قديم 07-16-2012, 03:08 AM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي حكم الإسلام في القومية والوطنية

حكم الإسلام في القومية والوطنية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والاسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله ومن تبعه ومن ولاه وسار على دربه وهديه باحسان الى يوم اللدين...........

حتى نصدر حكما على فكرة ما، يجب علينا أولا أن نفهم معنى هذه الفكرة و واقعها و الغاية التي تهدف إليها ، و بعد ذلك نصدر حكمنا من خلال الاسلام على تلك الفكرة. فما هو معنى فكرتي القومية و الوطنية، و ما هو واقعهما، و ما هي غايتهما؟

اما القومية، ففي اللغة العربية "قوم الرجل : شيعته و عشيرته" هكذا في لسان العرب لابن منظور. و لكن في الاصطلاح الحديث هي ترجمة لكلمة nationalism المستعملة في اللغات الأوروبية. و هذا الاصطلاح الحديث دخيل على اللغة العربية، و دخيل على فكر المسلمين. و بناء علي اصطلاح الأوروبيين هذا، فهي تعرض على أنها رابطة للمجتمع تربط بين مجموعة من البشر يشتركون بخصائص و صفات مشتركة. فما هي العناصر التي تؤلف تلك الخصائص و الصفات؟ لم يستطع أصحابها أن يتفقوا على مجموعة العناصر التي تشكل "القومية" و لا أن يحددوا مدلولها بشكل منضبط. فمنهم من قال إن مقومات القومية هي الدين، و منهم من قال هي العادات و التقاليد المشتركة، و منهم من قال هي اللون أو العرق البشري، و منهم من قال هي المنطقة الجغرافية، و منهم من جمعها كلها، و منهم من جمع بعضها و رفض البعض الاخر.

و إذا نظرنا إلى هذه العناصر : اللغة و الرقعة الجغرافية و التاريخ المشترك و المصالح المشتركة... نجد أنها نتائج و ليست سببا. إنها نتائج توجد عند الناس الذين تكون بينهم رابطة تربطهم، و ليست هذه العناصر هي التي تشكل الرابطة. الذي يوجد الرابطة بين الناس هي وحدة أفكارهم، و خاصة الأفكار الأساسية. و لتوضيح ذلط نأخذ المجتمع المكي قبيل بعثة النبي محمد صلى اله عليه و سلم. كانت قبيلة قريش تشكل المجتمع المكي (كان هناك ناس من قبئل أخرى و لكن كانوا تبعا لقريش و يحملون الولاء لها). هذه القبلية كانت ذات لغة واحدة، و تاريخ واحد و رقعة جغرافية واحدة، و عرقية عصبية واحدة، و مصالح مشتركة. و كانت في الوقت نفسه تحمل أفكارا مشتركة.

جاء الاسلام و لم يتعرض إلى لغتهم و لا تاريخهم و لا عرقيتهم و لا جغرافيتهم و لا مصالحهم ، و إنما تعرض لشيء واحد، هو أفكارهم بدءا بالعقيدة الأساس، مرورا بالعقائد الفرعية وصولا إلى سلوكهم و قيمهم و مقاييسهم و معاملاتهم.

بعد مدة حصل انشقاق في المجتمع المكي : فريق مسلم و آخر مشرك. و هاجر قسم من المسلمين إلى الحبشة و صبر قسم آخر على الأذى و المقاطعة، ثم هاجروا إلى المدينة. ثم وقعت حروب طاحنة بين الفريقين.
لماذا حصل الانشقاق، مع أن كل العناصر التي يزعمون أنها تشكل الخصائص و الصفات التي توجد الرابطة موجودة ، ما عدا عنصر الوحدة الفكرية؟
ثم بعد فتح مكة و دخول قريش إلى الاسلام عادت الوحدة الفكرية إلى المجتمع المكي، و لكن هذه المرة على أساس الاسلام و مفاهيم الاسلام، فعادت اللحمة إلى مجتمع مكة من جديد.
و هذا المثال الواضح يرينا أن الذي يوجد الرابطة و الوحدة و الاندماج و الانسجام هو وحدة الأفكار. و كلما ازدادت نسبة الأفكار لمتفق عليها في المجتمع قويت الرابطة و اشتدت أواصرها، و كلما ازدادت نسبة الأفكار المختلف عليها تشقق المجتمع و تفكك. و لا نظن أن شخصا عاقلا نزيها يماري في هذا الرأي.

إن فكرة القومية التي انتشرت في بلادنا هي القومية العربية فلنلق الضوء عليها بشكل خاص. فالقوميون العروبيون يرون أن "العرب" يشكلون "أمة واحدة" مستقلة عن غيرها من الشعوب و ألأمم، فهم "أمة عربية" و ليسوا "أمة اسلامية" و لا جزءا من "أمة اسلامية"، إذ لا وجود "لأمة اسلامية" بنظر هؤلاء. و يرون أن الرابطة التي تجمع هذه "الأمة" هي اللغة العربية بشكل أساسي.

فما هو الموقف الشرعي من تلك الفكرة؟

إن النظرة النزيهة إلى التاريخ لا تحتاج إلا إلى قليل من الوعي حتى تدرك أن اللغة العربية لم تكن يوما لتشكل رابطة للمجتمع. فها هي في الجاهلية كانت منتشرة في الجزيرة العربية كلها، فلماذا لم تجمع العرب؟ ألم تكن القبائل العربية متفرقة متناحرة رغم وحدة اللغة؟
إن العرب لم يتحدوا و يجتمعوا إلا بعد ان نزل الاسلام و انتشر في الجزيرة العربية، و ها هو الله سبحانه و تعالى يذكر المسلمين بالنعمة التي أسبغها عليهم بالإسلام قائلا: و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ، و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا : و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ..سورة آل عمران - آية 103

إذن فإن الاسلام بوصفه دينا للبشر كافة و نظاما للحياة و المجتمع هو الذي جمع العرب و ليس اللغة العربية . "و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" سورة الأنفال آية 63

و هناك من القوميين العروبيين من يقول إن مقومات القومية العربية هي العروبة و الاسلام معا. و يستدل على ذلك بأن القرآن عربي ، فالله تعالى يقول "إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون".. سورة يوسف آية 2
و ينسب بذلك القومية العربية إلى الاسلام.

فهؤلاء نقول لهم ، إن الله تعالى يقول للرسول صلى الله عليه و سلم: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" .. سورة الأعراف آية 158
و يقول عز و جل: "و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" سورة الأنبياء آية 107
و يقول سبحانه و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا ..سورة سبأ آية 28
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة و بعثت إلى كل أحمر و أسود.
فرسالة الاسلام رسالة عالمية و ليست للعرب وحدهم ، و الأمة تضم المؤمنين من العرب و غيرهم . فقد كان في نص الوثيقة التي كتبها الرسول صلى الله عليه و سلم فور وصوله إلى المدينة و قيام الدولة الاسلامية الأولى أن "المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب و من تبعهم و جاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس" سيرة ابن هشام
فالأمة الاسلامية حين انتشرت و توسعت ضمت في رحابها من العجم و سائر الشعوب أكثر مما ضمت من العرب. و ها هي الامة الاسلامية اليوم تربو على مليار نسمة, لا يزيد العرب عن ربعهم و الباقون من غير العرب.
و لنتذكر وصية الرسول صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع: " يا أيها الناس ، ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، و لا لعجمي على عربي, و لا لأسود على أحمر , و لا لأحمر على أسود, إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"

نعم لقد تمسك المسلمون باللغة العربية ، إلا أنهم لم يتمسكوا بها بدافع قومي أو عنصري، و إنما تمسكا بالاسلام نفسه الذي نزل بلغة العرب ، و هي اللغة التي يحترمها جميع المسلمين عربا و غير عرب، و يسعون إلى تعلمها و إتقانها . و ها نحن نرى أن اللغة العربية انتشرت مع انتشار الاسلام ما بين الخليخ شرقا و المحيط الأطلسي غربا، و تصل إلى حدود الأناضول شمالا، بعد أن كانت حبيسة الجزيرة العربية. فهل كان لتلك اللغة أن تنتشر لولا ظهور الاسلام؟
لذلك فإن الدعوة إلى القومية هي دعوة إلى عصبية جاهلية جدية، و ليست من الاسلام في شيء. و الداعي إلى القومية مرتكب لمعصية كبيرة و آثم عند الله تعالى.

و أما الوطنية : فيعرضها أصحابها رابطة تجمع الناس في وطن معين. أما ما هو هذا الوطن؟ فواقع الذين يدعون إلى الوطنية أنهم يعدون الوطن هو ذلك الكيان السياسي الذي تقوم فوقه دولة ذات

حدود مرسومة على الخريطة بغض النظر عمن رسم تلك الحدود. فيتكلمون عن الوطنية اللبنانية و الوطنية العراقية و الوطنية المصرية و هكذا. فهل هذا حقا هو معنى كلمة "الوطن"؟

يقول صاحب القاموس المحيط عن المعنى اللغوي لكلمة وطن: "منزل الإقامة و مربط البقر و الغنم، الجمع أوطان، و وطن به يطن و أوطن: أقام". و الإقامة قد تكون في قرية أو مدينة و بذلك تصلح المدينة أو القرية لأن تكون وطنا. إذن فغن أوسع مدلول لكلمة وطن هو القرية أو المدينة التي يعيش فيها الإنسان , أما سائر المدن و القرى فهي كلها بالنسبة له سواء، لا فرق بين مدينة أو قرية ضمن ولايته أو إمارته أو دولته و بين أخرى تقع خارجها، فكلها سواء من حيث إنه لا يستوطنها. فالمقيم في بيروت مثلا قد يتعلق قلبه ببيروت لأنه عاش فيها و استوطنها و اعتاد عليها، إلا أنه لا فرق بالنسبة له بين طرابلس الشام و دمشق أو بين صيدا و الإسكندرية أو بين بعلبك و بغداد، من حيث إنها كلها مدن لا يستوطنها.

إلا أن أدعياء فكرة "الوطنية" لما أرادوا أن يبتدعوا فكرة يكرسون بها الكائنات التي أقامها الكافر المستعمر في بلادنا بعد أن قسمها إلى دويلات هزيلة، حرفوا كلمة "الوطن" لتصبح دالة على ”لبنان" الذي أسسه غورو سنة 1920 ، و على العرق و الأردن و فلسطين و سوريا و مصر التي أوجدتها معاهدات الغربيين و مؤامراتهم.

و بذلك تصبح "الوطنية" هي الرابطة التي تجمع الناس الذين يعيشون داخل حدود دولة من هذه الدول، و تفصلهم عن سائر الناس الذين هم خارج تلك الحدود.و بذلك يصبح اللبناني مرتبطا فقط باللبناني و يصبح المصري مرتبطا فقط بالمصري، حتى تنقسم الأمة و تتعدد همومها، و لا تعمل سويا في سبيل قضية واحدة هي قضية الأمة، فما يهم الجزائري لا يهم التونسي... و هكذا . و من أجل تكريس ذلك المفهوم ، بثت بين الناس شعارات مضللة خبيثة مثل "الدين لله و الوطن للجميع" و مثل نحن ننتمي إلى الوطن قبل أن ننتمي إلى الدين" و غيرهما من الشعارات التي تتعارض مع الاسلام من حيث الأساس. فأين الوطنية من قوله صلى الله عليه و سلم : "مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

و لا يخفى بعد هذا الشرح ما في فكرة "الوطنية" من خطر على كيان الأمة و من تآمر عليها. و ما قلناه في شأن القومية يقال في شأن الوطنية.و علاوة على ذلك، فإن الواقع يثبت أن الأرض لا تجمع الناس و لا تربط بينهم، فهي تقوم ببعض الأحيان كرابطة مؤقتة، و ذلك حين يتعرض الوطن للاعتداء من قبل أجنبي يرفضه جميع المواطنين، فيتكتل الجميع حتى يردوا ذلك العدو المشترك. إلا أنها في حالة السلم - و هي الحالة الطبيعية - فإنها لا تصلح لجمع الناس و لا تقوم رابطة بينهم. و أكبر دليل على ذلك أن الأوطان التي تحوي مزيجا من السكان متناقضا فكريا تبقى دائما في توتر و تسود فيها الحروب، و هي لا تكاد تخرج من حرب حتى تدخل في أخرى. و هذا دليل على أن الوطنية ليست رابطة للمجتمع. فهذا لبنان و هذه قبرص و هذه البوسنة و هذه الجزائر... كل منها تشكل دولة واحدة (وطنا واحدا)، و لكن اختلاف الأفكار جعل المشاعر تختلف و الدولة تتمزق.

و لكن العجيب في الأمر ، أن تجد أناسا ينسبون فكرة "الوطنية" إلى الاسلام! فيقولون إن الاسلام حض على الوطنية و عزز الشعور الوطني لدى المسلمين، مستدلين على ذلك بان الرسول قال حين خرج من مكة: " أنت أحب بلاد الله إلي و لولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك"، و بأن الاسلام أمر بالدفاع عن الاوطان و اعتبر ذلك جهادا في سبيل الله.
فأما حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي استدلوا به، فلا شان له بالوطنية لا من قريب و لا من بعيد. فالرسول عليه الصلاة و السلام لم يكن يحب مكة لأنها وطنه، و إنما كان يحبها لأنها البلد الحرام الذي يحتضن الكعبة الشريفة. و الذي يوضح ذلك هو الحديث نفسه الذي يستدلون به غالبا مجتزءا، فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة و قال: " أنت أحب بلاد الله إلى الله ، و أنت أحب بلاد الله إلي، و لولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك". إذا فالرسول صلى الله عليه و سلم كان يحب مكة لأنها أحب اليلاد إلى الله تعالى.
و أما قولهم إن الاسلام أمر بالدفاع عن الأوطان و اعتبر ذلك جهادا في سبيل الله، ففيه كثير من التلبيس و التضليل.
ذلك أن الاسلام لم يأمر بالدفاع عن "الوطن" و إنما أمر بالدفاع عن البلاد الاسلامية بغض النظر عن كونها وطنا للمجاهد أو غير ذلك.

فعلى هذه الأساس فإن واجب الجهاد لتحرير فلسطين من دولة يهود و تحرير الأندلس من الأوروبيين و الدفاع عن أراضي البوسنة و الهرسك و الشيشانو بلاد كشمير في الهند، لا يناط فقط بأهل تلك البلاد طالما لا يستطيعون رد العدوان وحدهم، و إنما يناط الواجب بكل المسلمين الذين يلونهم ثم الذين يلونهم حتى يتحقق الفرض. و على هذا الأساس أيضا، لا يجب على المسلم الذي يعيش في غير البلاد الاسلامية كأستراليا و أميركا أن يدافع عن تلك البلاد إذا نشبت حرب بين دولته و دولة أخرى، بل لا يجوز له ذلك، أن هذا قتال في غي سبيل الله، و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: "من قتل تحت راية عمية، يدعو إلى عصبية ، أو ينصر عصبية ، فقتلة جاهلية".

ثم إن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يتمسك بتراب "وطنه" مكة الذي أخرج منه بغير حق هو و صحابته الكرم، و قد كان في استطاعته ذلك بعد الفتح. لكنه رجع إلى المدينة عاصمة الدولة الاسلامية و أقام فيها ما تبقى من أيام حياته، و و لم يوص المسلمين بدفن جثمانه الطاهر في تراب "الوطن" مكة المكرمة، و هكذا فعل أصحابه رضوان الله عليهم من بعده، فشهداء بدر و أحد دفنوا في البقيع في المدينة و أبو عبيدة دفن في غور الأردن، و أبو أيوب الأنصاري دفن قرب أسوار القسطنطينية، و حفظة القرىن الكريم من الصحابة دفنت أعداد منهم في أطراف الهند و بحر قزوين خلال الفتوحات الاسلامية، و لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا عن صحابته الكرام أي اشارة "وطنية" أو حنين للديار ، بل كان همهم الأول و قضيتهم المصيرية إعلاء كلمة الله و نشر الاسلام و إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

لقد وصل الأمر ببعض دعاة "الوطنية " إلى افتراء الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه و سلم كقولهم (حب الوطن من الإيمان) فهذا ليس بحديث و لم يقله صلى الله عليه و سلم ثم إن حب الوطن شيء و "الوطنية" شيء آخر.
فحب الوطن شيء طبيعي و غريزي لدى الانسان ، ذلك أن قلب الإنسان يتعلق بالمكان الذي اعتاد عليه و ترعرع فيه و كانت له معه ذكريات جميلة، فهو يحن إلى البيت الذي ترعرع فيه و يحب الحي أو القرية أو المدينة التي نشأ فيها أو سكنها فترة من الزمن، إلا أن هذا الحب "الغريزي" لا يتعدى القرية أو المدينة أو المنطقة التي عاش فيه الانسان. أما "الوطنية" التي يروج لها مثقفو البلاط و كتاب السلطة، فهي التي يريدون لها أن تكون رابطة تجمع سكان الدولة الواحدة و تفصلهم عن سائر إخوانهم في سائر العالم الاسلامي.
لذلك نقول: إن الدعوة إلى القومية أو الوطنية هي ترويج للفكر الغربي الغريب عن الاسلام. و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فالداعي إليهما آثم عند الله تعالى.
فالواجب يحتم على المسلمين أن ينبذوا كل الأفكار و الأطروحات الدخيلة ، و يعودوا من جديد إلى إحياء الرابطة الاسلامية لإقامة مجتمعهم على أساس العقيدة الاسلامية ، فتسوده أفكار الاسلام و مشاعره و أنظمته، حتى تستأنف الأمة حياتها الاسلامية من جديد و تعود أرقى أمم العالم.

و إذا كانت الأمة كلها مخاطبة بهذا الخطاب، فإن المثقفين فيها هم أحرى الناس بالاستجابة، ذلك أنه في بيئتهم تفشت الأفكار الدخيلة و من خلالهم انتشرت، فعلى عاتقهم تقع مسؤولية التغيير.

التعديل الأخير تم بواسطة طالب عوض الله ; 08-05-2013 الساعة 11:33 AM
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-16-2012, 03:38 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي

ما هي الوطنية؟



أ- لغة

الوطنية من " الوطن" وفي لسان العرب " وطن: الوطن المنزل تقيم به وهو موطن الانسان ومحله والجمع اوطان واوطان الغنم والبقر مرباضها واماكنها التي تاوي اليها..

وفي صفته صلى الله عليه وسلم: كان لا يوطن الاماكن اي لا يتخذ لنفسه مجلسا يعرف به اما المواطن فكل مقام قام به الانسان لامر فهو موطن له .

وفي الحديث انه صلى الله عليه وسلم نهى عن نقرة الغراب وان يوطن الرجل في المكان بالمسجد كما يوطن البعير قيل معناه ان يالف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به يصلي فيه كالبعير لا ياوي من عطن الا الى مبرك دمث قد اوطنه واتخذه مناخا ومنه الحديث انه صلى الله عليه وسلم نهى عن ايطان المساجد اي اتخاذها وطنا.."

ب - : مصطلح الوطنية

- مصطلح الوطنية انما ظهر في المجتمع الاوروبي على اثر تطورات فكرية و سياسية هامة ادت الى اعادة صياغة المجتمعات الاوروبية. وبايجاز نقول ان مفهوم الوطن كونه بلد يربط فيه جماعة من الناس تتفق ان تلتزم بسيادة الوطن واطاعة الحاكم، وما يتبعه من اجهزة حكومية، انما ظهر بعد ان سعى سياسيون وفلاسفة في كسر شوكة الكنيسة والحد من تدخلها في الحياة العامة في المجتمعات الاوربية وذلك على اثر الصراع الدامي الذي دار لعقود من الزمن واستهلك الكثير من الدماء والثروات

- من هنا تنادى المفكرون الى ضرورة وضع اسس جديدة تربط ببين الناس لا على اساس الدين والمذاهب الدينية التي ادت الى سفك الدماء وانما على الولاء للوطن

- اي ان تحويل الولاء من الكنيسة ورجالاتها وايضا من رجال الاقطاع الى الحاكم الوطني كان من ابرز التحولات الفكرية السياسية التي عصفت بالمجتمع الاوروبي والتي توجت بتكريس مفهوم "فصل الدين عن الحياة" وهو اساس الفكر العلماني والعقيدة العلمانية التي تقوم على انكار دور الدين والخالق في تصريف شؤون المجتمع وان كانوا تساهلوا بعض الشيء بحيث سمحوا للافراد بالتدين ولكن على ان يتدخل هذا التدين بالشؤون العامة...

- وبناء على هذه النظرية العلمانية فام المفكرون والفلاسفة من امثال روسو وجون لوك وفولتير ومونتسيكيو بوضع اسس نظرية "العقد الاجتماعي" وهو عبارة عن عقد بين الحاكم والمحكومين بحيث يكون للمواطن حقوق قانونية دستورية على الحاكم ان يحترمها

- ومن هنا جاءت نظرية الحقوق الغربية ومن ثم حقوق المواطن والخ

2- كيف وردت الينا الوطنية حيث ان مفهوم الوطنية هو مفهوم حديث لم يرد في كتاب ربنا ولا سنة نبينا حق التساؤل من اين ورد الينا؟؟ وكيف تحول مع الزمن حتى صار من المقدسات التي نسفك دماءنا في سبيلها؟؟

يرى الدكتور محمد حسين رحمه الله، في كتابه "الاسلام والحضارة الغربية"، ان اول ما وردت لفظة "الوطن" انما جاء من خلال الازهر المتفرنس رفاعة الطهطاوي الذي اشرب حب فرنسا والحضارة الفرنسية حينما اقام فيها في 1826 الى 1832 فلما عاد الى مصر عاد يصدح بالحضارة الفرنسية وجمالها وصار يدندن حول الوطنية ولعله بدا بداية خجولة الا انه في الواقع طرح بذرة الفكرة التي جاء غيره من الضبوعين بحضارة الغرب ليكملوا سقيها ورعايتها ومن هؤلاء بعض نصارى الشام الذين راوا خلاصهم من حكم الاسلام بالعمل على نشرة فكرة القومية والوطنية

3- ماذا يترتب على الوطنية؟

يترتب عليها بداية ان يكون الولاء والبراء دائرا حول الحدود الاصطناعية التي رسمها الانسان لما اسماه "وطن" ومن هنا شاع ضمن الناس (خاصة في الشام) مقولة :"الدين لله والوطن للجميع" لا بل حتى سعى بعض الماكرين الى ترويج الوطنية بدس احاديث فمن ذلك قولهم "حب الوطن من الايمان" فانظر رحمك الله مدى خبثهم ومكرهم الذي تزول له الجبال.

فمفهوم الوطنية يؤدي الى اثارة البغضاء والاحقاد بين الناس والعصبية الوطنية تؤدي الى دمار شامل لا يبقي ولا يذر وكل ذلك في سبيل الوطن كما شهد العالم في الحروب الكثيرة ومن ابرزها الحربين العالميتين في القرن العشرين.

ويترتب على الوطنية ان يقوم يهود بمجازر تلو المجازر بحق مسلمي فلسطين بينما مسلمو الاردن مشغولون بهموم و طنهم

ويترتب عليها ان يقوم المجرم مشرف بالتواطؤ مع امريكا لسحق المسلمين في افغاستان بينما قادة الحركات في باكستان يضحكون على الناس ببعض فتات الكلام الذي لا يغني ولا يسمن من جوع وقل مثل ذلك عن العراق وغيره كالشيشان وكشمير

بناء على ما سبق ما حكم الشرع في الوطنية

حيث انه قد علم بالضرورة الرابطة الايمانية هي الرابطة الوحيدة التي اعتبرها الشرع ففرق بين الاب وابنه وبين الزوج وزوجته بحسب ايمانهم من كفرهم

وحيث ان الولاء والبراء في الاسلام انما مداره حول الايمان او الكفر برب الكون

وحيث ان السلام يقضي بوحدة المؤمنين اينما كانوا وان المسلم اخو المسلم

وحيث ان الاسلام يوجب على المسلم ان يتلقى دينه وشريعته من رب الكون لا من حثالات البشر من مفكرين وفلاسفة مصيرهم جهنم

فان الوطنية بقضها وقضيضها حرام بحرام بحرام

و لا يجوز الدعوة لها ولا السكوت عنها فانها من اكبر المنكرات التي تفرق بين المسلم واخيه وتؤدي الى سفك الدم المسلم بغير وجه حق

وتؤدي الى جعل الولاء والبراء مبنيان على غير رابطة الايمان

وتؤدي الى اتخاذ الكافرين اولياء من دون المؤمنين

ولذا فالواجب الشرعي على كل مسلم ان يتبرا منها ومن اهلها وان يظهر العداوة لها ولمن عمل لها

واروع ما قيل عن الوطنية:

" والبشرية إما أن تعيش _ كما يريدها الإسلام _ أناسيّ تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور .. وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الحدود الأرضية ، أو حدود الجنس واللون .. وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع !!! " سيد قطب ،في ظلال القرآن

واخيراً اتمنى من الاخوة ان يحكموا شرع الله في هذه القضية وان تفكروا فيها تفكيراً مستنيراً

وسألاً من الله ان يهدينا ويسخر لنا من يفقهنا في ديننا

ونسأل الله ان يتم نصره للاسلام وان يعز الاسلام والمسلمين ويذل الشرك والمشركين

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين...


القومية في الميزان
(عقلا وشرعا)


بقلم / حاتم ناصر الشرباتي

من المعلوم لدى كل مفكر أن الناس عندما ينحط فكرهم تنشأ بينهم روابط منخفضة وضيعة نابعة عن غريزة البقاء الموجودة لدى جميع المخلوقات.وتأخذ هذه الروابط المظهر العاطفي دائما،فهي بذلك عرضة للتغيير والتبديل .وتوجد هذه الرابطة في الحيوانات والطيور كما هي موجودة في بني الإنسان .وهذه الروابط تكون غالبا مؤقتة تظهر في حالة الدفاع أو الاعتداء ،أما في حالة الاستقرار وهي الحالة الأصلية لبني الإنسان فإن هذه الروابط لا يكون لها أي وجود .وأبرز مثال لهذه الروابط رابطة الوطنية ورابطة القومية .فهذه الروابط لا تجعل للإنسان الذي حباه الله بالعقل إختيارا فيمن يرتبط بهم ولا تصلح لصهر طاقات الشعوب المختلفة في بوتقة واحدة كي يسير المجتمع البشري في طريق النهوض والتقدم.والرابطة القومية بالذات تنشأ عندما يكون فكر المرء ضيقا لا يعدو ما حوله ،حيث يوجد لدى الإنسان مظهر حب السيادة لنفسه وأسرته والذي يتسع حتى يشمل حب السيادة لقومه في وطنه أولا ،حتى إذا تحقق ذلك سعى لسيادة قومه على غيرهم .لذلك تنشأ عن هذه الرابطة المخاصمات والنزاعات من غير هدف سام يسعى لتحقيقه بل لهدف سيادة جنس أو شعب على غيره من البشر دون مبرر ،ويغلب على أهلها العصبية والهوى ونصرة بعضهم على غيرهم بالحق أو بالباطل .وما أصاب العالم من دمار وويلات خلال الحرب العالمية الثانية إنما هو دليل على خطورة هذه الرابطة على البشر ودليل على ضررها البالغ .فالرابطة الصحيحة للبشر هي الرابطة التي يكون لعقل الإنسان فيها إختيار ولا تكون مفروضة عليه فرضا من غير أن يملك لها جلبا أو دفعا ،وذلك لا يكون إلا بالعقيدة التي يتوصل إليها الإنسان بعقله وبالنظم التي تنبثق عن هذه العقيدة.وهذه هي الرابطة التي تليق بالإنسان وترفعه عن مستوى الحيوانات والطيور.فوجود عقيدة نابعة عن الغريزة دون أن يتوصل إليها بالعقل كالعقيدة القومية يجعل الجماعات البشرية تعيش كقطعان البهائم يجمعها مظهر القطيع،وتجعل المرء يندفع إلى من حوله لمجرد كونهم قومه أو بني جنسه دون هدف أو غاية , ولا تجعل له إختيارا فيمن يرتبط بهم أو يحامي عنهم .كما أن عدم وجود نظم تنبثق عن العقيدة يؤدي إلى النزاع والتنافر عند معالجة مشاكل الحياة لاختلاف مصادر النظم.


فالرابطة القومية فاسدة عقلا لهذه الأسباب ,فهي:

أولا : غير عقلية وليس للإنسان خيار في قبولها أو رفضها , بل هي مفروضة عليه فرضا,حيث أن الإنسان لم يختر لنفسه نسبه أو جنسه أو شعبه. ولذلك فهي لا تصلح لتوحيد بني البشر المختلفي الأجناس والأوطان والألوان للسير بالجنس البشري في طريق الرقي فهي بذلك لا تعتبر رابطة إنسانية .

ثانيا: رابطة مؤقتة تظهر عند الاعتداء على القوم والوطن .أما في حالة الاستقرار والطمأنينة فتختفي لانشغال أهلها بالنـزاع والخصومة فيما بينهم كما هو مشاهد .ولذلك فهي عرضة باستمرار للتغيير والتبديل ولا تصلح لربط البشر لأن الرابطة الصحيحة ينبغي أن تكون دائمية لا تنفصم عراها سواء في حالة الاضطراب أو الاستقرار.

ثالثا: رابطة تؤدي إلى التطاحن بين الجماعات البشرية بهدف سيادة جنس على آخر وجماعة على أخرى بغير سبب وبغير أن توجد إمكانية لتوحيد تلك الأجناس أو الجماعات باعتناقها عقيدة واحدة وإنضوائها تحت لواء واحد كما يحصل في الروابط العقلية التي يعتنقها الإنسان باختياره.

رابعا:رابطة لا تحمل أنظمة للحياة منبثقة عنها .ولذلك يحصل التطاحن بين أتباعها عند معالجة مشاكل الحياة . فلا يعرفون نظاما يجتمعون عليه في الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك .فأنظمة حياتهم كالثوب المرقع بالألوان المختلفة , ويصبح الناس تحت حكم دعاة القومية كحيوانات المعامل تجرى عليهم التجارب المختلفة في كل يوم .والمتأمل لحال بلاد المسلمين منذ أن تولى قيادتهم هؤلاء يجد هذا واضحا , حيث يجد أنظمة مهلهلة متنافرة , فهذا قومي إشتراكي , وهذا رأسمالي وذلك علماني , مع أنهم جميعا يدعون للقومية كرابطة فيما بينهم .

وأما من الناحية الشرعية فجميع التعاليم الإسلامية تبين أن الرابطة بين المسلمين يجب أن تكون رابطة العقيدة الإسلامية ولا شيء غيرها , وأنه يحرم على المسلم التفاخر على أساس القوم أو اللون أو الجنس.فمن الآيات الدالة على أن رابطة المسلم هي الإسلام ولا شيء سواه قوله تعالى" ï´؟لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْï´¾",وقوله تعالى :" ï´؟وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء ï´¾" ,وقوله تعالى " ï´؟قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ï´¾" . ومن الأحاديث النبوية الشريفة ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال:كنا في غزوة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار,فقال الأنصاري:يا للأنصار ,وقال المهاجرين : يا للمهاجرين ,فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"دعوها فإنها منتنة ".فقوله عليه الصلاة والسلام"دعوها"أمر صريح بتركها وبتحريم النداء بهذه الرابطة ودل على أن فاعل ذلك كأنه يتعاطى المنتن, ولا شك أن المنتن خبيث , ولقد كرمنا الله بأن جعل ديننا يحرم الخبائث. وفي صحيح مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لهم عند ذلك "ما بال دعوى الجاهلية", وفي رواية أخرى"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم". فالنداء بالانتساب لقوم من دعوى الجاهلية, وقد قال عليه الصلاة والسلام "ليس منا من دعى بدعوى الجاهلية". وكذلك من الأحاديث التي تنهى عن النداء بنداء القومية والعصبية قوله عليه الصلاة والسلام (لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم أو ليجعلنهم الله أهون عليه من الجعل )،وقوله (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود ،الناس كلهم سواسية كأسنان المشط ،كلكم لآدم وآدم من تراب )،وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان قوله عليه السلام (من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأَعِضوه بِهُنَّ أبيه ولا تكنوا) أي أمر ان يقال للداعي بنداء العصبية:اعضض هن أبيك،أي فرجه ولا يكنى عن ذلك مما يدل على قبح النداء بهذه الرابطة وشدة بغض النبي عليه الصلاة والسلام لها.

فكل هذه الآيات والأحاديث تدل على أن رابطة القوم أو الجنس لكي يسود شعب أو جنس على غيره من البشر أمر بعيد تماما عن تعاليم الشريعة المطهرة،وذلك للتعارض التام بين دين الإسلام كدعوة للبشر كافة وبين الفكرة القومية الضيقة المحصورة على أفراد الجنس الواحد أو القوم الواحد .ومن العبث أن يحاول أحد التوفيق بين القومية كرابطة وبين الإسلام ،أو أن يصبغ القومية بصبغة إسلامية لكونهما على طرفي نقيض ،فلا يمكن أن يجتمع شرع الله المخاطب به كل البشر والذي ينضوي تحت لوائه كل قوم وجنس والدعوة للقومية الفاسدة الداعية لسيادة جنس من الناس على غيرهم بلا حق .

فالرابطة الصحيحة لكل إنسان ولجميع البشر هي رابطة الإسلام وهي العقيدة الإسلامية وسائر الأحكام الشرعية المنبثقة عنها.فالعقيدة الإسلامية عقيدة جرى التوصل إليها بالعقل،وذلك بالنظر في آيات الله ومخلوقاته المبثوثة في هذا الكون للوصول إلى الإدراك الجازم بوجود الخالق سبحانه وتعالى،ثم بالنظر في رسالة الإسلام وتعاليمه وإعجاز القرآن الكريم لكي يدرك جزما أن محمدا عليه الصلاة والسلام – الذي جاء بهذه المعجزة- هو رسول للبشر حقا .ومتى التزم الإنسان بهذه الرابطة المبدئية بدخوله في دين الإسلام يصبح كل من قبلها والتزم بها أخا له في السراء والضراء وفي الخير والشر (ï´؟إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌï´¾)،ويصبح كل من نبذ هذه العقيدة وتعاليمها عدوا له ولو كان أقرب قريب (ï´؟لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُï´¾) الآية .فهذه الرابطة تصهر الشعوب المختلفة في أمة واحدة تحمل رسالتها إلى العالم ،وهذا ما حدث في تاريخ الإسلام ،إذ صهرت هذه العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية المنبثقة عنها شعوب العرب والبربر والكُرد والتُرك وأوجدت منهم هذه الأمة المسلمة التي كانت زهرة الدنيا وقبلة الناس مئات السنين .



عن : الألوكة

http://majles.alukah.net/showthread.php?102244-A9
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-16-2012, 08:37 PM   #3
محمود من القدس
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 84
افتراضي

كي نفهم حقيقة الوطنية لنتخيل قطيعاً من الكلاب تسير معاً ثم نرمي عليها قطعة من اللحم لا شك انها سوف تبدأ حرباً ضروساً كي يحصل كل واحد منها على القطعه و لكننا لو ألقينا على القطيع حجراً فسوف تتحد معاً أو تهرب من المكان
و هذه هي الوطنيه تقوى رابطتها عند الخطر و تضعف و تتلاشى عند زوال هذا الخطر بل إنها تبدأ بأكل بعضها البعض كالنيران إن لم تجد ما تأكله أكلت نفسها
أرجو أن تقدم رأيك أستاذنا الفاضل في هذا المثل
محمود من القدس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-20-2012, 12:32 PM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي

العُرُوبَةُ والإسلامُ


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد.
لم يعمل الإسلام على تغييب وإلغاء القوميات، والجنسيات، أو القبائل والعشائر، والأوطان، من حيث وجودها ومن حيث انتساب الإنسان لتلك القوميات، والجنسيات، أو القبائل والعشائر، والأوطان وما أكثر الأدلة الشرعية الدالة على ذلك.
فلم يمنع المرء من أن يقول عن نفسه بأنه عربي أو فارسي أو رومي، أو يمني أو شامي، أو قرشي أو خزرجي .. كما لم يمنعه من التعبير عن الحب والحنين لما ألفه من أوطان وديار .. فهذا وارد، والشارع أقره ولم يُلغه، ولا أظنني بحاجة للاستدلال على مشروعية ذلك إذ أنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة .. لا يُجادل فيها اثنان.
ولكن الذي منع منه الإسلام وعمل على إلغائه هو تلك العصبيات الجاهلية لتلك القوميات والجنسيات، ولتلك الأوطان، والقبائل، وغيرها من المسميات والانتماءات التي تغيب الولاء والبراء في الله.
كما منع أن يكون التفاضل بين الشعوب على أساس الانتماء لتلك القوميات والجنسيات والأوطان، وجعل ميزان التفاضل والتمايز بين العباد مقصوراً ومحصوراً على ميزان التقوى، والأحسن عملاً بغض النظر عن الجنس أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الموطن، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات:13. وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الملك:2.
لا يجوز أن ننتقص دور العرب كمادة لنصرة قضايا الإسلام وعقيدته، ارتبط مصيرهم بمصير هذا الدين عزاً وذلاً، عزاً إن نصروه، وذلاً إن خذلوه وتخلوا عنه، كما قال الفاروق عمر بن الخطاب :" كنا في الجاهلية أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله ".
وفي الحديث عن جابر بن عبد الله، قال: حدثتني أُم شُرَيك أن رسول الله  قال:" ليفِرَّنَّ
الناسُ من الدجال حتى يلحقوا بالجبال ". قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذٍ؟ قال:" هم قليلٌ "[ ].
فسؤال أم شريك عن العرب يومئذٍ يوحي بما يجب على العرب خاصة من نصرة لهذا الدين؛ وكأنها تريد أن تقول: كيف يؤول أمر الناس إلى أن يلتحقوا بالجبال خوفاً من الدجال .. والعرب موجودون .. " فأين العرب يومئذٍ " يا رسول الله الذين من شأنهم نصرة هذا الدين ودفع طغيان الطواغيت؟!
فأجابها :" هم قليلٌ "؛ أي هم قليل يومئذٍ ..!
لماذا هم قليل ..؟!
هم قليل لأنهم مادة الجهاد والاستشهاد .. فما أن ينادي منادي الجهاد في أي بقعة من بقاع الأرض إلا وتجد من العرب من يلبي ذلك النداء .. وفي كثير من الأحيان يكونون قادة الجهاد وعصبه وركنه وطليعته[ ] .. ومن كان كذلك لا شك أنه عرضة للقتل والموت والاستشهاد .. لذا فهم قليل[ ]!
وفي الحديث الضعيف:" أحبوا العرب وبقاءهم؛ فإن بقاءهم نور في الإسلام، وإن فناءهم ظلمة في الإسلام "[ ].
هذه المكانة للعرب في الإسلام لا يجوز أن ننكرها أو نجحدها، ولكن لا يجوز أن تكون كذلك مدعاة أو مبرراً للدعوة إلى العروبة أو " القومية العربية " التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة والحياة، وعلى تكريس مبدأ عقد الموالاة والمعاداة، وكذلك تقسيم الحقوق والواجبات على أساس الانتماء القومي للجنس العربي بغض النظر عن العقيدة والدين والعمل .. ومبدأ  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .
فالقومية العربية أو العروبة بهذا المفهوم الآنف الذكر هي دعوة عصبية جاهلية نتنة حرمها الإسلام وحذر منها أيما تحذير، كما في الحديث، فقد صح عن النبي  أنه قال:" إن الله قد أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعنّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ".
وقال :" إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهَنِ أبيه ولا تكنوا ".
وقال :" من ادعى دعوى الجاهلية فإنه جثا جهنم ـ أي من جماعات جنهم ـ فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله التي سماكم: المسلمين، المؤمنين، عباد الله ".
وقال :" ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية ".
وقال :" إن أوليائي منكم المتقون مَن كانوا وحيث كانوا ".
وقال :" لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجمي على عربي، ولا أبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب ".
وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تحرم العصبيات القومية التي تُفاضل، وتوالي وتعادي على أساس الانتماء القومي أو غيره من الانتماءات العصبية الجاهلية.
وفي ذلك رد على بعض الدعاة والكتاب المعاصرين المصابين بلوثة الهزيمة النفسية والفكرية الذين يُحاولون تزلفاً مداهنة القومية والقوميين العرب على اعتبار أن ما كان من خلاف وتنافر بين الإسلام والإسلاميين من جهة وبين العروبة أو القومية والقوميين العرب من جهة ثانية لم يكن مُبرراً وليس له داعٍ إذ لا تعارض بين الإسلام والعروبة، ولا بين الدعاة إلى الله تعالى وبين الدعاة إلى القومية العربية أو العروبة .. فكل منهما حاضن للآخر .. لذا فإن المعركة القديمة الحديثة بين الطرفين لا بد من أن تهدأ وتزول، ليحل مكانها التلاقي والوئام!
كثير من الدعاة والكتاب المعاصرين ـ عن قصد أو غير قصد ـ لا يفرقون بين العرب والعربي والعربية وبين العروبة، ولا بين الوطن والموطن وبين الوطنية، ولا بين العشيرة أو القبيلة وبين العشائرية أو القبلية، ولا بين الناس، والإنسان، وكرامة الإنسان وحقوقه وبين الإنسانية كشعار ومبدأ يغيب عقيدة الولاء والبراء في الله .. فيخلطون بينهما عند الحديث عنهما وكأنهما شيء واحد في الدلالة والمعنى، فيخلطون بذلك حقاً مع باطل .. فيَضلون ويُضلون!
تراهم يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى العرب، والعربي، والعربية على شرعية مصطلح ومعنى العروبة الدال على معاني التعصب القومي المقيت والمذموم ..!
وتراهم يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى الوطن، والموطن، وحب الديار وموطن المنشأ على شرعية مصطلح ومعنى الوطنية الدال على العبودية للوطن من جهة عقد الموالاة والمعاداة، وكذلك الحقوق والواجبات على أساس الانتماء لحدود الوطن .. وتغييب وإلغاء كل ولاء وبراء يتعارض مع الولاء الوطني .. كما هو مشاهد في كثير من الأمصار!
وتراهم كذلك يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى العشيرة أو القبيلة على شرعية مصطلح ومعنى العشائرية أو القبلية التي تعني عقد الموالاة والمعاداة، والحقوق والواجبات على أساس الانتماء القبلي العشائري ..!
وتراهم كذلك يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى الإنسان، وكرامة الإنسان وحقوقه على شرعية مصطلح ومعنى الإنسانية كمبدأ يُعلن الموالاة والمؤاخاة بين الإنسانية جمعاء بغض النظر عن اعتبار العقيدة والدين .. وميزان التقوى وأيكم أحسن عملاً .. وهذا من التلبيس والتضليل الذي ينبغي أن نحذره ونُحذِّر منه .. وهو كذلك علامة على حجم الهزيمة النفسية الفكرية التي يُعاني منها أولئك الدعاة أو الكتاب أمام التيار القومي العروبي المهترئ المتآكل التي لم تجن الأمة منه إلا الذل والهزيمة، والتخلف والدمار!
الاتجاه القومي العروبي ـ منذ قرابة القرن وإلى الساعة ـ إضافة لما جلبه على الأمة من ذل وهزائم، وتخلف ودمار فهو ـ بحكم مناقضته لعقيدة الأمة ودينها ـ لم يستطع أن يحقق شيئاً
من أهدافه التي ملأ بها الدنيا ضجيجاً وعويلاً ..!
لا على المستوى الوحدة العربية قد حققوا شيئاً .. بل هم من تفرق وتشرذم إلى آخر، ومن ضعف إلى آخر [ ]!
ولا على مستوى التضامن العربي والدفاع العربي المشترك قد حققوا شيئاً .. فهم بعضهم على بعض أعداء ألداء أكثر مما هم على أعداء الأمة من خارجها .. بل هم يد مع العدو الخارجي المستعمر على بعضهم البعض!
ولا على مستوى التضامن الاقتصادي والتكافل الاجتماعي العربي كذلك قد حققوا شيئاً .. فهم من تخلف إلى تخلف، ومن فقر إلى فقر .. ومن جهل إلى جهل!
ولا على مستوى تحرير البلاد المغتصبة في فلسطين وغيرها قد فعلوا شيئاً .. بل هم من خيانة إلى خيانة .. ومن هزيمة إلى أخرى .. إلى أن أوصلوا الأمة إلى موصل لا تُحسد عليه!
ومع كل ذلك وبعده نجد بعض الكتاب المعاصرين من ذوي الاتجاه الإسلامي يمدون لهم ـ بعد أن أذلهم الله وأخزاهم ـ حبلاً من القوة والحياة بمداهنتهم، والاعتراف بشرعيتهم وشرعية حكمهم وتوجههم القومي .. على اعتبار لا تعارض بين العروبة والتوجه القومي وبين الإسلام، وأن المعركة بينهما مفتعلة لا مبرر لها!
 كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

منقول
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2017, 06:30 PM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي حكم الاسلام في القومية والوطنية

حكم الاسلام في القومية والوطنية

القومية في الميزان (عقلا وشرعا)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من المعلوم لدى كل مفكر أن الناس عندما ينحط فكرهم تنشأ بينهم روابط منخفضة وضيعة نابعة عن غريزة البقاء الموجودة لدى جميع المخلوقات.وتأخذ هذه الروابط المظهر العاطفي دائما،فهي بذلك عرضة للتغيير والتبديل .وتوجد هذه الرابطة في الحيوانات والطيور كما هي موجودة في بني الإنسان .وهذه الروابط تكون غالبا مؤقتة تظهر في حالة الدفاع أو الاعتداء ،أما في حالة الاستقرار وهي الحالة الأصلية لبني الإنسان فإن هذه الروابط لا يكون لها أي وجود .وأبرز مثال لهذه الروابط رابطة الوطنية ورابطة القومية .فهذه الروابط لا تجعل للإنسان الذي حباه الله بالعقل إختيارا فيمن يرتبط بهم ولا تصلح لصهر طاقات الشعوب المختلفة في بوتقة واحدة كي يسير المجتمع البشري في طريق النهوض والتقدم.والرابطة القومية بالذات تنشأ عندما يكون فكر المرء ضيقا لا يعدو ما حوله ،حيث يوجد لدى الإنسان مظهر حب السيادة لنفسه وأسرته والذي يتسع حتى يشمل حب السيادة لقومه في وطنه أولا ،حتى إذا تحقق ذلك سعى لسيادة قومه على غيرهم .لذلك تنشأ عن هذه الرابطة المخاصمات والنزاعات من غير هدف سام يسعى لتحقيقه بل لهدف سيادة جنس أو شعب على غيره من البشر دون مبرر ،ويغلب على أهلها العصبية والهوى ونصرة بعضهم على غيرهم بالحق أو بالباطل .وما أصاب العالم من دمار وويلات خلال الحرب العالمية الثانية إنما هو دليل على خطورة هذه الرابطة على البشر ودليل على ضررها البالغ .فالرابطة الصحيحة للبشر هي الرابطة التي يكون لعقل الإنسان فيها إختيار ولا تكون مفروضة عليه فرضا من غير أن يملك لها جلبا أو دفعا ،وذلك لا يكون إلا بالعقيدة التي يتوصل إليها الإنسان بعقله وبالنظم التي تنبثق عن هذه العقيدة.وهذه هي الرابطة التي تليق بالإنسان وترفعه عن مستوى الحيوانات والطيور.فوجود عقيدة نابعة عن الغريزة دون أن يتوصل إليها بالعقل كالعقيدة القومية يجعل الجماعات البشرية تعيش كقطعان البهائم يجمعها مظهر القطيع،وتجعل المرء يندفع إلى من حوله لمجرد كونهم قومه أو بني جنسه دون هدف أو غاية , ولا تجعل له إختيارا فيمن يرتبط بهم أو يحامي عنهم .كما أن عدم وجود نظم تنبثق عن العقيدة يؤدي إلى النزاع والتنافر عند معالجة مشاكل الحياة لاختلاف مصادر النظم.


فالرابطة القومية فاسدة عقلا لهذه الأسباب ,فهي:
أولا : غير عقلية وليس للإنسان خيار في قبولها أو رفضها , بل هي مفروضة عليه فرضا,حيث أن الإنسان لم يختر لنفسه نسبه أو جنسه أو شعبه. ولذلك فهي لا تصلح لتوحيد بني البشر المختلفي الأجناس والأوطان والألوان للسير بالجنس البشري في طريق الرقي فهي بذلك لا تعتبر رابطة إنسانية .

ثانيا: رابطة مؤقتة تظهر عند الاعتداء على القوم والوطن .أما في حالة الاستقرار والطمأنينة فتختفي لانشغال أهلها بالنـزاع والخصومة فيما بينهم كما هو مشاهد .ولذلك فهي عرضة باستمرار للتغيير والتبديل ولا تصلح لربط البشر لأن الرابطة الصحيحة ينبغي أن تكون دائمية لا تنفصم عراها سواء في حالة الاضطراب أو الاستقرار.

ثالثا: رابطة تؤدي إلى التطاحن بين الجماعات البشرية بهدف سيادة جنس على آخر وجماعة على أخرى بغير سبب وبغير أن توجد إمكانية لتوحيد تلك الأجناس أو الجماعات باعتناقها عقيدة واحدة وإنضوائها تحت لواء واحد كما يحصل في الروابط العقلية التي يعتنقها الإنسان باختياره.

رابعا:رابطة لا تحمل أنظمة للحياة منبثقة عنها .ولذلك يحصل التطاحن بين أتباعها عند معالجة مشاكل الحياة . فلا يعرفون نظاما يجتمعون عليه في الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك .فأنظمة حياتهم كالثوب المرقع بالألوان المختلفة , ويصبح الناس تحت حكم دعاة القومية كحيوانات المعامل تجرى عليهم التجارب المختلفة في كل يوم .والمتأمل لحال بلاد المسلمين منذ أن تولى قيادتهم هؤلاء يجد هذا واضحا , حيث يجد أنظمة مهلهلة متنافرة , فهذا قومي إشتراكي , وهذا رأسمالي وذلك علماني , مع أنهم جميعا يدعون للقومية كرابطة فيما بينهم

وأما من الناحية الشرعية فجميع التعاليم الإسلامية تبين أن الرابطة بين المسلمين يجب أن تكون رابطة العقيدة الإسلامية ولا شيء غيرها , وأنه يحرم على المسلم التفاخر على أساس القوم أو اللون أو الجنس.فمن الآيات الدالة على أن رابطة المسلم هي الإسلام ولا شيء سواه قوله تعالى"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ "قوله تعالى :"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ غڑ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ " ,وقوله تعالى " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ" . ومن الأحاديث النبوية الشريفة ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال:كنا في غزوة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار,فقال الأنصاري:يا للأنصار ,وقال المهاجرين : يا للمهاجرين ,فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"دعوها فإنها منتنة ".فقوله عليه الصلاة والسلام"دعوها"أم ر صريح بتركها وبتحريم النداء بهذه الرابطة ودل على أن فاعل ذلك كأنه يتعاطى المنتن, ولا شك أن المنتن خبيث , ولقد كرمنا الله بأن جعل ديننا يحرم الخبائث. وفي صحيح مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لهم عند ذلك "ما بال دعوى الجاهلية", وفي رواية أخرى"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم". فالنداء بالانتساب لقوم من دعوى الجاهلية, وقد قال عليه الصلاة والسلام "ليس منا من دعى بدعوى الجاهلية". وكذلك من الأحاديث التي تنهى عن النداء بنداء القومية والعصبية قوله عليه الصلاة والسلام (لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم أو ليجعلنهم الله أهون عليه من الجعل )،وقوله (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود ،الناس كلهم سواسية كأسنان المشط ،كلكم لآدم وآدم من تراب )،وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان قوله عليه السلام (من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأَعِضوه بِهُنَّ أبيه ولا تكنوا) أي أمر ان يقال للداعي بنداء العصبية:اعضض هن أبيك،أي فرجه ولا يكنى عن ذلك مما يدل على قبح النداء بهذه الرابطة وشدة بغض النبي عليه الصلاة والسلام لها.

فكل هذه الآيات والأحاديث تدل على أن رابطة القوم أو الجنس لكي يسود شعب أو جنس على غيره من البشر أمر بعيد تماما عن تعاليم الشريعة المطهرة،وذلك للتعارض التام بين دين الإسلام كدعوة للبشر كافة وبين الفكرة القومية الضيقة المحصورة على أفراد الجنس الواحد أو القوم الواحد .ومن العبث أن يحاول أحد التوفيق بين القومية كرابطة وبين الإسلام ،أو أن يصبغ القومية بصبغة إسلامية لكونهما على طرفي نقيض ،فلا يمكن أن يجتمع شرع الله المخاطب به كل البشر والذي ينضوي تحت لوائه كل قوم وجنس والدعوة للقومية الفاسدة الداعية لسيادة جنس من الناس على غيرهم بلا حق .

فالرابطة الصحيحة لكل إنسان ولجميع البشر هي رابطة الإسلام وهي العقيدة الإسلامية وسائر الأحكام الشرعية المنبثقة عنها.فالعقيدة الإسلامية عقيدة جرى التوصل إليها بالعقل،وذلك بالنظر في آيات الله ومخلوقاته المبثوثة في هذا الكون للوصول إلى الإدراك الجازم بوجود الخالق سبحانه وتعالى،ثم بالنظر في رسالة الإسلام وتعاليمه وإعجاز القرآن الكريم لكي يدرك جزما أن محمدا عليه الصلاة والسلام – الذي جاء بهذه المعجزة- هو رسول للبشر حقا .ومتى التزم الإنسان بهذه الرابطة المبدئية بدخوله في دين الإسلام يصبح كل من قبلها والتزم بها أخا له في السراء والضراء وفي الخير والشر (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)،ويصبح كل من نبذ هذه العقيدة وتعاليمها عدوا له ولو كان أقرب قريب ï´؟لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْï´¾ الآية .فهذه الرابطة تصهر الشعوب المختلفة في أمة واحدة تحمل رسالتها إلى العالم ،وهذا ما حدث في تاريخ الإسلام ،إذ صهرت هذه العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية المنبثقة عنها شعوب العرب والبربر والكُرد والتُرك وأوجدت منهم هذه الأمة المسلمة التي كانت زهرة الدنيا وقبلة الناس مئات السنين .


بقلم / حاتم ناصر الشرباتي
.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2018, 11:21 AM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,216
افتراضي نشأة الوهابيين والحكم والسعودي

نشأة الوهابيين والحكم والسعودي
كانت إنجلترا قد حاولت عن طريق عميلها عبدِ العزيز بن محمد بن سُعود ضرب الدولة الإسلامية من الداخل، وكان قد وُجد للوهابيين كيان داخل الدولة الإسلامية بزعامة محمد بن سعود، ثم ابنه عبد العزيز، فأمدَّتهْم إنجلترا بالسلاح والمال، واندفعوا على أساس مذهبي للاستيلاء على البلاد الإسلامية الخاضعة لسلطان الخلافة، أي رفعوا السيف في وجه الخليفة، وقاتلوا الجيش الإسلامي جيش أمير المؤمنين بتحريض من الإنجليز وإمداد منهم. وذلك لأخذ البلاد من الخليفة وحكمها حسب مذهبهم، وإزالة ما أحدثته المذاهب الإسلامية الأخرى غير مذهبهم بالقوة وحدِّ السيف. فأغاروا على الكويت سنة 1788 واحتلوها، ثم واصلوا تقدمهم إلى الشمال حتى حاصروا بغداد، وكانوا يريدون الاستيلاء على كربلاء، وعلى قبر الحسين رضي الله عنه لهدمه ومنع زيارته. ثم في نيسان سنة 1803 شنّوا هجوماً على مكة واحتلوها، وفي ربيع سنة 1804 سقطت المدينة المنورة في أيديهم، فخربوا القباب الضخمة التي تظلّل قبر الرسول ، وجرّدوها من جميع النفائس. وبعد أن انتهوا من الاستيلاء على الحجاز كله ساروا نحو الشام، وقاربوا حمص. وفي سنة 1810 هاجموا دمشق كرّة أخرى كما هاجموا النجف. وقد دافعت دمشق عن نفسها دفاعاً مجيداً. ولكن الوهابيين مع محاصرتهم لدمشق انطلقوا نحو الشمال وبسطوا سلطانهم على أكثر أراضي سورية حتى حلب. وكان معروفاً أن هذه الحملة الوهابية عمل إنجليزي، لأن آل سعود عملاء للإنجليز، وقد استغلوا المذهب الوهابي - وهو من المذاهب الإسلامية، وصاحبه الإمام محمد بن عبد الوهاب مجتهد من المجتهدين - استغلوا هذا المذهب في أعمال سياسية لضرب الدولة الإسلامية، والاصطدام مع المذاهب الأخرى، لإثارة حروب مذهبية داخل الدولة العثمانية، دون أن يدرك ذلك أتباع هذا المذهب، ولكن عن إدراك ووعي من الأمير السعودي ومن السعوديين. لأن العلاقة لم تكن بين الإنجليز وصاحب المذهب محمد بن عبد الوهاب، وإنما كانت بين الإنجليز وعبد العزيز بن محمد بن سعود ثم بينهم وبين ابنه سعود.
وذلك أن محمد بن عبد الوهاب الذي كان حنبلي المذهب قد اجتهد في بعض المسائل، ورأى أنّ ما عليه المسلمون من أصحاب المذاهب الأخرى يخالف رأيه في هذه المسائل. فأخذ يدعو لآرائه ويعمل لها، ويهاجم الآراء الإسلامية الأخرى بعنف. فَجُوبِهَ بالمعارضةِ والصدّ من العلماء والأمراء ووجوه الناس، باعتبار آرائه تخالف ما فهموه من الكتاب والسنة. فمثلاً هو يقول: إن زيارة قبر الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرام وهي معصية من المعاصي، حتى إن من يذهب لزيارة قبر الرسول لا يجوز له أن يقصر الصلاة في سفره لأنه مسافر في معصية. ويستدل على ذلك بقوله : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». فَيَرى من هذا الحديث أن الرسول نهى أن تُشَدّ الرحال لغير هذه الثلاثة. فإذا شُدَّت لزيارة قبر الرسول فقد شُدّت لغير المساجد الثلاثة، فكانت حراماً، وكانت معصية. ويرَى غيره من المذاهب أن زيارة قبر الرسول  سُنّةٌ ومندوب يُثابُ فاعلها، لقوله : «كنتُ نَهيتُكم عن زيارة القبور أَلاَ فزُورُوها». وقبر الرسول من باب أولى أن تكون زيارته داخلة في هذا الحديث، فضلاً عن وجود أحاديث أخرى يَرْوُونها. ويقولون عن الحديث الذي يَستدل به محمد بن عبد الوهاب: إن الحديث خاص بالمساجد، فموضوعه شدّ الرحال للمساجد، ولا يتعدى موضوعه. فهو ليس عاماً بل هو خاص في موضوع معين: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا لثلاثة مساجد»؛ فلا يجوز لمسلم أن يذهب لزيارة مسجد أَيا صُوفيا، ولا لزيارة المسجد الأمَوِيّ في دمشق قاصداً المسجد؛ لأن الرسول قد حصر شدّ الرحال للمساجد بثلاثة مساجد ليس غير. فلا يجوز شدّ الرِّحال لمسجد غيرها. فهو خاص بالمساجد. وإلاّ فيجوز شدّ الرِّحال للتجارة، وللزيارة، وللنزهة، وللسياحة، وغير ذلك. فالحديث لا يمنع السفر مطلقاً ويحصره في هذه الثلاثة, وإنما يمنع السفر قصد المساجد إلا لهذه المساجد الثلاثة. وهكذا جميع آرائه يراها غيره من أصحاب المذاهب أنها آراء خطأ تخالف ما يفهمونه من الكتاب والسنة، وقد اشتد الخصام بينه وبينهم حتى نُفي من البلاد.
وفي سنة 1740 التجأ إلى محمد بن سعود شيخ قبيلة عَنْزَة، وكان خصماً لشيخ عُيَيْنَة ويقيم في بلدة الدِّرْعِيّة، وكانت تبعد ست ساعات فحسب عن عُيَيْنَة. وهناك لقي محمد بن عبد الوهاب حفاوةً وترحيباً، وصار يبث آراءَه وأفكارَه بين الناس في الدِّرْعِيّة وما جاورها. وما أن مضت مدة حتى اكتسبت أفكاره وآراؤه هذه أنصاراً ومؤيدين، فمال إليها الأمير محمد بن سعود وأخذ يتقرّب من الشيخ.
وفي سنة 1747 أعلن الأمير محمد قبوله لآراء محمد بن عبد الوهاب وأفكاره، وأعلن مناصرته له ولهذه الآراء والأفكار. وبهذا التحالف بدأَت الحركة الوهابية وظهرت للوجود بشكل دعوة وبشكل حُكْم. فقد كان محمد بن عبد الوهاب يدعو لها ويعلِّم الناس أحكامها، وكان محمد بن سعود ينفّذ أحكامها على الناس الذين تحت إمرته وسلطانه.
وأخذت تمتد فيما جاور الدِّرْعِيّة من البلدان والقبائل في الدعوة والحكم، وأخذت إمارة محمد بن سعود تتسع حتى وُفِّق في مدى عشر سنوات إلى أن يخضع لسلطته وللمذهب الجديد رُقْعَةً من الأرض مساحتها نحو من ثلاثين ميلاً مربعاً، ولكنه كان اتّساعاً عن طريق الدعوة وسلطان شيخ عَنْزَة، ولم يعترضه أحد، ولم يخاصمه أحد، حتى إن أمير الإحساء الذي أخرج محمد بن عبد الوهاب من عُيَيْنَة لم يعارض خصمه في هذا التوسع، ولم يحشد قواته لمحاربته إلا في سنة 1757، ولكنه هُزم، فاستولى محمد بن سعود على إمارته، وصارت سلطة عَنْزَة أي سلطة محمد بن سعود وسلطة المذهب الجديد تحكم الدِّرْعِيّة وما جاورها وتحكم الإحساء. وكان ينفذ في هذه البلاد المذهب الوهابي بقوة السلطان.
ولكن هذه الحركة بعد الاصطدام مع أمير الإحساء والاستيلاء على بلاده وقفت عند هذا الحد، ولم يعرف عنها أنها توسعت بعد ذلك أو قامت بأي نشاط، بل ظلت محصورة في ذلك المكان، ووقف محمد بن سعود عند هذا الحد، ووقف المذهب الوهابي عند حدود هذه الرقعة ونامت الحركة وركدت.
ثم في سنة 1765 توفي محمد بن سعود وخلفه على مَشْيَخَةِ عَنْزَة ابنه عبد العزيز. فقام بعد والده بحكم الرقعة التي تحت يده، ولكنه لم يقم بأي نشاط للحركة، ولا بأي توسع فيما جاوره. فظلت الحركة نائمة، وظل الركود مخيّماً عليها. ولم يعد يُسمع عنها شيء، ولم يعد أحد من جيرانها يذكرها أو يتخوّف من غزوها.
ولكن بعد إحدى وأربعين سنة من بدء الحركة الوهابية، أي من سنة 1747 إلى سنة 1788، وبعد إحدى وثلاثين سنة من وقوفها وركود حركتها، أي من سنة 1757 إلى سنة 1787 ظهر نشاطها فجأة، واتخذت طريقة جديدة في نشر المذهب، وسمع ذكرها في الخارج بشكل قوي في جميع أنحاء الدولة الإسلامية، ولدى الدول الكبرى، وصارت تشغل جيرانها وتقلقهم، بل تشغل الدولة الإسلامية كلها وتقلقها.
ففي سنة 1787 تحرك عبد العزيز لتأسيس بيت إمارة، وإيجاد نظام وراثة الحكم، أو ما يُسمى بولاية العهد: بأن يُثَبّت ابنه سعوداً خليفة له. فقد اجتمع حشد عظيم من الناس ترأسه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا الحشد العظيم جعل عبد العزيز حق الإمارة في بيته، وحق خلافته في الإمارة لأولاده، وأعلن تثبيت ابنه سعود خليفة له. فوافقه ذلك الحشد العظيم وعلى رأسهم محمد بن عبد الوهاب وقرروه، وبذلك أسس بيت إمارة لدولة وليس لقبيلة أو قبائل. ويبدو أنه كذلك جعلت الخلافة في المذهب الوهابي في بيت محمد بن عبد الوهاب. وبعد هذا التثبيت لخلافة الأمير ولخلافة شيخ المذهب نشطت الحركة فجأة في الفتح والتوسع، وصارت تقوم بالحرب لنشر المذهب. فقد قام عبد العزيز في سنة 1788 بتجهيز حملة عسكرية ضخمة وهاجم الكويت وفتحها واستولى عليها. وكان الإنجليز يحاولون أخذ الكويت من الدولة العثمانية ولكنهم لم يستطيعوا ذلك. فقد كانت الدول الأخرى مثل ألمانيا وروسيا وفرنسا تقف في وجههم، وكانت دولة الخلافة تقاومهم. فكان فصل الكويت عن الدولة العثمانية ثم التقدم إلى الشمال لحمايتها لافتاً لنظر الدول الكبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا، ولافتاً نظر الدولة العثمانية. ثم كانت الصفة التي تأخذها هذه الحرب وهي الصفة المذهبية تثير المشاعر الدينية.
وهكذا بدأ الوهابيون نشاطهم فجأة بعد ركود دام عشرات السنين، وبدأوا هذا النشاط بطريقة جديدة هي نشر هذا المذهب عن طريق الحرب والفتح لإزالة معالم المذاهب الأخرى من الوجود، وإقامة مذهبهم مكانها. وافتتحوا هذا النشاط بالهجوم على الكويت والاستيلاء عليها، ثم أخذوا يواصلون هذا النشاط بمحاولات التوسع. وصاروا مدعاة قلق وإزعاج لجيرانهم في جزيرة العرب والعراق والشام، وللدولة العثمانية بوصفها دولة الخلافة، وصاروا يحملون السيف لمقاتلة المسلمين لترك ما يعتنقون من آراء غير المذهب الوهابي، ولاعتناق آراء المذهب الوهابي، ويقاتلون الخليفة ويفتتحون البلدان الإسلامية. ثم في سنة 1792 توفي محمد بن عبد الوهاب، فخلفه ابنه في منصبه في الدولة بالنسبة للمذهب الوهابي تماماً كما خلف سعود أباه عبد العزيز. وهكذا سار الأمراء السعوديون متخذين المذهب الوهابي أداةً سياسية لضرب الدولة العثمانية دولة الخلافة، وإثارة حروب مذهبية بين المسلمين.
تآمر الإنجليز ضد الدولة الإسلامية
وكانت عمولة آل سعود للإنجليز وولاؤهم لهم أمراً معروفاً لدى دولة الخلافة ولدى الدول الأخرى كألمانيا وفرنسا وروسيا، وكان معروفاً أنهم يُسيَّرون من قِبَل الإنجليز، وكان الإنجليز أنفسهم لا يُخْفُون وقوفهم إلى جانب السعوديين دَوْلياً، أضف إلى ذلك الأسلحة الكثيرة والعتاد الكبير الذي وصل إليهم عن طريق الهند، والأموال التي تحتاج إليها الحرب ويحتاج إليها تجهيز الجيوش لم تكن إلاّ أسلحة الإنجليز وأموالهم، ولهذا فإن الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا كانت ضد حملة الوهابيين هذه باعتبارها حملة إنجليزية. وقد حاولت دولة الخلافة ضرب الوهابيين فلم تستطع صدّهم، وعجز ولاتها في المدينة وبغداد ودمشق أن يقفوا في وجههم، فطلبت إلى واليها في مصر محمد علي أن يُجرِّد جيشاً عليهم، فَتَلكَّأ في أولِ الأمر. ولكنه وقد كان عميلاً لفرنسا، لأنها هي التي ساعدته في قيامه بالانقلاب في مصر واستيلائه على الحكم، ثم حملت الخلافة على الاعتراف به، فإنه بناءً على موافقة فرنسا وتحريضها لبَّى أمر السلطان سنة 1811، فأرسل ابنه طوسون لمحاربتهم، ودارت معارك عديدة بينهم وبين جيش مصر، وتمكن جيش مصر سنة 1812 من فتح المدينة. ثم في آب سنة 1816 أرسل ابنه إبراهيم من القاهرة فَسحَقَ الوهابيين سَحْقاً حتى تراجعوا إلى عاصمتهم الدِّرْعِيّة وتحصنوا فيها، فحاصرهم إبراهيم في نيسان سنة 1818 طوال الصيف. وفي 9 أيلول سنة 1818 استسلم الوهابيون، ودَكّت جيوش إبراهيم الدِّرْعِيّة دَكاً، حتى يقال: إنه حرثها بالمحراث حتى لا يبقى لها أثر. وبذلك انتهت محاولة الإنجليز.
منقول عن كتاب كيف هدمت الخلافه
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.