قديم 01-03-2018, 01:44 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي النماذج السلفية المعاصرة

فكرةٌ عامة عن النماذج السلفية المعاصرة


السلفيون في نظر الغرب والعلمانيين والليبراليين والحداثيين واليساريين العرب ومن لف لفهم هم كل من ينادي بتحكيم الكتاب والسنة، ويعظم الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين وتابعيهم بإحسان، ويسعى لانتهاج سنة النبي عليه السلام وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده. وعليه إذاً، فكل التيارات والحركات والأحزاب الإسلامية، كحزب التحرير والإخوان والقاعدة لكونها تريد تطبيق الشريعة، وتعترف لأهلِ القرون الخيرية الأُوَل بالفضل، هم سلفيون في نظرهم، فيكونُ السلفي بهذا الإطلاق في مقابل العلماني.


وليس من مسلمٍ إلا ويبتغي التأسي بالصحابة والسلف الصالح في هذه الأمة، فيكون هذا المسلم بهذا الإطلاق سلفياً أيضاً.

ولكن، السلفية محل البحث هنا، هي ليست في هذه الإطلاقات، بل هي مصطلح له معنى عرفي محدد، برز كتيار، بخصائص تميزه عن جمهور المسلمين، كما الصوفية والأشعرية والماتريدية، هذا التيار، له رموزه التاريخية، لعل أبرزها أحمد بن حنبل رحمه الله، ويعتبر انتصار أحمد في محنة خلق القرآن، وإصراره على التوقف عن القول بكونه مخلوقاً أو غير مخلوق، تأسياً بما كان عليه الصحابة، حيثُ أنه لم يرد عنهم أنهم تكلموا فيه سلباً ولا إيجاباً، انتصاراً للسلفية، الذين كان يغلب عليهم التسمية آنذاك بأهل الحديث، ثم الرمز الكبير في تاريخ هذا التيار، شيخ الإسلام بن تيمية، الذي شكل البناء الفكري الأيدلوجي لهذا التيار، ونظر له، ثم محمد بن عبد الوهاب ورموز الدعوة النجدية، إلى رموز السلفية المعاصرة كالألباني وابن عثيمين وابن باز وغيرهم. لذا يسمى السلفيون بالتيميين أحياناً وبالوهابية أحياناً، فلسنا نتحدث عن معنى عام يشمل كل من ينادي بتطبيق الشريعة والتأسي بسلف الأمة العظماء، بل نحن بصدد تيار له خصائص محددة، وهوية ثقافية مميزة.

السلف هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الخيرية الثلاثة الأوَل، والسلفيون هم الذين يعتقدون معتقد السلف الصالح، وينتهجون منهج السلف الصالح، في فهم الكتاب والسنة. فيرى التيار السلفي أنه هو التيار الذي حقق النسبة للسلف على مستوى الشعار، وعلى مستوى التطبيق، أما غيرهم فقد حاد وأخطأ عما كان عليه السلف.

والسلف هم أهل الحديث والحنابلة كنمط غالب مسيطر في هذا المذهب، لأنهم هم التمثيل الحقيقي للقرون المفضلة الأولى، وهذا التمثيل ممتد إلى العصر الحاضر، فهم بالتالي المستحقون بأن يصفوا أنفسهم بالفرقة الناجية وبأهل السنة والجماعة وبأهل الأثر وبالطائفة المنصورة، لأنهم ارتضوا أن تكون السلفية، التي هي الطريقة التي كان يسير عليها الصحابة، معياراً والتزموا بها، فهم يرون أنفسهم أنهم على ما كان عليه النبي وأصحابه.

إن السلفية المعاصرة ترتكز على مفهوم نظري، وبناء أيدلوجي، يقوم على معيارية طريقة الصحابة فهماً ومنهجاً وتطبيقاً، وإجماعاً، صاغه شيخ الإسلام بن تيمية، مستخرجاً إياه من أقوال وتصرفات طبقات معينة من فقهاء المسلمين، خاصة من فقهاء القرنين الأول والثاني، جعله مقابلاً ومخاصماً لأصحاب الأقوال المخالفة من الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية والماتريدية والصوفية، شكل هذا البناء الأيدلوجي الهوية الثقافية لهذا التيار.

إن السلفية عبر تاريخها لم يكن لديها خطاباً موحداً، فكل طور مرت به السلفية عبر رموزها، نجد بصمة ما تركها هذا الرمز في هذا التيار،فمثلاً نجد أن محمد بن عبد الوهاب كانت له بصمة بارزة في إعلاء فكرة محاربة شرك الأضرحة والبدع والخرافة، واعتبار بعض الأفعال الشعائرية الموجهة للأولياء والقبور كفراً، ثم الانتقال من تكفير هذه الأفعال إلى تكفير الأعيان، ثم قتال هؤلاء قتال مشركين.

على كل، هناك خيط ناظم في واقعنا المعاصر يلمسه كل مستقرئ لهذا التيار، يشكل هويته، وتتضح سمات هذه الهوية كإطار جامع، كل الوضوح عند استقراء ما لديهم من اختيارات عقدية وفقهية وثقافية، إذ يمتاز هذا التيار باختيارات عقدية تتعلق بتعريف الإيمان وتوحيد الذات والصفات ورفض التأويل، والميل لاعتماد الظاهر في العقائد، وملفت جداً تركيز هذا التيار على مباحث العقيدة بحسب فهمهم لها، ومبادرتهم المسلمين في السؤال عن اعتقاداتهم من أجل تصحيحها، فالمسلمون بشكل عام لديهم مشاكل أساسية في معتقداتهم بحسب هذا التيار، كما أن لهذا التيار اختيارات فقهيه تكاد تجتمع عليها السلفية، كالتزام النساء بتغطية الوجه، وكتقصير الثياب وعدم إسبال الرجال لثيابهم بما يتجاوز الكعبين، وتحريم الموسيقى، ومنع إخراج القيمة في الزكوات، وتحريم حلق اللحية، كما تجد لهم العناية بعلم الحديث، وقلة العناية بالفقه المذهبي، ودرجة من العناية بالفقه الظاهري وامتداداته (الصنعاني والشوكاني وصديق حسن خان)، كما تلمس قلة العناية بالمعارف الإنسانية في السياسة والاقتصاد والنفس وغيرها من المعارف المفيدة في فهم الواقع الذي يراد معالجته والنهوض به، فتلمس لديهم فكرا وفقها تراثياً شرعياً ولكنه ليس عملياً عصرياً يمكن أن يحل مشاكل الأمة الإسلامية الواقعية المتعلقة بالنهضة في السياسة والاقتصاد وغيرها.

إن المكون السياسي يمكن اعتباره معياراً محورياً لتصنيف السلفية المعاصرة، تصنيفاً مبنياً على رؤيتها لمعضلة الإصلاح، إن التيار السلفي في جملته ليس تياراً انسحابياً من السياسة على غرار الصوفية الانسحابية، وإن وجد ذلك في بعض السلفيين، فإن ذلك ليس من الخصائص العامة للتيار السلفي، ذلك أن هذا التيار اشتبكت رموزه عبر تاريخه الطويل بالسياسية من أحمد بن حنبل إلى ابن تيمية مروراً بمحمد بن عبد الوهاب إلى رموز السلفية المعاصرة، ، فيتعذر إخلاء السياق السلفي من المكون السياسي، لذا يمكن تصنيف السلفية المعاصرة بالغالب عليها، وبالسمة المسيطرة عليها سياسياً، في النماذج الأربعة التالية :


أولاً:السلفية العلمية الدعوية: وهي الاتجاه الأغلب للسلفية المعاصرة، تقدم نفسها كمصلح ثقافي، يتصور بأن أسباب التخلف تعود إلى الضعف العلمي الإسلامي، المتجسد بالجهل والتقليد والتعصب، والعملي المتجسد بالبدع الشركية التي دخلت على الأمة، بتنكبها عن إتباع السنة وفق جادة السلف الأولين. ولذا فإن الحل يكمن بدعوة الأمة وتعليمها المنهج السلفي، لتبلغ به الرشد والصلاح، فهي تكتفي بالنشاط العلمي والفكري، دون أي اشتغال حركي أو سياسي، أهم رموز السلفية الدعوية في فلسطين الشيخ ياسين الأسطل (المجلس العلمي للدعوة السلفية)، والشيخ نبيل نعيمي(جمعية القرآن والسنة)، يصرحون بأن محمود عباس ولي أمر واجب الطاعة، ومن رموزهم في الأردن علي الحلبي وسليم الهلالي، وفي مصر الشيخ محمد حسان، وأبو إسحق الحويني، ومن الرموز العالمية للسلفية الدعوية الشيخ ناصر الدين الألباني، إضافة لإبن باز وإبن عثيمين وغيرهم في الدولة السعودية.

ثانياً: السلفية الجامية والمدخلية: ينتسب هذا التصور لرمزين هما: محمد أمان الجامي، السلفي الأثيوبي، ومحمد ربيع المدخلي، السلفي السعودي، وفي مصر يسمون الرسلانيين، نسبة لمحمد سعيد رسلان، لا يختلف هذا التيار عن التيار العلمي الدعوي في تصويره لأسباب التخلف، ولا يختلف معه في الملامح العامة لسبل الإصلاح، ولكن الجديد الذي جاءت به الجامية هو رفضها المطلق، والتام للتعاطي السياسي بغرض الإصلاح، حيث ترى ذلك مخالفاً لجملة من الحقائق السلفية الإعتقادية، وعلى رأسها: منع منازعة الحكام الجورة، ومنع التحزب. فهي تهاجم بشكل واسع وحاد الإسلاميين الذين يختارون المزاحمة السياسية بغرض الإصلاح، فيصفونهم على أقل تقدير بالمبتدعة، كما يصفونهم بالقطبيين والحزبيين والحركيين والخوارج وغير ذلك، فهم لصيقون بالأنظمة السياسية الحالية، لدرجة أن هناك من سمى السلفية المدخلية من شدة إلتصاقها بالنظام بسلفية وزارة الداخلية، وهناك من سماهم لحدتهم بالسلفية التَجريحيّة، كما يسمون بمرجئة العصر، لرفضهم التكفير مطلقاً لأي حاكم، ويجتهدون في التأويل له، وهذا ما يتميزون به عن السلفية الدعوية.

ثالثاً: السلفية الحركية: وتسمى بالسلفية السرورية، نسبة إلى محمد سرور زين العابدين الإخواني الذي خرج من سوريا محملاً بالفكر الإخواني متجهاً صوب السعودية فحصل تزواج بين فكره الإخواني والفكر السلفي، فأصبح نموذجاً للسلفي الإخواني، تدمج السلفية الحركية أو السرورية بين المكون العلمي الدعوي، في تصويره لأسباب التخلف، وبين الرؤية السياسية، التي يقدمها الإخوان المسلمون على سبيل المثال، فهم يرون أن الاكتفاء بالتعليم والدعوة ليس كافياً ولا ناجعاً في تحقيق الإصلاح، لذا ينبغي أن يكون للسلفيين مكاناً في المشاركة السياسية حتى يتحقق الإصلاح، ومن الأمثلة على السلفية الحركية في مصر حزب النور السلفي، وفي الكويت حزب الأمة الذي يرأسه حاكم المطيري، ومن الرموز المشهورة التي تنتمي أو تقترب من هذا التيار الشيخ السعودي سلمان العودة، الشيخ الدكتور محمد موسى الشريف والشيخ الكويتي نبيل العوضي.

رابعاً:السلفية الجهادية: وهو التصور السلفي الذي يشترك مع الحركية في أن الاكتفاء بالتعليم والدعوة ليس كافياً ولا ناجعاً، لتحقيق الإصلاح، في ظل الخضوع للحكومات الكافرة المناوئة للشريعة، والذي يشترك مع المدخلية في رفضه التام للمشاركة السياسية حلاً للإصلاح، ولسبب عقدي أيضاً، ولكن ليس المذكور عند الجامية، بل لأن المشاركة السياسية تناقض جملة من أكبر الحقائق السلفية على رأسها: وجوب الحاكمية للشريعة وكفر كل من لا يحكم بما أنزل الله. وبالتالي ترى الجهادية المشاركين في العملية السياسية مرتكبين لشرك أكبر ينقض الإسلام، فالسلفية الجهادية تؤمن بأن العلمانية والديمقراطية كفر، والحاكم بغير ما أنزل الله كافر مرتد، والخروج عليه بالسلاح واجب. فبينما الجامية ترفض منازعة الحكام، ترى السلفية الجهادية وجوب منازعة الحكام، واعتماد آلية القتال، للوصول إلى السلطة، ومن ثم الإصلاح من موقع الحكم، بالإضافة إلى الإصلاح التعليمي والدعوي. من أبرز رموزها في فلسطين الشيخ عبد اللطيف موسى المعروف بــ"أبو النور المقدسي"، الذي حاصرته حماس وأنصاره وقتلته في أحد مساجد غزة في آب 2009، ومجلس شورى المجاهدين في بيت المقدس، وأكبر تنظيم سلفي جهادي عالمي معروف هو القاعدة التي يرأسها الظواهري، بكل تفريعاتها، في العالم، كجبهة النصرة في سوريا من السلفية الجهادية.

هذه هي النماذج السلفية الأساسية، ويتضح منها أن التيارات السلفية التي تتعاطى مع الشأن السياسي المعاصر بكثافة، وبصورة محورية، هي التيارات: الحركية والجهادية والمدخلية. فقط تتغير صورة التعاطي واتجاهه. مابين التعامل معها بالرفض المطلق للمشاركة السياسية بأي صورة، وطرح البديل القتالي، وهذه هي التيارات الجهادية. وبين من يتعامل مع المشاركة السياسية بالرفض المطلق لاعتبارات تتعلق بطاعة ولي الأمر مطلقاً ما لم يأمر بمعصية، وتخوض في ذلك سجالات حامية الوطيس، تصب في صالح النظام وتدعمه، تغرقها في المكون السياسي إلى أذنيها، وهذه هي التيارات الجامية. وما بين التيار الحركي الذي يتسم بالتسييس، الذي يتعاطى مع الواقع السياسي، ولا يرفضه رفضاً مطلقاً، فلا يجد ضيراً من المشاركة في الانتخابات، ودخول البرلمانات، ولا يتعامل مع فكرة الديموقراطية وكأنها منظومة جامدة كفرية، غير قابلة للتفكيك، بل يأخذها أقساماً، كل منها له حكمه الشريعي الخاص به.

وصلنا إلى نهاية المقالة وفي ختامها نقول: إن هذا التصنيف الفكري للسلفية ضرورة معرفية سياسية، لأن التيارات السلفية جزء لا يمكن تجاوزه عند قراءة الواقع الحركي السياسي المعاصر في الأمة الإسلامية، ولربما تفاجأ البعض، بسبب الفقر المعرفي، في ظل الثورات، بتنوعات هذا الفكر، التي طفت على السطح، واحتار في فهمها فضلاً عن الرد عليها أو التعامل معها، فكان لزاماً أن نقرأ ونبحث، كي نفكك أصول التفكير في هذا التيار، ونفهم عقليتهم، إذ لا يجوز أن يكون المفكر السياسي في حالة عزلة أو غيبوبة عن فكر له أنصاره وتأثيراته بهذا الانتشار في الأمة وبهذا التنوع.

ولكن ينبغي التنبيه، أن التصنيف رغم ضرورته المعرفية السياسية لا يصح بحال، أن ينقلب إلى تحيز وتعصب وانغلاق، إذ التحيز ينقلك من النقاش الموضوعي إلى الشخصنة والتعصب، والمتحيز أعمى لا يميز، إن التصنيف هو أداة لفهم الآخر، من أجل التعامل معه، لا الانغلاق عنه.
اللهم لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
أبو الهمام الخليلي
9/01/2017
ملاحظة: المقال مستفاد من كتاب: "ما بعد السلفية".
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-04-2018, 09:40 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,202
افتراضي

..... وننتظر المزيد من الأخ العزيز " أبو الهمام الخليلي "
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-05-2018, 04:38 PM   #3
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي

حياك الله أيها العم الطيب، نفعنا الله بك.
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
السلفية الجامية السرورية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:07 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.