قديم 04-19-2012, 04:20 PM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي الشافعية ( المذهب الشافعي )


الشافعية ( المذهب الشافعي )


حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-04-2013, 06:15 PM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


الشافعية ( المذهب الشافعي )
ظهر هذا الاصطلاح منذ البدايات المبكرة لنشوء المدارس الفقهية السنيةالمختلفة، لكنه بالتأكيد ظهر في حياة الإمام/ محمد بن إدريس الشافعي (150-204هـ) الذي ينتسب إليه الشافعية.
ويعتمد المذهب الشافعي في استنباطاته وطرائق استدلاله على الأصول التي وضعها الإمام الشافعي بشكل عام، لكن ليس بالضرورة أن تتوافق آراء المذهب الشافعي مع آراء محمد الشافعي نفسه، بل قد يكون المذهب استقر ورجح خلاف ما رجحه الشافعي، لكن الأصول وطرائق الاستدلال واحدة.
ومما يذكر أن الإمام الشافعي يعد أول من دون كتاباً متكاملاً في العلم المعروف بأصول الفقه وذلك من خلال كتابه الشهير (الرسالة)، كما دون كتباً أخرى منها الحجة) وهو الكتاب الفقهي الذي دونه أولاً في العراق ثم أعاد تأليفه وغير مذهبه في بضع عشرة مسألة فقهية فيه عندما سكن القاهرة وسماه(الأم). من أبرز علماء الشافعية في حياة الشافعي هم تلامذته:
الربيع بن سليمان الجيزي والربيع بن سليمان المرادي، البويطي، المزني والقاضي حسين. وبعد الشافعي نذكر: البيهقي، أبو إسحاق الشيرازي، النووي، الرمليان، البجيرمي، الخطيب الشربيني، الرافعي، الغزالي، إمام الحرمين، السبكي، ابن حجر الهيتمي، ابن حجر العسقلاني، السيوطي.
أصول مذهب الإمام الشافعي

إن لكل مذهب فقهي أصوله، وبهذه الأصول تتميز المذاهب. وكلما كانت الأصول واضحة ومتفقة في المذهب، كانت الاستنباطات والاجتهادات أسدّ وأقرب. وقد جرت عادة حملة المذاهب بعد الأئمة، استنباط طرائق الاجتهاد والاستدلال من مناهج أصحاب المذاهب، ومن هنا نشأ علم الأصول في المذاهب.
أما في مذهب الإمام الشافعي : فقد كان الأمر مختلفا، فالإمام الشافعي هو الذي كان وضع أصول مذهبه بنفسه، وبدأ بناء المذهب على هذه الأصول، وكان كتاب "الرسالة " الأولى، ثم الثانية من أول ما كُتب في علم أصول الفقه، فالامام الشافعي أول من وضع كتابا مستقلا في علم الأصول.
ولقد ساعد الشافعي في بناء علم الأصول أنه استطاع أن يَسْتَشِفَّ مناهج المدارس الفقهية التي سبقته، فهو تلميذ المدرسة المكية، ووارثُ علمها، فقد ابتدأ الرضاع من معينها كما سبق في ترجمته.
ثم اتجه إلى المدرسة المدنية وتلقى العلم على شيخها، وإمامهما، ووارث علمها الإمام مالك بن أنس، وظلّ الإمام الشافعي معه حتى توفّاه الله تعالى، وكان تأثر به تأثرا بالغا، حتى صار يفتي على أصوله ويتكلم بلسانه. وكان ذلك والشافعي لا زال في مرحلة مبكرة، فقد مات الامام مالك والشافعي في الخامسة أو السادسة والعشرين من عمره.
ثم لما ورد بغداد، والتقى بحامل سيف الأحناف، ولسانهم : محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة النجيب، وناشر مذهبه، والمُقَعِّد لأصوله، الضابط لفروعه، لما التقى به الامام الشافعي، حرص على أخذ علم مدرسة العراق منه، فأكبّ عليه مجتهدا في التحصيل، حريصا على الشاردة قبل الواردة، فاستطاع خلال فترة وجيزة حمل علم الامام محمد بن الحسن، وقد تقدمت في ترجمة الامام الشافعي رواية أبي عبيد عنه إذ يقول : " كتبت عن محمد وقر بعير ".
وشرع الشافعي، سليل المدرسة المكية والمدنية، بمقارنة علم مدرسة أبي حنيفة بالمدرستين الأخرىين، وقال في ذلك فيما رواه عنه أحمد بن أبي سريج كما تقدم في ترجمة الشافعي : " قد أنفقت على كتب محمد ستين دينارا، ثم تدبرتها، فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثا"، يعني: رد عليه.
لقد استطاع الامام الشافعي من خلال هذه الدراسات وغيرها أن يتعرف أصول المذاهب التي تقدمته، واستطاع بما وهبه الله تعالى من ذكاء خارق، وكمال عقل، وحسن فهم، وسعة إدراك، وموسوعية معرفة، وكثرة حفظ، وصفاء ذهن، وقبل ذلك وبعده ما حباه الله تعالى اياه من توفيق وتسديد، استطاع أن يتعمق في علم أصول الفقه، وأن يضع "رسالته " الأولى، بطلب من شيخه الامام عبد الرحمن بن مهدي، والتي رأى فيها مشايخه فتحا عظيما من الله تعالى لهذه الأمة تحقق علي يديه.
قال جعفر ابن أخي أبي ثور الكلبي، عن عمه : "كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار، وحجة الاجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ، فوضع له كتاب " الرسالة ". قلت : ولما رآها الامام عبد الرحمن بن مهدي فرح وسُرّ بها غاية السرور، وأخذ يدعو للشافعي في كل صلاة، كما مرّ في ترجمة الإمام.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2013, 09:32 AM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي



مصادر التشريع المعتمدة :
الأصل الأول : كتاب الله تعالى
الأصل الثاني : السنة
الأصل الثالث : الإجماع
الأصل الرابع : قول الصحابي
الأصل الخامس :القياس

ترتيب الأدلة عند الشافعية :
قال الإمام الشافعي : " وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ : الْأُولَى : الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ إذَا ثَبَتَتْ السُّنَّةُ. وَالثَّانِيَةُ : الْإِجْمَاعُ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَالثَّالِثَةُ : أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا فِيهِمْ. وَالرَّابِعَةُ : اخْتِلَافُ أَصْحَابِ الرَّسُولِ. وَالْخَامِسَةُ : الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ. وَلَا يُصَارُ إلَى شَيْءٍ غَيْرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى ". البحر المحيط للزركشي6/55

كتب الأصول في مذهب الشافعي :

لقد حظي مذهب الامام الشافعي بميزة تفرد بها عن غيره، وهي غناه بكثرة المصنفات في علم الأصول، فالكتب المصنفة في أصول الفقه الشافعي كثيرة جدا، وقد أردتُ أن أُحصيَها فزاد ما وقفت عليه على 300 كتاب، دون كبير بحث، فتوقفت، ويكفي أن يعلم القارئ الفاضل، أن كتاب الامام العلامة البيضاوي المسمى " منهاج الوصول إلى علم الأصول " قد بلغ عدد الكتب التي خدمته، إما بالشرح، أو التحشية، أو النظم، قد بلغت نحوا من 35 كتابا. فما بالك بغيره !!! وأقول إن الشافعية هي أقرب المذاهب إلى السنة

من أبرز المؤلفات في هذا المذهب

• الأم للشافعي.
• الرسالة للشافعي.
• منهاج الطالبين للنووي.
• روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي
• المجموع للنووي
• متن أبي شجاع، الإقناع، تحفة المحتاج، مغني المحتاج، نهاية المحتاج، الوسيط، منهج الطلاب.
• الحاوي الكبير للماوردي.
• كفاية الأخيار للحصني.
• مختصر المُزَنِيّ(المُزَنِيّ).
• (التَّهْذِيْبُ، الفَتَأوَى) للإمام البغويّ.
• الشَّرح الكبير المسمَّى(فتح العزيز), للإمام الرَّافعي.
• المقدمة الحضرمية لعبدالله بأفضل الحضرمي
• المنهج القويم شرح مسائل التعليم (شرح المقدمة الحضرمية)لابن حجر الهيتمي
• عمدة السالك وعدة الناسك لأبي شهاب المصري

علماء الشافعية

• محي الدين يحيى بن شرف النووي
• عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني الإمام أبو القاسم الرافعي
• جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي
• ابن حجر العسقلاني
• محمد بن محمد بن محمد الغزالي
• جمال الدين الإسنوي
• أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني
إمام الحرمين أبو المعالي الجويني
• ابن حجر الهيتمي
• شهاب الدين الرملي
وغيرهم كثير من روى عن الشا فعي في المذهب القديم:
• محمد الزعفراني
• والحسين الكرابيسي
• إبراهيم أبو ثور
من رواة الشافعي في المذهب الجديد:
• يوسف البويطي
• إسماعيل ابن يحيى المزني
• الربيع ابن سليمان المرادي
• المراجع

1. جريدة عكاظ (الخميس 01/03/1430هـ) 26/ فبراير/2009 العدد : 2811

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 04:10 PM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


الإمام الشافعي منارة غزة تضيء الآفاق
بقلم :مصطفى كريم
إنها منارة من أرض غزة الأبية، زاد نورها من قبس مكة المكرمة، وازداد وهجها من نور المدينة المنورة الشريفة، فسطع في كل أرجاء الدنيا علمًا وورعًا وتقوى وخلقًا.
نسبه ونشأته:
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، ينتهي نسبه في جده السابع إلى هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وجده المطلب هو الذي ربى هاشمًا جد النبي صلى الله عليه وسلم.
ولد الإمام الشافعي في غزة بفلسطين في القبائل اليمنية التي كانت تقطن هناك عام 150هـ، ويشاء الله عز وجل أن تكون نفس السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وعندما بلغ سنته الثانية توفي والده، فرحلت أمه به إلى مكة، وتجمع الروايات على أنه عاش عيشة اليتيم الفقير الذي يحس بشرف أصله وعلو نسبه.
يقول في ذلك محمد أبو زهرة رحمه الله: (إن الشافعي في نشأته الأولى عاش عيشة اليتامى الفقراء مع نسب رفيع، وإن النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشئ يتجه في أول عمره إلى المعالي بمتقضى نسبه ما لم يكن فيه شذوذ، أو في تربيته انحراف، ولم يكن أحدهما في الشافعي، بل كانت ذات التنشئة تتجه به إلى السمو والرفعة من تلقاء نفسها، وإن الفقر مع هذ العلو النسبي يجعله قريبًا من الناس يحس بإحساسهم، ويندمج في أوساطهم، ويتعرف دخائل المجتمع ويستشعر مشاعره) [1].
مراحل حياته:
رحل الشافعي إلى البادية، خاصة إلى قبيلة هذيل؛ ليقوم لسانه ولينأى عن اللحن والعجمة التي غزت الأمصار، ويحكي عن ذلك فيقول: (فلزمت هذيلًا في البادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب فبقيت فيهم أرتحل برحلتهم وأنزل بنزولهم، فلما أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب) [2].
ولما عاد رحمه الله إلى مكة، تعلم على يد أحد شيوخها، وهو مسلم بن خالد، والذي قال له وهو شاب، سنه خمس عشرة سنة، ويقال ابن ثمان عشرة: (قد آن لك أن تفتي يا أبا عبد الله) [3]، ولكنه آثر أن يرتحل إلى بقعة هي من أقدس بقاع الأرض، وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويومها تذكر حين مر به رجل من بني عثمان من الزبيريين، فقال يا: (أبا عبد الله، عزَّ عليَّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه؛ فتكون قد سدت أهل زمانك)، قال: (فقلت: ومن بقي يُقصد إليه)، فقال لي: (هذا مالك بن أنس) [4].
اللقاء الأول مع الإمام مالك:
ذهب الفتى المكي وهو على أتم الاستعداد للقاء الإمام مالك، والتتلمذ على يديه، حيث يقول: (عدت إلى الموطأ فاستعرته وحفظته في تسع ليال) [5]، وحفظه وهو ابن عشر سنين، وفي ذلك يقول: (حفظت القرآن وأنا ابن سبع، وقرأت الموطأ وأنا ابن عشر سنين) [6].
ولكن اللقاء لم يكن بهذه السهولة، ونترك المجال له رحمه الله ليحكي عن قصة اللقاء الأول بين قامتين سامقتين من علماء الأمة فيقول: (دخلت إلى والي مكة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، قال فقدمت المدينة وأبلغت الكتاب إلى الوالي، فلما أن قرأه قال: والله يا فتى إن أمشـي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيًا راجلًا أهون علي من المشي إلى باب مالك بن أنس؛ فإني لست أرى الذل حتى أقف على بابه.
ثم انطلقا فتقدم رجل فقرع الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب، فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام، ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف، فقال لها: قولي له معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة.
قال: فدخلت ثم خرجت وفي يدها كرسي فوضعت، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طوال مسنون اللحية ـ أي طويلها ـ فدفع الوالي الكتاب من يده، ثم قال مالك رحمه الله: يا سبحان الله وصار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالرسائل.
قال الشافعي: فرأيت الوالي وقد تهيبه أن يكلمه فتقدمت إليه، فقلت له: أصلحك الله إني رجل مطلبي ومن حالي ومن قصتي فلما أن سمع كلامي نظر إلي ساعة، وكان لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي: يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشأن.
ثم قال: نعم وكرامة، إذا كان غدًا تجيء ويجيء من يقرأ لك الموطأ، قال فقلت: فإني أقوم بالقراءة، قال: فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأه ظاهرًا والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكًا وأريد أن أقطع القراءة، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، يقول لي: بالله يا فتى زد، حتى قرأته في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك بن أنس) [7].
__________________________
(1) محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة، ص(249)
(2) تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285)
(3) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض، (1/139)
(4)تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285)
(5) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون، (1/125)
(6) الوافي بالوفيات، الصفدي، (1/222)
(7)تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285-286)

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 04:18 PM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


(2)
الإمام الشافعي واليًا:
وبعد وفاة الإمام مالك، قدم والي اليمن إلى الحجاز، فكلمه بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، ويحدثنا الإمام رحمه الله عن حالته المعيشية آنذاك فيقول: (ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتحمل به فرهنت دارها على ستة عشر دينارًا ودفعتها إلي فتحملت بها مع والي اليمن) [1]، ثم عمل واليًا على نجران في عصر هارون الرشيد.
وكان أول ما فعل رفع المظالم عن أهل نجران، ويقول عن ذلك: (فرفع إلي الناس مظالم كثيرة فجمعتهم وقلت لهم اختاروا لي سبعة منكم من عدلوه كان عدلًا مرضيًّا ومن جرحوه كان مجروحًا قصيًّا فاختاروا لي منهم سبعة، فجلست وأجلست السبعة بالقرب مني فكلما شهد عندي شاهد بعثت إلى السبعة فإن عدلوه كان عدلًا وإن جرحوه كان مجروحًا، فلم أزل أفعل ذلك حتى أتيت على جميع من تظلم إلي فكنت أكتب وأسجل) [2].*
وفي هذه الفترة التي قضاها الشافعي في هذا العمل برزت في حياته صفاتان، وهما:
1. نبوغه وذكاؤه وعلمه، وحصافته في إدارة الأعمال وتسيير شئونها.
2. عدله الذي لا يعرف الشفاعة أو الوساطة وخشيته لله في ولايته التي لا تعرف الجور ولا تميل عن الحق، حتى أن والي اليمن بعث إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين قائلًا: (... وههنا رجل من ولد شافع بن المطلب لا أمر لي معه ولا نهي) [3].
مؤلفاته وتلامذته:
ثم ترك الولاية وأخذ في الاشتغال بالعلوم، ورحل إلى العراق وناظر محمد بن الحسن وغيرَه؛ ونشر علم الحديث ومذهب أهله، ونصر السنة وشاع ذكره وفضله وطلب منه عبد الرحمن بن مهدي إمام أهل الحديث في عصره أن يصنَّف كتابًا في أصول الفقه فصنَّف كتاب الرسالة، وهو أول كتاب صنف في أصول الفقه.
وصنف في العراق كتابه القديم ويسمى كتاب الحجة، ويرويه عنه أربعة من جلِّ أصحابه، وهم أحمد بن حنبل، أبو ثور، الزعفراني والكرابيسي.
ثم خرج إلى مصر سنة تسعة وتسعين ومائة ـ وقيل سنة مائتين ـ واشتغل في طلب العلم وتدريسه، وفوجىء بكتاب اسمه "الكشكول" لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقرأ فيه العديد من الأحاديث النبوية التي رواها عبد الله ودوَّنها، وبناءً عليه غيَّر الشافعي الكثير من أحكامه الفقهية وفتاواه لما اكتشفه في هذا الكتاب من أحكام قطعت الشك باليقين أو غيرت وجهة أحكامه، حتى أنه حينما يسأل شخص عن حكم أو فتوى للإمام الشافعي يقال له: هل تسأل عن الشافعي القديم (4)، أم مذهب الشافعي الحديث (5).
كما صنَّف كتبه الجديدة كلها بمصر، وسار ذكره في البلدان، وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي لأخذ العلم عنه وسماع كتبه الجديدة وأخذها عنه، وساد أهل مصـر وغيرهم وابتكر كتبًا لم يسبق إليها منه أصول الفقه، ومنها كتاب القسامة، وكتاب الجزية، وقتال أهل البغي وغيرها.
وأشهر تلامذته الإمام البويطي يوسف بن يحيى، والإمام إسماعيل بن يحيى المزني، والإمام الربيع بن سليمان المرادي، وحرملة بن يحيى.
عبادته وإيمانه:
فقد كان رحمه الله عابدًا لله تبارك وتعالى، فقد كان يقسم الليل ثلثًا للعلم، وثلثًا للعبادة وثلثًا للنوم، وكان له تعامل خاص مع كتاب الله، يصفه صاحب الإحياء بقوله: (وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله تعالى لنفسه ولجميع المسلمين والمؤمنين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين) [6]، وكانت قراءته للقرآن تبكي السامعين، يقول بعض جلسائه: (فإذا آتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس من بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته) [7].
_____________________________
(1) تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/281-282)
(2)تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/283)
(3)تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/286)
(4)أي مذهبه حينما كان في العراق
(5)أي الذي كان بمصـر
(6)إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/24)
(7)إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/24)

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 04:19 PM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


(3)
خلقه القويم:
عرف الشافعي برفعةخلقه، كما وصفه شيوخه في مكة: (فلم تعرف عنه صبوة) [مرآة الجنان وعبرةاليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي، (1/219)]، وكان نزيهًا في علمه وورعًا حيث يقول: (وددت أن هذا الخلق تعلموا العلم على ألا يُنسب إلي منه حرف) [طبقاتالشافعي الكبرى، السبكي، (3/194)]، ويصفه شديد ورعهفيقول: (ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا) [طبقات الشافعيالكبرى، السبكي، (3/194)]، ويقول أيضًا: (من لميصن نفسه لم ينفعه علمه) [إحياء علوم الدين،الغزالي، (1/27)].
وكأن الشاعر قد لخص هذا الخلق القويم وتلك القيم العظيمة التي عاش بها الشافعي من حلم وكرم وبر وشكر ولين وصبر، فقال في أبيات رائعة:

إن المـكارم أخلاق مطهـرة الــدين أولهـا والعقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعــها والجود خامسها والفضل سادسها
والبر سابعها والشـكر ثامـنها والصــبر تاسعها واللين باقيها

وفاته:
يقول الحسن بن الربيع: (توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، بعد ما صلى المغرب، آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة فانصرفنا فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين) [حلية الأولياء، أبو نعيم، (4/73)].
ويقول ابن خلكان عن الشافعي رحمه الله: (وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه) [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (4/166)].
لما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرثية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (4/168)]، يقول فيها:

ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع
معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع
مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع
ظواهرها حكم ومستبطناتها ... لما حكم التفريق فيه جوامع
لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع
إذا المفظعات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع
أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع
توخى الهدى واستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع
ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع
وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع
بطيء عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخشَ لبسًا مسارع
وأنشا له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع
_________
أهم المراجع:
1. تاريخ دمشق، ابن عساكر.
2. ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض.
3. الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون.
4. الوافي بالوفيات، الصفدي.
5. إحياء علوم الدين، الغزالي.
6. مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي.
7. طبقات الشافعي الكبرى، السبكي.
8. حلية الأولياء، أبو نعيم.
9. وفيات الأعيان، ابن خلكان.
10. محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة.
نقل مجلة الزيتونة عن لواء الشريعة

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 09:50 AM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


الإمام محمد بن ادريس الشافعي
أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ، فقيه وإمام من أئمة أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضياً فعُرف بالعدل والذكاء. وإضافةً إلى العلوم الدينية، كان الشافعي فصيحاً شاعراً، ورامياً ماهراً، ورحّالاً مسافراً. أكثرَ العلماءُ من الثناء عليه، حتى قال فيه الإمام أحمد: «كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس»، وقيل أنه هو إمامُ قريش الذي ذكره النبي محمد بقوله: «عالم قريش يملأ الأرض علماً».
ولد الشافعي بغزة عام 150 هـ، وانتقلت به أمُّه إلى مكة وعمره سنتان، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ يطلب العلم في مكة حتى أُذن له بالفتيا وهو ابن دون عشرين سنة. هاجر الشافعي إلى المدينة المنورة طلباً للعلم عند الإمام مالك بن أنس، ثم ارتحل إلى اليمن وعمل فيها، ثم ارتحل إلى بغداد سنة 184 هـ، فطلب العلم فيها عند القاضي محمد بن الحسن الشيباني، وأخذ يدرس المذهب الحنفي، وبذلك اجتمع له فقه الحجاز (المذهب المالكي) وفقه العراق (المذهب الحنفي). عاد الشافعي إلى مكة وأقام فيها تسع سنوات تقريباً، وأخذ يُلقي دروسه في الحرم المكي، ثم سافر إلى بغداد للمرة الثانية، فقدِمها سنة 195 هـ، وقام بتأليف كتاب الرسالة الذي وضع به الأساسَ لعلم أصول الفقه، ثم سافر إلى مصر سنة 199 هـ. وفي مصر، أعاد الشافعي تصنيف كتاب الرسالة الذي كتبه للمرة الأولى في بغداد، كما أخذ ينشر مذهبه الجديد، ويجادل مخالفيه، ويعلِّم طلابَ العلم، حتى توفي في مصر سنة 204 هـ.

نسبه

هو «أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ».[2][3]
يجتمع مع الرسولِ محمدٍ في عبد مناف بن قصي، وقيل: «وهو ابن عم النبي محمد، وهو ممن تحرم عليه الصدقةُ من ذوي القربى الذين لهم سهم مفروض في الخُمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب».[4]
أما نسبه من جهة أمه ففيه قولان:
الأول: أنها أزدية يمنية، وهو القول الصحيح المشهور الذي انعقد عليه الإجماع، وكل الروايات التي رُويت عن الشافعي في نسبه تذكر على لسانه أن أمَّه من الأزد.[5]
الثاني: أنها قرشية علوية، أي من نسل علي بن أبي طالب، وهذه الرواية شاذةٌ تخالف الإجماع، وقد قال فخر الدين الرازي في هذا المقام: «وأما نسب الشافعي من جهة أمه ففيه قولان: الأول وهو شاذ رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وهو أن أم الشافعي رضيَ الله تعالى عنه هي فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والثاني المشهور أنها من الأزد».[6]

مولده ونشأته

مولده
ولد الشافعي بغزة في بلاد الشام سنة 150 هـ، وعلى ذلك اتفق رأي الجمهرة الكبرى من مؤرخي الفقهاء وكاتبي طبقاتهم، ولكن وُجد بجوار هذه الرواية من يقول أنه وُلد بعسقلان بالقرب من غزة، بل وُجد من يتجاوز الشام إلى اليمن، فيقول أنه وُلد باليمن.[5][7]


غزة عام 1862 م.
وُلد الشافعي بغزة عام 150 هـ، وحملته أمه إلى مكة عندما كان عمره سنتين.
وسبب هذا الاختلاف أنه قد روي عن الشافعي ثلاثُ روايات هي:
أنه وُلد بغزة، فعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: «ولدت بغزة سنة خمسين (يعني: خمسين ومائة)، وحُملت إلى مكة وأنا ابن سنتين».[8]
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 10:05 AM   #8
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


أنه وُلد بعسقلان، فعن عمرو بن سواد أنه قال: قال لي الشافعي رضيَ الله عنه: «ولدت بعسقلان، فلما أتى علي سنتان حملتني أمي إلى مكة، وكانت نهمتي في شيئين، في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من العشرة عشرة»، وسكتَ عن العلم، فقلت له: «أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي».[8][9]
أنه وُلد باليمن، فعن عبد الرحمن بن أبي حاتم أنه قال: سمعت محمداً بن إدريس يقول: ولدت باليمن، فخافت أمي علي الضيعة، وقالت: «الحق بأهلك فتكون مثلهم، فإني أخاف أن يُغلب على نسبك»، فجهزتني إلى مكة، فقدِمتها وأنا ابن عشر أو شبهِها، فصرت إلى نسيب لي، وجعلت أطلب العلم، فيقول لي: «لا تعجل بهذا وأقبل على ما ينفعك»، فجعلت لذتي في هذا العلم وطلبه حتى رزق الله منه ما رزق.[10][11] قال الإمام الذهبي: «قوله: "باليمن" غلط، إلا أن يريد به القبيلة، وهذا محتملٌ لكن خلافُ الظاهر».[8]
وقد حاول العلماء الجمع بين هذه الروايات، قال ابن كثير: «فهذه ثلاث روايات في بلد مولده، والمشهور أنه ولد بغزة، ويُحتمل أنها بعسقلان التي هي قريب من غزة، ثم حُمل إلى مكة صغيراً، ثم انتقلت به أمه إلى اليمن، فلما ترعرع وقرأ القرآن بعثت به إلى بلد قبيلته مكة فطلب بها الفقه، والله أعلم».[8] وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين الروايات السابقة: «والذي يجمع بين الأقوال: أنه ولد بغزة عسقلان، لأن عسقلان هي الأصل في قديم الزمان، وهي وغزة متقاربتان، وعسقلان هي المدينة. ولما بلغ سنتين حوَّلته أمُّه إلى الحجاز ودخلت به إلى قومها، وهم من أهل اليمن لأنها كانت أزدية، فنزلت عندهم، فلما بلغ عشراً خافت على نسبه الشريف أن يُنسى ويضيعَ فحوَّلته إلى مكة».[12]
وأما زمان مولده: فقد اتفقت الروايات على أنه ولد سنة 150 هـ، وهو العام الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة، وقيل: «ولد في اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة»، إلا أن ابن كثير قال: «ولا يكاد يصح هذا ويتعسر ثبوته جداً».[7][8]
نشأته: نشأ الشافعي من أسرة فقيرة كانت تعيش في فلسطين، وكانت مقيمة بالأحياء اليمنية منها، وقد مات أبوه وهو صغير، فانتقلت أمُّه به إلى مكة خشية أن يضيع نسبه الشريف، وقد كان عمرُه سنتين عندما انتقلت به أمه إلى مكة، وذلك ليقيمَ بين ذويه، ويتثقفَ بثقافتهم، ويعيشَ بينهم، ويكونَ منهم.[13]


منظر عام لمكة، حيث نشأ الشافعي وترعرع.

عاش الشافعي في مكة عيشة اليتامى الفقراء، مع أن نسبه كان رفيعاً شريفاً، بل هو أشرف الأنساب عند المسلمين، ولكنه عاش عيشة الفقراء إلى أن استقام عودُه، وقد كان لذلك أثرٌ عظيمٌ في حياته وأخلاقه.[14]
لقد حفظ الشافعي القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، مما يدل على ذكائه وقوة حفظه، ثم اتجه إلى حفظ الحديث النبوي، فحفظ موطأ الإمام مالك، قال الشافعي: «حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين».[8][15][16]
وكان الشافعي يستمع إلى المحدِّثين، فيحفظ الحديث بالسمع، ثم يكتبه على الخزف أو الجلود، وكان يذهب إلى الديوان يستوعب الظهور ليكتب عليها، والظهور هي الأوراق التي كُتب في باطنها وتُرك ظهرها أبيض، وذلك يدل على أنه أحب العلم منذ نعومة أظفاره.[17] قال الشافعي: «لم يكن لي مال، فكنت أطلب العلم في الحداثة، أذهب إلى الديوان أستوهب منهم الظهور وأكتب فيها»، وقال: «طلبت هذا الأمر عن خفة ذات اليد، كنت أجالس الناس وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكان منزلنا بمكة بقرب شِعب الخَيْف، فكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب فيها، حتى امتلأ في دارنا من ذلك حبان».[8][18]
وروي عنه أيضاً أنه قال: «كنت يتيماً في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي من أمي أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، وكنت أجالس العلماء، فأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شِعب الخَيْف، فكنت أنظر إلى العظم فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة عظيمة، إذا امتلأ العظم طرحته في الجرة».[8][16][19]

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 10:10 AM   #9
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


رحلته إلى البادية
إضافةً إلى حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية، اتجه الشافعي إلى التفصِّح في اللغة العربية، فخرج في سبيل هذا إلى البادية، ولازم قبيلة هذيل، قال الشافعي: «إني خرجت عن مكة، فلازمت هذيلاً بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار». ولقد بلغ من حفظه لأشعار الهذيليين وأخبارهم أن الأصمعي الذي له مكانة عالية في اللغة قال: «صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس».[20]
إن القبيلة التي ضوى إليها الشافعي هي هذيل، وهم يوصفون بأنهم أفصحُ العرب، قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قرأ علي الشافعي رضيَ الله عنه أشعار هذيل حفظاً ثم قال: «لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنهم لا يحتملون هذا»، قال مصعب: وكان الشافعي رضيَ الله عنه يسمر مع أبي من أول الليل حتى الصباح ولا ينامان، قال: وكان الشافعي رضيَ الله عنه في ابتداء أمره يطلب الشعر، وأيام الناس، والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد، قال: وكان سبب أخذه أنه كان يسير يوماً على دابة له، وخلْفه كاتبٌ لأبي، فتمثل الشافعي رضيَ الله عنه بيت شعر، فقرعه كاتبُ أبي بسوطه ثم قال له: «مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟»، فهزه ذلك، فقصد لمجالسة الزنجي بن خالد مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس رحمَه الله.[8][21]

عودته إلى مكة والإذن له بالإفتاء
لما عاد الشافعي إلى مكة تابعَ طلبَ العلم فيها على من كان فيها من الفقهاء والمحدثين، فبلغ مبلغاً عظيماً، حتى أذن له مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة بالفتيا، فقد روي عن مسلم بن خالد الزنجي أنه قال للشافعي: «أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي»، وهو ابن خمس عشرة سنة،[22][23] وقيل: وهو ابن ثماني عشرة سنة،[24][25] وقيل: وهو ابن دون عشرين سنة.[26]

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 10:15 AM   #10
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,076
افتراضي


رحلته في طلب العلم
رحلته إلى المدينة المنورة
لما انتشر اسم إمام المدينة مالك بن أنس في الآفاق، وتناقلته الركبان، وبلغ مبلغاً عظيماً في العلم والحديث، سمت همة الشافعي إلى الهجرة إلى المدينة المنورة في طلب العلم.[27] ومما روي عن الشافعي في هذا المقام أنه قال: «فارقت مكة وأنا ابن أربع عشرة سنة، لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى، فرأيت ركباً فحملني شيخ منهم إلى المدينة، فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة، ودخلت المدينة يوم الثامن بعد صلاة العصر، فصليت العصر في مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولذت بقبره، فرأيت مالك بن أنس رحمه الله متزراً ببردة متشحاً بأخرى، يقول: «حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر»، يضرب بيده قبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلما رأيت ذلك هبته الهيبة العظيمة».[28]


منظر عام للمدينة المنورة، حيث هاجر الشافعي وتعلم على يدي إمامها مالك بن أنس.

وذهب الشافعي إلى الإمام مالك، فلما رآه الإمامُ مالكٌ قال له:
يا محمدٌ اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، إن الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بالمعصية.
ثم قال له: «إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك». يقول الشافعي: «فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأ ظاهراً، والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، فيقول: «يا فتى زد»، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة».[29]




وقد روي عن الشافعي أنه قال: قدمت على مالكٍ وقد حفظت الموطأ ظاهراً، فقلت: «إني أريد أن أسمع الموطأ منك»، فقال: «اطلب من يقرأ لك»، وكررت عليه فقلت: «لا، عليك أن تسمع قراءتي، فإن سهل عليك قرأت لنفسي»، قال: «اطلب من يقرأ لك»، وكررت عليه، فقال: «اقرأ»، فلما سمع قراءتي قال: «اقرأ»، فقرأت عليه حتى فرغت منه.[30] وحكى الإمام أحمد عن الشافعي أنه قال: «أنا قرأت على مالك وكانت تعجبه قراءتي»، قال الإمام أحمد: «لأنه كان فصيحاً»، وقال ابن كثير: «وكذلك كان حسن الصوت بتلاوة القرآن».[31][32]
وفي رواية أخرى عن الشافعي أنه قال: وقدمت على مالك وقد حفظت الموطأ، فقال لي: «أحضر من يقرأ لك»، فقلت: «أنا قارئ»، فقرأت الموطأ حفظاً، فقال: «إن يك أحدٌ يفلح فهذا الغلام».[33]
وبعد أن روى الشافعي عن الإمام مالك موطأه لزمه يتفقهُ عليه، ويدارسُه المسائلَ التي يفتي فيها الإمام، إلى أن مات الإمامُ سنة 179 هـ، وقد بلغ الشافعي شرخ الشباب، ويظهر أنه مع ملازمته للإمام مالك كان يقوم برحلات في البلاد الإسلامية يستفيد منها، ويتعلم أحوال الناس وأخبارهم، وكان يذهب إلى مكة يزور أمه ويستنصح بنصائحها.[34]
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:09 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.