قديم 01-05-2018, 04:54 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي العبور الكبير والفرصة السانحة

العبور الكبير والفرصة السانحة

إن موازين القوى، وأوزان الدول التي صنعت عالم القرن العشرين، في حالة تراجع وتحول وانتقال وتحرك، لاسيما بعد عام 2008، وهذه الحالة هي فرصة سانحة من أجل العبور نحو عهد جديد في المستقبل للأمة الإسلامية بخاصة ولكل الدول والشعوب التي تعيش خارج المركز، الذي هو غربي بامتياز، والذي تحكم بموازين القوى والثروة ونظم الحياة، وحتى المعرفة، كان الغرب يصنع العالم على صورته وعلى الشكل الذي يريد ومازال، هذه الحالة الحاضرة اليوم هي فرصة سانحة للهامش كي يبني رؤيته الخاصة ويتفلت من قبضة الكبار المستكبرين، لأن الكبار كل لديه ما يشغله بنفسه، فمنذ أكثر من مئة عام، كان ما يحصل في عالمنا العربي هو انعكاس لإرادة القوى الخارجية، فمرجعيتنا العامة كانت في الخارج، وكانت نقطة انجذبنا في الخارج، فإذا ضعف الخارج من أن يتدخل وضعفت جاذبيته، فهذا مبعث للأمل للعبور من خلال الشقوق والنوافذ التي وجدت في جدار الموقف الدولي، وقد يبدو هذا التفاؤل مثالياً للبعض، ولكنه بالتأكيد أفضل التشاؤم الواقعي المفضي للانتحار والعجز والعزلة، ثم إن الأمة حاولت أن تتأقم مع أغلالها التي وضعها الاستعمار عليها من خلال هذه النظم الوظيفية ولكنا اليوم ودعنا هذه الأغلال، وكسّرنا أبواب السجن الذي وضعنا فيه، بطلاق بائن بينونة كبرى، وأخذنا بالبحث عن طموحنا الذاتي، فالأمة الآن في حالة هجرة جماعية نحو عهد جديد في المستقبل، لأن المستقبل لا تصنعه النخب فحسب، وإنما تصنعه الأمة بكل تكويناتها من بسطائها إلى مفكريها وسياسيها.


إننا نعيش مرحلة انتقال هي الأكبر في تاريخنا المعاصر، لأننا لأول مرة نجد أنفسنا بعد1919 بدون مفهوم الأمة السياسي المتمثل في دولة هي الخلافة الإسلامية، هذا المفهوم الذي شكل عقل الأمة ووعيها، وشكل الdna السياسي للأمة منذ أسست الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، مروراً بالخلافة الراشدة والأموية و العباسية والعثمانية وما بينهما، في عام 1919 هذا المفهوم، أي مفهوم الأمة والخلافة انهار، وانهارت معه تلك الوحدة التي كانت قائمة طبيعية بين المعتقد الديني السياسي الساكن في أعماق الأمة وبين الدولة والقانون المستحدثين اللذين هبط الاستعمار بهما علينا، وأصبح لدينا كيانات جديدة، تسمى الدول القومية القطرية، منبثقة عن حقبة الاستعمار،منفصلة عن فكر الأمة وشعورها، حلت محل الخلافة الإسلامية، واستبدلت بمفهوم الأمة مفهوم الشعب (الباء لغة مع المتروك). كل هذه الدول تعيش حالة انتقال، فهي ليست مستقرة، وعند التأمل فيها تجدها، مشروعاً مؤقتاً، يعيش حالة تسير أعمال بانتظار شيء ما جديد ستؤول إليه. من المؤكد أنه ليس لدى الأمة شعور بأن هذه الكيانات كيانات دائمة تتصف بالشرعية، أو أن لديها وحدها القدرة على البقاء، لأن الاستعمار عندما أنشأها وقسمنا بها، قسمنا إلى قطع كل واحدة منها تتصف بالعجز، والنقص والاحتياج لغيرها، فقد يكون لدى إحداها الثروة ولكن ليس لديها سكان، وأخرى قد يكون لها عمق استراتيجي ولكن ليس لها ثروة، وهكذا، فكل منها ليس لديه الغنية عن الآخر، مما يجعلها غير مستقرة، لا بمفردها ولا بمجموعها.

فنحن في حالة انتقال إلى شيء ما. إن الحالة التي عشناها لقرابة قرن كامل تنهار اليوم أمام أعيننا بمطرقة الثورات، وهذا الانهيار يخلق فراغاً يدفعنا بكل قوة إلى ضرورات فكرية ملحة من أجل ترسية مشروع سياسي أساسي شامل، مشروع مبدئي، يقوم على عقيدة الأمة بما ينبثق عنها من نظام، لنملأ به هذا الفراغ، وننهض به بالأمة، لنكون به خير دولة لخير الأمة، نحن والأمة مسئولون عن تطوير هذا المشروع وتحقيقه، ليكون هذا المشروع قادراً على التعامل مع المستقبل، لا أن يستحضر الماضي وينأسر له، إذ ملاحظ سيطرة الماضي والتاريخ على تفكيرنا، بحيث أنه يعيق نظرتنا إلى المستقبل، مما جعلنا في ثنائية كبرى متناقضة يستحيل النهوض على أساسها، ثنائية أن ما هو شرعي بالنسبة لنا ليس عملياً، وما هو عملي لا يتسم بالشرعية، حيث أن لدينا منظومة ما مستقاة من التاريخ، وعندنا ضرورات ما في واقعنا المعاصر، فعندما نفكر نفكر بعقلنا التاريخي، وعندما نتصرف نتصرف بعقلنا الواقعي، وما بينهما حالة من الانفصام. يجعلنا أمام حالة من العلمانية، لعدم قدرة الأفكار التراثية على أن تكون عملية.


إننا مدعوون بقوة إلى التفكر بالمشروع الذي سيخلف الدول الحالية التي تشكلت في مرحلة ما بعد الاستعمار، والتأمل بما لدينا من فكر متكامل منتَج متبنى، إن هذا المشروع إن كان حزبياً ضيقاً، في عقلية حامليه، أو طائفياً، أو مذهبياً فإنه مشروع محكوم عليه بالفشل، لأنه سينشئ دولة ضيقة لا تتسع للجميع، وبالتالي ستكون دولة حزب أو طائفة، ولن تكون دولة أمة. لذا يجب أن يكون واضحاً في الذهن وفي الممارسة، أن من لا يستطيع احتواء مكونات الأمة بمشروع سياسي واضح لن يستطيع أن ينهض بالأمة، فأي مكون غير مشمول بالمشروع السياسي هذا، سيكون عامل عدم استقرار، وسيبقينا في دوامة البحث عن شيء آخر ننهض على أساسه، إن أي مكون من مكونات الأمة سواء المكون العرقي الفارسي أو التركي أو الكردي أو العربي أو الأفريقي، أو المكون المذهبي الفِرَقي من أشاعرة وماتريدية وسلفية وصوفية وغير ذلك، يمتلك طبيعياً حق النقض الفيتو، وسيكون عاملا يخل باستقرار الجميع. إن لم يشعر هذا المكون بالاستقرار في داخل هذا المشروع، فإن بلا ريب سيعرقل النهضة، وسيفشلها.


إننا نعرض ما لدينا من فكر سياسي، ودستور، مستنبط من الكتاب والسنة، باذلين الوسع ليكون جاسراً للهوة بين الشرعي والعملي، ونعرضه متمسكين بكل ما هو وحي، وغير مأسورين لكل ما هو شكل تاريخي، نعيش بهذه الأفكار المستقبل لا الماضي برؤية جديدة ملتزمة بالوحي، على قاعدة توافقية قائمة على الكتاب والسنة، مستعدين أن نتناقش وأن نتنازل بعض آرائنا من أجل مصلحة الأمة ووحدتها كما فعل عثمان بن عفان وعلى ذات قاعدته التي أجمع الصحابة عليها، بدون جمود وتعصب.
إن البديل عن المشروع السياسي، إن لم ينضج وتكتب له الحياة، هو البقاء في حالة عدم استقرار، وحرب طاحنة كحرب الثلاثين سنة في أوروبا،التي استمرّت 30 عاما ما بين عام 1618 وعام 1648، وكانت حصيلتها تدمير أوروبا وقتل قرابة ثلث سكانها، انتهت هذه الحرب بتصالح سمي معاهدة «ويستفانلي» للسلام عام 1648، فلنحاول اختصار الدماء والدمار على أنفسنا، باصطلاح على مشروع ينبثق عن إسلامنا مستعوعب لمكونات الأمة وضرورات العصر والعالم،إن عالمية الإسلام حتى تطبق عملياً، تتطلب وعيا عميقا به وفهما واسعا للزمان والحاضر كي يكتب لها الاستقرار والنجاح، وكي تُنهي مسلسل الدمار والدماء، إن مستقبل الإسلام في الأمة والعالم يرتبط بالتفاعل بينهما.

وأختم بالقول، إن النبي عليه السلام، في حديث حذيفة قال: (... ثم تكون ملكاً جبرية (ثم) تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة)، فنحن اليوم في مرحلة (ثم)، وهي مرحلة تلقي عن نفسها أغلال وثقافة ونظم وولاءات حالة الحكم الجبري الدكتاتوري البوليسي المستبد العلماني المستوطن في بلادنا، وتستعد للهجرة والانتقال نحو عهد جديد مستقل، يحقق للأمة ذاتيتها وإرادتها، يلتزم بالمنهجية النبوية الكفيلة بجعله نظاماً راشداً، تنهض به وفيه الأمة، ويفيض خيره على الإنسانية، إن التدافع الحالي الفكري والسياسي الدموي، والتساؤلات الأساسية الشاملة المطروحة في الأمة حول الدين والسياسة والأمة والمستقبل، سنة الله في خلقه، ويبدو أن الأمة لن تستطيع العبور نحو المستقبل إلا عندما تكون متأهلة لنصر الله و متأهلة لقيادة نفسها والبشرية، وحتى تصل إلى هذا التأهيل لا بد لها من أن تدفع فاتورته المؤلمة.
نسأل الله تعالى أن يقن الدماء، ويعجل بالفرج، بخلافة راشدة على منهج النبوة، نعبر بهدي النوة نحو مستقبل مشرق عزيز، يرضي الله، وينقذ الأمة والبشرية.
اللهم تقبل منا هذه الكلمات،وجعلها معينة إعلى السداد في القول والعمل، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أبو الهمام الخليلي

أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
الخلافة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:21 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.