قديم 03-15-2016, 03:25 PM   #11
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي ميثاق الأمة - المجتمع

المجتمع
50 – المجتمع هو مجموعة من الناس تنشأ بينهم علاقات دائمية ، ففرد زائداً فرداً زائداً فرداً يساوي جماعة ، أي ينشأ من هذه المجموعة من الأفراد جماعة ، فإذا نشأت بين هؤلاء الأفراد علاقات دائمية كانوا مجتمعاً ، وإن لم تنشأ بينهم علاقات دائمية ظلوا جماعة ولا يشكلون مجتمعاً ، فالذي يجعل مجموع الناس يشكل مجتمعاً إنما هو العلاقات الدائمية فيما بينهم . وهذه العلاقات إنما تنشأ بدافع مصالحهم ، فالمصلحة هي التي توجد العلاقة ، ومن غير وجود مصلحة لا توجد علاقة . إلا أن هذه المصالح إنما يُعيّنها من حيث كونها مصلحة أو مفسدة مفهوم الإنسان عن المصلحة ، فإن رأى الشخص أن هذا الأمر مصلحة نشأت العلاقة ، وإن رأى أن هذا الأمر ليس مصلحة لم تنشأ العلاقة فالمفهوم هو الذي عين المصلحة ، وبالتالي فالمفهوم هو الذي أوجد العلاقة ، وبما أن المفاهيم هي معاني الأفكار ، فتكون الأفكار هي التي عينت المصلحة ، وبالتالي هي التي أوجدت العلاقة ، فوحدة الأفكار بين مجموعة الناس ، أوجدت وحدة النظر إلى المصالح ، وبالتالي أوجدت العلاقة ، غير أن وحدة الأفكار وحدها لا تكفي لأن توجد العلاقة ، بل لا بد أن تكون معها وحدة المشاعر ، أي أن هذه المصلحة لا بد أن يُسَرّ بها الشخصان حتى توجد العلاقة ، أي لا بد أن تتحد مشاعرهما في النظرة إلى المصلحة من سرور وغضب ، وحزن وألم إلى غير ذلك من المشاعر ، إلى جانب وحدة الأفكار حتى توحد المصلحة ، وبالتالي حتى توجد العلاقة ، إلا أن وحدة الأفكار والمشاعر كذلك لا تكفي ، بل لا بد أن تكون معها وحدة النظام الذي يعالجون به هذه المصالح حتى توجد العلاقة ، أي لا بد أن يتفقا على كيفية معالجة هذه المصلحة حتى توجد العلاقة ، ولهذا فإن العلاقة حتى توجد بين الناس لا بد أن تتحقق بينهم وحدة الأفكار والمشاعر والنظام ، فإذا لم توجد وحدة هذه الأمور الثلاثة بينهم لا توجد علاقة . ومن هنا كان المجتمع هو الناس وما يوجد بينهم من أفكار ومشاعر وأنظمة ، فالمجتمع مكوَّن من أناس وأفكار ومشاعر وأنظمة ، فهو مجموعة من الناس بينهم علاقات دائمية ، إلا أن هذه العلاقات الدائمية إنما أوجدتها وحدة الأفكار والمشاعر والأنظمة فيما بينهم ، وبحسبها تكون المجتمعات ، ولذلك تختلف المجتمعات بين الناس باختلاف الأفكار والمشاعر والأنظمة لديهم .
51 – المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي تسير العلاقات فيه بالأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية ، أي هو مجموعة من المسلمين تكون العلاقات التي تنشأ بينهم وبين بعضهم ، وبينهم وبين غيرهم مُسيَّرة بالعقيدة الإسلامية ، والأحكام الشرعية ، فوجود مسلمين فقط دون تحكم الأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية في علاقاتهم لا يجعل المجتمع مجتمعاً إسلامياً ، بل لا بد من أن تكون الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تتحكم في علاقاتهم كذلك أفكاراً ومشاعر وأنظمة إسلامية فكون الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تُسيّر العلاقات إسلامية شرط أساسي ليكون المجتمع مجتمعاً إسلامياً . فلا يكفي أن يكون الناس مسلمين ، بل لا بد أن تكون الأفكار والمشاعر والأنظمة إسلامية أيضاً ، لان المجتمع أناس وأفكار ومشاعر وأنظمة . ومن هنا كان المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون اليوم في جميع أقطار العالم مجتمعاً غير إسلامي ، ولو كان الناس مسلمين ، لان العلاقات لا تُسيّر جميعها بالأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية ، حتى البلدان التي لا تزال تفصل الخصومات في القضاء حسب الأحكام الشرعية فإنها مجتمع غير إسلامي ، لأنها تُسيِّر باقي العلاقات على غير أفكار الإسلام وأحكامه ، ولا بد أن تُسيّر جميع العلاقات حسب العقيدة الإسلامية ، والأحكام الشرعية ، حتى يكون المجتمع مجتمعاً إسلامياً .
52 – طريقة تغيير المجتمع غير الإسلامي الذي يعيش فيه المسلمون اليوم وإيجاد مجتمع إسلامي مكانه هي تغيير جميع العلاقات دفعة واحدة ، أي بشكل انقلابي لا بالتدريج ، أي بإلغاء جميع العلاقات الموجودة ، وإيجاد علاقات إسلامية مكانها دفعة واحدة ، وتبدأ مِن نظام الحكم ، وتنتقل لسائر الأنظمة دفعة واحدة ، فأول عمل يقام به تحطيم أجهزة الحكم القائمة تحطيماً تاماً ، وإيجاد أجهزة الحكم الإسلامي مكانها ، وأجهزة الحكم تُلزم الناس بأفكار الإسلام وأحكامه ، وتفرض على المسلمين أن يكون المُسيِّر لهم في أعمالهم أوامر الله ونواهيه ، وأن يكون مقياس الأمور كلها لديهم هو الحلال والحرام ، وتسير في إحداث هذه التغيير بالتوجيه وبإيقاع الجزاء ، فتذكر المسلمين بالإسلام ، وتشرح للناس جميعاً أفكار الإسلام وأحكامه ، وفي نفس الوقت تعاقب المخالف بالحدود والجنايات والتعزير ، ولكنها تعتمد في إلزام المسلمين بالتقيّد بأفكار الإسلام وأحكامه على ما لديهم من اعتقاد ، أي على الدافع الذاتي ، فإن لم يوجد هذا الدافع الذاتي لجأت إلى الإلزام بالقوة وإيقاع الجزاء
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:26 PM   #12
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي ميثاق الأمة - الاقتصاد

الاقتصاد
53 – المشكلة الاقتصادية ليست فقر البلاد ، وإنما هي فقر الأفراد ، وبعبارة أخرى المشكلة الاقتصادية هي توزيع الثروة ، وليست إنتاج الثروة ، فمشكلة فقر البلاد إذا حصلت تُحلُّ بالعمل على زيادة الإنتاج ، أو بالتوسع ، أو بالاندماج في بلاد أخرى ، وحصولها ليس حتمياً ، فقد تحصل في البلاد الفقيرة ، وقد لا تحصل كالبلاد الغنية ، وهي لا تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، ولا تختلف باختلاف الشعوب والأمم ولا تشكل مشاكل بين السكان . أما مشكلة فقر الأفراد فهي تحصل حتماً ، لأن وجود أشخاص عاجزين ، أو مصابين بمرض الكسل ، أو طرأ عليهم عجز ، كل ذلك ومثله حتمي الحصول في المجتمع ، وكون الملكية غريزة وتسابق الناس على زيادة ملكيتهم لا يخلو منه مجتمع . لذلك فإن وجود الفقر في الأفراد أمر لا مناص من حصوله ، وبذلك كانت مشكلة فقر الأفراد أمراً لا مناص من وقوعه ، فتحتاج إلى حَلّ ، ثم إن هذه المشكلة تتعلق بوجهة النظر في الحياة وتختلف باختلاف الشعوب والأمم ، فأناس يرون أن الجزاء يجب أن يكون بقدر الجهد ، فمن لا يُنتج كان من العدل أن يكون فقيراً ، وأناس يرون أن العاجز عن الكسب ظُلْمٌ أن يُحرَم من حق العيش ، فإن عجزه خلقة ، أو طرؤ العجز عليه ليس في ملكه ، وبذلك كان العدل أن يُضمَن له العيش ، وأيضاً فإن التنافس في معترك الحياة على العيش والتسابق على المال أمر طبيعي ، وهذا التنافس والتسابق يوجد مشاكل بين السكان لا بد من حلها ، وهذا كلهُ يُري أن المشكلة التي لا بد لها من حَلّ هي مشكلة فقر الأفراد ، لا فقر البلاد ، ومعالجة فقر الأفراد تؤدي إلى معالجة فقر البلاد ، ولهذا كانت المشكلة هي التوزيع ، وليس الإنتاج .
54 – يجب أن يُضمَن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية فرداً فرداً إشباعاً كلياً ، وأن يُضمَن تمكُّن كل فرد منهم من إشباع جميع الحاجات الكمالية ، وأن يُضمَن للرعية كلها الأمن والتعليم والتطبيب ، وسائر الحاجات الأساسية للجماعة .
55 – الملكية ثلاثة أنواع هي : الملكية الفردية ، والملكية العامة ، وملكية الدولة . أما الملكية الفردية فهي حكم شرعي ، مقدّر بالعين أو المنفعة يقتضي تمكين مَن يضاف إليه مِن انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه . وأما الملكية العامة فهي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين ، وأما ملكية الدولة فهي كلّ مال مصرفه موقوف على رأي رئيس الدولة واجتهاده .
56 – الملكية العامة ثابتة في طبيعة المال وصفته ، بغض النظر عن رأي الدولة فينظر إلى واقع المال ، فإن كان المال مِن مرافق الجماعة كساحات البلدة ، أو من المعادن كالنفط ، أو من طبيعته أن لا يملك فردياً ، كان ملكاً عاماً طبيعياً ، ولا تستطيع الدولة إبقاءه ملكاً فردياً ، وإن لم يكن هذا المال مِن أي واحد من هذه الثلاثة بقي ملكاً فردياً ، ولا يحلّ للدولة أن تملكه جبراً عن صاحبه لا ملكية عامة ، ولا ملكية للدولة ، وأما ملكية الدولة فإنها محصورة في المال الذي فيه حق لعامة المسلمين ، وهو غير المال الذي هو ملك لعامة المسلمين ، فإن كان في المال حق لعامة المسلمين كالخراج ، والضرائب ، والفيء كان ملكاً للدولة يجب أن تملكه ، وإن لم يكن فيه حق لعامة المسلمين كان ملكاً للأفراد ، ولا يَحلّ لها أن تملكه ، وعلى ذلك فإن ما يُسمّى بالتأميم لا يَحِلُّ مطلقاً ، لأنه يعني تحويل الملكية الفردية إلى ملكية الدولة ، إذا رأت أن هناك مصلحة عامة ، تقتضي ملكية هذا المال المملوك فردياً ، وهذا لا يجوز ، لأن الشرع حَرَّم أخذ المال تحريماً عاماً . قال عليه السلام : " لا يَحلّ لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه " ، وحدّد ما هو ملكية عامة ، وجعله في طبيعة المال ، وصفته ، لا برأي الدولة ، وحدّد ما هو ملكية للدولة وجعله محصوراً فيما هو حق لعامة المسلمين .
57 – لملكية الأرض أحكام خاصة بها ، وحيازة الأرض أنها للإنتاج الزراعي ، واستمرار هذا الإنتاج وزيادته ، فتملك الأرض كما يُملك أيّ مال بالشراء ، والهبة ، والإرث ، وغير ذلك من أنواع الملك ، وتملك علاوة على ذلك بالإحياء بأن كانت ميتة فأحياها ، وبتمليك الدولة للأفراد ، وهو ما يُسمَّى في الاصطلاح الشرعي ( بالإقطاع ) ومتى ملك الشخص الأرض أجبر على أن يتولى بنفسه استغلالها ، إما بمباشرته هو العمل فيها ، أو بتأجيره عمالاً وحيوانات وآلات حرث وغير ذلك ، ولا يحلّ له أن يؤجرها للزراعة مطلقاً ، وإذا أهملها ثلاث سنوات دون استغلال أُخذت منه جبراً ، وأعطيت لغيره ، قال عليه السلام : " مَن أحيا أرضاً ميتة فهي له " ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم اقطع أبا بكر وعمر أرضاً ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كانت له أرض فليزرعها ، أو فلّيُرزِعها أخاه ، ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى " ، وروي أن عمر جعل التحجير ثلاث سنين فإن تركها حتى تمضي ثلاث سنين فأحياها غيره فهو أحق بها ، وهو القائل ( ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين ) .
58 – تباح التجارة الخارجية لجميع أفراد الرعية إباحة مطلقة ، سواء أكانت بضاعة أم نقداً ، فلا رخص استيراد ولا رخص تصدير ، ولا اذونات عملة لعموم قوله تعالى :(وأحلَّ الله البيع) وعموم قوله عليه السلام : " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد " ، وهذا عام يشمل التجارة الداخلية والخارجية على السواء ، ولا تؤخذ ممن يحمل التابعية ضريبة جمرك مطلقاً . لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة صاحب مكس " . وأما غير الرعايا ممن لا يحملون التابعية فإنه لا يسمح لهم بدخول البلاد ، ولا بإدخال مالهم إليها سواء أكان بضاعة ، أم نقداً ، إلا بإذن خاص ، أي إلا برخص استيراد ، وأذونات عملة ، وللدولة أن تأذن لهم ، ولها أن تمنعهم ، لان مَن لا يحمل التابعية لا يدخل إلا بأمان ، ويؤخذ من هؤلاء الذين لا يحملون التابعية ضريبة جمارك حسب ما يـأخذون من تجارنا ، رُوي عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال : ( قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا ؟ قال : كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم ؟ قالوا : العشر ، قال : فكذلك خذوا منهم ) .
59 – التجارة الخارجية تعتبر حسب تابعية التاجر لا حسب منشأ البضاعة ، فالتجار الحربيون حكماً يمنعون من التجارة في بلادنا إلا بإذن خاص للتاجر ، أو للمال . والتجار المعاهدون يعاملون حسب المعاهدات التي بيننا وبينهم ، والتجار الذين من الرعية يمنعون من إخراج ما تحتاجه البلاد من المواد ، ومن إخراج المواد الاستراتيجية ، ولا يمنعون من إدخال أي مال يملكونه .
ويستثنى من هذه الأحكام البلد الذي بيننا وبين أهله حرب فعلية كإسرائيل ، فإنه يأخذ أحكام دار الحرب الفعلية في جميع العلاقات معه ، تجارية كانت أم غير تجارية .
60 – يمنع استغلال واستثمار الأموال الأجنبية في البلاد ، كما يمنع منح الامتيازات لأي أجنبي .
61 – لا يجوز للدولة الإسلامية أن تشترك في صندوق النقد الدولي ، ولا في البنك الدولي ، ولا أن تستعين بهما لتقويم نقدها ، أو لتحسين أوضاعها المالية ، أو الاقتصادية ، لما يترتب على ذلك من ضرر للدولة ، وضرب لنقدها واقتصادها . لأنهما مؤسستان تستخدمهما أمريكا للتحكم بالنقد والتجارة في العالم .
كما لا يَحِلُ للدولة الإسلامية أن تأخذ قروضاً أجنبية من المؤسسات المالية أو من الدول الأجنبية لتمويل مشاريعها ، أو لتحسين اقتصادها ، أو للمحافظة على قيمة نقدها .
لما في ذلك من خطر على الدولة ، واقتصادها ، ونقدها ، وسيادتها ، إذ أن القروض الأجنبية أداة لإفقار البلاد ، وضرب اقتصادها ، ونقدها ، وزيادة ديونها أضعافاً مضاعفة ، ووسيلة لبسط نفوذ الدول الكافرة المقرضة عليها ، مما ينقص من سيادتها ويرهن إرادتها . وذلك مما لا يجوز شرعاً ، لأنه وسيلة إلى الحرام ، والوسيلة إلى الحرام محرَّمة ، ولأن هذه القروض لا تكون إلا بالربا ، والربا حرام أيضاً .
ونظرة بسيطة إلى الدول التي سمحت لنفسها بأخذ القروض الأجنبية كالأردن ومصر وتركيا والسودان وغيرها من الدول تُري أن هذه الدول لم يتحسن اقتصادها ، ولم تنجح مشاريعها ، ولم تحافظ على قيمة نقدها ، ولم تعالج فقرها ، بل بالعكس فقد انهار نقدها ، وازداد فقرها ، وتدهور اقتصادها ، وفشلت مشاريعها ، وتضاعفت ديونها أضعافاً مضاعفة ، وأصبحت إرادتها مرهونة لصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، وأصبح للدول المقرضة نفوذ عليها ، مما أدى إلى إضعاف سيادتها .
62 – الأصل في ملكية المصنع أنها ملكية فردية ، وليست ملكية عامة ، ولا ملكية دولة ، فإن الرسول  استصنع خاتماً ، واستصنع المنبر ، وقد استصنع كلاً منهما عند من يملك المصنع ملكية فردية ، وكان الناس يستصنعون في أيام الرسول  ، وسكت عنهم ، مما يدل على أن الرسول قد أقرَّ الملكية الفردية للمصانع مطلقاً . ولم يرد نصٌّ يدلّ على أن المصانع ملكية عامة أو ملكية دولة ، فتكون ملكية فردية .
غير أن المصانع التي تنتج مادة الملكية العامة يجوز أن تأخذ حكم المادة التي تنتجها ، فتصبح ملكية عامة ، كما يجوز أن تكون مملوكة للدولة ، باعتبارها نائبة عن الأمة في استخراج مادة الملكية العامة ، ويجوز أن تكون مملوكة للأفراد ، تستأجرها الدولة منهم لاستخراج هذه المادة .
63 – واردات الدولة الدائمية هي الفيء ،والجزية ، والخراج وخمس الركاز ، والزكاة ، وتؤخذ هذه الواردات دائمياً ، سواء أكانت هناك حاجة ، أم لم تكن ، فإذا كفت هذه الواردات كان بها ، وحينئذ لا يَحلّ للدولة جمع ضرائب مطلقاً ، أما إذا لم تفِ هذه الواردات للنفقات يُنظَر ، فإن كانت الحاجات التي لم تكفها الواردات حاجات غير ضرورية ، ولا يُصيب البلاد والناس ضرر من عدم القيام بها كفتح طريق يغني عنها غيرها ، وحفر آبار يمكن الاكتفاء عنها بما هو موجود لا يحلّ أن تجمع الدولة ضرائب من أجل القيام بها ، بل تؤجَّل حتى يوجد مال من الواردات الدائمية ، وإن كانت ضرورية بأن كان يٌصيب البلاد ، أو الأمة ضرر من عدم القيام بها ، ففي هذه الحالة تجمع الدولة ضرائب للقيام بها بقدر ما يلزمها ، لأن ذلك مما يجب على بيت المال والمسلمين ، فإذا لم يوجد في بيت المال مال انتقل وجوبها على المسلمين ، وتجمع مِن كل مَن كان لديه ما يَفضُل عن حاجاته حسب حاله وأمثاله بالمعروف ، ولا يصح أن تفرض الضرائب غير المباشرة مطلقاً ، فلا ضرائب حراسة ، ولا ضرائب صحية ، ولا ضرائب بلدية ، ولا رسوم محاكم ، ولا رسوم دلالة ، ولا غير ذلك مطلقاً .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:28 PM   #13
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي ميثاق الأمة - الدولة

الدولة
64 – السلطان يكمن في الأمة ، أو في الفئة الأقوى منها ، ولكنه إنما يظهر ويتمثل في شخص واحد منها هو الأمير ، وما لم يوجد الأمير لا يوجد سلطان وجوداً فعلياً ، وبما أن السلطان هو رعاية شئون الناس وإدارة مصالحهم ، ولا غنى للناس عن رعاية مصالحهم لذلك لا يصح أن تخلو الأمة مِن أمير ، فوجود الأمير في الأمة واجب حتمي ، تحتمه طبيعة حياة الأمة ، ومِن هنا كان وجود الأمير واجباً محتماً ، وكان خلو الأمة مِن أمير لا يصح أن يكون ولا بحال من الأحوال ، وقد جاء الشرع بوجوب نصب الأمير ، وأجمع الصحابة على عدم جواز خلو الأمة مِن أمير . عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يَحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم " ، وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم " ، واخرج البزار بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمرّوا أحدكم " ، فهذه الأحاديث تدل على أن نصب الأمة أميراً عليها فرض ، وأما عدم جواز خلو الأمة من أمير فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على عدم جواز خلو الأمة مِن أمير أكثر من ثلاثة أيام ، فقد باشروا الاجتماع في السقيفة للبحث في نصب خليفة لرسول الله  منذ بلغهم نبأ وفاته ، وظلّوا في نقاش في السقيفة ، ثم في اليوم الثاني اجتمع الناس في المسجد ، فاستغرق ذلك ليلتين بثلاثة أيام ، وأيضاً فإن عمر عهد إلى أهل الشورى عند ظهور تحقق وفاته من الطعنة ، وحدّد لهم ثلاثة أيام ، ثم أوصى إذا لم يُتفق على الخليفة أن يُقتل المخالف بعد الأيام الثلاثة ، ووكل خمسين رجلاً من المسلمين بتنفيذ ذلك ، أي بقتل المخالف ، مع أنهم مِن أهل الشورى ومن كبار الصحابة ، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة ، ولم ينقل عنهم مخالف أو مُنكِر ، مع أنه مما ينكر ، لأن فيه الأمر بقتل كبار الصحابة إن خالفوا ، فكان إجماعاً من الصحابة على أنه لا يجوز أن يخلو المسلمون مِن خليفة أكثر من ليلتين بثلاثة أيام ، وحين أوصى عمر لأهل الشورى قال لهم تشاوروا ثلاثة أيام ، وليصلِّ بكم صهيب هذه الثلاثة أيام التي تشاورون فيها .
65 – السلطان للامة ، ولكل واحد من أبنائها حق أن يتقدم لأخذ السلطان منها ما دام جامعاً لشروط الخلافة . فإذا خلا منصب الأمير كان على أهل الحَلّ والعقد أن يحصروا المرشحين للإمارة ما دام كل واحد من أبناء الأمة الجامعين لشروط الخلافة له أن يرشح نفسه ، وبعد حصر المرشحين تختار الأمة من هؤلاء مَن تراه أهلاً للإمارة ، إلا أن على أهل الحَلّ والعقد أن يختاروا أميراً مؤقتاً ، ريثما يتم انتخاب الخليفة أو الأمير الدائم ، إذا لم يكن الخليفة الأول أو الأمير الأول قد نَصّب أميراً يخلفه في الإمارة ريثما تختار الأمة أميرها ، أو خليفة المسلمين ، فإن الأمة حين طلبت من عمر أن يستخلف ، حصر المرشحين للخلافة في ستة يُختار منهم ، وبدأ عبد الرحمن بن عوف يأخذ رأي الناس فيمن يختارونه مِن هؤلاء الستة ، وقال : لم أترك رجلاً ولا امرأة إلا واستشرته ، أي أخذت رأيه ، وإلى أن يتّم انتخاب واحد مِن الستة المحصور ترشيح الخلافة بهم عَيَّن عمر صهيباً أميراً على الناس حتى يَتمَّ الانتخاب .
66 – الدولة كيان تنفيذي لمجموعة المقاييس والمفاهيم والقناعات التي تقبلتها الأمة أي للأحكام الشرعية . والدولة هي التي تقود الأمة في معترك الحياة فوق رقعة محدودة مِن الأرض . وكيان الأمة ، وكيان الدولة يشكلان في هذه البقعة كياناً واحداً تحتل الدولة فيه مركز القيادة ، فحتى يَظلَّ هذا الكيان المُشكَّل من الكيانين موجوداً ، وحتى يَظلّ كيان الدولة كياناً صالحاً يرعى شؤون الناس حسب مجموعة المقاييس والمفاهيم والقناعات ، وحتى تضمن الأمة الطمأنينة والاستقرار لا بد من أن توجد في كيان الدولة مفاهيم الانضباط تبعاً لوجودها في كيان الأمة ، ولا بد من أن تكون هذه المفاهيم مغروسة في النفوس طاغية على العلاقات متمكنة من الأجواء بحيث يصبح عرفاً عاماً منبثقاً عن وعي عام ، وهذه المفاهيم أهمهما خمسة هي :
الأول : أن يظل السلطان عملياً للامة ، وان يعتبر اغتصابه منها جريمة يعاقب عليها أشدّ العقاب ، فالشرع جعل نصب الخليفة للامة بجعل البيعة لها ، وجعل الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة ، فجعل طريقة أخذ السلطان هي البيعة . وجعل البيعة للمسلمين جميعاً يدل على أن السلطان للامة ، وانه إنما يؤخذ منها ، وبما أن البيعة عقد مراضاة واختيار كسائر العقود ، لذلك كان لا بد أن يؤخذ السلطان مِن الأمة بالرضا والاختيار مِن غير إكراه ولا إجبار ، وإن أخذت بالإكراه والإجبار كانت عقداً باطلاً لم ينعقد ، فيكون مَن أخذ السلطان بالبيعة إجباراً لم تنعقد بَيعتُه ، فلا يكون قد أخذ السلطان ، ومَن أخذ السلطان بدون بيعة كان مغتصباً ، لأنه لا يملكه إلا بعقد بيعة بالرضا والاختيار .
الثاني : الطاعة الكاملة للحاكم عن رضا واطمئنان في كل ما أَمر به ، ونهى عنه ، مما جعل الشرع له تصريفه برأيه واجتهاده ، وحتى لو ظلم ، وأكل الحقوق ، فإن طاعته تَظلُّ واجبة ، ولا يُعصى إلا إن أمر بمعصية . عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " وعن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : " سيليكم بعدي ولاة ، فيليكم البر ببره ، والفاجر بفجوره ، فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق " ، وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مَن كره مِن أميره شيئاً فليصبر عليه ، فإنه ليس أحد مِن الناس خرج مِن السلطان شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية " ، وروى البخاري عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أدوّا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم " .
فهذه الأحاديث تُري مبلغ ما حَّث الشرع على طاعة ولاة الأمر من المسلمين ، مهما ظلموا وأكلوا أموال الناس .
الثالث : وجوب القيام بمحاسبة الحكام ونقدهم بالقول ، ومهاجمتهم بقارص الكلام ، بالرغم مِن وجوب طاعتهم ، لأن الأمة قوّامة على قيام الحاكم بمسئولياته ، ومُلزَمة بالإنكار عليه . فعن أم سلمة عن النبي  قال : " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومَن أنكر فقد سلم ، ولكن مَن رضي وتابع " ، أي كره المنكر فليغيره ، ومن لم يقدر على تغييره فأنكر ذلك بقلبه فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، أي رضي بفعلهم بقلبه ، وتابعهم عليه في العمل لم يبرأ ولم يسلم . وقال عليه الصلاة والسلام : " سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله " .
الرابع : مقاتلة الحاكم بالسلاح إذا ظهر الكفر البَواح ، أي إذا حكم الحاكم بأحكام الكفر ، أو إذا سكت عن طغيان الكفر في البلاد ، فإنه في هذه الحال يجب قتاله ، ففي حديث أم سلمة " قالوا أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلّوا " ، وفي رواية " ألا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلّوا " ، وفي حديث عوف بن مالك " قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة " ، وفي حديث عبادة بن الصامت " وأن لا ننازع الأمر أهله ، قال : إلا أن تَروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان " ، ووقع عند الطبراني " كفراً صُراحاً " ، وفي رواية لأحمد " ما لم يأمرك بإثم بَواحاً " . فهذا كله يدل على وجوب حمل السلاح على الحاكم إذا ظهر الكفر البَواح .
الخامس : يجب أن ينهض المسلمون لقتال الأعداء تحت ظِلّ الحاكم مهما كان حاله ، سواء أكان براً أم فاجراً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " الجهاد ماضٍ مع البَرّ والفاجر " ، أخرجه أبو داود عن أبي هريرة .
هذه المفاهيم الخمسة مفاهيم انضباط لا بد من وجودها في كيان الدولة وكيان الأمة ، ولا بد من طغيانها ، وإن عدم وجودها يعرض الأمة والدولة للأخطار .
67 – يجب تطبيق الإسلام كاملاً ، ودفعة واحدة ، ويحرم التدرج في تطبيق أحكامه . فبعد نزول قوله تعالى :(اليوم أكملت لكم دينكم ) أصبح المسلمون مطالبين بالعمل بجميع الأحكام الشرعية ، سواءً كانت تتعلق بالعقائد أو العبادات أو الأخلاق ، أو المعاملات ، أو تتعلق بالحكم ، أو الاقتصاد ، أو الاجتماع ، أو بالسياسة الخارجية في العلاقة بالشعوب والأمم والدول في حالتي السلم والحرب .
إذ لا فرق بين حكم وحكم ، ولا بين واجب وواجب ، ولا بين حرام وحرام . فكما يجب أن نقوم بالصلاة والصيام والزكاة ، كذلك يجب أن نقوم بنصب خليفة ، وبإزالة أحكام الكفر ، والحكم بما أنزل الله . وكما يحرم علينا شرب الخمر وأكل الربا ، كذلك يحرم علينا السكوت على الحكام الظلمة والفسقة ، كما يحرم علينا السكوت على تطبيق أحكام الكفر ، وموالاة الدول الكافرة .
فيجب أن يقام بالإسلام كله ، وأن يطبق جميعه ، ولا يجوز التدرج في تطبيقه ، لأن المسلمين مطالبون بتطبيقه كاملاً . قال تعالى :(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) أي يجب عليكم أن تأخذوا جميع ما جاءكم به الرسول من الواجبات ، وان تبتعدوا عن جميع ما نهاكم عنه من المحرمات ، لأن ( ما ) في الآية من صيغ العموم . فتشمل وجوب أخذ جميع ما جاء به من واجبات ، ووجوب الانتهاء عن جميع المنهيات .
كذلك قوله :( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) فهو أمر للرسول ولمن بعده من الحكام أن يحكموا بجميع ما أنزل الله من الأحكام ، لأن ( ما ) في الآية من صيغ العموم ، وقد نهى الله في الآية الرسول والحكام من بعده عن اتباع أهواء الناس ، كما حذره والحكام من بعده أن يفتنهم الناس عن بعض الأحكام التي أنزلها الله . وقد جعل الله مَن لم يحكم بجميع ما أنزل من الأحكام كافراً وظالماً وفاسقاً ، لأن ( ما ) الواردة في آيات الحكم الثلاث عامة لجميع الأحكام المنزلة ، لأنها من صيغ العموم . والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب قتال الحاكم ، وإشهار السيف في وجهه إذا ظهر الكفر البواح ، الذي عندنا من الله فيه برهان ، أي إذا حكم بأحكام الكفر ولو حكماً واحداً . كما ورد في حديث عبادة بن الصامت " وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " .
لذلك لا عذر في عدم تطبيق أحكام الإسلام جميعها ، ودفعة واحدة ، ودون تدريج بحجة عدم القدرة على تطبيقه ، أو عدم ملائمة الظروف للتطبيق ، أو لعدم تقبل الرأي العام الدولي بذلك ، أو لعدم قبول الدول الكبرى ، أو غير ذلك من الحجج الواهية فكلها أعذار وحجج واهية لا قيمة لها . وكل مَن يحتج بها ويتخذها عذراً في عدم تطبيق الإسلام كاملاً ، فلن يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:30 PM   #14
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي ميثاق الأمة - شكل الدولة

شكل الدولة
68 – يختلف شكل الحكم في الإسلام عن سائر أشكال الحكم اختلافاً جوهرياً ، فليس هو نظاماً ملكياً ، ولا يقر النظام الملكي ، فهو لا يجعل لرئيس الدولة أية حقوق سوى ما لأي فرد من أفراد الأمة ، ولا يجعل رئيس الدولة مالكاً ، بل منفذاً لشرع الله ، وليس هو رمزاً للأمة يملك ولا يحكم ، بل هو مُوَلّى مِن قبل الأمة في الحكم ، يحكم نيابة عنها ، ولا يملك شيئاً من هذا الحكم ، وليس فيه ولاية عهد مطلقاً .
وليس هو نظاماً جمهورياً ، فرئاسة الدولة فيه لا تحدّد بزمن معين ، وإنما تحدّد بكيفية معينة ، فالخليفة تشترط فيه شروط حتى يكون أهلاً للخلافة ، فإذا اختل شرط من هذه الشروط فإنه يخرج عن الخلافة ، وينعزل في الحال ، أو يصبح مستحقاً للعزل ، ولكن ما دام مستكملاً هذه الشروط فإنه يظل خليفة حتى يموت ، وأيضاً فإن في النظام الجمهوري تحدّد صلاحيات رئيس الجمهورية من الشعب ، بخلاف الإسلام فإن صلاحيات رئيس الدولة غير محددة ، فهو يملك جميع الصلاحيات وهو الدولة بكل صلاحياتها .
وليس هو نظاماً دكتاتورياً ، فإن رئاسة الدولة فيه مقيدة بأحكام الشرع فلا يُحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً ، بل هو مقيد بالشرع ، بخلاف النظام الدكتاتوري فإنه مطلق الصلاحية ، يسير برأيه حسب ما يرى ، وهو المشرّع وهو المنفذ ، أما الخليفة فليس بمشرع ، وإنما هو منفذ للشرع .
وليس هو نظاماً إمبراطورياً ، فالأقاليم التي يحكمها مهما كانت مختلفة الأجناس فإنها ترجع إلى مركز واحد ، وهو يساوي بين الأجناس في كل أنحاء الدولة ، ولا يجعل لمركز الدولة أية ميزة على غيره ، ومالية الأقاليم مالية واحدة تجبى للجميع ، فلا يُنفق على إقليم بقدر ما يجمع منه ، بل يُنفق عليه ما يحتاجه بغض النظر عما جبى منه ، وتشريعه لكل الأقاليم واحد ، وسلطة الحكم في كل الأقاليم واحدة .
وليس هو نظاماً اتحادياً تنفصل أقاليمه بالاستقلال الذاتي ، وتتحد في الحكم العام ، بل هو نظام وحدة تعتبر فيه كل الأقاليم بلداً واحداً ، ولا يملك أي إقليم أية سلطة من الحكم ، لا في السياسة الداخلية ، ولا في السياسة الخارجية ، ولا في الاقتصاد ، ولا في التعليم ، ولا في أي شيء مطلقاً ، بل السلطة كلها في يد واحدة وفي مركز واحد ، وقد أمر الشرع بالقتل والقتال للمحافظة على الوحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنه الآخر " ، فشكل الدولة يختلف عن جميع أشكال الدول ، إذ هو خليفة يطبق الشرع ، ولا يصير خليفة ، أي لا يملك السلطة إلا إذا ولاه المسلمون بالبيعة ، عن مطلق الرضا والاختيار ، ومتى صار خليفة صار بيده وحده جميع صلاحيات الحكم .
69 – السلطان غير القوة ، وإن كان لا يعيش إلا بها ، والقوة غير السلطان ، وإن كان لا يستقيم أمرها إلا به .
فالسلطان هو الحكم ، وولاية الأمر ، وهو كيان تنفيذي لمجموعة الأفكار والمفاهيم والمقاييس التي تقبلها الأمة ، فعمله هو تنفيذ الأحكام ، والرعاية لشؤون الناس ، وتصريف أمورهم .
وبذلك يكون غير القوة ، وإن كان السلطان لا يمكن أن يعيش إلا بالقوة ، لأنها هي أداة الحماية للحكم ، ولمجموعة الأفكار والمفاهيم والمقاييس والأحكام التي قام عليها السلطان ، وهي في نفس الوقت أداة بيد السلطان يستخدمها لتنفيذ الأحكام ، وقهر المجرمين والظالمين والمعتدين ، وقمعهم حتى يلتزموا بالأحكام .
أما القوة في الدولة ، فهي ليست رعاية شؤون الناس ، ولا تصريفاً لأمورهم ، أي هي ليست السلطان ، وإن كان وجودها ، وتكوينها ، وتسييرها ، وإعدادها ، وتجهيزها لا يتأتى بدون السلطان .
وهي عبارة عن كيان مادي يتمثل في الجيش ، ومنه الشرطة ينفذ به السلطان الأحكام ، ويقهر به المجرمين والفسقة ، ويقمع الخارجين ، ويصد به المعتدين ، ويتخذه أداة لحماية السلطان ، وما يقوم عليه من أفكار ومفاهيم ومقاييس .
ومن هنا يتضح أن السلطان غير القوة ، وأن القوة غير السلطان .
لذلك لا يجوز أن يصبح السلطان قوة ، لأنه إن تحول السلطان إلى قوة فسدت رعايته لشئون الناس ، لأن مفاهيمه ومقاييسه تصبح هي مفاهيم القهر والقمع والتسلط ، وليس مفاهيم الرعاية ، ويتحول إلى حكم بوليسي ، ليس له إلا الإرهاب ، والتسلط والكبت والقهر وسفك الدماء .
وكما لا يجوز أن يصبح السلطان قوة كذلك لا يصح أن تكون القوة سلطاناً ، لأنها ستصير تحكم بمنطق القوة ، وترعى شؤون الناس بمفاهيم ومقاييس الأحكام العسكرية ، ومقاييس القمع والقهر ، وكلا الأمرين يسبب الخراب والدمار ، ويولّد الرعب والخوف والفزع ، ويوصل الأمة إلى حافة الهاوية . مما سيوقع أشدّ الضرر بالأمة . والقاعدة الشرعية تقول : ( لا ضرر ولا ضرار ) .
70 – يقوم نظام الحكم على أربع قواعد هي :
أ – السيادة للشرع ، لا للشعب .
ب – السلطان للامة .
ج – نصب خليفة واحد فرض على المسلمين .
د – للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية ، فهو الذي يسن الدستور وسائر القوانين . أما أن السيادة للشرع وليس للشعب كما تنص على ذلك الدساتير الديمقراطية فذلك أن الأمة الإسلامية ليست مسيّرة بإرادتها ، تفعل ما تريد ، بل هي مسيرة بأوامر الله ونواهيه ، فهي خاضعة للشرع ، ومن هنا كانت السيادة للشرع . وأما قاعدة السلطان للامة فمأخوذة من جعل الشرع نَصْبَ الخليفة من قِبَل الأمة ، ومِن جعله يأخذ السلطان بالبيعة ، وأما القاعدة الثالثة فإن فرضية نصب الخليفة ثابتة في الحديث الشريف ، قال : " من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية " ، فالواجب هو وجود بيعة في عنق كل مسلم ، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده ، وأما القاعدة الرابعة فقد ثبتت بإجماع الصحابة ، ومن هذا الإجماع أُخذت القواعد الشرعية المشهورة ( أمر الإمام يرفع الخلاف ) ، و ( وأمر الإمام نافذ ) ، و ( وللسلطان أن يُحدث مِن الأقضية بقدر ما يَحدث مِن مشكلات ) .
71 – تقوم الدولة على ثمانية أجهزة هي :
1 – الخليفة .
2 – معاون التفويض .
3 – معاون التنفيذ .
4 – أمير الجهاد .
5 – الولاة .
6 – القضاة .
7 – مصالح الدولة .
8 – مجلس الأمة .
وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاز الدولة على هذا الشكل فقد كان هو رئيس الدولة ، وأمر المسلمين بأن يقيموا لهم رئيس دولة حين أمَرهم بإقامة خليفة ، وقد اختار الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر وعمر وزيرين ، أي معاونين له ، وقال : " وزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر " ، وهو قد عين للمقاطعات ولاة ، وعين قضاة يقضون بين الناس ، وأما الجهاز الإداري فقد عين صلى الله عليه وسلم كُتَّاباً لإدارة مصالح الدولة . وأما إمارة الجهاد التي تشرف على الناحية الحربية والخارجية والداخلية والصناعة ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا هم بأنفسهم يتولون ذلك . غير أن عمر بن الخطاب أنشأ ديواناً للجند وجعل له مسؤولاً خاصاً ، وهو من صلاحيات أمير الجهاد . وأما مجلس الأمة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستشير المسلمين حينما يريد ، وكان يدعو أشخاصاً معينين بشكل دائمي ليستشيرهم وكانوا من نقباء القوم ، ومن هذا يتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام جهازاً معيناً للدولة على شكل مخصوص .
72 – يُعيّن الخليفة معاون تفويض له ، يتحمل مسئولية الحكم ، فيفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده تفويضاً عاماً .
ولذلك يشترط في هذا التقليد حتى يكون عقد نيابة أن يشتمل على لفظ يدل على عموم النظر ، أي يدّل على أن له جميع صلاحيات الحكم ، وأن يشتمل كذلك على لفظ يدل على أنه نائب عن الخليفة ، أي لا بد في التقليد للمعاون من ألفاظ تدل على واقع المعاون ، وهو النيابة عن الخليفة ، وأخذ جميع ما للخليفة من صلاحيات ، فهو بيده ما بيد الخليفة من صلاحيات الحكم ، فهو كالخليفة في السلطة سواءً بسواء ، ولذلك كان الناس يشكون لأبي بكر من عمر حين كان يتولى سلطة المعاون ، ويسألونه هل أنت الخليفة أم عمر ؟ فيقول : أنا وهو وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة ، إلا أن المعاون لا يقوم بعمل إلا إذا اطلع الخليفة عليه قبل القيام به ، فإن منعه الخليفة امتنع وإلا قام به ، واطلاعه الخليفة على العمل ليس أخذ إذن به ، بل هو مجرد إطلاع ، ولا ينتظر الإذن ، بل يقوم بالعمل بعد إطلاع الخليفة ، إلا أن يمنعه عن القيام به ، وكذلك للخليفة أن يُلغي الأعمال التي قام بها المعاون ، إذا كانت مما لو حصلت من الخليفة له أن يرجع عنها ، أما الأعمال التي إن حصلت مِن الخليفة نفسه ولا يصح أن يرجع عنها ، فلا يملك إلغاءها إذا قام بها المعاون ، وذلك كحكم نَفّذه على وجهه ، أو مال وضعه في حقه ، ويجب على الخليفة أن يتصفح أعمال المعاون كلها ليُقر منها الموافق للصواب ، ويستدرك الخطأ ، فالمعاون نائب عن الخليفة في كل أعمال الخلافة ، غير أن عمله هو مطالعة الخليفة لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد قبل تنفيذ ذلك ، وامتناعه عن العمل إن أوقف عنه ، وكان يسمى وزير تفويض .
73 – يُعيِّن الخليفة معاوناً للتنفيذ ، وعمله من الأعمال الإدارية وليس من الحكم ، ودائرته هي جهاز لتنفيذ ما يصدر عنه أو عن معاون التفويض للجهات الداخلية والخارجية ولرفع ما يرد إليه من هذه الجهات ليكون واسطة بين الخليفة وغيره ، يؤدي عنه ويؤدي إليه ، وهذا الجهاز يكون بمثابة معاون للخليفة ولكنه معاون في التنفيذ ، وليس في الحكم ، فهو موظف ، وليس بحاكم ، وكان يُسمّى وزير تنفيذ ، والأصل فيه أن يكون واحداً ، له أن يُعيِّن معه من يقوم بالأعمال ، إلا انه يجوز أن يُعيَّن أكثر مِن واحد ، وإذا عيّن أكثر من واحد جعل كل وحد على قسم معين ، ووزير التنفيذ هذا متصل مباشرة برئيس الدولة ، وعلاقته إنما هي مع رئيس الدولة لأنه ينفذ له ما يريد ، ويرفع إليه ما يأتي فهو كالمعاون من أجهزة الخليفة المتصلة به مباشرة ، وإن كان ليس من أجهزة الحكم . ومن هنا كانت دار الخلافة مؤلفة من ثلاث جهات : أحدها الخليفة وهو رأس الدولة ، وثانيها المعاونون أو وزراء التفويض ، وثالثها جهاز التنفيذ أو وزير التنفيذ .
74 – مجلس الأمة مكون من الأشخاص الذين يمثلون المسلمين في محاسبة الحكام وفي الرأي ليرجع إليهم الخليفة ، ويجوز لغير المسلمين أن يكونوا في مجلس الأمة من أجل الشكوى مِن ظلم الحكام ، أو من إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم ، ولا حق لهم في الشورى ، ولا في حصر المرشحين للخلافة ، ولا في انتخاب الخليفة ، ولا في مبايعته ، ولا في مناقشة القوانين وتشريعها . وهؤلاء الأعضاء ينتخبون انتخاباً مباشراً من الناس ، ولكل مَن يحمل التابعية إذا كان بالغاً عاقلاً الحق في أن يكون عضواً في المجلس رجلاً كان أو امرأة ، مسلماً كان أو غير مسلم . وللمسلمين من الأعضاء حق حصر المرشحين للخلافة ، ورأيهم في ذلك ملزم .
75 – للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام ، أو للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية ، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية ، ولا يحتاج الحزب لأي ترخيص ، ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام كالأحزاب الشيوعية أو القومية أو الوطنية .
76 – لكل فرد من الرعية أن يصدر أي جريدة أو مجلة سياسية كانت أو غير سياسية وأن يصدر أي كتاب دون حاجة لأي ترخيص ، ويعاقب كل من يطبع أو ينشر أو يصدر أي شيء من شأنه أن يناقض الأساس الذي تقوم عليه الدولة أي العقيدة الإسلامية .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:32 PM   #15
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي ميثاق الأمة - السياسة الخارجية

السياسة الخارجية
77 – العالم كله في حكم الشرع قسمان لا ثالث لهما ، وهما دار حرب أو دار كفر ، ودار الإسلام . فكل بلاد تحكم بالإسلام ، وأمانها بأمان الإسلام ، كانت دار الإسلام ، ولو كان أهلها من غير المسلمين . وكل بلاد تحكم بغير الإسلام ، وأمانها بغير أمان الإسلام ، فهي دار حرب أو دار كفر ، ولو كان أهلها من المسلمين . ففي حديث سليمان بن بُرَيْدَةَ " ادعُهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم " . فهذا نص يشترط التحول لدار المهاجرين ، ليكون لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام ، وما عداها دار حرب ، وهؤلاء الذين أسلموا طُلب منهم أن يتحولوا إلى دار الإسلام ، حتى تُطَّبق عليهم أحكام دار الإسلام ، وإن لم يتحولوا لا تطبق عليهم أحكام دار الإسلام ، يعني تطبق عليهم أحكام دار الحرب ، ثم إن كلمتي دار كفر ، ودار إسلام اصطلاح شرعي ، وهي مضافة إلى الإسلام ، وإلى الحرب والكفر وليست مضافة إلى المسلمين ، ولا إلى الكفار ، وإضافتها إلى الإسلام تعني الحكم والأمان بالنسبة للدولة ، فتكون دار الإسلام هي التي يتحكم بالدولة فيها دين الإسلام ، وتحكمه في الدولة إنما يعني السلطان والأمان ، وهذا كله دليل على أن العالم إما دار الإسلام ، وإما دار الكفر ، وبناء عليه فإن السياسة الخارجية إنما تعني علاقة الدولة بالبلاد التي تُعتبر دار كفر ، سواء كان أهلها مسلمين أو غير مسلمين . وكل بلاد تحكم بالإسلام ، وأمانها بأمان الإسلام لا تنطبق عليها السياسة الخارجية ، بل تُعتَبر من السياسة الداخلية ولو كانت منفصلة عن الدولة بكيان مستقل .
78 – العلاقة الخارجية للدولة مبنية على أساس حمل الدعوة الإسلامية ، سواء أكانت علاقة سياسية أم اقتصادية ، أم ثقافية أم غير ذلك ، فيتخذ فيها حمل الدعوة أساساً لكل تصرف من التصرفات ، فالرسول  قد جعل علاقاته مع كل دار كفر سواء مع قريش ، أو مع سائر القبائل مبنية على أساس حمل الدعوة ، سواء في الحرب أو الصلح ، أو الهدنة ، أو حسن الجوار ، أو التجارة أو غير ذلك ، وكذلك صحابته من بعده . فالسياسة الخارجية أساسها حمل الدعوة الإسلامية .
79 – السياسة الخارجية تقوم على أمرين – أحدهما القيام بأعمال مقصودة لتبليغ الدعوة وهذا يأخذ ناحيتين – القيام بما يسمى بالحرب الباردة ، والسير في خطة الدعوة والدعاية ، من دعاة وبرامج تبليغ وما شاكل ذلك ، وثانيهما القيام بالأعمال السياسية ، وما يُسمى بالأعمال الدبلوماسية ، فذهاب الرسول  للعمرة في حادث الحديبية من الحرب الباردة ، وآية  يسألونك عن الشهرِ الحرام قِتال فيه ، قُلْ قتال فيه كبير  من الدعاية ، وإرساله عليه السلام في يوم الرجيع ستة من أصحابه ليعلموا الناس الإسلام وإرساله يوم بئر معونة أربعين رجلاً من خيار المسلمين إلى نجد يعلمونهم الإسلام من خطة الدعوة ، وإرساله الرسل إلى الملوك من الأعمال الدبلوماسية ، وعقده المعاهدات مع صاحب أيلة على حدود الشام من الأعمال السياسية ، وهكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقوم بأعمال مقصودة لتبليغ الدعوة ، ويقوم بأعمال سياسية ودبلوماسية لحمل الدعوة ، هذه الأعمال كلها تعتبر من تبليغ الدعوة قبل القتال ، وهو مما طلبه الشرع ، عن ابن عباس قال : ( ما قاتل رسول الله  قوماً قط إلا دعاهم ) ، وعنه  أنه قال لفروة بن مسيك : " لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام " .
80 – الأصل في القانون الدولي أن العالم كان منذ القديم يجري بين دوله عرف عام واصطلاح يوافق عليه الجميع ، بقواعد وأفكار معينة . مثل عدم قتل الرسل ، ومثل عدم قتل النِساء ، ومثل عدم الإجهاز على الجريح ، ومثل عدم تعذيب الأسير ، وما شاكل ذلك ، ولكن الأصل في القانون الدولي الحديث هو أن الدول المتقاربة الغايات ، وهي الدول النصرانية في العالم قد عقدت عدة مؤتمرات ، واتفقت على قواعد معينة ، وأفكار معينة جعلتها قوانين دولية ، وألزمت نفسها بها ، وكان ذلك لتنظيم علاقات الحرب والسلم فيما بينها وحصرت مراعاة هذه القوانين بها وحدها ، ولم تدخل فيها الدولة الإسلامية التي كانت قائمة يومئذٍ ، ولم تعتبر القوانين الدولية منطبقة عليها . ولذلك كانت القوانين الدولية لا تشمل الدولة الإسلامية ، ولا تراعيها الدول الغربية مع الدولة الإسلامية ، فلما ضعفت الدولة العثمانية ، وأخذت تسترضي الدول الغربية ، أرادت أن تدخل في القوانين الدولية ، وأن تجعلها تشملها ، فمانعت الدول الغربية في أول الأمر ، ولكن لمّا تنازلت الدولة العثمانية عن جعل الشرع هو الحكم في علاقاتها الدولية ، ورضيت بجعل القوانين الدولية هي الحكم في علاقاتها مع الدول ، وافقت الدول الغربية على إدخالها معها ، وصارت تراعي القوانين الدولية بالنسبة لها ، ومنذ ذلك التاريخ غلب التعامل بين الدول على جعل القوانين الدولية عامة ، وهذا ما هو جارٍ الآن ، غير أن هذا يخالف أحكام الشرع ، فإن علاقة الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى يُحكَّم فيه الشرع ، لا القوانين الدولية ، ولذلك يُنظر للقوانين الدولية لكل قانون على حدة ، فيُؤخذ واقعه ويُفهم تمام الفهم ، ثم يُؤخذ النَصُّ الشرعي ، ويُفهم كذلك تمام الفهم ، ثم يطبق عليه ، ويعطى الحكم الذي دل عليه النص الشرعي ، ولذلك يُحَّكم الشرع بالعلاقات الدولية بيننا وبين الدول الأخرى ، وليس القوانين الدولية .
81 – كما أن وجود الفرد الحقوقي إنما هو بالنسبة لعلاقته بغيره من الأفراد ، وليس بالنسبة لأعماله لذاته فقط ، فكذلك وجود الدولة الحقوقي إنما هو بالنسبة لعلاقاتها بغيرها من الدول ، وليس بالنسبة لأعمالها الداخلية فقط ، لأن الدولة شخصية معنوية ، تُعتَبر بحسب ما لهذه الشخصية من مكانة ، وما لدى الدول الأخرى من صورة عنها . والدولة الحاملة للدعوة أكثر تأثيراً بالنسبة لعلاقاتها بغيرها من الدول فإن وجودها الحقوقي وحمايتها يتوقفان على مدى هذه العلاقات كأي دولة ، يضاف إلى ذلك أن تبليغها الرسالة التي تحمل دعوتها ، يتوقف على مدى هذه العلاقات ، وعلى مدى ما لشخصيتها من تأثير ، وما لدى الدول الأخرى من صورة عنها ، ولذلك تعتبر المحافظة على شخصيتها بين الدول مِن أهمِّ أهداف السياسة الخارجية ، وقد اعتادت الدول أن تشوّه سمعة الدول الأخرى التي تعاديها ، وأن تحط من منزلتها لدى العالم ، بإيجاد رأي عام ضدها ، كما كانت تفعل الدول الغربية تجاه الدولة الإسلامية ، والرأي العام الدولي والعالمي له تأثير كبير في مكانة الدولة ، وفي الحرب وفي السلم ، ولهذا لا بد للدولة أن تهتم بالرأي العام الدولي ، حتى تقاوم إيجاد رأي عام ضدها ، وحتى توجد رأياً عاماً لها ولفكرتها ولدعوتها . وقد كان الرسول  يهتم بذلك ، قال عليه الصلاة والسلام : " نُصرت بالرعب من مسيرة شهر " .
82 – إن الله سبحانه قد أمر المسلمين بحمل الدعوة إلى الناس كافة ، وإدخالهم في دولة الخلافة ، وشرع الجهاد طريقة لحمل الدعوة ، فيجب أن تنهض الدولة إلى إعلان الجهاد على الكفار دون هوادة ، ودون توقف ، ومنذ أن قامت للمسلمين دولتهم حتى آخر الخلافة الإسلامية ، والمسلمون هم الدولة الأولى في العالم سياسة وعلماً وقوة ، فلا يجوز للمسلمين أن يعقدوا أحلافاً عسكرية ، أو معاهدات حماية مع الكفار مطلقاً ، ولا يجوز لهم أن يضعوا قضاياهم في يد مجلس الأمن ، أو هيئة الأمم المتحدة ، أو في يد أيَّة دولة في الدنيا ، وأن يقبلوا الخضوع للقوانين الدولية الكافرة ، أو الهيمنة الأجنبية مهما كانت الظروف ، والله سبحانه يقول :( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ، فمثل هذه العلاقات والمساعدات من قبل الكفار والهيئات الدولية الكافرة تتنافى مع سياسة الدولة الإسلامية ، التي يجب أن تهيمن هي على الموقف الدولي ، وتعود ثانية الدولة الأولى في العالم .

منقول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.