قديم 06-26-2014, 11:19 PM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,897
افتراضي الصبر على الأذى...

الصبر على الأذى...
وكيف تواجه الأذى من أخيك المسلم؟

الكاتب: أ. يوسف
لاشك أن تعامل المسلم مع أخيه المسلم يختلف عن التعامل مع غيره لما له من علاقة خصوصية حميمية؛ أساساها الإيمان، وقوامها مفاهيم الإسلام، وسياجها فضائل الأخلاق. فهي علاقة أو رابطة إيمانية ولذلك فهي أقوى العلاقات، وأوثق الروابط. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ). وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وقال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، وقال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»...

ورغم أن العلاقة بين المسلمين على هذه الدرجة العالية من السمو؛ إلا أنه قد يعتريها بعض الفتور، أو ينتاب أحدهم نوعاً من الغفلة عن قدسية العلاقة، فيقع في الخطأ، ويوجه لأخيه المسلم لوناً من ألوان الأذى كالإهانة أو الظلم... شأنه في ذلك شأن سائر البشر، فهو عرضة لوساوس الشيطان ومكائده.

وقد أجاز الإسلام المعاملة بالمثل. فقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ). وذلك لأن الإسلام يتوخى العدل ويكره للمؤمن أن يذل نفسه. وقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن إمرأة سألتها فقالت: "إن لي جيراناً يهينونني وجيراناً يكرمونني. فقالت السيدة عائشة: أهيني من أهانك وأكرمي من أكرمك". وهذا هو العدل والإنصاف.

ولكن الإسلام العظيم لم يلزمنا بهذا السلوك القويم بحيث نلتزم به دائماً وأبداً رغم صدقه وعدله. لأنه يحرص على تأليف القلوب وترقية السلوك كما يحرص على رفع الظلم.

ونظراً لكون طبائع البشر مختلفة، وصور الإيذاء متغايرة، وظروفها متباينة، ومواقع وأحوال وأسنان من يصدر عنهم الأذى متعددة... لذلك فتح الإسلام أمام المسلمين العديد من السبل لمواجهة كل الأذى بما يناسبه من الأساليب المزيلة له. ينظر المسلم بكياسته وفطنته ودرجة تقواه وتعقله أي السبل يسلك، حسبما يرى من حالة أو موقع أو سن المسلم الذي صدر منه الأذى، أو من طبيعة الأذى الموجه إليه. فإن كان الأذى من صغير أدبه، وإن كان من جاهل علمه، وإن كان من عاقل إعترته غفلة نبهه، أو من عاقل إستبد به شيطانه قومه. فإن رأى أن الأذى – قولاً أو عملاً عابراً - قد صدر ممن يتوسم فيه حسن الطوية؛ عده زلة لسان، أو حمله على أحسن محاملة ومر عنه مرور الكرام. وإن رأى أنه قد صدر عمن يُعرف بالعدوانية؛ يدفع أذاه بالتي هي أحسن، كأن يداريه أو يعاتبه أو يناصحه أو يحذره من التمادي... يتصرف معه بما يراه مُناسباً من مثله لمثله، فالشاهد أبصر من الغائب. وإن كان الأذى - مدبراً أو مقصوداً - وبه من الإيذاء ما به؛ فإن رأى أن المعاملة بالمثل هي الأنسب لمثله – فعل. وإن رأى أن الهجر أنفع في صده عن أذاه - فعل. فالهجر مباح بين المسلمين فيما دون ثلاثة أيام؛ إذا كان السبب متعلقاً بحظوظ الأنفس أو متعلقا الدنيا، ولا يحرم الهجر فوق ذلك؛ إذا كان المهجور مبتدعاً أو مهاجراً بالفسق أو الظلم أو نحو ذلك؛ لما ثبت من هجر الرسول صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. قال ‏الحافظ ابن عبد البر: "إنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت ‏مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه. فرب ‏هجر جميل خير من مخالطة مؤذية".

وقد أرشد الإسلام المسلمين إلى طرق في التعامل هي أسمى من ذلك كله. وفيها يتجلى أثر الصبر في إزالة العداوة بين المسلمين، وتأليف قلوبهم وتعاونهم على الخير والبر، وإشاعة الأمان فيهم، وتقوية جسور المحبة بينهم... بما ينجم عن الصبر من كبح للنفس عن مقابلة السيئة بالسيئة أو الشر بالشر. وقد جعل هذه الطرق متدرجة في الارتقاء النفسي نحو الكمال.

.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-26-2014, 11:22 PM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,897
افتراضي


والدرجة الأولى في سلم الارتقاء النفسي هي كظم الغيظ. وذلك بأن تواجه الأذى بكبت الغضب في صدرك، وتحول دون ظهور هذا الشعور البغيض لأخيك، وتصبر على الألم الذي سببه لك إعظاما لعلاقة الإيمان التي تربطك به وبذلك تكفه عنك. والحياة ترينا أن مقابلة الهياج والغضب بالوداعة والسكينة تُعيد الهايج الغاضب إلى صوابه، وتجعله يطرح العداوة جانباً، وأن مقابلته بمثل فعاله تزيده هياجاً وغضباً، وتأخذه العزة بالإثم فلا يعود ينفع معه قول ولا عمل. ويحسن بمن يكظم غيظه أن يشعر من آذاه أن مواجهته باللين ليست آتية عن ضعف أو تخاذل، بل من تسامح واحتكام إلى العقل والشرع حتى لا يستهين المؤذي بمن آذاه ويكرر الإيذاء مرة أخرى وهذا عمل عظيم لا يستطيعه كثير من الناس. ونظراً لصعوبته فقد أرشدنا الإسلام لتحقيقه في حياتنا بجملة من الحقائق التي تكشف عن مصدر الغضب، وأثره السيء، وما يطفئه... فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغضب فقال: «إياكم والغضب» وكشف عن مصدر فقال: «إن الغضب جمرة من النار» ونبه إلى أثره السيء في قلب المؤمن فقال: «فإنه يُوقد في فؤاد ابن أدم النار ألم ترى إلى أحدكم إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه». وأرشدنا إلى وسائل مكافحته وإخماد جذوته فقال: «فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلك فليضطجع وليلتصق بالأرض». وقال: «فمن وجد ذلك منكم، فإن كان قائماَ فليجلس، وإن كان جالساً فليضطجع». ورغبنا في كظم الغيظ بقوله: «من كظم غيظاً وهو يقدر على أن يمضيه فلم يمضيه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاً». وحبب إلينا البطء في الغضب وكره إلينا السرعة فيه فقال: «خيركم من كان بطيء الغضب سريع الفيء، وشركم من كان سريع الغضب بطيء الفيء».
وإن استطعت أن تبلغ هذا المبلغ العظيم، درجة (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فانظر إلى الدرجة الأعلى منها ألا وهي درجة (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) وذلك بكبت الغضب وما يتولد عنه من الشعور بالكراهية والانتقام من قبل أن يظهر في نفسك، وبإذكاء شعور الصفح والعفو عن إساءته إليك.
فإنك حين تفعل ذلك تكون أكثر صبراً، لأنك تحملت الإساءة ولم تجعلها تؤثر في مشاعرك وتدفعك إلى الإساءة بمثلها... وفوق ذلك فإنك قد أذبت معنى الإساءة في نفسك، واستبدلته بشعور العزف والهدوء والعزوف عن الإنتقام، وأبتعدت عن الهيجان والاضطراب النفسي الذي ولدته الإساءة في حالة كظم الغيظ. وبذلك تبلغ درجة والعافين عن الناس، وتشعر براحة نفسية هي أحلى من سابقتها، وأظهرت مشاعر الصفح والعفو.
ولا يقال إن العفو لا يصح إلا من الطرف الأقوى للطرف الأضعف، لأن ميزان القوة بين المسلمين ليس بالقوة المادية، كما أن علاقتهم ببعض ليست علاقة صراع حتى تُحشد القوة المادية اللازمة له، ويُنظر من الأقوى. بل هم جميعاً قوة واحدة على أعدائهم، قال صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ». والمسلم القوي لا يستعمل قوته ضد إخوانه بل يذود بها عن الضعيف، عن السيدة عائشة قالت: «ما ضرب رسول الله شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل» رواه مسلم. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بِالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» رواه البخاري. يروى عن ابن تيمية قوله: "المؤمن للمؤمن كاليدان تغسل إحداهما الأخرى"، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»، وقال: «لا تعودوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». كما أن الإسلام لم يكتف بالتوجيه الفكري أو النظري بل وضع عقوبات صارمة لمن ينتهك حرمة المسلم أو يؤذيه، وجعل ذلك من واجبات الدولة الإسلامية، وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد ينفذ ذلك، يعمل في الناس بما يقول لهم: "القوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم عندي قوي حتى آخد الحق له".
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-26-2014, 11:23 PM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,897
افتراضي

وبذلك تكون القوة والضعف بين المسلمين بحسب تمسكهم بالحق أو بعدهم عنه. ويكون صاحب العفو هو الأقوى بقدرته على كبح جماح نفسه، وبقدرته على تقديم العفو أمام الأذى.
وهذا هو سبيل العزة التي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما من عبد يُظلم بمظلمة فيعفو عنها إبتغاء مرضاة الله إلا زاده الله بها عزاً».
وإن استطعت أن تبلغ هذا المبلغ العظيم، فانظر إلى الدرجة الأعلى منها. ألا وهي درجة الإحسان إلى المسيء: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وذلك بأن تتجاوز حد التقاضي عن الإساءة بكظم الغيظ، وتتجاوز حد قبولها بالعفو عن صاحبها، إلى درجة هي أبر وأعلى، إلى درجة التودد إلى المسيء، وإشعاره بالمحبة، وحسن التقرب إليه. وهذا منتهى العفو وأسمى المشاعر الإنسانية...
وإنك حين تفعل ذلك لا تكفه عنك وصدرك لا غيظ فيه فحسب، كما لا تكفه عنك وأنت تشعر بالراحة فقط؛ بل تجتث الشر من أعماق أعماقه نحوك، وتجذبه إليك، وتحوله إلى صديق مخلص لك... وعندها تشعر براحة عظيمة هي أحلى من سابقتيها. لأنك قد انتصرت على الشر ذاته في مصدره وأدواته، وبلغت درجة محبة الله تعالى، ووثقت علاقتك بأخيك بوثاق الإحسان ما حييت، فأكرم بها من نعمة وفضل.
وقد نبهنا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم كذلك إلى هذه الدرجة السامقة حينما سأل أصحابه قائلاً: «ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات، قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلم عن من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» رواه الطبراني.
وإنها والله قواعد للناس في التعامل لا نظير لها، وحينما يتبعها الناس لسوف يشيع الأمن والأمان، وينتشر التحابب والسلام، ويسود الخير والوفاق ربوع الأرض جميعها.
وبرغم تيقننا من تحقق ذلك في مستقبل الأيام، كما تحقق ذلك في ماضي الأمة الإسلامية؛ إلا أن الثقة بتلك القواعد والأحكام لا تثبت لدى كثير من الناس إلا بعد التطبيق العملي، والنجاح فيه، وتهيئة المناخات الصحية الباعثة عليه. وإنه رغم معرفة الناس بصدق فاعلية الصبر، ومحاولاتهم المتكررة لخوض غماره؛ فإنني وبحكم معايشتي لهم، أراهم يقولون: "صبرنا صبر أيوب، وجربنا جميع وسائل الصبر، ولم يفلح في دفع أذى كثير من الظلمة، فضلاً عن كسب ودهم"!.
وأقول لكل واحد منهم: أعد حساباتك في صبرك. ولسوف تجد سقطة أو أكثر قد جرحت صبرك؛ فالصبر يقيناً مفتاح الفرج. أو تكون قد نفذ صبرك قبل أن تستكمل وقته المقدر له؛ فالنصر صبر ساعة. وهو يقيناً مع الصبر.
وبعد إعادتك حساباتك وتعرفك على مواطن الخلل فيه؛ اعزم على الصبر مستوفياً كافة أحكامه ووسائله ولسوف تجد الله في عونك، فمعية الله لا تفارق الصابر أبداً... وتوسل إلى الله عز وجل بالدعاء، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وانتظر الفرج بثقة المؤمن بربه، فانتظار الفرج عبادة؛ فأكرم بها من عبادة: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

منقووووووووووووووووووووول

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:36 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.