هي غير الامتناع عن الطعام والشراب. هو الصيام الذي يكون تصديق الله بقوله "عُفِرَ له..." قاطعاً، والصيام الذي يلتزم شرط قبول الله له، والصيام الذي يقوم بما فَرَضَهُ الله فيه، وهو الصيام الذي يدَّخِره المؤمن لموته وبعثه، وهو الصوم الذي يؤديه المؤمن وهو يعلم أنَّ الله جعله بشرط القرض الحسن الذي يوفّيه الله إنطلاقاً مِنَ عشرة أضعاف ثواب العمل إلى ما لا يستوعبه عقلٌ أو قلم. هذا الذي يجعل في كلمة "إيماناً..." أنها التزام الصيام بطريقة الشهادة على الفعل بالتزام برهانه حين إشهاره، وهو ما يجعل الصيام بهذا المعنى: شهادة الفِعل على إيمان المؤمن. هذا في "إيماناً..." التي ينصهر فيها برهان الفعل مع الفِعل وهو أمر لا يمكن أن يتحقَّق إلا بنظام يؤدي حتماً إلى ما تكفَّلَ الله به مَِن نتيجةٍ هي "غُفِرَ له...". برهان الفِعل هو انصهار قكرِ العمل بطريقته وهو ما يجعل نتيجة البرهان في انصهاره نتيجةً حتميةً في النظام وإن كانت النتيجة كما نفهمها بظاهرها تتعلق برحمة الله. "عُفِرَ له..." وإن كانت لا تقع إلا برحمةٍ خاصةٍ مِنَ الله إلا أنها تقع بنظامٍ خاص هو مِن فكر الهداية التي يهدي الله إليه، وليس أنها تقع كمعجزةٍ بنظامٍ خارق، المغفرة الموعودة تقع بنظامٍ هو بذاته نظامُ رحمةٍ، ونظامٌ تتنزَلُ به رحمة الله، بمتناول جميع البشر الذين يقررون العيش بنظام الله وأحكام الوصول إلى نعيم نظام رحمته. المؤمن يدخل الجنَّةَ بعمله الذي يستحق رحمةَ الذي خَلَقَهُ وخَلَقَ الجنةَ له، والثواب ككلِّ شيءٍ في هذه الحياة يؤخَذُ بحقِّه مِن إخلاصِ جهدٍ أو قول. ليس في الأمر سحرٌ أو تصعيب أو تعقيد أو أفخاخ أو ألغاز أو تعجيز، عذاب الآخرة حق ونعيمها حق وكل حقٍّ له عمل وعليه برهان، وله فكر وكيفية، وله نتيجة وغاية. لذلك المؤمن الموصوف في حديث "مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا..." هو الصائم الذي يعي وعياً واضحاً مطلقاً أنه يصوم ليقدم البرهان على إيمانه وليس إيمان الامتثال لفرض الامتناع عن الشراب والطعام بل لغاية غير النتيجة في واقع الامتناع عن الشراب والطعام. على هذا البرهان يستحق الصائم الغفران عن سابق ذنوبه لأن هذا البرهان هو برهان على طبيعة ذنوبه السابقة أنها مِن طبيعةِ اضطرابٍ في طبيعته البشرية لا مِن اضطرابٍ لقراره بالتزام طاعة الله. المؤمن ليس الفرد الذي يقرر طاعة الله في رمضان بعدَ أن يكون قد عصاه قبل رمضان، حتى لو أنه قرَّرَ التوبة في رمضان هذا، فهذا الحديث لا يشمله لأنه يعود إلى الإيمان بنظام التوبة وهو غير نظام "مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا..." وهكذا يكون ثوابه أيضاً بنظام حساب التوبة لا بنظام حساب "مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا..." الذي يكمن ثوابه في برهانه لا في فِعله مستقلاً. إثبات برهان الإيمان في شهر رمضان هو إشهار المؤمن بين الملائكة أن الله قد غفر ذنوب فلان ابن فلان في ما خلا مِنَ الزمن، هو أسمى غايات الإنسان في الحياة لأنه لا يستطيع الإتيان بهذا البرهان وفي نفسه تردُّد أو ريبةٌ أو بقيةٌ مِن طبيعةٍ تتكاسل أو تمل أو تقعد عن الكدح في طاعة الله. وهذا البرهان لا يستطيع الإنسان أن يجمع شتاته، أو أن يجمع عناصره، أو أن يتعهَّدَهُ بما يتعهَّد به شؤوون حياته، لأنه عمل قناعةٍ ونتيجتها بممارَسَتها؛ إنها نتيجةُ طبيعةِ فِكر. فِعل الصيام ليس فِعلاً منفصلاً عن أفعال الإيمان، وكذا فرضه ليس مستقلاً عن بقية فروض الإسلام، الإيمان هو إيمان بفكر الإسلام الذي هو فِكرٌ جامعٌ لقضايا الحياة شاملٌ لشؤون الإنسان. صوم رمضان يستحيل أن يكون صومَ "إيماناً واحتساباً" إن لم يكن استمراراً في حياةٍ بالإيمان بكل أمورها، وارتداداً لعيشٍ بطاعة الله في كل أمر، وتتويجاً للوعي الدائم على الفروض والمحرَّمات في دين الله. فمن جاء يصوم رمضان مِن غير البيئة التي يفرضها التزام حكم الله في تدبير شؤونها يستحيل عليه أن يجعل الصوم شاهداً على التزامه أحكام الله في ما قبل رمضان. ويستحيل عليه أن يجعل صيامه تاجاً يتوِّجُ الله به إيمانه في الزمن الذي انقضى مِن عمره إذا لم يكن هذا الصيام في هذا الشهر هو عملاً نهائياً في مسيرة الإيمان السنوية. حتى يكون صيام رمضان مِن كلِّ عام علامةَ كمال إيمان الفرد يلزم العلامة أن تكون على واقع، فإن لم يتوافر واقع العلامة فكيف يكون الصيام علامةً في الطريق التي لم يشقها ويعبِّدها عمل الإيمان! صومُ "...إيماناً..." هو صوم كمال الإيمان وليس بدايته ولا شيئاً منه، ولا نهايته بل كلها مجتمعةٌ فهو شيء منه وبدايته ونهايته لأنها جميعها في الإيمان؛ الصيام من الإيمان، ومنه بداية عام جديد في الإيمان، وهو نهاية حياة سبقت في الإيمان. صومُ "...إيماناً..." هو برهان العبد على أن صومه مِن مسيرة حياةٍ في الإيمان كانت قبل رمضان، وعهدٌ على استمراره بالعيش في نظام الإسلام بقية حياته؛ إيمان العبد؛ التزام أحكام الله لا ينتهي بالصيام ولا يبدأ منه، فالصيام حكمٌ مِن أحكام مسيرة حياةٍ بطاعة الله، ومَن لا يكون صيامه مِن مسيرة حياته بالطاعة والتسليم لله لا يكون صيامه صومَ "...إيماناً..." بل صوم « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ».
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:40 PM   #26
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (6)

أما "...واحتساباً" فهي وإن كانت في النص تُلازم وترافِقُ عمل الإيمان فهي هنا في موقع الشرط للإيمان الذي يفرض التلازم بين "...إِيمَانًا" و "...وَاحْتِسَابًا". حتى نقف على معنى "...واحتساباً" هنا لا بدَّ من أن نحدِّد مَنْ هو الذي يحتسب: الله أم العبد المؤمن الذي يصوم "إيماناً..."، قطعاً لا لبس فيه بعد أن أدركنا أن "...واحتساباً" هي تلازم "إيماناً..." وهي شرطٌ لها يكون عمل "...واحتساباً" مسئوليةَ الصائمِ "إيماناً..." الذي عليه أن يعرف كيف يحتسب صيامه عند الله. الاحتساب هو مِنَ الحساب وهو فِعل تسجيل الدين أو الحصص، فالصوم للإيمان أو "إيماناً..." لله هو بذاته فِعلٌ مِنَ الصائم يقوم به عن وعي تامٍ كاملٍ أنه إنما يفعل ذلك (الصيام) ليكون رصيداً له عند الله والرصيد غير الدين وغير القرض الذي جاء في القرآن الكريم. هكذا صائمُ "إيماناً واحتساباً" يعرف قبل صيامه معنى الصيام "إيماناً..." لأنه لا يمكنه عقلاً ولا نفساً أن يحتسب صيامه بنظام الاحتساب بدون ثقافة الصيام "إيماناً...". ثقافة الاحتساب هي مِن ثقافة الإيمان في عقيدة هذا الفكر وفي طريقته وفي غايته، فمن يحتسب بدون ثقافة "إيماناً..." فهو فرْخُ شيطان، ومَنْ يَصُمْ "إيماناً..." بدون إكماله ب "...واحتساباً" لم يصم رمضان "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا" وليس مِن أهل « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». وبالتأكيد هو ليس صاحب "جُنَّةٌ" التي هي وِقاءٌ مِن كلِّ خبثٍ وخبيث، ومِن كلٍّ معصيةٍ وزَلَلْ، ومِن كلِّ عذابٍ ونارٍ مِنَ العزيز الجبار. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" وفي "...جُنَّةٌ" يكمن كشف ستر "... إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي" ويكمن كشف ستر "إيماناً واحتساباً". "...جُنَّةٌ" هي ما يُتَّقى به؛ سواء أكان الدرع في المبارزة أو السترة الواقية للجسد، أو الستر بالقماش مما يخفي ما وراءه، أو الدعاء إلى الله والتعوذ مِنَ الشيطان بما أجازه الله، أو التقوى التي تحفظ العقل واللسان مِنَ الزلل والسفه، أو التعويذة التي أكرمنا الله بها لحفظ النفس، وغيرها. وصف رمضان أنه "...جُنَّةٌ" هو الدرع الذي أجازه الله بالصيام نسيجاً أسماه سبحانه "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا" يلتفُّ به المؤمِن أمام الله سبحانه يوم الحساب حتى لا تظهر منه عورة في كَلِمٍ أو على جارحةٍ ولا في عقلٍ أو نفسٍ. "...جُنَّةٌ" جلبابٌ يحيكه الفرد مِن التقوى وما الصيام إلا الخيط الذي يلمُّ أدنى الثوب بأعلاه فيجعل مِن المؤمِن وثوبه هذا لَمَّةً واحدة لا يُفرَقُ فيه العظمُ مِن الرَّخْوِ. هذا المعنى لصيام رمضان "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا"، ومعنى "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" هو الذي يفسِّر لماذا قال الله فيه "إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي..." والله أعلم.
يثبِتُ ما تقدَّمَ مِن فهمٍ لقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) ولقوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». بشارة الرسول عليه الصلاة والسلام: « للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه ». أخرجاه من حديث ابي هريرة. موطنُ هذا الإثبات هو في لماذا يفرح المؤمِنُ بفطره وقد كان في نعيم الصيام، ولماذا يفرح عند لقاء ربه وهو في جلباب صومه.
الفرح هو فرحُ الإنجاز، فرحُ الفوز بأمرٍ يعجز عنه كثير، فرحُ تحقيق غايةٍ عزيزة في حياة الفرد، مقياس الفرح هو في نوع طبيعة الإنجاز أولاً، وهو في عمل الإنجاز ثانياً، وهو في غايته ثالثاً. ’مقياس الفرح هو في‘ يعني مِِِن، عليه يتكون الفرح مِن طبيعة الإنجاز أي هل هو في أمرٍ مِن أمور الحياة أم هو في أساس أمور الحياة؟ وهو في عمل الإنجاز أي هل هو بطريقة الحياة التي هي طريقة الفكر الذي ينبثق عن عقيدة الحياة التي هي قاعدة أفكار الفرد؟ وهو في غايته أي هل غاية الإنجاز هي في إشباع رغبة أم في تحقيق نتيجةٍ لقضاء حاجةٍ في زمنٍ أو ظرفٍ أم أنها غاية فكرٍ تبقى في الحياة مع بقاء هذه القناعة بفكر الغاية وإذا مات عليه تنتقل معه مسئولية القناعة به إلى ما يكون عليه مصيره في الموت؟
فرحة الصائم في إفطاره هي فرحة انتهاء دهرٍ مِن التزام أحكام الله، ونجاحه في إثبات الطاعة بشهادة رمضان عليه في آخِرِ إنجازات ذلك الدهر، وفوزه بتواصل برهان الزمن الغابر في برهان الحاضر برهان الصيام على بلوغ غاية الحياة في سعيه لنوال رضوان الله. فرحة الصائم بفطره ليس بانتهاء فرض الصيام بل باهتدائه إلى الصيام "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا" واهتدائه إلى السعي لجائزة "... غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه" في هذه الدنيا قبل الآخِرة. فالفرح يكون بإنجاز الحياة أولاً وإلا كيف يمكن وصفه فرحاً؟ والفرح في إنجاز الأمر الصغير كما في إنجاز أمر الحياة الأهم لأنه يتعلق بالإنجاز لكنه يتفاوت بحسب بعده أو قربه مِن تحقيق سبب الوجود في الحياة. الإنجاز الذي يستحق أن يسمى إنجاز الحياة هو الإنجاز الذي يتوافق مع سبب الوجود وبرهان ذلك هو برهان العمل في الطاعة. الصيام هنا هو الطاعة وبرهان العمل هنا هو برهان الصيام بشرط "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا"، برهان العمل في الطاعة هو الذي يفرض توافق غاية العمل مع غاية الوجود. هذا التوافق هو الذي يجعل الإنجاز في جنسه أنه أكبر إنجازات الحياة وهو الذي يستحضر وعد الله "... غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه". لذلك إنجاز الصيام بذاته ليس هو المكوِّنَ الوحيد لإنجاز بل حالة الوصول إلى زمن هذا الاستحقاق أولاً، والقيام بمسئولياته وكيفيته ثانياً، والوعي على ارتباط غايته بغاية سبب الوجود ثالثاً هو الذي يجعل الصيام إنجازاً يستحق القائم به تحقيق وعد الله "... غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه" فيه أو له. أعظم إنجاز الحياة هو مناسبة أعظم أفراح الحياة، أعظم أفراح الحياة لا يقع إلا بعد أعظم إنجازاتها، هذا الإنجاز هو استحقاق سنوي طوال عمر الفرد، وإنجازه هو سبب الفرح السنوي باستحقاقه؛ فرحه فرحٌ عائد، وسروره عيدٌ بمعنى يعود ويعود ويعود طوال الحياة؛ هو العيد، عيد السنة كل سنةٍ مِن عمر المؤمن، هو السرور العائد الذي يرتبط بالإنجاز في كل مرة. لا يشعر بفرح الإنجاز إلا صاحب الإنجاز، المتفرِّجون يفرحون بالتفرج على صاحب الإنجاز يتمنون أن يكونوا مثله لكنهم هم المنافقون الذين ينافقون على أنفسهم أنهم يتمنون أن يكونوا أصحاب الإنجاز. جلودهم ستشهد على نفاقهم لأنهم يتمنون بدون عزيمة العمل التي يفرضها الإيمان وقودَ عمل الإنجاز، يتمنون إنجاز التقوى بدون عمل التقوى! ويلكم كيف تقدِّرون؟ وكيف تبتسمون؟ وكيف تشاركون فرحة المؤمنين وقد رفضتم عمل الإنجاز الكبير في الحياة؟ ويلكم كيف تعيشون وأنتم تتقاعسون عن العمل بما ينقذكم في الدنيا والآخرة، وتتركون طاعة الله في السر كما في العلن، وتقعدون عن العمل لإقامة حكم الله بين الناس، وأنتم تدَّعون أنكم تفرحون بفرحة الفطر؟ النفاق الذي يجعل الصيام جوعاً وعطشاً ويحرم صائمه مِنْ ثواب صيامه هو أن تقول ما لا تفعل، وأن تفعل ما تريد لا ما يريده شرع الله، وأن تطيع الله في أمرٍ وتعصيه في آخر، وأن تجعل هواكَ حَكَماً في تفسير شرع الله بديل دليل الشرع على تفسيره، وأن تطيع الله وتحبَّ مَن هو عدوٌّ لله، أو كافرٌ به، أو منافِقٌ في دينه وعلى المؤمنين، وأن تجعل صيامك عبادةً منفصلة عن طريقة عيشك، وأن يكون سبب صيامك غيره عن سبب الحياة الذي تعتقده أو تمارسه، وأن يكون الصيام ينشأ عن غريزة التدين لا عن فكر عقيدة الحياة التي بها يكون نظام إشباع غريزة التدين وغيرها من الغرائز بنظامٍ واحد، وأن يكون الصيام سبباً في استهلاك طاقة التدين تنطفىء به في مجالات الحياة فلا يكون لها دور في غياب فكر حيوية طاقتها الذي ينشأ عن العيش بفكر عقيدة الحياة.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:42 PM   #27
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (7)

حديث: "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش" يُسَمّي الذي ليس له في صيام "... غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه" كمن له ذلك الأجر سبب الفرح في الحياة والممات ويوم العرض "صائم" رغم أن نتيجة صيامه لم تتحقق له ورغم أنَّ غاية حكم الصيام لم تتحقق بصيامه. وهو ما يثبت أنَّ الفارق بين الصيام المقبول هو الصيام بشرطه، وأنَّ شرطه "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا" ليس بعمل الصيام بل بفكره ومرجعية هذا الفكر وغايته وليس بعمله منفصلاً عن هذا بل بعمله مرتبطاً به. العمل الذي يرتبط بفكر العمل وتكون مرجعيته هي مرجعيةَ الفكر يتحتَّم أن تكون غايةُ العمل هي غاية الفكر ولو بدون وعي القائم بالعمل تتحوَّل تلقائيا لتكون غايته؛ هذه طريقة العيش بفكر أو طريقة عيش الفكر. فالصائم الذي يصوم بغير فكر الحياة الذي يعتقده أو يصوم صياماً منفصلاً بفكره عن مرجعية فكر الحياة يستحيل أن تكون غايته هي غاية فكر الحياة أو غاية عقيدته الفكرية التي هي مرجعيته. شرط الصيام هذا هو شرط قبوله الذي هو "... إِيمَانًا..." وهذا ما يفسِّر "... إِيمَانًا..." هنا أنها امتداد لفكر الحياة وأن الصيام "... إِيمَانًا..." هنا هو عمل الصيام بفكر الحياة ومرجعيته التي يعيش بها الفرد قبل رمضان وسيعيش بها بعده ولو بدون توقُّفٍ للتفكير بهذا التعهد. عندما يتحوَّل العيش بفكرٍ عقدي إلى طريقة حياة لا يتوقف الفرد بعد هذا إلى بحث عملٍ مِن أعمال الحياة بفكر العمل ولا بمرجعيته لأن طريقة الحياة سبق واقتضت ذلك الإجراء. أعمال الحياة مهما تكاثرت تصدر طبيعياً حسب نظام قبولها أو رفضها، موافقتها أو مخالفتها لفكر الحياة، لا تحتاج لإعمال العقل إلا لفهم كيفية الإجراء الذي يتعلق بها إن لم تكن قواعد السلوك العامة تستوعبه لسبب أو لآخر. الصيام الذي يغفر الذنوب جميعاً هو الصيام بفعله الذي لا يغفر الذنوب أيضاً. الذي يجعل الصيام صياماً يغفر الذنوب هو أن يكون الصيام مِن مسئولية الحياة في طاعة الله ومِن طريقة الحياة بالعيش بالتزام أحكامه، وأن يكون عملاً بفكر العيش لنوال رضوان الله وليس أنه عملُ موسمٍ خاص ينفصل عن أيام الحياة الأخرى. الصومُ الذي يقوم به الفرد لأنه يريد أن يكون صيامه سببَ غفرانِ ذنوبِ طريقةِ عيشِهِ بدون التزامِ حكمِ الله في عيشه هو الصيام الذي لا يغفر الذنوب وليس لصائمه مِنه إلا الجوع والعطش والعياذ بالله مِن شيطانٍ إنسي كهذا. الإنسان الذي لا يحيا وهو يفتِّش في أوعيته عن لقمةٍ تقرِّبه مِنَ الله يحيا بها آمِلاً أن توصِلَه إلى مقام رمضان في الزمن لتقيم صلبه في إقامة فرض الصيام بعهد الله وشرطه ليس إنساناً ولا حيواناً ولا غافلاً فقط بل شيطانٌ في صورة إنسان. إنسانُ الصيام "... إِيمَانًا..." هو الذي يفرح مرتين وله تكون فرحته الأولى؛ فرحةُ فِطره عيدٌ يتكرر فرحه في كلِّ صيامِ شهر الصوم الذي يسمى بنتيجة شهادة فِعله "... إِيمَانًا...". سرور العبد المؤمن بمغفرة ذنوبه مِن عام إلى عام هو عيد الدنيا المتكرر الذي يعود بسرور عائد في كل عام مع كلِّ صيام الشهر وهو في حياة الطاعة لله، وهو عيد الآخرة الدائم. الصائمُ بالمغفرة هو الذي يبشِّره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفرحتين: "للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه" أخرجاه من حديث أبي هريرة. سرور العيد أو السرور العائد ليس سرور الفعل كما يتراءى، وليس سرور الحدث، ولا سرور الزيادة مِن أجرِ الطاعات. كل هذا ليس مرجعاً للسرور إلا بطريقة الإيهام في حالة جهل سبب السرور كما هو شائع اليوم بين المسلمين حتى لا تنهار النفس المؤمنة في غياب فهم معادلة الربط بين السرور ومرجعيته. السرور العائد ليس من تكرار فعل الصيام بل مِن مرجعية فكر الصيام، وسرور العيد ليس مِن فعل الإفطار بانتهاء الصيام بل مِن غاية فكر الصيام. فالسرور ليس مِن الفعل بل مِن فكر الفعل ولهذا سرور العيد هو سرور العقل لأنه سرور العيش بفكر العيد قبل وقوعه وسرور العهد بالعيش بفكره بعد تحقيق إنجازه.
فرحُ الإفطار هو في الدنيا فرحُ الإنجاز الأكبر لأن فرحَ الدنيا الموصول بفرحِ الآخِرةِ هو الفرح الدائم ولا شيء مِنَ الفرحِ يعلو على الفرح الدائم، فهو الفرحُ الأكبر. فرحُ الصائم ليس فرح انتهاء الصيام فهذا فرحُ الأطفال في سنِّ دون البلوغ الفكري، وفرحُ الغافِلِ عن العيش بحقائق سبب وجوده، الغافِلِ عن التزام فكر سبب وجوده، السفيه الذي يحيا ويموت ولم يتعرَّف إلى لماذا يحيا ويموت. فرح الفطر هو فرحُ تحقيق هدفٍ وفرحُ بدايةِ انطلاقةٍ جديدةٍ لتحقيق هدفٍ تالٍ لأنَّ حياة المؤمِن هي حياة بسعيٍ دائمٍ لتحقيق هدفٍ بعدَ هدفٍ في طاعة الله. ولا قيمة لشيء في حياة المؤمن لا يكون له فيه نصيب مِن تحقيقِ ثوابٍ جديدٍ به مِنَ الله أو أنَّ الله لا يعد على إنجازه ثواباً يُضافُ في كيسٍ محفوظٍ إلى جانبِ أكياسه الأخرى. إلا أنَّ فرحَ صيام رمضان فرحاً أكبرَ مِن أفراح المؤمِن في إنجازاته الأخرى كفرحِهِ في صدق الشهادة ونقاء السريرة، وفرحِهِ في كرمه ومروءته، وشهامته واستغنائه، وفرحه في تعفّفِه وحشمته، وفي صبره وحِلْمه، وفي وفائه وطهارته مِنَ الغيبة والنميمة، والدسيسة والوقيعة، وفرحهِ أنْ هداه الله بتوحيد الطاعة لله، وأن الشرك هو إشراك في الألوهية وفي الطاعة وفي التوجه بالسؤال، وفرحه بالصلاة خمساً في اليوم، والزكاة مرةً في العام، وفي جهاده، وسعيه في رزقه، ورعاية أهله وبرِّه وصلة رحمه والمسلمين، وفرحه بما لا يُعَدُّ مِن أمور تدبير شؤون الحياة بالتزام حكم الله فيها جميعاً لتكون حياته حياة العبادةِ الموصوفة في القرآن الكريم. "...فرحة عند إفطاره..." هي فرحة الفوز في نعيم الحياة، و "... وفرحة عند لقاء ربه" هي فرحة الفوز في نعيم الخلود في رضوان الله؛ بشارةٌ مِن الله ورسوله للصائم الذي يكون صيامه من طريقة الإيمان الذي تحيا به نفسه بشرع الله قبل رمضان وفيه وحتى رمضان التالي.
الله جعلَ مناسبةَ فرحِ الدنيا الأكبر هو يوم الاحتفال بحياة الإنسان على الأرض بنظام الفرح الدائم دوام وجوده، وقد سطَّرَ الله أنَّ للمؤمنين الذين يحيون بشرع الله عيدين للفرح؛ مرتان يتكرر بهما السرور العائد والسرور العائم في كلِّ سنة فقط لا غير، نصَّ عليهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بقوله: « شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَان وَذُو الْحِجَّة ». ننتقل مِن السرور الباقي بشرط الحياة بفكر عيد الفطر لاستكمال فرح الحياة بالعيش بفكر عيد الأضحى أو عيدِ ’’ذي الحِجَّة‘‘ كما سماه الرسول عليه وآله الصلاة والسلام وكما فهمناه: عيد ذي الحجة السرور العائم.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2014, 12:43 PM   #28
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر (8)

________________________
(1) "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده وزدتم بالإكثار مِن التمسك بما ندَبَ إليه مِن العبادات والقربات ومكارم الأخلاق فلعلكم تكونون من الساعين بالشكر الذي يمدحهم الله بفعل الشكر ويخصهم بقوله { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }. الشكر بمعناه مرجعيته الاعتراف بالجميل وهو ما لا يليق بين العبد وربِّه لأن هذا لا يؤدي حقَ الله في جميل صنعه ولا بحبّةِ خردلٍ أو بذرةٍ مِن ذلك. وهو أيضاً ما يحصر جميل صنع الله وفضله على عبده بحدود وهذا محال بشهادة وقائع حياة كل فرد، لذلك لا بدَّ مِن أن تكون مرجعية الشكر هنا كما هي حيثما وردت في القرآن الكريم لتكون في مرجعية العمل. معلوم أن الحياة تقوم بأفعالها الضروري لها وغير الضروري لها مِن كماليات العيش ومستَلحَقاته، وأن قيمة العمل هي بمقدار التزام حكم الله فيه؛ في إباحته أو تحريمه بمعنى أن يقوم به المرء بعد استبيان حكم الله فيه أنه مِن المباحات أو الفروض أو المندوب إليه أو المكروه فعله، فإن قام بالفعل لإباحته أو تركه لتحريمه، أو قام به لفرضه فهو مِن الساعين في شكر الله وهو الفعل الذي تتحقق به نتيجة الفعل التي يريدها الفرد بطريقة يحقِّق بها غاية وجوده السعي في مناكب الحياة بطريقة نوال رضوان الله. هذا الالتزام الدائم بأوامر الله في كيفية تحقيق نتائج الأفعال هو السعي في شكر الله وهو الذي تنطبق عليه " ولعلكم تشكرون " لأنه مهما سعى الإنسان لإيفاء الله حقَّه مِن الطاعة العبادة في أفعاله لا يمكن أن يوفي حقَّ الله في نعمةٍ واحدةٍ مِن نِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ لأنها لا تتعلق بعدد في جنس فقط بل بعددٍ في زمن، وحاجة، ورجاء وهو ما لا يمكن حصره أو الوقوف عنده لأنه يتعلق بطبيعة وجود الحياة والإنسان والمصير. الصلاة والدعاء والتسبيح والعبادات والطاعات والنوافل كل واحدة صيغة مِن صِيَغ الشكر لله لكن حاجة الفرد لشكر الله ليس لها حدود تقف عندها، ولا نتيجة تتحقق به، ولا نهاية لها ُيعذَرُ الفرد عن توقفه بالكدح طوال عمره لاستحقاق نوال رضوان الله في الآخرة. السعي في الحياة بأمور الدنيا هو ِمنَ الطاعة المفروضة ولذلك ليس الفعل بالمطلَق من الشكر مثلما هي العبادات، بل الشكر فيها في كيفية التزامها، فهنا الشكر يكون بالتزام كيفية العمل وهنا يكون من طريقة العيش ولذلك هو ـ الشكر ـ مقياس الإيمان الذي يلتزمه المؤمن في حياته. بقي أن هناك أعمالاً هي بذاتها ’عملُ شكرٍ‘ ليست مِنَ الأعمال المفروضة بذاتها بل هي مِن مثل القِيَم في جنس العمل، كأن تتحقق إحدى القِيَمِ مِن مجرَّدِ القيام بالفعل، هكذا يتحقق الشكر بذات العمل مِن مثل عمل صوم يوم الإثنين والخميس أو التاسع والعاشر من محرَّم، أو القيام في الليل أو الزيادة في الإنفاق في سبيل الله أو الزيادة في الصدقات وأعمال على نحوها هي بذاتها تحقِّقُ قيماً روحية خالصة. القيمة الروحية تختلف عن القيم الإنسانية أو المادية أو الخلقية أنه لا يكون لها قصدُ نتيجة العمل بل قصدها في العمل بذاته بغضِّ النظر عن نتيجته. الفرق بين القصدين أن نتيجة العمل تكون في قصدِ الفاعل بينما عندما يكون قصد الفاعل هو فقط القيام بالعمل أي يسيطر قصدُ العمل على قصد الفاعل بذلك يكون هذا العمل خالصاً لله لا يرجو منه نتيجةً يراها في الدنيا فهو فِعلُ عبادة. مثلاً الفقير يحتاج إلى دينار فأعطاؤه خمسة أو مئة لا يكون قصده تغطية حاجة الفقير أو نتيجةَ العطاء بل يكون قصده الصدقة بالتخلص مِنَ المال لوجه الله لأنَّ الله نَدَبَ إليه وليس لأن نتيجة الصدقة ستغني الفقير عن السؤال.
الآية: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} جاء في تفسيرها: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم. انتهى. هذا التفسير في غاية الدقة البلاغية الجامعة التي تنشأ عن ربط الأمر الإلهي {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} بالواقع {عَلَى مَا هَدَاكُمْ } بالنتيجة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: تكبير الله هو تعظيمه وعندما يربط سبحانه فِعل تعظيمه بواقع الهداية الذي أوجَدَهُ هو سبحانه بين الناس وجعله بمتناول كل فردٍ يقرر صدَّ الشيطان وطرده مِن وجودِهِ الحياتي تكون طريقة التعظيم تحدَّدَت أيضاً مِنَ الله الخالِق وهي: عظِّموا الله بالتزام الهدى الذي أرسله إليكم مع محمَّد رسوله بالقرآن الكريم. وهو ما يحدِّد معنى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أن شكر الله لا يكون إلا بطريقة التعظيم له التي حَصَرَها سبحانه بالتزام هدي القرآن الكريم. وهذا ما يجعل تفسيرها: ’’ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم‘‘ تفسيراً جامعاً لهذا التفصيل في معنى تعظيم الله لأن معنى ذكر الله هو ذكر الله في طاعته بمعرفة جنس العمل أولاً فرضاً أم مباحاً أم محرَّماً: لا بد للإنسان من أن يبحث في العمل أولاً، ثم في معرفة الكيفية التي أمَرَ الشارع التزامها للقيام بالعمل ثانياً، وبراءة نتيجة العمل مِنَ المحرَّمات ثالثاً.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:35 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.