قديم 05-22-2018, 09:37 PM   #61
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (170 177 )-مفهوم "الكلب" في الاسلام

مفهوم "الكلب" في الاسلام
قال تعالى ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين, ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذلبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الاذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون).(177 الاعراف)
سبب النزول: نزلت هذه الآيات فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن اسلم في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم ان الله مرسل رسولا في ذلك الوقت وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول فلما أرسل الله محمدا (ص) حسده وكفر به بعد أن قرأ عليه رسول الله (ص) سورة (يس) حتى اذا فرغ منها وثب امية يجر رجليه فتبعته قريش تقول ما تقول يا أمية فقال : أشهد أنه على حق قالوا: فهل تتبعه قال: حتى أنظر في أمره فخرج الى الشام . وبعد ان مات اتت اخته الفارعة الى رسول الله (ص) فسألها عن وفاته فذكرت أنه أنشد عند موته :-
كل عيشٍ وإن تطاول دهرا === صائر مرةً الى ان يـــزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي === في قلال الجبال ارعى الوعـولا
ان يوم الحسـاب يوم عظيم === شاب فيه الصغير يومـاً ثقيلا
ثم قال لها رسول الله (ص) : أنشديني من شعر أخيك فأنشدته :-
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا === ولا شيء اعلى منك جداً و أمجدِ
مليك على عرش السماء مهيمن === لعزته تعنوا الوجوه وتســـجد

فقال رسول الله (ص) : ان اخاك آمن شعره وكفر قلبه.
وقال سعيد بن المسيب نزلت في ابي عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية فكفر بالنبي وذلك انه دخل على النبي في المدينة فقال : يا محمد ما هذا الذ جئت به قال رسول الله (ص) جئت بالحنفية دين ابراهيم قال : فإني عليها فقال النبي لست عليها لانك ادخلت فيها ما ليس منها فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريداً وحيدا فقال النبي نعم امات الله الكاذب منا كذلك, فخرج الى الشام فمات كما وصف طريداً وحيداً.
تفسير الآية :-
1. ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) يعني ان الحديث ليس عن أحمق بل هو حديث عن رجل آتاه الله العلم فتعلم وعلمه الحجج فحاجج به العلماء وفهم الادلة حتى صار عالماً يسأله الغير ويسافر اليه ويطلب العلم منه فهو بحر في علمه بل يكفيك ان تقول أن هذا الرأي لفلان او قال به فلان فتحتجّ برأيه وقوله. فهذا خبره وخبر كل من كان على شاكلته فهو حجة على نفسه لعلمه و لفهمه.
2. ( فانسلخ منها ) يعني بعد فهمه بدل ان تزيده تمسكاً والتصاقاً بها لعلمه بأنها آيات الله الخالق ويقينه بصحتها ولكنه انسلخ منها انسلاخ الجلد من الشاة , وحقيقة كشط الجلد و إزالته بالكلبة عن المسلوخ عنه , بل يقال لكل شيْ فارق شيئاً على أتم وجه انسلخ منه ,
فالعلم المتحصل للعالم لاينزع منه وإلا كان التعبير فانسلخت منه ولكن آيات الله باقية بدلائل صحتها ولكنه انسلخ منها بأن كفر بها كالحية تبقي جلدها وتنسلخ منه . وهذا بعمله هذا بعد أن فهم آيات الله لابد ان يصل الى نتيجة بعد الفعل وهذه هي النتيجة , ولاحظ فاء الترتيب والتعقيب.
3. ( فأتبعه الشيطان ) أي لحقه و أدركه الشيطان وبعد ان لم بكن يستطيع ادراكه , يقال اتبعت القوم اذ سبقوك فلحقتهم قكان المعنى ان هذا الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها كان بفعله هذا اسبق من الشيطان في الضلال و الهوى و الشيطان يتبعه وهو للشيطان إمام وليس ابلغ من هذا الذم ذم .....ونظيره قول الشاعر :-
وكنت امرىء من جند ابليس فارتقى === بي الدهر حتى صار ابليس من جندي
فإن مات قبلي كنت احسن بعــده === طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
( فكان من الغاوين) : فصار إماماً و رأساً للضلال و الكفر بعد ان كان إماماً في الهداية.
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2018, 09:38 PM   #62
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (170 177 )-مفهوم "الكلب" في الاسلام/2

4. ( ولكنه اخلد الى الارض واتبع هواه ) : اي اقام ظناً أنه خالد فيها فبعد إعراضه عن التمسك بما آتاه الله من الآيات انسلخ منها واتبع الهوى فلا جرم انه وقع في هاوية الردى بل صار يدعو بدعوة الشياطين لحلاوة الدنيا على لسانه وركونه لها لما صار فيه من موقع مرموق بين الشياطين يخاف ان يفقده , نفهمه من معنى الاخلاد هو اللزوم للمكان لما فيه من موافقة الاهواء والرغبات واشباع الجوعات وخصوصاً جوعة الحكم .
فمن كان هذا حاله صار في درجة الكلب, فكل من كانت نعم الله في حقه اكثر واعرض عن متابعة الهدى واقبل على مجاراة الهوى كان بعده من الله اعظم, وإليه الاشارة يقول الرسول (ص) ( من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا ) أو لفظ هذا معناه .
5. ( فمثله كمثل الكلب ) وفيه مباحث :-
1. قال اليث : اللهث هو أن الكلب إذا ناله الاعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر يندلع لسانه . وهذا التمثيل ما وقع بكل الكلاب وإنما بالكلب اللاهث.
فإن أخسّ الحيوانات الكلب وأخسّ الكلاب هو اللاهث منها فكان التمثيل أنه من آتاه الله العلم والدين فمال الى الدنيا وأخلد الارض كان مشبهاً بأخس أخس الحيوانات وهذا وصفه .
2. أن كل من يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في الإعياء و العطش وفي الراحة و الدعه فكان ذلك طبع فيه وعادة وكذلك من آتاه الله العلم و الدين اغناه الله عن التعرض لاوساخ اموال الناس ......... ثم يميل الى طلب الدنيا و يلقي نفسه فيها ويبيع دينه بدنيا غيره كانت حاله كحال ذلك الكلب اللاهث حيث واظب على خسيس العمل .

3.ان الرجل العالم اذا توسل بعلمه طلب الدنيا و إظهار نفسه بأن يورد عليهم أنواع علومه وفضائل نفسه ومناقبها ويمدحه من هو مثله او دونه من الشياطين ويغدقون عليه الالقاب والاوسمة والمناصب , فلا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات وتقرير تلك العبارات بندلع لسانه ويخرج لإجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص و شدة العطش الى الفوز في الدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب اللاهث .
وفي الحديث أن النبي (ص) أنه قال ( العلم علمان علمٌ في القلب وفذلك العلم النافع وعلمٌ على السان فذلك حجة الله تعالى على إبن آدم )
6. ( إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث ) قال إبن عباس يريد اهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم الى طاعة الله عز وجل ... ثم جاءهم من لا يشكون بصدقه وأمانته .... فجحدوا وصدق الله العظيم ( قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) (33 الانعام)
فحصل هذا التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث و أو تتركه يلهث لإنهم لم يهتدوا لمّا تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الهدى فبقوا على الضلال في كل الاحوال مثل هذا الكلب اللاهث في كل الاحوال.
وهذا شر تمثيل في أنه قد غلب عليه هواه حتى استحوذ عليه بالكلية وصدق الله العظيم (استحوذ عليهم الشيطان ) (19 المجادلة) حتى صار لايملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فهو مملوك لهواه فهو كلب لاهث حمل عليه او لم يحمل فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان .
7. ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثل القوم الذين كذّبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون )
يقول السيد قطب رحمه الله : فهل هو نبأ يتلى ؟؟ أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لانه يقع كثيراً فهو من هذا الجانب خبر يروى.
فهو يمثل حال الذين كذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفونها ثم لا يستفيدون عليها .... وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر .... ما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لايهدون . إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن موضعه واتباع الهوى به ... هواهم وهوى المتسلطين.
وكم من عالم دين رأيناه يعلم حيقيقة دين الله ثم يزيغ عنها ويعلن غيرها ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوي المطلوبة للسلطان يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الارض جميعا .
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2018, 09:40 PM   #63
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (170 177 )-مفهوم "الكلب" في الاسلام/3

لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول : أن التشريع حق من حقوق الله سبحانه ... من ادعاه فقد ادعى الالوهيه ومن ادعى الالوهيه فقد كفر ومع ذلك ومع علمه بهذه الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة فإنه يدعو للطواغيث اللذين يدّعون حق التشريع ويدّعون الالوهية بإدعاء هذا الحق.
ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر ... ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس ويخلع على هذا الوصل وراء الدين .
ولقد رأينا من هؤلاء- والعياذ بالله في زماننا هذا من كان كأنما يحرص كل الحرص على ظلم نفسه , أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قاع جهنم يخشى أن ينازعه اياه احد المتسابقين معه في الحلبة فهو لا يبرح يقدم في كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم , ولا يبرح يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لاينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنياعلى هذا الحال .
فماذا يكون هذا لإ أن يكون مصداقاً للنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ؟ ... وماذا يكون هذا الا ان يكون هذا المسخ الذي يحكيه الله سبحانه وتعالى عن صاحب النبأ ( ولو شئنا لرفعنا بها ولكن أخلد إلى الارض فاتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته ولكنه- سبحانه- لم يشأ لأن ذلك الذي علم الآيات اخلد الى الارض واتبع هواه .
إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله فلم ينتفع بهذا العلم . ولم يستقم على طريق الايمان . وانسلخ من نعمة الله ليصبح تابعاً ذليلا .. وينتهي به المطاف الى المسخ في مرتبة الحيوان,
وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله (ص) أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آياته . كي لاينسلخوا منها وقد اوتوها . ثم ليبقى من بعده يتلى ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئا أن ينتهوا الى هذه النهاية البائسة وأن يصيروا الى هذا اللهاث الذي لا ينقطع . وأن لا يظلموا انفسهم هذا الظلم الذي لايظلمه عدو لعدو . فإنهم لايظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية المنكرة .
نعم إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته واهواؤه فيخلد الى الارض من ثقلها .نعم إن الله قد طلب منا أن نتعلم لنعبده به حين قال ( واتقوا الله ويعلمكم الله )(282 البقرة ) فالعلم هو لعبادته سبحانه وتعالى علم بني على اساس العقيدة وهي دافعه الى الحركة لتحقيق مدلولها العملي بالالتزام بالاوامر والنواهي.و يكون هذا العلم ميزاناً للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم فما قبله هذا الميزان صح وقبل وما رفضه هذا الميزان رفض.
ولا يقبل العلم لاجل العلم بل العلم لاجل غاية محددة هي نيل رضوان الله عز وجل وعبادته كما أمر روى مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله (ص) يقول ( إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتىالقي في النار ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما علملت فيها ...؟؟ قال تعلمت العلم وعلمته و قرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار ... ورجل وسَّع الله عليه فأعطاه من أضعاف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها الا انفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه فالقي في النار ).
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2018, 09:45 PM   #64
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (178 - 185 )- تفسير آيه

" إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"-سورة يس
يقول السعدي في تفسيره:
إنا نحن نحيي الأموات جميعا ببعثهم يوم القيامة, ونكتب ما عملوا من الخير والشر, وآثارهم التي كانوا سببا فيها في حياتهم وبعد مماتهم من خير, كالولد الصالح, والعلم النافع, والصدقة الجارية, ومن شر, كالشرك والعصيان, وكل شيء أحصيناه في كتاب واضح هو أم الكتب, وإليه مرجعها, وهو اللوح المحفوظ.
فعلى العاقل محاسبة نفسه; ليكون قدوة في الخير في حياته وبعد مماته.
ويقول بن كثير وَقَوْله تَعَالَى " وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا " أَيْ مِنْ الْأَعْمَال وَفِي قَوْله تَعَالَى " "وَآثَارهمْ " قَوْلَانِ أَحَدهمَا " نَكْتُب أَعْمَالهمْ الَّتِي بَاشَرُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَآثَارهمْ الَّتِي أَثَّرُوهَا مِنْ بَعْدهمْ فَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ
كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة حَسَنَة كَانَ لَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْده مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ أُجُورهمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وِزْرهَا وَوِزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْده مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ أَوْزَارهمْ شَيْء " رَوَاهُ مُسْلِم ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة " وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا وَآثَارهمْ " والْحَدِيث الْآخَر الَّذِي فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث : مِنْ عِلْم يُنْتَفَع بِهِ أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ أَوْ صَدَقَة جَارِيَة مِنْ بَعْده "
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى " إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا وَآثَارهمْ " قَالَ مَا أَوْرَثُوا مِنْ الضَّلَالَة . وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة عَنْ عَطَاء بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى " وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا وَآثَارهمْ" يَعْنِي مَا أَثَّرُوا يَقُول مَا سَنُّوا مِنْ سُنَّة فَعَمِلَ بِهَا قَوْم مِنْ بَعْد مَوْتهمْ فَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا فَلَهُمْ مِثْل أُجُورهمْ لَا يَنْقُص مِنْ أَجْر مَنْ عَمِلَ بِهِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا فَعَلَيْهِمْ مِثْل أَوْزَارهمْ وَلَا يَنْقُص مِنْ أَوْزَار مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا ذَكَرَهُمَا اِبْن أَبِي حَاتِم وَهَذَا الْقَوْل هُوَ اِخْتِيَار الْبَغَوِيّ .
" وَالْقَوْل الثَّانِي " أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ آثَارَ خُطَاهُمْ إِلَى الطَّاعَة أَوْ الْمَعْصِيَة قَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح وَغَيْره عَنْ مُجَاهِد " مَا قَدَّمُوا " أَعْمَالهمْ " وَآثَارهمْ " قَالَ خُطَاهُمْ بِأَرْجُلِهِمْ وَكَذَا قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة " وَآثَارهمْ " يَعْنِي خُطَاهُمْ . وَقَالَ قَتَادَة لَوْ كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُغْفِلًا شَيْئًا مِنْ شَأْنك يَا اِبْن آدَم أَغْفَلَ مَا تَعْفِي الرِّيَاح مِنْ هَذِهِ الْآثَار وَلَكِنْ أَحْصَى عَلَى اِبْن آدَم أَثَره وَعَمَله كُلّه حَتَّى أَحْصَى هَذَا الْأَثَر فِيمَا هُوَ مِنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى أَوْ مِنْ مَعْصِيَته فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكْتُب أَثَره فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى فَلْيَفْعَلْ . وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيث منها . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيّ عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ خَلَتْ الْبِقَاع حَوْل الْمَسْجِد فَأَرَادَ بَنُو سَلَمَة أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْب الْمَسْجِد فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ : " إِنِّي بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْب الْمَسْجِد " قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا بَنِي سَلَمَة دِيَاركُمْ تُكْتَب آثَاركُمْ دِيَاركُمْ تُكْتَب آثَاركُمْ ".
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربع حقائق هامة :
1- أنه يحي الموتى 2- وأنه يكتب ما قدّموا في دار الدنيا 3- وأنه يكتب آثارهم 4- وأنه أحصى كل شيء في إمام مبين ، أي في كتاب بيّن واضح.
كل حقيقة من هذه الحقائق تحتاج إلى إفرادها بخطاب خاص ، وسنقف مع الحقيقة الثالثة ، وهي : كونه سبحانه يكتب آثار العباد ، فالآثار المذكورة في الآية الكريمة ، تشمل الآثار الحسية وهي الخطى ، كما تشمل الآثار المعنوية ، وهي ما يتركه الناس بعدهم من آثار ، فكل ذلك سيكتب، وسيجازى به أصحابه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . والدليل على كتابة الآثار الحسية قوله تعالى في حق الغزاة: "ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم " [التوبة:121]. فقد بينت هذه الآية أن الخطى التي يخطوها الغازي في سبيل الله ستكتب له ، أي يكتب له أجرها وثوابها، ويقاس على ذلك كل خطوة يخطوها المسلم في مرضات الله تعالى ، كالخطى التي يخطوها المسلم في الإصلاح بين الناس .. أو مساعدة المحتاجين وإغاثة الملهوفين .. أو يخطوها إلى المساجد لأداء الصلوات أو لحضور مجالس العلم .. ونحو ذلك .. والحسنة بعشر أمثالها ، والله يضاعف لمن يشاء . وبالمفهوم المخالف المقرر لدى أرباب الأصول أن كل خطوة تخطوها في سخط الله تكتب عليك بها سيئة.
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2018, 09:48 PM   #65
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (178 - 185 )- تفسير آيه /2

وإذن فمن كانت خطواته في سخط الله ، سيكون عليه من الإثم والوزر بقدر خطواته التي خطاها في معصية الله ، فمثلا : هناك من يذهب من هنا إلى تونس ليعصي الله تعالى ، كم من خطوة من هنا إلى هناك ؟؟ فكل خطوة ستكتب عليه سيئة إن خطاها في معصية الله . هذا بالنسبة لكتابة الآثار الحسية .
وأما الدليل على كتابة الآثار المعنوية فقوله تبارك و تعالى: " لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ " [النحل: 25 ]. فمن أحدث بدعة بين الناس سيكون عليه وزرها ووزر الذين يعملون بها من بعده ، ومن نشر فتنة بين العباد سيكون عليه وزرها ووزر الذين يتبعونه فيها فكل من ترك أثرا سيئا فعليه إثمه وإثم من سار عليه من بعده .
هذا وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الرؤوف الرحيم بأمته - إلى جملة من أنواع البر والخير التي يلحقنا أجرها بعد موتنا. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته".

ومنها أيضا: ولد صالح تركه، وهذا الإطلاق يفيد انتفاع الوالد بولده الصالح سواء دعا له أم لا ، فهو كمن غرس شجرة فأكل منها الناس، فإنه يحصل له الثواب بمجرد الأكل من الشجرة ، سواء دعا له من أكل أم لم يدع. فالوالد ينتفع بصلاح ولده مطلقا ، وكل عمل صالح يعمله الولد فلأبويه من الأجر مثل أجره ، من غير أن ينقص من أجره شيء ؛ لأن الولد من سعي أبيه وكسبه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". والله عز وجل يقول"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" [النجم:39]. والولد من سعي أبيه .

وهذا يوجب على الآباء أن يجتهدوا في تربية أولادهم ، وإصلاح أحوالهم، حتى ينتفعوا بصلاحهم .
ومنها: مصحف ورثّه: فمن اشترى مصحفا ووضعه في البيت ليقرأ فيه أولاده ، أو وضعه في المسجد ووقفه لله تعالى، فإنه يأتيه من ثواب ذلك المصحف بعد موته ، ويلحق بالمصحف كتب العلم الشرعي كالفقه والتفسير ونحوهما ...
ومنها: مسجد بناه ، فأنتم الآن أمامكم هذه الساجد التي تنتظر دعمكم وتبرعاتكم ، وإذا شاركتم في بنائها وتشييدها ، فإنكم إذا متم - وستموتون لا محالة - فسيلحقكم أجر هذه المساجد وثوابها ما بقيت هذه المساجد قائمة على وجه الأرض ، هذا أمر لا شك فيه ، إن خلصت نياتكم لله تعالى ، فالله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم ، وكل صدقة جارية - أي منفعتها مستمرة - سيكتب لكم أجرها وثوابها ، فما أسعدنا أن نكون ثاويين في قبورنا والثواب يلحقنا !! الأمر بسيط : إذا أردنا ذلك فلنترك لنا أثرا ينفعنا بعد موتنا
"إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"
فإن هذه الآية ينبغي أن تكتب ويضعها كل مسلم أمامه .. في مكتبه .. في سيارته .. على عتبة داره .. ليتذكرها في كل حين ، وليتخذ منها منهجا يسير عليه في واقع حياته .
لو سُئل أحدٌ منا: ما الحسنات التي يمكن أن تتوالى عليه وهو نائمٌ في بيته؟ أو ما الحسنات التي يُمكن أن تتوالى عليه وهو مُنشغِلٌ في عمله أو تجارته؟ أو ما الحسنات التي يمكن أن تتوالى عليه وهو يلعب مع أطفاله؟ بل ما الحسنات التي يمكن أن تتوالى عليه وهو ميِّتٌ في قبره رهين عمله؟ وكلنا ذاك الرجل نسأل الله حُسن الخاتمة للجميع..
إنها آثار الخير التي ذُكرت في قول الله عز وجل: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" [يس: 12].
يقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسير بعض هذه الآية: "مَا قَدَّمُوا": من الخير أو الشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم. "وَآَثَارَهُمْ": آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكلُّ خير عمل به أحد من الناس بسبب علم العبد وتعليمه أو نصحه أو أمره بالمعروف أو نهيه في عن المنكر أو علم أودعه عند المتعلِّمين، أو في كتُب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرًا من صلاةٍ أو زكاةٍ أو صدقةٍ أو إحسانٍ فاقتدى به غيره، أو أقام مسجدًا أو محلاًّ من المحال التي يرتفق بها الناس وما أشبه ذلك؛ فإنها من آثاره التي تُكتب له، وكذلك عمل الشر.
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2018, 09:49 PM   #66
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (178 - 185 )- تفسير آيه /3

وهذا الموضع يُبيِّن لك علوَّ مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكلِّ وسيلةٍ وطريقٍ موصلٍ إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة وأشدّهم جرمًا وأعظمهم إثمًا.
ولنضرب أمثلة على آثار الخير التي يمكن لكثيرٍ من الناس يحصل عليها، وربما استمرَّ أجرها مئات السنين أو إلى قيام الساعة، وفضل الله واسع سبحانه وتعالى . فمن ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو في حدِّ ذاته عملٌ صالحٌ تُقدِّمه لنفسك، وواجبٌ شرعيٌّ تؤدِّيه لربِّك.. قال الله عز وجل: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [آل عمران: 104].فهذا الذي قضى جل عمره منافحا عن شرع الله حاملا دعوة الله عاملا لاعادة حكم الله لارض الله ويموت فاجره على الله واثر عمله باق ما بقيت هذه الدعوة ,ومثاله الشيخ تقي الدين النبهاني والشيخ عبد القديم زلوم وغيرهم كثير كثير ممن حملوا هذا الخير للناس لانهاض امة الاسلام وماتوا فاثر عملهم موجود فينا وفي دعوتهم.
فإن استجاب لك المأمور في فعل الطاعة أو ترك المعصية فلك مثل أجره لا ينقص من أجره شيئًا، فإن استمر على تلك الاستجابة فمعناه استمرار الأجر والثواب لك مثل ما له، وربما كان لذلك المأمور بالطاعة أو تلك المعصية بعد استجابته للخير أثرٌ طيبٌ على آخرين، فلك مثل أجورهم لا ينقص من أجورهم شيئًا، وهكذا يتسلسل الخير والثواب.
وفي الحديث الصحيح قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» [رواه الإمام مسلم].وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم].
ان هذا الموضوع مهم جدا للمسلم في حياته التي يعيش وبعدها الحساب والكتاب والجنة والنار وهذا الموضوع ليس فلسفة لامور ولا تبسيط ولا تعقيد بل هو امر سنراه باعيننا ونعيشه في واقعنا ,وناخذ مثالا صغيرا لنلج الى لبه فيقولون في صيغة النعي (عن عمر كذا وكذا قضاها في اعمال البر والتقوى واصلاح ذات البين) فمن الذي افسد الذوق العام واحدث في الامة ما احدث وافسد العلاقات بين الناس...؟؟؟ وهذا الفاعل عند موته هل تنقطع مسؤليته عن افعاله في الدنيا بموته...؟؟.كلا بل الشحناء والتدابر والبغضاء التي كان هو السبب في ايجادها هي اثر عمله وهذا على المستوى الفردي فما بالك بالذي شتت شمل الامة وهدم دولة الخلافة ومزق الامة الواحدة مزقا مزقا وهذا الذي عمل بجد واجتهاد ليضلل الامة تحت الشعارات الرنانة واستولى على الحكم ودعا للوطنية او للقومية او لشعار(مصر اولا)او السعودية او الاردن او فلسطين اولا وهذا الذي دخل البرلمان ليشرع شرعا غير شرع الله وحالف انظمة الحكم او تواطىء مع الكفار ضد امته واطلق الرصاصة الاولى في قلب دولته وكل هؤلاء واشباههم ونظرائهم فما نعيشه اليوم من عنى وعنت وقهر وفقر هو آثار افعالهم ,وكل دم سال كانوا هم السبب لسيلانه وعندنا في الضفة الغربية وما يعانيه المسلمون من قهر على الجسور اليس هذا من آثارهم وما فعلوه في الامة...؟؟؟وعلى هذا فقس والله سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد.
ان الله جلت قدرته قد اخبرنا عن هذه المسؤلية وحدودها وفهم السابقون هذا الخطاب فهما جعلهم يتعاطون مع الحياة تعاطي الزائر الراحل سواء اكان حاكما او محكوما وزيرا كان ام غير ذلك ,فعلماء المسلمين كافة كانوا يسخرون علمهم خدمة لهذا الدين وكل المسلمين كانوا على اهبة الاستعداد اذا سمعوا النداء ليلبوا سائلين الله القبول .
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2018, 09:51 PM   #67
جواد الهشلمون
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 523
افتراضي (186 - 187 )- استراحة

إستراحة
كان في بغداد رجل أسمه أبو القاسم الطنبوري وكان له مداس صار له وهو يلبسه سبع سنين. وكان كلما تقطّعَ منه موضع جعل مكانه رُقعة إلى أن صار كله رُقعا!! وصار الناس يضربون به المثل. فأتفقّ أنه دخل يوماً سوق الزجاج. فقال له سمسار : يا أبا القاسم قد قدم إلينا اليوم تاجر من حلب ومعه حمل زجاج مذهب قد كسد فاشتره منه. وأنا أبيعه لك بعد هذه المدة فتكسب به المثل مثلين. فمضى واشتراه بستين ديناراً. ثم إنه دخل على سوق العطارين فصادفة سمسار آخر وقال له : يا أبا القاسم قد قدم إلينا اليوم من نصيبين ومعه ماء وردٍ في غاية الطيبة ومراده أن يسافر. فلعجلة سفره يمكن أن تشتريه منه رخيصا وأنا أبيعه لك فيما بعد بأقرب مدةٍ فتكسب به المثل مثلين. فمضى أبو القاسم واشتراه أيضاً بستين ديناراً أخرى وملأه في الزجاج المذهب وحمله وجاء به فوضعه على رفٍ من رفوف بيته في الصدر. ثم إن أبا القاسم دخل الحمام يغتسل. فقال له بعض أصدقائه يا أبا القاسم أشتهي أن تغير مداسك فإنه في غاية الشناعة وأنت ذو مال من حمد الله. فقال له أبو القاسم : الحق معك فالسمع والطاعة. ثم لأنه لما خرج من الحمام ولبس ثيابه رأى بجانب مداسه مداساً جديداً فظن أن الرجل من كرمه اشتراه له فلبسه ومضى إلى بيته. وكان ذلك المداس الجديد مداس القاضي!! جاء في ذلك اليوم إلى الحمام وضع مداسه هناك ودخل استحم. فلما خرج فتش على مداسه فلم يجده فقال : أبا إخوانا أترون أن الذي لبس مداس أبي القاسم الطنبوري فعرفوه لأنه كان يضرب به المثل. فأرسل القاضي خدمه فكبسوا بيته فوجدوا مداس القاضي عنده. فاحضره القاضي وأخذ منه المداس وضربه تأديباً وحبسه مدة وغرمه بعض المال وأطلقه. فخرج أبو القاسم من الحبس وأخذ مداسه وهو غضبان عليه ومضى إلى دجلة فألقاه فيها فغاص في الماء. فأتى بعض الصيادين ورمى شبكته فطلع فيها المداس. فلما رآه الصياد عرفه وقال : هذا مداس أبي القاسم الطنبوري فالظاهر انه وقع منه في دجلة. فحمله وأتى به بيت أبي القاسم فلم يجده. فنظر فرأى طاقة نافذةً إلى صدر البيت فرماه منها إلى البيت فسقط على الرف الذي فيه الزجاج وماء الورد. فوقع الزجاج وتكسر وتبدد ماء الورد. فجاء أبو القاسم ونظر ذلك فعرف الأمر فلطم على وجهه وصاح وبكى وقال : أفقرني هذا المداس الملعون. ثم إنه قام ليحفر له في الليل حفرة ويدفنه فيها ويرتاح منه. فسمع الجيران حس الحفر فظنوا أن أحداً ينقبُ عليهم. فرفعوا الأمر إلى الأمير فأرسل إليه واحضره واعتقله وقال له : كيف تستحل أن تنقب على جيرانك حائطهم ؟!! وحبسه ولم يطلقه حتى غرم بعض المال. ثم خرج من السجن ومضى وهو حردان من المداس وحمله إلى كنيف الخان ورماه فيه فسدَّ قصبة الكنيف ففاض وضجر الناس من الرائحة الكريهة. ففتشوا على السبب فوجدوا مداساً فتأملوه فإذا هو مداس أبي القاسم. فحملوه إلى الوالي واخبروه بما وقع. فاحضر الوالي أبا القاسم ووبخه وحبسه وقال له عليك تصليح الكنيف فغرم جملة مالٍ. وأخذ منه الوالي مقدار ما غرم تأديباً له وأطلقه. فخرج أبو القاسم والمداس معه وقال وهو مغتاظ منه : والله ما عدت أفارق هذا المداس!!. ثم إنه غسله وجعله على سطح بيته حتى يجف. فرآه كلب فظنه دمة فحمله وعبر به إلى سطح آخر فسقط من الكلب على رأس رجل فألمه وجرحه جرحاً بليغاً. فنظروا وفتشوا لمن المداس فعرفوه أنه مداس أبي القاسم. فرفعوا الأمر إلى الحاكم فألزمه بالعوض والقيام بلوازم المجروح مدة مرضه. فنفد عند ذلك جميع ما كان له ولم يبق عنده شيء. ثم إن أبا القاسم أخذ المداس ومضى به إلى القاضي وقال له : أريد من حضرة مولانا القاضي أن يكتب بيني وبين هذا المداس مبارأةً شرعية على أنه ليس مني وأني لست منه. وإن كلا منا بريء من صاحبه. وانه مهما يفعله هذا المداس لا أؤخذ به أنا. واخبره بجميع ما جرى عليه منه. فضحك القاضي منه ووصله ومضى .
__________________
جواد الهشلمون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.