قديم 10-28-2014, 12:34 PM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي ألفقه


ألفقه

.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:36 PM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي


ألفقه

الفقه في اللغة الفهم، ومنه قوله تعالى { ما نفقه كثيرا مما تقول } أي لا نفهم. وفي عرف المتشرعين الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال. والعلم بالأحكام الشرعية قد بدأ منذ أن بدأت هذه الأحكام الشرعية، وذلك بعد الهجرة من مكة إلى المدينة. ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث وأقام في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم أقام في المدينة نحو عشر سنين، وكان القرآن ينزل طوال هذه المدة، غير أن آيات الأحكام إنما كانت تنزل في المدينة. ففي هذه المدة كان ينزل القرآن ويتحدث به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالأحكام المتعلقة بما يحوي من حوادث، والمعالجة لما يحصل من مشاكل.

والقسم الذي نزل بمكة يقرب من ثلثي القرآن وسميت آياته مكية، وهي في مجموعها لا تكاد تتعرض لشيء من الأحكام، وإنما تقتصر على بيان أصول الدين والدعوة إليها كالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، والأمر بالصلاة، والاتصاف بالصفات الخلقية كالصدق والأمانة، والنهي عن الأعمال المسيئة كالزنا والقتل ووأد البنات، والتطفيف في الكيل والميزان، وما شابه ذلك. والقسم الثاني الذي نزل في المدينة يقارب ثلث القرآن وسميت آياته مدنية. وهي آيات الأحكام من معاملات كالبيع والإجارة والربا، ومن حدود كحد الزنا وحد السرقة، ومن جنايات كقتل القاتل العمد وعقوبة قطاع الطرق، ومن بينات كشهادة الزنا وسائر الشهادات. ونزل كذلك باقي أحكام العبادات كالصوم والزكاة والحج والجهاد. ومن ذلك يتبين أنه وإن نزلت في مكة أحكام الصلاة، فإنها لا تشكل علما بجملة من الأحكام، وإنما علم بنوع من الأحكام. أما ما نزل في المدينة فهو كل الأحكام. ولذلك يعتبر العلم بها فقها. ومن هنا كان الأدق أن نقول أن الفقه بدأ في المدينة. ولما كان الفقه أحكاما عملية كانت الأحكام تنزل لمعالجة وقائع تحدث، فكانت آيات الأحكام أكثر ما تكون بمناسبة حوادث تحدث، فيتحاكم المتخاصمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقضي بينهم بما أنزله الله عليه من أحكام، أو بمناسبة مشاكل تحتاج إلى معالجة فتنزل الآية أو الآيات ناطقة بالحكم، وهذا هو معنى نزول القرآن منجما. ومن هنا كانت الناحية التشريعية بارزة في نزول الآيات، فهي لم تعالج فروضا يمكن أن تحدث، بل عالجت مسائل حدثت بالفعل، ومشاكل تحدث بين الناس حقيقة. وقد ظل القرآن ينزل إلى السنة التي التحق فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى. فأكمل الله الدين وأتمه، وأنزل عليه آخر آية وهي قوله تعالى في سورة البقرة { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا }

وبذلك كملت الأحكام من حيث هي، واشتمل القرآن وأعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأقواله وتقريراته، على أحكام لجميع ما يصدر عن الإنسان من أنواع الأعمال، من عبادات كالصلاة والزكاة، ومن خلق كصدق وأمانة، ومن معاملات كبيع وإجارة، ومن عقوبات كقتل وسرقة، ومن بينات كأحكام الشهادات وأحكام الوثائق الخطية، ومن شؤون سياسية تتعلق بالسياسة الداخلية كأحكام الخليفة وأحكام القضاء، أو تتعلق بالسياسة الخارجية كأحكام المحاربين والمعاهدات. وبذلك وجد الفقه الإسلامي بوجود الأحكام الشرعية، لأن الفقه علم بجملة من الأحكام الشرعية.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:42 PM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي نُشوءُ ألفقه (1)


نُشوءُ ألفقه
الفقه من أجل المعارف الإسلامية وأعظمها تأثيرا على المجتمع، وهو من أهم فروع الثقافة الإسلامية. ذلك أن الثقافة الإسلامية هي الكتاب والسنة وما استمد منهما ووضع من أجل فهمهما، وهي وأن شملت علوم اللغة العربية، وعلوم الحديث، وعلوم التفسير، فإن أبرز ما تظهر فيه الأفكار التي تتصل بوجهة النظر في الحياة، والمعالجات التي تعالج مشاكل الحياة، وبعبارة أخرى تظهر في العقائد والأحكام الشرعية، لأنها وهي ثقافة عملية تؤخذ لمواجهة مشكلات الحياة، تحوي أكثر ما تحوي أفكار العقائد والمعالجات، أي الأحكام. وما الفقه إلا العلم بهذه الأحكام.

وتبتدئ الثقافة الإسلامية، ويبتدئ تعلم الأحكام الشرعية منذ بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم - وحده المرجع للأحكام الشرعية، لأنه أرسل ليعلم الناس دين الله. قال تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } وقال تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } . ولم يكن لأحد غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين أن يستقل بإعطاء رأي في أي وجهة نظر أو في أي حكم. لأنه مع وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم وتيسر رجوعهم إليه فيما يعرض لهم لا يسوغ لأي واحد أن يعطي رأيا من عنده، في أي حادثة من الحوادث. ولذلك كانوا إذا عرضت الحادثة، أو شجر خلاف، أو خطر لأحدهم خاطر، رجعوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو يعطيهم الرأي، ويفصل بينهم، ويجيب على أسئلتهم، تارة بآية وتارة بحديث. أما ما ورد من أن بعض الصحابة اجتهد في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقضى باجتهاده في بعض الخصومات، أو استنبط باجتهاده حكما في بعض الوقائع، فإن ذلك لم يجعل هذه الاجتهادات مصدرا للأحكام الشرعية، وإنما كانت فهما للشريعة، وبأمر من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهي تطبيق للشريعة، وهي مستمدة من الكتاب والسنة كما فهمها هؤلاء المجتهدون. ويدل على ذلك الوضع الذي حصلت فيه هذه الاجتهادات. فقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن قاضيا وقال له (إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء) أخرجه أبو داود عن علي بن أبي طالب.

وورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وقال له (كيف تقضي إن عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم يكن في كتاب الله قال فسنة رسول الله قال فإن لم يكن في سنة رسول الله قال أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب صدري فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله) أخرجه أحمد عن معاذ. وورد أن قوما اختصموا في خص كان بينهم، فبعث حذيفة يقضي بينهم. وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص (أحكم في هذه القضية. فقال عمرو أأجتهد وأنت حاضر؟ قال نعم، إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر).
فهذا كله ومثله يدل على أن ما حصل في أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - من اجتهادات تصدر عن المسلمين في عهده، إنما كانت بأمره - صلى الله عليه وسلم - ولذلك كان هو مصدرها. وعلى هذا فإن عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان عهد وجود مصدر الثقافة الإسلامية كلها. واستمر ذلك منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم - حتى وفاته، في مدة لا تزيد على اثنتين وعشرين سنة وبضعة شهور، نزل فيها القرآن كله، وتمت بها السنة الشريفة، وهما النص الوحيد الذي يعتبر مصدرا للإسلام أفكارا وأحكاما وثقافة.

وبوفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في السنة الحادية عشرة للهجرة، ابتدأ عهد الصحابة، وهو عهد التفسير، وفتح أبواب الاستنباط فيما لا نص فيه من الوقائع. وقد رأى الصحابة أن نصوص القرآن والسنة لم تكن قد نشرت جميعها بين المسلمين نشرا عاما يجعلها في متناول كل واحد منهم. لأن نصوص القرآن كانت مدونة في صحف خاصة محفوظة في بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومحفوظة في بيوت بعض الصحابة. والسنة لم تكن مدونة بعد. ورأوا أن نصوص الكتاب والسنة شرعت أحكاما لحوادث وأقضية وقعت حين تشريعها، ولم تشرع أحكاما لحوادث فرضية يحتمل وقوعها. وقد طرأت للمسلمين حاجات وحوادث وأقضية لم تطرأ في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يوجد فيها خلفه من نصوص ما ينص على حكمها، كما رأوا أن نصوص الكتاب والسنة ليس كل واحد من المسلمين أهلا لأن يرجع إليها بنفسه ويفهم ما تدل عليه من الأحكام. لأن فهم العامة الذين لا يتوصلون لفهم النصوص إلا بواسطة من يفهمهم إياها يقتضي وجود من يفهم الناس أحكام الإسلام. لذلك أدركوا أن عليهم أن ينشروا بين المسلمين القرآن الكريم وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقاموا بجمع القرآن ونسخوا عنه النسخ الكثيرة ونشرت بين المسلمين، واتخذوا الاحتياطات التي تكفل الوثوق من رواية السنة وتحري الرواة في نقلها. وأدركوا أيضا أن عليهم أن يبينوا للمسلمين ما يحتاج إلى التبيين والتفسير من نصوص الكتاب والسنة. فأخذوا يعلمون الناس الدين. ثم رأوا أن يفتوا الناس فيما يطرأ عليهم من الوقائع والأقضية التي لا نص فيها. فأخذوا يستنبطون الأحكام التي تلزم للمسائل التي تحدث، وبذلك قاموا بواجب الدين خير قيام.

وقد كانت الطريقة التي سار عليها الصحابة في الأحكام الشرعية، هي أنهم إذا وجدوا نصا في القرآن أو السنة يدل على حكم الواقعة التي طرأت لهم وقفوا عند هذا النص، وقصروا جهودهم على فهمه والوقوف على المراد منه، ليصلوا إلى تطبيقه على الواقع تطبيقا صحيحا. وإذا لم يجدوا نصا في القرآن والسنة يدل على حكم ما عرض لهم من الوقائع، اجتهدوا لاستنباط حكمه. وكانوا في اجتهادهم يعتمدون على فهمهم لنصوص الشريعة، ومعرفتهم فيها، التي اكتسبوها من مشافهة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومشاهدتهم لنزول الآيات وتطبيقها على الوقائع. ويلاحظ من تتبع الوقائع التي اجتهدوا فيها، أنهم كانوا يقيسون ما لا نص فيه على ما فيه نص، ولا يعتبرون جلب المصلحة ودرء المفسدة علة للأحكام. وكانوا يعتبرون المصلحة التي دل عليها الشرع هي المصلحة، وكانوا يقيسون المصالح التي لم يرد نص عليها على المصالح التي فيها نص. وما كانوا يقولون برأيهم في المصلحة، لأن القول بالرأي منهي عنه. وقد نقل المؤرخون والمحدثون والفقهاء كثيرا من اجتهادات الصحابة، ومنها يتبين مبلغ تقيدهم بالشريعة، ومبلغ انطلاقهم في فهم الشريعة. فقد وقعت لعمر قصة رجل قتلته امرأة أبيه وخليلها. فتردد عمر: هل يقتل الكثير بالواحد؟ فقال له علي: أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوا وهذا عضوا، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، قال: فكذلك. فعمل عمر برأي علي وكتب إلى عامله: أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلهم. ولما اختلفوا في المسألة المشركة وهي التي توفيت فيها امرأة عن زوج وأم واخوة لأم واخوة أشقاء. كان عمر يعطي الزوج النصف، وللأم السدس، وللاخوة لأم الثلث، فلا يبقى شيء للاخوة الأشقاء. فقيل له: هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة؟ فعدل عن رأيه وأشرك بينهم. وكانوا يتعرفون المصلحة التي جاء النص من أجلها، إذا كانت تفهم من النص. من ذلك أن الله تعالى قال { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم } . فجعل الله المؤلفة قلوبهم مصرفا من مصارف الزكاة. وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي بعض الناس يتألف قلوبهم للإسلام، وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - روي عن عمر أنه منع إعطاء المؤلفة قلوبهم وقال لهم (إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم فإن ثبتم عليه وإلا فبيننا وبينكم السيف). فرأى عمر أن تأليف القلوب كان لضعف الدولة لأن كلمة تأليف القلوب تدل على ذلك، إذ متى تتألف القلوب إلا في حالة حاجتك إليها؟ فرأى عمر أن الحاجة إلى تأليف قلوبهم قد انتهت بعزة الإسلام، وعدم حاجته إلى من تتألف قلوبهم فذهبت العلة، وبذلك يذهب الحكم.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:44 PM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي نُشوءُ ألفقه (2)

وكان الصحابة يتحرون ويسألون عن النصوص الشرعية من الناس فيما لم يعرفوا. فقد كانوا رضوان الله عليهم وهم مجتمعون في الحجاز يبحثون في الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فيهما حكم المسألة التي يبحثون عنها سألوا المسلمين عما إذا كان يعلم أحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قضى في هذه المسألة بقضاء. ولذلك كان يرجع بعضهم إلى بعض، ويجتمعون لبحث قضيته وإعطاء رأي فيها. وقد كان أبو بكر وعمر يستنبطان الأحكام ويرجعان إلى الناس. فقد روى البغوي في مصابيح السنة قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يوجد في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر (الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا). فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع رؤوس الناس وخيارهم، فاستشارهم فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وروي أن عمر كان يستشير الصحابة مع فقهه، حتى كان إذا رفعت إليه حادثة قال (ادعوا لي عليا وادعوا لي زيدا) فكان يستشيرهم ثم يفصل فيما اتفقوا عليه. وبهذه الطريقة من رجوع الصحابة لبعضهم، كان الاختلاف في الآراء بين الصحابة نادرا، لأن كل واحد منهم يبدي للآخر ما عنده من وجوه النظر، وما يستدل به من أدلة. ووجهتم جميعا الحق والصواب، ويرجع بعضهم إلى بعض. وإنهم وإن اختلف رأيهم في بعض الأحكام، ولكنه اختلاف نادر واختلاف في الفهم لا في طريقة الفهم.

ولما اتسعت الفتوحات وتفرق الصحابة في مختلف الأمصار، وصار غير ميسور أن يجتمع هؤلاء الصحابة كلما عرضت واقعة لا نص فيها، انفرد كل صحابي في إعطاء رأيه، دون أن يبديه لغيره، أو يرجع إلى غيره، لتعذر الاجتماع مع تباعد الأمصار، وضرورة إعطاء الرأي في الحادثة الواقعة في المصر ليقضي بها. وقد كان بكل مصر من أمصار المسلمين واحد أو أكثر من الصحابة، وكانوا المرجع في الأحكام، فكانوا يستنبطون الأحكام التي لا نص فيها، ويتولون بيان وتفسير النصوص كما يتولون تعليم الناس الكتاب والسنة. ولم تكن السنة قد دونت بعد، لذلك اختلفت آراء الصحابة في الواقعة الواحدة وكان لكل منهم دليل على الرأي الذي استنبطه وأفتى به. إلا أن جميع هذه الآراء أحكام شرعية مقبولة عندهم جميعا لأن اختلافهم إنما كان في الفهم فقط. أما طريقتهم في الاجتهاد فهي واحدة، وهي اعتبار النص من القرآن والحديث والتحري عن النصوص، وجعل المصالح المعتبرة هي المصالح التي دل عليها الشرع، وقياس المسائل والمصالح. فكانت وحدة طريقتهم في الاجتهاد لا تجعل لهذا الاختلاف في الفهم أي أثر. بل على العكس كان سببا من أسباب نمو الفقه واتساعه. وكانت فتاويهم على قدر ما وقع من الحوادث والأقضية. ولم تتسع مسافات الخلاف بينهم ولم تتجاوز الفروع. ويرجع سبب الاختلاف في الفروع بين الصحابة إلى سببين اثنين:
الأول - أن أكثر نصوص القرآن والسنة ليست قطعية الدلالة على المراد منها بل هي ظنية الدلالة. وكما تحتمل أن تدل على هذا المعنى، تحتمل أن تدل على معنى آخر بسبب أن في النص لفظا مشتركا لغة بين معنيين أو أكثر، أو أن لفظا عاما يحتمل التخصيص، فكل مجتهد منهم يفهم حسب ما ترجح عنده من القرائن.

الثاني - أن السنة لم تكن مدونة، ولم تجمع الكلمة على مجموعة منها وتنتشر بين المسلمين، لتكون مرجعا لهم على السواء، بل كانت تتناقل بالرواية والحفظ. وربما علم منها المجتهد في مصر، ما لم يعلمه المجتهد في دمشق. وكثيرا ما كان يرجع بعض المجتهدين منهم عن فتواه، إذا علم من الآخر سنة لم يكن يعلمها. فأدى ذلك إلى الاختلاف في الفروع، ولكن الأدلة والأصول لم يختلفوا فيها، ولذلك لم تختلف طريقتهم في الاجتهاد.

وبالجملة كان الصحابة رضوان الله عليهم علماء بالشريعة. فقد تعلموا القرآن وتلقوا الحديث، واطلعوا بأنفسهم على تنفيذ أحكام الإسلام، باختلاطهم بصاحب الرسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. وكانوا يحكمون الناس ويقضون بينهم ويعلمونهم دينهم، وكانوا لأهل البلاد التي يسكنونها منارا وعلى الشريعة أمناء، وفي الدعوة إلى الإسلام مؤمنين صادقين. يقرئون الناس القرآن ويعلمونهم الشرائع والأحكام. وكانوا يسيرون في تعليم الناس الإسلام سيرا عمليا. فيعلمون الناس الإسلام وأحكامه، والطريقة التي ينتفعون بها في معالجة مشاكل الحياة بتلك الأحكام، فكانوا حكاما، وكانوا في نفس الوقت معلمين. وأقبل الناس على الصحابة يتلقون عنهم الثقافة، ويأخذون الإسلام، ويفهمون الأحكام. وقد أطلق على ما بينوه من آراء في الأحكام (فتاوى)، وحفظت الفتوى عن مائة ونيف وثلاثين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين رجل وامرأة. وكان أكثرهم في ذلك علما وإعطاء رأي سبعة، أطلق عليهم أنهم المكثرون وهم: عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر، وكان الخلفاء والولاة وسائر الحكام فقهاء في الأحكام، علماء بالشريعة، مشتغلين بالفتوى، ولذلك كان الإسلام يتجسد فيهم. فعقولهم عامرة بثقافته، وأفكارهم تصدر عن هذه الثقافة، ومفاهيمهم التي يصدقونها معان لهذه الأفكار، وهم الذين ينفذون هذه الأوامر والنواهي والأحكام. فكان الخليفة والوالي يفكر ويعمل، ويفهم ويحكم. ولذلك كانت أعمالهم صائبة، وأمورهم مستقيمة، ونفوسهم سامية، ولهجاتهم في الحديث إلى الناس صادقة، وأحكامهم ملتزمة خطة الإسلام بكل دقة. وقد لزم الصحابة جماعة من التابعين وأخذوا عنهم القرآن ورووا عنهم السنة وحفظوا فتاويهم، وفهموا طرق استنباطهم للأحكام. ومنهم من كان يفتي في حياة الصحابة مثل سعيد بن المسيب في المدينة، وسعيد بن جبير في الكوفة. ولذلك نجد حين انقرض

الصحابة، خلفهم في الفقه والاستنباط التابعون، فكانوا يستنبطون الأحكام حسب اجتهادهم. وكانوا ينظرون أولا في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يجدوا فيهما يدرسوا فتاوى الصحابة. وكانت لهم أراء في فتاوى الصحابة من الناحية الفقهية ويرجحون قولا على قول، ويأخذون بقول بعضهم، وقد يخالفون الصحابة. وكانت طريقة استنباط الأحكام عند التابعين هي طريقة الصحابة، ولذلك كانت فتاويهم على قدر ما وقع من الحوادث والأقضية، دون وجود أي فرض من الفروض، بل بقدر الحوادث تجد الفتاوى. ولم تتسع مسافات الخلاف بينهم، ولم تتجاوز أسباب الخلاف التي اختلف عليها الصحابة، وهي تتعلق بفهم النص لا في الأدلة الشرعية. ولذلك لم يكن بين المسلمين أي خلاف له أي أثر في الحياة.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:52 PM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي أثر المنازعات والمناظرات في الفقه الإسلامي (1)


أثر المنازعات والمناظرات في الفقه الإسلامي
لقد وقع في عهد الصحابة والتابعين حادثان: أحدهما فتنة عثمان، والثاني المناظرات التي حصلت بين العلماء. فنتج عن ذلك اختلاف في أنواع الأدلة الشرعية، أدى إلى وجود أحزاب سياسية جديدة، وأدى إلى وجود مذاهب فقهية متعددة. وذلك أنه بعد أن قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبويع بالخلافة علي بن أبي طالب، ونازعه عليها معاوية بن أبي سفيان، واشتعلت الحرب بين الفريقين وانتهت إلى تحكيم الحكمين، نتج عن هذا أن نشأت أحزاب سياسية جديدة لم تكن من قبل، وصارت لهذه الأحزاب آراء جديدة. وقد ابتدأ الرأي سياسيا بشأن الخليفة والخلافة، ثم شمل كثيرا من سائر الأحكام. فقد نشأت جماعة من المسلمين نقموا من عثمان سياسته في خلافته، ونقموا من علي قبوله التحكيم، ونقموا من معاوية توليه الخلافة بالقوة. فخرجوا عليهم جميعا. وكان رأيهم أن خليفة المسلمين يجب أن يبايعه المسلمون بمحض اختيارهم دون إكراه ولا إجبار. وأن كل من توفرت فيه الكفاية للخلافة يصح أن يكون خليفة، وأن يبايعه المسلمون وتنعقد الخلافة له ببيعته ما دام رجلا مسلما عدلا، ولو كان عبدا حبشيا. وأنه لا تجب طاعة الخليفة إلا إذا كان أمره في حدود الكتاب والسنة. وكان هؤلاء لا يأخذون بالأحكام التي وردت في أحاديث رواها عثمان أو علي أو معاوية، أو رواها صحابي ناصر واحدا منهم، وردوا كل أحاديثهم وآرائهم وفتاويهم. ورجحوا كل ما رووا عمن يرضونهم، ويعتبرون آرائهم، وعلماؤهم دون غيرهم، ولهم فقه خاص، وهؤلاء هم الخوارج. ونشأ جماعة أخرى من المسلمين أحبوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأحبوا ذريته، ورأوا أنه وذريته أحق بالخلافة من كل أحد. وأنه هو الوصي الذي أوصى إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخلافة من بعده. وقد ردوا أحاديث كثيرة رواها عن الرسول- صلى الله عليه وسلم - جمهور الصحابة. ولم يعولوا على أراء الصحابة وفتاويهم، وعولوا فقط على الأحاديث التي رواها أئمتهم من آل البيت، والفتاوى التي صدرت عنهم، وكان لهم فقه خاص، وهؤلاء هم الشيعة. وأما جمهرة المسلمين فإنهم لم يذهبوا لما ذهبت إليه الأحزاب المذكورة، ورأوا أن الخليفة يبايع من قريش إن وجد، ويحملون كل إكبار ومحبة وولاء لجميع الصحابة دون استثناء، ويؤولون ما كان بينهم من خصومات بأنها كانت اجتهادية في أحكام شرعية ظنية، لا ترتبط بكفر وإيمان. وكانوا يحتجون بكل حديث صحيح رواه صحابي بلا تفريق بين الصحابة، إذ الصحابة عندهم كلهم عدول، ويأخذون بفتاوى الصحابة وآرائهم جميعا. وبهذا كانت أحكامهم لا تتفق مع أحكام الأحزاب السياسية الأخرى في عدة موضوعات، لاختلافهم في الحكم، وفي طريقة الاستنباط، وفي أنواع الأدلة.
ومن ذلك يتبين أن الفتنة حين حصلت أوجدت حالة سياسية وفقهية أدت إلى اختلاف كان له أثره في التاريخ، ولكنه لم يكن اختلافا على الشريعة وإنما كان اختلافا في فهم الشريعة. ولذلك كان المختلفون جميعهم مسلمين، وإن تجاوز اختلافهم الفروع والأحكام، إلى الأصول والأدلة وطريقة الاستنباط.

أما المناظرات التي حصلت بين العلماء، فقد أدت إلى اختلافات فقهية، ولم تؤد إلى اختلافات سياسية. لأنها لم تكن اختلافا في الخليفة والخلافة ونظام الحكم، وإنما كانت اختلافا في الأحكام وطريقة استنباطها. وأساس ذلك أنه قد وقعت بين بعض المجتهدين مناظرات واختلافات، أدت إلى وجود اختلاف بينهم في طريقة الاجتهاد. فقد وقعت في المدينة بحوث إسلامية في استنباط الأحكام بين ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبين محمد بن شهاب الزهري، أدت إلى أن كثيرين من فقهاء المدينة كانوا يفارقون مجلس ربيعة، وإلى أنهم لقبوه بربيعة الرأي. ووقع في الكوفة مثل هذا بين إبراهيم النخعي وبين الشعبي. فتكونت من هذه المناظرات عدة آراء في طريقة استنباط الأحكام، حتى صار المجتهدون مختلفي الطرق في الاجتهاد. وفي منتصف القرن الثاني للهجرة برزت هذه الطرق في الاجتهاد، وبرز الاختلاف بينها، وتكونت عدة آراء. وكان يلازم التابعين جماعة من العلماء والمجتهدين، فساروا على طريقتهم. إلا أن الذين جاءوا بعدهم اتسعت مسافة الخلاف بينهم، ولم تقف أسباب اختلافهم عند حد الفهم، بل تجاوزوها إلى أسباب تتصل بالأدلة الشرعية والمعاني اللغوية. وبهذا كان اختلافهم في الفروع والأصول، وصاروا فرقاء لكل فريق مذهب، فتكونت من جراء ذلك المذاهب، وكانت كثيرة أكثر من أربعة وخمسة وستة ويزيد. ويرجع اختلاف طريقة الاجتهاد عند المجتهدين إلى اختلافهم في أمور ثلاثة: الأول في المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، والثاني في النظرة إلى النص الشرعي، والثالث في بعض المعاني اللغوية التي تطبق في فهم النص.
أما الأول فهو يرجع إلى أربعة أمور:

1- طريق الوثوق بالسنة والميزان الذي ترجح به رواية على رواية. وذلك أن الوثوق بالسنة يقوم على الوثوق بروايتها وكيفية روايتها. وقد اختلف المجتهدون في طريق هذا الوثوق. فمنهم من يحتجون بالسنة المتواترة والمشهورة، ويرجحون ما يرويه الثقات من الفقهاء. وترتب على هذا أنهم جعلوا المشهور في حكم المتواتر، وخصوا به العام في القرآن. ومنهم من يرجحون ما عليه أهل المدينة بدون اختلاف، ويتركون ما خالفه من خبر الآحاد. ومنهم من يحتجون بما رواه العدول الثقات سواء أكانوا من الفقهاء أم من غير الفقهاء، ومن آل البيت أو من غيرهم، وافق عمل أهل المدينة أو خالفه. ومنهم من يرى أن رواة الحديث غير معتبرين، إلا إذا كانوا من أئمتهم، ولهم طريقة خاصة في رواية الحديث وفي اعتباره وفي الأخذ به، ولهم رواة معينون يعتمدونهم ولا يعتمدون غيرهم. وقد اختلف بعض المجتهدين في الحديث المرسل، وهو ما رواه التابعي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة مسقطا الصحابي، فمن المجتهدين من يحتج بالحديث المرسل، ومنهم من لا يحتج به.
فهذا الاختلاف في طريق الوثوق بالسنة أدى إلى أن بعضهم احتج بسنة لم يحتج بها آخر، وبعضهم رجح سنة مرجوحة عند الآخر. وهذا حمل على الاختلاف في الكيفية التي تتخذ فيها السنة دليلا شرعيا، فحصل الخلاف في الأدلة الشرعية.

2- في فتاوى الصحابة وتقديرها. فإن المجتهدين والأئمة اختلفوا في الفتاوى الاجتهادية التي صدرت من أفراد الصحابة، فمنهم من يأخذ بأي فتوى من هذه الفتاوى، ولا يتقيد بواحدة معينة، ولا يخرج عنها جميعها. ومنهم من يرى أنها فتاوى اجتهادية فردية، صادرة من غير معصومين، فله أن يأخذ بأي فتوى منها، وله أن يفتي بخلافها كلها، ويرى أنها أحكام شرعية مستنبطة لا أدلة شرعية. ومنهم من يرى أن بعض الصحابة معصوم يؤخذ رأيه دليلا شرعيا، فأقواله أقوال النبي وأفعاله أفعال النبي وتقاريره تقارير النبي. أما غيره من الصحابة فهو غير معصوم، فلا يؤخذ رأيه مطلقا، لا باعتباره دليلا شرعيا، ولا باعتباره حكما شرعيا. ومنهم من يرى أن بعض الصحابة لا يؤخذ عنهم لاشتراكهم في الفتنة، والذين لم يشتركوا في الفتنة يؤخذ عنهم. ومن هنا نشأ وجه آخر من اختلاف الرأي في الأدلة.
3- في القياس. فإن بعض المجتهدين أنكروا الاحتجاج بالقياس، ونفوا أن يكون دليلا شرعيا. ومنهم من يحتجون بالقياس وعدوه دليلا شرعيا بعد القرآن والسنة والإجماع. ولكنهم مع اتفاقهم على أنه حجة اختلفوا فيما يصلح أن يكون علة للحكم. وما يبنى عليه القياس. ومن هنا نشأ اختلاف الرأي في الأدلة.

4- الإجماع. اتفق المسلمون على اعتبار الإجماع حجة. فمنهم من يرى أن إجماع الصحابة حجة، ومنهم من يرى إجماع آل البيت حجة، ومنهم من يرى أن إجماع أهل المدينة حجة، ومنهم من يرى أن إجماع أهل الحل والعقد حجة، ومنهم من يرى أن إجماع المسلمين حجة. ومن هؤلاء من يرى أن الإجماع حجة لأنه اجتماع الرأي، ولذلك لو اجتمعوا وأعطوا رأيا يعتبر إجماعا يحتج به. ومنهم من يرى أن الإجماع المعتبر حجة لا لأنه اجتماع الرأي بل لأنه يكشف عن دليل. فالصحابة أو آل البيت أو أهل المدينة قد صحبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورأوه، وهم عدول، فإذا قالوا برأي شرعي ولم يرووا دليله اعتبر قولهم هذا كاشفا أن هذا القول قد قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو عمله، أو سكت عنه، فرووا الحكم ولم يرووا الدليل لشهرته لديهم. ولذلك كان معنى كون الإجماع عندهم حجة أنه يكشف عن دليل. ولذلك لا يعتبر اجتماعهم وتذاكرهم في أمر ثم إعطاء رأيهم إجماعا، بل الإجماع هو أن يقولوا الرأي دون توافق عليه. ومن هنا جاء أيضا اختلاف الآراء في الأدلة.

فهذه الأمور الأربعة باعدت شقة الخلاف بين المجتهدين، فلم تعد اختلافا في فهم النص، كما كانت الحال في عصر الصحابة والتابعين، بل تجاوزت ذلك إلى الاختلاف في طريقة الفهم. وبعبارة أخرى لم يعد اختلافا في الأحكام، وإنما تجاوز ذلك وصار اختلافا في طريقة استنباط الأحكام. ولذلك نجد أن بعض المجتهدين يرى أن الأدلة الشرعية هي الكتاب والسنة وقول الإمام علي رضي الله عنه وإجماع آل البيت والعقل. وبعضهم يرى أن الأدلة الشرعية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا. وبعضهم يرى أن الأدلة الشرعية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال. ومنهم من يرى أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع. ومنهم من يرى أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة الخ... ولذلك اختلفوا في الأدلة الشرعية، فادى ذلك إلى اختلاف طريقة الاجتهاد.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:53 PM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي أثر المنازعات والمناظرات في الفقه الإسلامي (2)

أما الأمر الثاني الذي يرجع إليه اختلاف طريقة الاجتهاد فهو النظرة إلى النص الشرعي، فإن بعض المجتهدين يتقيد بفهم العبارة التي ترد في النص الشرعي، ويقف عند حد المعاني التي تدل عليها ويتقيدون بها، وسموا أهل الحديث. وبعضهم ينظر إلى ما تدل عليه العبارة التي ترد في النص من معان معقولة زيادة على معاني الألفاظ، وسموا أهل الرأي. ومن هنا قال الكثيرون أن المجتهدين انقسموا إلى قسمين: أهل الحديث وأهل الرأي. وليس معنى هذا الانقسام أن أهل الرأي لا يصدرون في تشريعهم عن الحديث، وأن أهل الحديث لا يصدرون في تشريعهم بالرأي بل كلهم يأخذ بالحديث والرأي لأنهم جميعا متفقون على أن الحديث حجة شرعية، وأن الاجتهاد بالرأي بفهم معقول النص حجة شرعية. والذي يبدو للمدقق أن القضية ليست أصحاب الحديث أو الرأي، وإنما القضية هي البحث في الدليل الذي يستند إليه الحكم الشرعي. وذلك أن المسلمين يستندون إلى كتاب الله وسنة رسوله فإن لم يجدوا ذلك فيهما صريحا، أعملوا رأيهم في استنباط ذلك منهما، فكان الحكم الذي يرد في كتاب الله صريحا مثل { وأحل الله البيع وحرم الربا } يعتبر دليله كتاب الله. والذي يرد في الحديث صريحا مثل ما أخرجه مسلم عن ابن عمر لا يبع الرجل على بيع أخيه) يعتبر دليله حديثا. وأما ما عدا ذلك، مثل تحريم الإجارة عند آذان الجمعة، ومثل جعل الأرض المفتوحة رقبتها لبيت المال ومنفعتها للناس وما شاكل ذلك، يعتبر رأيا ولو كان مستندا إلى الكتاب والسنة. ولهذا كانوا يدعون كل ما لم يكن فيه نص صريح رأيا، وإن عمل فيه بواسطة حكم كلي، أو استنبط من الكتاب والسنة. والحقيقة أن هذا الرأي الذي عمل فيه بواسطة قاعدة عامة، أو استنبط من مفهوم النص الوارد في الكتاب والسنة لا يسمى رأيا، بل هو حكم شرعي، لأنه قول مستند إلى دليل، فهو تمسك بدليل.

الأصل في انقسام المجتهدين إلى أهل حديث وأهل رأي، يرجع إلى أن بعض الفقهاء أنعموا النظر في الأسس التي بني عليها الاستنباط. وتبين لهم أن الأحكام الشرعية معقول معناها، وهي نزلت لمعالجة مشاكل الناس وتحقيق المصالح لهم ودرء المفاسد عنهم. ولهذا لابد أن تفهم النصوص فهما واسعا، يشمل جميع ما تدل عليه العبارة، وعلى هذا الأساس صاروا يفهمون النصوص ويرجحون نصا على آخر، ويستنبطون فيما لا نص فيه. وبعض الفقهاء عنوا بحفظ خبر الآحاد وفتاوى الصحابة واتجهوا في استنباطهم إلى فهم هذه الإخبار والآثار في حدود نصوصها، ويطبقونها على ما يحدث من الحوادث. ومن ذلك نشأ الاختلاف في اعتبار النصوص أدلة شرعية، وفي اعتبار العلة وعدم اعتبارها.

والأصل في مسالة الرأي أنه وردت أدلة تنهى عن الرأي. ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير قال (حج علينا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون) . وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) أخرجه الترمذي. فهذه الأحاديث صريحة في ذم الرأي. ولكن ليس هو الرأي الذي كان عليه فقهاء الرأي كالحنفية. بل الرأي المذموم هو القول بالشريعة دون سند. أما الرأي الذي يستند إلى أصل شرعي، فإن الأحاديث والآثار دالة على أنه حكم شرعي وليس أخذا بالرأي المذموم. فقد جوز النبي - صلى الله عليه وسلم - للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرا واحدا إذا كان قصده معرفة الحق وإتباعه. وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلا فنظروا إلى اللفظ، وأقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفريقين كل واحد منهما على رأيه . وعن معاذ (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن

فذكر كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم يكن في كتاب الله قال فسنة رسول الله قال فإن لم يكن في سنة رسول الله قال أجتهد رأيي ولا آلو، قال فضرب صدري فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله) أخرجه أحمد. فهذا الرأي هو الذي سار عليه الفقهاء والمجتهدون وأصحاب الرأي عملا بالسنة. وهو الرأي الذي يستند إلى النص. فهم أيضا أهل الحديث وإن سموا أهل الرأي. حتى أن الحنفية الذين اشتهروا أنهم أهل الرأي مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن الحديث الذي دون الصحيح وهو الحسن أولى من القياس والرأي، فقدم حديث القهقه مع أنه حديث حسن على القياس والرأي ومنع قطع يد السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيها لم يصل درجة الصحيح بل هو حسن، مما يدل على أن الرأي عندهم هو فهم النص. والقياس جعلوه أقل مرتبة من الحديث الحسن، فضلا عن الحديث الصحيح. وهذا يدل على أن المراد بالرأي هو فهم النص والرأي المستند إلى النص. فأهل الرأي هم أهل حديث أيضا.
وأما الأمر الثالث الذي أدى إلى الاختلاف في طريقة الاستنباط فهو بعض المعاني اللغوية التي تطبق في فهم بعض النصوص، فقد نشأ من استقراء أساليب اللغة العربية، وما تدل عليه، اختلاف بين المجتهدين. فمنهم من رأى أن النص حجة على ثبوت حكمه في منطوقه، وعلى ثبوت خلاف هذا الحكم في مفهومه المخالف. ومنهم من رأى أن العام الذي لم يخصص قطعي في تناول جميع أفراده، ومنهم من يرى أنه ظني، ومنهم من يرى أن الأمر المطلق للإيجاب، ولا ينصرف عنه إلا بقرينة فيصبح الأمر واجب الفعل. ومنهم من يرى أن الأمر لمجرد طلب الفعل، والقرينة هي التي تبين الإيجاب أو غيره. وعلى ذلك نشأ الاختلاف في فهم النصوص وأدى إلى الاختلاف في طريقة الاجتهاد.

وهكذا نشأ بعد طبقة التابعين لاختلاف في طريقة استنباط الأحكام، وصارت لكل مجتهد طريقة خاصة. وقد نشأ عن هذا الاختلاف في طريقة الاستنباط، وجود مذاهب فقهية متعددة أدت إلى نمو الثروة الفقهية، وجعلت الفقه يزدهر ازدهارا كليا. وذلك لأن الخلاف في الفهم طبيعي، وهو يساعد على نمو الفكر. وقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضا. فقد خالف عبد الله بن عباس عليا وعمر وزيد بن ثابت مع أنه أخذ عنهم، وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة، وإنما أخذوا العلم عنهم. وخالف مالك كثيرا من أشياخه، وخالف أبو حنيفة جعفر الصادق في بعض المسائل، مع أنه أخذ عنه. وخالف الشافعي مالكا في كثير من المسائل، مع أنه أخذ عنه. وهكذا كان العلماء يخالف بعضهم، والتلاميذ يخالفون أشياخهم وأساتذتهم وما كانوا يعدون ذلك سوء أدب، أو خروجا عن أشياخهم. وذلك لأن الإسلام حث على الاجتهاد، فكان لكل عالم أن يفهم ويجتهد، وأن لا يتقيد بصحابي أو تابعي، ولا برأي شيخ أو أستاذ.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:56 PM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي


ازدهار الفقه الإسلامي
كان المسلمون في جملتهم يقلدون المجتهدين على اختلافهم، لأن اختلافهم أساسه الدليل الشرعي. فكان يعتبر فهم كل مجتهد لخطاب الشارع حكما شرعيا في حقه، وفي حق من قلده. لأن خطاب الشارع هو الحكم الشرعي، ولا سبيل للوصول إلى الحكم الشرعي إلا بفهم الخطاب. فكان خطاب الشارع حكما شرعيا، وكان فهم خطاب الشارع حكما شرعيا، ولكن في حق الفاهم، وفي حق من يقلدونه في هذا الفهم. فكان الذين يصلون إلى فهم خطاب الشارع يجتهدون. أما الذين لم يصلوا إلى رتبة الاجتهاد يقلدون في الأحكام من وصلوا إلى رتبة الاجتهاد واجتهدوا. ولم يكن الأمر أمر تقليد شخص الفقيه، كما لم يكن أمر تقليد مذهب من المذاهب، بل كان أخذ الحكم الشرعي الذي استنبطه الفقيه والعمل به. لأن المسلم مأمور باتباع الحكم الشرعي فقط والعمل به، وليس مأمورا باتباع مذهب أو شخص، أو العمل بمذهب من المذاهب، أو اتباع شخص من الأشخاص. وإذا استطاع أن يصل إلى الحكم الشرعي باجتهاده فعل، وإلا أخذ حكما استنبطه غيره. وكان المجتهدون في العصور الأولى يعدون بالآلاف. ولهذا نجد أن المجتهدين الذين كان المسلمون يقلدونهم لم يكونوا محصورين بأربعة مذاهب أو خمسة أو ستة أو أي عدد، بل كانت هنالك مذاهب كثيرة ومجتهدون متعددون. وكان كل جماعة يقلدون أحكاما استنبطها كل مجتهد سواء أكان له مذهب أم لم يكن له مذهب. فمثلا عامة أهل الكوفة كان عملهم على فتوى أبي حنيفة وسفيان الثوري، إلا الشيعة فقد كان عملهم على مذهب جعفر الصادق. وكان عمل أهل مكة على فتاوى ابن جريح، وأهل المدينة على فتاوى مالك، وأهل البصرة على فتاوى عثمان، وأهل الشام على فتاوى الأوزاعي، وأهل مصر على فتاوى ابن سعد، وأهل خراسان على فتاوى عبد الله بن المبارك، وبعض أهل اليمن على فتاوى زيد بن الحسين. وكان كثير من المسلمين على فتاوى سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى وعكرمة وربيعة الرأي ومحمد بن شهاب الزهري والحسن البصري

والليث بن سعد وسفيان بن عيينه واسحق بن راهويه وأبي ثور وداود الظاهري وابن شبرمه وابن جرير الطبري. وكل هؤلاء مجتهدون وأصحاب مذاهب. وكان لكل مذهب من هذه المذاهب طريقة في الاجتهاد، ورأي معين في الأحكام. وكان كثيرا من المجتهدين والأئمة قضاة وحكاما في البلدان، فأدى اختلاف الأئمة والقضاة والحكام إلى الاختلاف في الأحكام، كل يحكم برأيه هو أو برأي فقيه يرى رأيه. فحدث من ذلك وجود أقضية مختلفة في الدولة وكان من جراء هذا أن وجد في بعض العلماء ميل ظاهر نحو توحيد الأحكام التي يقضى بها، وإصدار أمر من الخليفة بالتزامها، وكان بعض العارفين بأحوال المجتمع حينئذ يرى وضع كتاب جامع يرجع إليه القضاة وغيرهم، تخفيفا عن القضاة وتيسيرا للمتقاضين. وقد كتب ابن المقفع إلى الخليفة المنصور كتابا في هذا الشأن جاء فيه (ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين البصرة والكوفة وغيرهما من الأمصار والنواحي، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال. فيستحل الدم والفرج بالبصرة ويحرمان بالكوفة ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة فيستحل في ناحية منها ويحرم في ناحية أخرى. غير أنه على كثرة ألوانه نافذ في المسلمين في دمائهم وحرمهم يقضي به قضاة جائز أمرهم وحكمهم. فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى في كل قضية رأيه الذي يفهمه ويعتزم عليه، وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا ورجونا أن يكون اجتماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه. ثم يكون ذلك من إمام آخر آخر الدهر). إلا أن هذا الكتاب لم يعمل به المنصور وإن تأثر به. وقد حمله تأثره على حمل الفقهاء

والمحدثين على تدوين ما وصل إليهم حتى أصبح للناس مراجع يرجعون إليها. وسبب عدم عمل المنصور برأي ابن المقفع في وضع دستور وقوانين للدولة تجمع الناس على أحكام معينة، ما حصل بينه وبين مالك. فقد روى ابن سعد في (الطبقات) عن مالك بن أنس قال (لما حج المنصور قال لي: قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره. فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم). فكان من جراء ذلك أنه لم توحد المذاهب والآراء وبقي للناس الاجتهاد والرأي في أخذ الحكم الذي يرون، وبقي الخيار للقضاة والحكام أن يحكموا بما يرون، وكان من جراء هذا أن كان لكل إمام من أئمة الفقه تلاميذ صاروا يتتبعون آراءه ويشرحون مذهبه. وتغيرت النظرة لهذا الخلاف الذي كان يحصل فصار علما خاصا سموه (علم الخلاف) يتدارسونه كما يتدارسون أصول الفقه. وقالوا إن اختلاف الأئمة رحمة. وكان تلاميذ كل إمام يتوسعون في الفروع. وكان هذا التوسع هو الذي أبقى مذاهب بعض المجتهدين وسبب انقراض بعضها. فالأوزاعي والحسن البصري والثوري وابن جرير الطبري من أكبر الأئمة وأكثرهم علما وأوسعهم اجتهادا. ولكن لم يتوسعوا في الفروع واقتصروا على الأصول، ولم يكن لهم تلاميذ يشرحون مذاهبهم، ولذلك لم يعمل بها ولم تنتشر. أما باقي الأئمة كأبي حنيفة وجعفر الصادق وزيد بن الحسين والشافعي واحمد بن حنبل ومالك فكان لهم تلاميذ وكان لهم اتباع فدونت مذاهبهم وبقيت. فإن جعفر الصادق على ما كان من التضييق عليه وعلى غيره من آل علي من قبل أبي جعفر المنصور، فإنه استنبط أحكاما وكان له تلاميذ من الشيعة وغيرهم، وقد دونوا آراءه ونظروا إليها نظرة تقرب من النظرة إلى السنة.

وقد أنتشر مذهبه في كثير من بقاع الأرض. وإن أبا حنيفة كان له تلاميذ كثيرون أشهرهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر، وكانوا جميعا مجتهدين كأبي حنيفة. غير أنهم مزجوا مذهبهم بمذهبه وإليهم يرجع الفضل في تدوين مذهب أبي حنيفة. وكذلك الإمام مالك، فإنه كان في المدينة وكان له تلاميذ كثيرون وكان مشهورا شهرة واسعة وخاصة في تدقيق الأحاديث ورجال الحديث، ولا سيما في كتاب (الموطأ). وقد كان تلاميذه من بعده يدونون فتاويه ويتوسعون في الفروع ويقولون في المسائل، وإليهم مع شهرته يرجع الفضل في انتشار مذهبه. وأما الشافعي فقد أقام صرح شهرته بيده في علم الفقه، يدل عليه ما يبدو في كتابه الكبير المسمى (الأم) الذي يعتبر مع كتابه (الرسالة) وكتاب (إبطال الاستحسان) في أصول الفقه، أعظم نموذج لليقظة الفكرية في ذلك العصر. وجاء تلاميذه من مثل الربيع والمزني، وساروا على هذه الطريق وبثوا آراءه وشرحوا مذهبه فانتشر أيما انتشار. وكذلك الإمام احمد بن حنبل، فإنه مع غلبة الحديث على مذهبه، كان له تلاميذ شرحوا له مذهبه وبثوا آراءه. وقد كان لهؤلاء التلاميذ الفضل الأول لا في نشر مذاهب أساتذتهم وأئمتهم فحسب، بل في شرح الفقه وازدهاره حتى أنه يعتبر عصرهم أزهر من عصر الأئمة أنفسهم، لأن هذا العصر هو الذي حصلت فيه شروح الأحكام وتفصيل الأدلة. وهكذا أندفع الفقهاء في دراسة الفقه وشرحه ولا سيما علم أصول الفقه الذي هو الأساس الحقيقي للفقه. وظل أمر الفقه يشع حتى ازدهر أيما ازدهار، وكان أوج ازدهاره في القرن الرابع الهجري، بعد القرن الذي تكونت فيه المذاهب.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 12:58 PM   #8
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي


هبوط الفقه الإسلامي
بعد تلاميذ المجتهدين جاء اتباع المذاهب ومقلدوها، فلم يستمروا على الطريقة التي سار عليها الأئمة وأصحاب المذاهب في الاجتهاد واستنباط الأحكام، ولا على الطريقة التي سار عليها تلاميذ المجتهدين من تتبع الدليل وبيان وجه الاستدلال والتفريع على الأحكام وشرح المسائل، وإنما عني اتباع كل إمام، أو علماء كل مذهب، بالانتصار لمذهبهم، وتأييد فروعه وأصوله بكل الوسائل. فلم يعنوا بتتبع صحة الدليل وترجيح الدليل الراجح على المرجوح ولو خالف مذهبهم، وإنما كانوا تارة يعنون بإقامة البراهين على صحة ما ذهبوا إليه وبطلان ما خالفه. وتارة كانت عنايتهم منصرفة إلى تأييد مذهبهم بالإشادة بالأئمة وأصحاب المذاهب، فشغل ذلك علماء المذاهب وصرفهم عن الأساس الأول وهو القرآن والحديث، وصار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني أو حديث، إلا ليلتمس فيه ما يؤيد مذهب إمامه. وبهذا حصرت أبحاثهم في مذاهبهم وفترت هممهم عن الاجتهاد المطلق، وعن الرجوع إلى المصادر الأساسية لاستمداد الأحكام منها. وحصر همهم في الاجتهاد في المذهب، أو في المسألة الواحدة منه، أو تقليده تقليدا دون تبصر. وبلغ من تقليدهم أن قالوا كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا - أي مذهبهم - فهو مؤول أو منسوخ. وجعلوا تقليد مذهب من المذاهب فرضا على المسلم، وأخذوا يدرسون في المعاهد الإسلامية كالأزهر الشريف، قول صاحب جوهرة التوحيد في وجوب التقليد:
وواجب تقليد حبر منهم … كذا حكى القوم بلفظ يفهم

بل ذهبوا إلى إقفال باب الاجتهاد على المسلمين، وقالوا بعدم جواز الاجتهاد، حتى صار كثير من العلماء ممن هم أهل للاجتهاد، وتوفرت فيهم أهلية الاجتهاد لا يجرؤن على الاجتهاد، وعلى القول أنهم مجتهدون. وقد بدأ هذا الانحطاط في أواخر القرن الرابع الهجري. إلا أنه كان في أول الأمر حتى نهاية القرن السادس الهجري وأوائل السابع، فيه شيء من الارتفاع. فقد وجد مجتهدون ووجد علماء في الوقت الذي كان أمثال القفال يقولون بإقفال أبواب الاجتهاد. ولكنه منذ أوائل القرن السابع الهجري حتى أواخر القرن الثالث عشر الهجري كان انحطاطا تاما، ولكنه كان في حدود الإسلام، فكان الانحطاط في التفكير، ولكن الآراء الفقهية كانت آراء إسلامية. أما بعد أواخر القرن الثالث عشر أي منذ سنة 1274 هـ حتى الآن، فقد وصل الانحطاط إلى حد أن خلطت الأحكام الشرعية بالقوانين غير الإسلامية ووصل الحال إلى أبعد حد من حدود الانحطاط.

وقد كان من جراء هذا الانحطاط الفقهي، أن جر إلى عسر حمل الناس على إعمال الأحكام الشرعية. فبعد أن كانت الشريعة الإسلامية تسع العالم بأسره جعلوها تضيق عن أهلها، حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها من القوانين الأخرى، فيما لا يرتقي إليها. وأصبح كثير من الأتقياء من المسلمين يتخاصمون إلى شريعة غير الشريعة الإسلامية. وكان في أواخر الدولة العثمانية من الجهل بالإسلام ومن جهلة الفقهاء، ما كان السبب الأكبر في تأخر المسلمين وزوال دولتهم. فقد كان هنالك فقهاء جامدون مستعدون للفتوى بتحريم كل جديد، وتكفير كل مفكر. ومن طريف ما وقع في ذلك من المضحكات المبكيات أن ظهرت قهوة البن فأفتى بعض الفقهاء بتحريمها، وظهر الدخان فأفتوا بتحريمه، ولبس الناس الطربوش فأفتى الفقهاء بتحريم لبسه، وظهرت المطابع وعزمت الدولة على طبع القرآن الكريم، فحرم بعض الفقهاء طبعه، وظهر التلفون فحرم بعض الفقهاء التكلم به، وجرت غير ذلك أمور، حتى آل الأمر في الفقه الإسلامي أن جهل جهلا تاما عند المسلمين. وقد تحول الأمر من دراسة الأحكام الشرعية إلى دراسة القوانين الغربية، وأنشأت مدارس الحقوق، تلك المدارس التي يعتبر وجودها في بلاد المسلمين لطخة عار عليهم. وفي أواخر الدولة العثمانية - وقد كانت الدولة الإسلامية ورئيسها خليفة المسلمين - عمدوا للفقه الإسلامي يقلدون به الفقه الغربي في التقنين. فوضعوا المجلة سنة 1286 هجرية قانونا مدنيا وصدرت الإرادة السنية بالعمل بها في سنة 1293 هـ، وكانوا قبل قد وضعوا قانون الجزاء سنة 1274هـ، وجعلوه محل الحدود والجنايات والتعزير، ووضعوا قانون التجارة سنة 1276 هـ. ثم وضعوا الدستور لإلغاء نظام الخلافة كله سنة 1294 هـ. ولكنه الغي ثم أعيد سنة 1326 هـ الموافق سنة 1908 م. ولكنهم حاولوا التوفيق بينه وبين الإسلام وأبقوا نظام الخلافة. وهكذا أنحط الفقه وتحول إلى قوانين وتركت الأحكام الشرعية وأخذت الأحكام من

غير الإسلام بحجة موافقتها للإسلام، وسادت فكرة خاطئة أن كل ما يوافق الإسلام يؤخذ من أي إنسان، وانحطت همم العلماء وصاروا في جملتهم مقلدين. إلا أن ذلك كان يرى فيه ظل للإسلام، ولكن بعد زوال الخلافة، واستيلاء الكفار من الإنكليز والفرنسيين على البلاد، ثم صيرورة البلاد الإسلامية دولا على الأساس القومي، عربيا كان أو تركيا أو إيرانيا أو غيره، محي الفقه الإسلامي من الوجود في علاقات الناس، ومن التعلم والتعليم، ولم يبق يدرس إلا في بعض البلدان كالأزهر في مصر وكالنجف في العراق وكجامع الزيتونة في تونس، إلا أنه يدرس كما تدرس الفلسفة اليونانية. وبلغ الانحطاط حدا فظيعا إذ زال الفقه الإسلامي من الوجود في علاقات المسلمين.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 01:06 PM   #9
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي


خرافة تأثير الفقه الروماني في الفقه الإسلامي
يزعم بعض المستشرقين الحاقدين على الإسلام، المبغضين للمسلمين، أن الفقه الإسلامي في العصور الأولى حين أندفع المسلمون في الفتوحات قد تأثر كثيرا بالفقه الروماني، والقانون الروماني. وقالوا أن هذا الفقه الروماني كان مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي، وقد استمد منه بعض أحكامه. وهذا يعني أن بعض الأحكام الشرعية التي استنبطت في عصر التابعين ومن بعدهم هي أحكام رومانية أخذها المسلمون عن الفقه الروماني. ويستدل هؤلاء المستشرقون على قولهم هذا بأنه كان في بلاد الشام مدارس للقانون الروماني عند الفتح الإسلامي في قيصرية على سواحل فلسطين وبيروت. وكان في بلاد الشام أيضا محاكم تسير في نظامها وأحكامها حسب القانون الروماني، واستمرت هذه المحاكم في البلاد بعد الفتح الإسلامي زمنا، مما يدل على إقرار المسلمين لها وأخذهم عنها، وسيرهم حسب قوانينها ونظامها. وأيدوا نظرتهم هذه بافتراضات من عندهم، فقالوا من الطبيعي أن قوما لم يأخذوا من الحضارة بحظ وافر كالمسلمين، إذا فتحوا بلادا ممدنة كبلاد الشام التي كانت تحت حكم الرومان نظروا ماذا يفعلون؟ وبم يحكمون؟ ثم اقتبسوا من أحكامهم. ثم قالوا أن المقارنة بين بعض أبواب الفقه الإسلامي وبعض أبواب الفقه الروماني والقانون الروماني، ترينا التشابه بين الاثنين، بل ترينا بعض الأحكام نقلت كما هي عن الفقه الروماني مثل (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) ومثل كلمتي الفقه والفقيه. بل ذهب هؤلاء المستشرقون إلى أن الفقه الإسلامي أخذ عن التلمود أحكاما كان التلمود أخذها عن الفقه الروماني، فيكون الفقه الإسلامي على حد زعمهم أخذ عن الفقه الروماني مباشرة من مدارس الشام ومحاكمها، وأخذ عنه بواسطة التلمود في نقله عن التلمود.
هذا ما يزعمه المستشرقون دون أن يقيموا أي دليل عليه سوى مجرد الافتراض. وهذه الأقوال من هؤلاء المستشرقين فاسدة لعدة أسباب منها:

أولا - لم يرو أحد عن المسلمين، لا المستشرقون، ولا غيرهم، أن أحدا من المسلمين فقهاء أو غير فقهاء، قد أشار أية إشارة إلى الفقه الروماني، أو القانون الروماني، لا على سبيل النقد، ولا على سبيل التأييد، ولا على سبيل الاقتباس، ولم يذكره أحد لا بالقليل ولا بالكثير، مما يدل على أنه لم يكن موضع حديث، فضلا على أن يكون موضع بحث. وإن بعض المسلمين ترجموا الفلسفة اليونانية، ولكن الفقه الروماني لم تترجم منه أية كلمة أو جملة فضلا عن كتاب، مما يبعث على الجزم أنه قد الغي وطمس من البلاد بمجرد فتحها.
ثانيا - أنه في الوقت نفسه الذي يزعم المستشرقون أنه كان في بلاد الشام مدارس للفقه الروماني، ومحاكم تحكم بالقانون الروماني، كانت الشام غاصة بالمجتهدين من علماء وقضاة وحكام، فكان الطبيعي إذا حصل تأثر فإنه يحصل عند هؤلاء الفقهاء. ولكن الواقع أننا لا نجد في فقه هؤلاء المحفوظ عنهم أي تأثر بالفقه الروماني أو ذكر له، بل فقههم وأحكامهم مستندة إلى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. ومن أشهر هؤلاء المجتهدين الإمام الأوزاعي، فقد عاش في بيروت التي يزعمون أنها موطن أكبر المدارس الرومانية في الشام، وقضى حياته فيها، ومات فيها. وقد دونت آراءه في كثير من كتب الفقه المعتبرة، ففي الجزء السابع من كتاب الأم للشافعي أحكام كثيرة للأوزاعي. ويتبين من قراءتها لأي إنسان بعد الأوزاعي عن الفقه الروماني بعد السماء عن الأرض ، حتى أن مذهب الأوزاعي كما يتبين من فقهه نفسه، ومما روي عنه، هو من مذهب أهل الحديث، ويعتمد على الحديث أكثر من اعتماده على الرأي. ومثل الأوزاعي غيره من الفقهاء. فلو كان هنالك أي تأثر لظهر في هؤلاء الفقهاء.

ثالثا - أن المسلمين يعتقدون أن الله خاطب في الشريعة الإسلامية جميع البشر. وأرسل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الناس { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا } ويعتبرون أن كل من لا يؤمن بالشريعة الإسلامية كافر، فهم يعتقدون أن أي حكم غير حكم الإسلامي، هو حكم كفر يحرم عليهم أخذه. فمن يعتقد هذا الاعتقاد ويعمل به لا يمكن أن يأخذ غير حكم الإسلام، ولا سيما في العصر الأول عصر الفتوحات، حيث كان المسلمون حملة رسالة الإسلام يفتحون البلدان، ليحملوا دعوة الإسلام إليها. فهم يفتحون البلاد لإنقاذ أهلها من حكم الكفر، فكيف يفتحونها ليأخذوا حكم الكفر الذي جاءوا ليزيلوه ويضعوا مكانه حكم الإسلام؟؟
رابعا - إنه ليس بصحيح أن المسلمين حين فتحوا البلاد كانوا أقل حضارة من البلاد المفتوحة. ولو كان ذلك صحيحا لتركوا حضارتهم وأخذوا حضارة البلاد المفتوحة. لأن الفكر الأقوى هو الذي يؤثر لا الفكر الأضعف. والمشاهد المحسوس أن البلاد التي كان يحكمها الرومان كانت تحمل أفكارا عن الحياة مناقضة للإسلام. فحين فتحها المسلمون ولم يكرهوا أهلها على اعتناق الإسلام، بل اكتفوا بأخذ الجزية من أهلها، ولكن قوة الفكر الإسلامي وسمو الحضارة الإسلامية، ما لبثت أن تغلبت على الأفكار الرومانية والحضارة الرومانية وأزالتها، وأصبح أهل البلاد مسلمين يعتنقون الإسلام، ويعيشون على طريقته عن رضا واطمئنان، مما يدل على أن أفكار الإسلام قد محت الفقه الروماني والأفكار الرومانية وحلت محلها. وهذا الواقع الناطق يكذب المستشرقين في أن الحضارة الرومانية أقوى من الحضارة الإسلامية، ويكذبهم في أن الفقه الإسلامي تأثر بالفقه الروماني.

خامسا - أن كلمة فقه وفقيه، قد وردت في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف. ولم يكن المسلمون قد عرفوا أي اتصال تشريعي بالرومان. قال تعالى { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين } وقال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الترمذي عن ابن عباس (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين). وسؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين أرسله إلى اليمن بم تحكم وأجابه معاذ بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ثم اجتهد رأيي هو فقه. وكذلك إرساله باقي الولاة ثم أقضية الصحابة، مدة تزيد عن ربع قرن هي فقه. فكيف يزعم أن كلمة فقه وفقيه أخذت عن الرومان؟ أما كلمة (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) فهي حديث قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يحصل أي اتصال تشريعي بالرومان، ووردت في كتاب عمر لأبي موسى في البصرة. ومعلوم أن عمر لم يحصل منه أي اتصال تشريعي بالرومان، فكيف يزعم أن المسلمين أخذوا كلمة فقه وفقيه، وقاعدة (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) عن الفقه الروماني وهم قالوها ووجدت عندهم منذ فجر الإسلام؟!
فمن هذا يتبين أن خرافة تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني لا أصل لها مطلقا، وأنها دس من المستشرقين المعادين للإسلام الذين يأكل الحقد صدورهم على المسلمين

أما مسألة أخذ الفقه الإسلامي عن التلمود، فإن بطلانها ظاهر في حملة القرآن على اليهود، وعلى تحريفهم للتوراة والإنجيل المنزلين على سيدنا موسى وسيدنا عيسى، وأن ما بأيديهم كتبوه من عند أنفسهم، وليس هو من عند الله، فهو كذب محرف عن التوراة والإنجيل، وهذه الحملة يدخل فيها الحملة على التلمود وأنه من كتابتهم، وليس من عند الله، وذلك يناقض الأخذ عنه، علاوة على أن اليهود كانوا قبائل منفصلين عن المسلمين، لا يعيشون مع المسلمين، بل لا يختلطون بهم، فضلا عن العداوة الدائمة بينهم وبين المسلمين، والحروب المتواصلة التي كان يشنها المسلمون عليهم حتى أخرجوهم من بينهم. وهذا يتناقض مع فكرة الأخذ عنهم.

والحقيقة، والواقع المحسوس، أن الفقه الإسلامي أحكام مستنبطة مستندة إلى الكتاب والسنة، أو إلى ما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة ، وأن الحكم إذا لم يكن مستندا أصله إلى دليل شرعي، لا يعتبر من أحكام الإسلام، ولا يعتبر من الفقه الإسلام.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-28-2014, 02:52 PM   #10
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 16,108
افتراضي


دراسة الفقه

…معرفة المسلم الأحكام الشرعية التي تلزمه في حياته فرض عين على كل مسلم لأنه مأمور بأن يقوم بأعماله حسب أحكام الشرع، ذلك أن خطاب التكليف الذي خاطب الشارع به الناس وخاطب المؤمنين هو خطاب جزم لا تخيير فيه لأحد، سواء أكان في الإيمان أو كان في أعمال الإنسان، فقوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله) كقوله: (وأحل الله البيع وحرم الربا) كلاهما خطاب تكليف، وهو من حيث كونه خطابا لا من حيث الموضوع الذي خاطبنا به خطاب جزم، بدليل قوله تعالى: (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وبدليل المحاسبة على كل عمل، قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، وقال تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه)، وقال: (وتوفى كل نفس ما عملت). فالتكليف جاء بشكل جازم، والمسلم مكلف بشكل جازم أن يتقيد بأحكام الشرع عند القيام بأي عمل من الأعمال. أما موضوع التكليف -أي الشيء الذي كلفه به الله- فهو الذي قد يكون فرضا وقد يكون مندوبا وقد يكون مباحا وقد يكون حراما وقد يكون مكروها. أما نفس التكليف فهو جزم ولا تخيير فيه، وليس له إلا حالة واحدة وهي وجوب التقيد به، ومن هنا كان فرضا على كل مسلم أن يعرف الأحكام الشرعية التي تلزمه في الحياة الدنيا. أما معرفة ما زاد على ما يلزمه في حياته من الأحكام الشرعية فإنه فرض على الكفاية، وليست فرض عين، إن قام به البعض سقط عن الباقين، ويؤيد هذا ما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وإنه وإن كان المراد هنا كل علم يلزم المسلم في حياته بدليل قول الرسول: (ولو بالصين)، فإنه يدخل فيه الفقه من ناحية الأحكام التي تلزم المسلم في حياته، عقائد وعبادات

ومعاملات وغير ذلك. ومن هنا كانت دراسة الفقه من الأمور اللازمة للمسلمين بل من الأحكام التي فرضها الله عليهم سواء أكانت فرض عين أو فرض كفاية. وقد جاءت الأحاديث الشريفة حاثة على دراسة الفقه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حث على تعلم الفقه، فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه)، وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه)، وعن عزام بن حكيم عن عمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل)، وعن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه، وما عبد الله بشيء أفضل من الفقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد). فهذه الأحاديث صريحة في فضل الفقه والحث على دراسته. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه".
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:47 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.