قديم 04-24-2012, 04:32 PM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,195
افتراضي الحضارة الإسلامية


الحضارة الإسلامية
بقلم :حاتم ناصر الشرباتي
يخطئ كثير من الناس فلا يفرقون بين الحضارة والمدنية، فتراهم يطلقون لفظ الحضارة وهم يريدون المدنية، أو المدنية وهم يقصدون الحضارة. أو يقولون أنّ الشعب الفلاني أكثر حضارة من غيره مع أنّ هناك فرق بين الحضارة والمدنية.
فالحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة من وجهة نظر معينة وخاصة، والمدنية هي الأشكال المدنية المحسوسة التي تستعمل في شؤون الحياة، ودوافع الحضارة ومفهومها أنّها لا تكون إلاّ خاصّة، فحضارة كلّ أمّة هي حسب وجهة نظرها النّابعة من صميم عقيدتها، لا تشاركها في ذلك أيُّ أمّة أخرى.
أمّا المدنيّة فيجوز فيها أن تكون خاصّة أو عامّة. فهي خاصّة حين تنتج عن وجهة النّظر أي عن الحضارة كالتماثيل، وهي عامّة حين ينتجها العلم والصناعة وتقدمهم بعيداً عن وجهة نظر معين، وهذا التفريق ضروري بين الحضارة والمدنية. وضروري أيضاً التفريق بين المدنية الناجمة عن الحضارة وبين المدنية الناجمة عن تقدّم العلوم، وهذا التفريق ضروري للمسلم كي يعرف ما يأخذ وما يدع. إذ لا يجوز للمسلم أن يأخذ حضارة غير حضارة الإسلام أصلاً مهما كان المأخوذ منه كثيراً قيلاً. ولا يجوز له بالتالي أن يأخذ من المدنيات الناجمة عن الحضارة الأجنبية. وذلك لتناقض الحضارات الأخرى ومخالفتها للإسلام فلا تأخذ لا هي ولا ما نشأ عنها من مدنية.
والاختلاف والتناقض بين حضارة الإسلام وبين الحضارات الأخرى القائمة الآن – وهي الحضارة الغربية والحضارة الشيوعية – اختلاف أساسي وجوهري لا يمكن معه التوفيق بين حضارة الإسلام وتلك الحضارات أصلاً. لأنّه اختلاف في الأساس الذي تقوم عليه الحضارة، وفي تصوير الحياة الدنيا. وفي معنى السَّعادة للإنسان.
الحضارة الإسلامية أساسها الإيمان بالله عز وجل، وبأنّ الله تعالى جعل للكون والإنسان والحياة نظاماً ملزماً للسير بموجبه. وبأنّه أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام ديناً عاماً للناس جميعاً. مُلزماً لهم السير بموجبه في كلّ أعمالهم، وهو أساس تفكيرهم وأساس عقيدتهم. فأساس الحضارة في الإسلام هو العقيدة الإسلامية، وأمّا تصوير الحياة الدنيا في الحضارة الإسلامية فهو تسيير الأعمال بأوامر الله ونواهيه، أي مزج المادة بالروح. أمّا السّعادة فهي نيل رضوان الله تعالى .... فالسّعادة في نظر المسلم ليست إشباع الجوعات الإنسان، فإشباع الجوعات هو وسيلة لازمة للمحافظة على الإنسان، ولكن لا يلزم من وجودها السّعادة.
فالحضارة الإسلامية في ذلك تخالف الحضارة عند المعسكرين الشّرقي والغربي ، ذلك أنّ أساس الحضارة الغربية هو فصل الدين عن الدولة وعن الحياة. أمّا أساس الحضارة الشيوعية فهو إنكار وجود الله الخالق، واعتبار الدين أفيوناً يخدر الشّعوب مما يعطل أمانيهم وتطلعاتهم، واعتبار المادة هي واجبة الوجود، ومنها تحصل سائر التطورات.
أمّا تصوير الحضارة الغربية للحياة فيقوم على أساس قاعدة المنفعة، فهي مقياس الأعمال في هذه الحضارة، فقيمة العمل أو الشئ عندهم بقدر بما فيه من منفعة. أمّا في الشيوعية فتصوير الحياة بأنّها المنفعة أيضاً مع اختلاف في التفاصيل في فهمهم المنفعة ، وهل هي منفعة الفرد أم منفعة الدولة والجماعة. أمّا السّعادة عند الفريقين فهي تخالف السّعادة في الإسلام لأنها لديهم الأخذ بأكبر نصيب من المتع الجسدية.
إنّ أول ما دخل على المسلمين الخطأ ، وأختلط لديهم الحابل بالنابل كان حين أرادوا أن يأخذوا عن الغرب العلم والأشكال المدنية الناشئة عنه، ولكنهم لم يفرقوا بين الحضارة والمدنية، ولا بين المدنية الناشئة عن الحضارة وبين المدنية الناشئة عن العلم وتقدمه، فكان أول ما أخذوا الحضارة ، أي أخذوا مفاهيم تخالف الإسلام. وأغرقوا في الخطأ حين أخذوها على أنها من الإسلام أو لا تخالفه، ولا يزال من أصعب العقبات التي تواجه المخلصين من أبناء هذه الأمّة الرامين إلى النهوض بها : تصحيح المفاهيم الناشئة عن الخلط بين الحضارة والمدنية.
.
منقول من مجلة " البيادر السياسي، العدد 730، السنة السادسة، 6 كانون أول 1986م.
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:39 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.