قديم 03-15-2016, 08:38 AM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي أنظمة المجتمع والإرهاصات

أنظمة المجتمع والإرهاصات
002......ميثاق الأمة
003......أحكام عامة
006......أحكام متنوعة
007......ألكتاب
008......السنة
009......فهم الكتاب والسنة
010......سن الدستور والفوانين
011......المجتمع
012......الاقتصاد
013......الدولة
014......شكل الدولة
015......السياسة الخارجية
016......



__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 08:39 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة


ميثاق الأمة
الميثاق لغة وشرعاً العهد قال تعالى : ( إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ، وقال : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة إلى أهله ) ، وقال : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) ،وقال:(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه ) .
ويطلق اصطلاحاً في هذا العصر على مجموعة من القواعد يؤمن بها الشعب ، ويجعلها وجهة نظره في الحياة ، ويتخذها مصدراً لدستوره وقوانينه .
والشعب الذي يتخذ ميثاقاً له إنما هو الشعب الناشيء ، الذي انشأ له دولة ، وبدأ حياة جديدة غير حياته التي كان يعيش عليها ، كما هي الحال في الدول الافريقية ، وفي كل دولة ناشئة حديثاً وبادئة في حياة جديدة غير حياتها الأولى .
وحين انفصلت البلدان العربية عن جسم الخلافة العثمانية عند انتهاء الحرب العالمية الأولى ، حاول كل قطر صار كياناً أن يضع له ميثاقاً ، سمّاه الميثاق الوطني ، أو الميثاق القومي . كما حصل في العراق وسورية مثلاً . أما الشعوب والأمم العريقة الوجود فلا تفكر في وضع ميثاق لها ، لأنه قد تركزت عندها عقيدة سياسية معينة ، وتركزت لديها قواعد معينة جعلتها وجهة نظرها في الحياة ، واتخذتها مصدراً للأحكام التي تقوم مقام الدستور والقوانين ، إن لم يكن لديها دستور وقوانين ، واتخذتها مصدراً للدستور والقوانين ، إن كان لها دستور وقوانين . وهذه القواعد محفوظة ومعروفة ومتفق عليها دون أن تكتب ، ودون أن يقال عنها أنها ميثاق الأمة ، أو ميثاق وطني ، أو ميثاق قومي ، وهذه هي الحال في جميع الدول العريقة .
والأمة الإسلامية مِن أعرق الأُمم على الأرض وعندها عقيدة سياسية ، هي وحدها العقيدة الصحيحة ، وتركزت في نفوسها أفكار وأحكام جعلتها وجهة نظرها في الحياة ، واتخذتها مصدراً للأحكام التي تنظم الدولة وسائر العلاقات ، أو ما يسمونه بالدستور والقوانين ، وقد سطر ذلك كله في مصدرين عظيمين هما الكتاب والسنة . ولهذا ليست هي في حاجة إلى ميثاق يسمى ميثاق الأمة ، ولا يصح أن يكون لها ميثاق وطني ، أو ميثاق قومي ، لأن الكتاب والسنة يوجبان عليها محاربة الرابطة الوطنية والرابطة القومية .
غير أنَّ هذه الأمة الإسلامية لما تأثرت بالأفكار الغربية ، من جرّاء الغزو التبشيري والثقافي ، ثم السياسي والعسكري ، من الدول الغربية الكافرة لبلاد المسلمين .
ولما بعدت عن تطبيق الإسلام في الدولة والمجتمع ، بعد أن قُضي على دولة الخلافة عام 1924م .
فَقَدَ الكتاب والسنة في نفوس أبنائها الصفة السياسية ، والصفة التشريعية ، ولم تعد العقيدة الإسلامية لديهم عقيدة سياسية .
فضعف عندهم من جراء ذلك تَصوُّر أن الإسلام عقيدة ونظام للحياة والدولة والمجتمع .
إلا أن هذه الأمة الإسلامية العريقة صحت من غفوتها ، بعد المعاناة الشديدة ، التي لحقتها من جراء بُعدها عن الإسلام ، ومن جراء سيطرة الغرب وأفكاره وأنظمته ، وعملائه . وبعد أن كشفت الغرب على حقيقته البشعة ، وأدركت فساد أفكاره وأنظمته ، وفساد الأفكار والأنظمة الإشتراكية والشيوعية ، وفساد القومية والإقليمية ، ومدى خطرهما عليها ، وعلى كيانها كأمة .
فعادت إلى إسلامها لتجد فيه الحل لمشاكلها ، واصبح هو أملها في الخلاص ، وفي إنقاذها مما تعانيه وتكابده ، وأصبحت تتصور أن العقيدة الإسلامية هي عقيدة سياسية ، وأن الكتاب والسنة يحويان نظاماً كاملاً للحياة والدولة والمجتمع ، وأنهما لهما الصفة السياسية والصفة التشريعية . وصارت تدرك أن خلاصها وإنقاذها ونصرها لا يتم إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة ووضعهما موضع التطبيق والتنفيذ .
ولذلك كان الأمر الطبيعي والأمة تشعر بضرورة تغيير المجتمع الحالي ، وتؤمن بالكتاب والسنة أن يجعل الكتاب والسنة ميثاق الأمة ، وأن يتخذا مصدراً للدستور والقوانين . غير أن اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً للأمة لا بد أن يظهر في خطوط عريضة ، تبرز فيها أفكار تحوي كيفية التطبيق في اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً ، وتتضمن ما يضمن سلامة السير في تعيين ماذا يعني الكتاب ، وماذا تعني السنة ، وتبين ما هو أسلوب فهمهما ، وكيف يكونان مصدر الدستور والقوانين ، وتشرح ما هي ماهيَّة الدولة التي تقوم على أساسهما ، من أجل تنفيذهما ، ولذلك كان لا بد من أن يكون اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً مبلوراً في خطوط عريضة تعبر عن الصورة العملية لاتخاذ الميثاق ، ومن هنا وجدت فكرة هذا الميثاق .
وهذه هي الخطوط العريضة التي يتبلور فيها اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً للامة .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 08:41 AM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة - أحكام عامة

أحكام عامة
1 – لقد آمنت الأمة بالإسلام عقيدة ونظاماً ، وطريقة معينة في العيش ، ووجهة نظر في الحياة تعيش بحسبه ، وتحيا في الدنيا من أجله ، وتحمله للعالم قيادة فكرية ورسالة عالمية .
2 – الإسلام هو الدين السماوي الذي أنزله الله سبحانه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتنظيم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره من بني الإنسان .
3 – الإسلام إنما يتمثل بالكتاب والسنة .
4 – الكتاب والسنة نزل بهما الوحي من عند الله على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالكتاب جاء به الوحي لفظاً ومعنىً من عند الله ، والسنة جاء بها الوحي معنىً من عند الله وعَبَّر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ من عنده .
5 – يجب على كل مسلم مكلّف أن يتقيد في جميع أفعاله بالأحكام الشرعية ، ولا يحلّ له أن يكون فِعلٌ من أفعاله بوصفه عبداً لله على غير ما جاء في خطاب الشارع ، أي على غير الحكم الشرعي لقوله تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) ، ولقوله : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ، ولقوله تعالى:( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . فالتقيد بالحكم الشرعي هو من مقتضيات العقيدة الإسلامية ، ولذلك قال تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) .
6 – العقيدة الإسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى .
7 – العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين ، ولا بد أن يكون دليل العقيدة قطعياً ، لأن الله ذمَّ الذين يعتقدون عن ظن ، فقال تعالى :( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) ، فنعى على من يتبعون الظن عند الكلام على العقيدة ، واعتبر الظن ضلالاً فقال :(وإن تطع أكثر مَن في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن)، ولم يعتبره علماً فقال :( وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) .
8 – الحكم الشرعي يجوز أن يؤخذ عن ظن ، ويجوز أن يؤخذ عن يقين . فخبر الآحاد يعتبر حجة في الأحكام الشرعية كلها ، ويجب العمل به سواء أكانت أحكام عبادات ، أم معاملات أم عقوبات ، أم غير ذلك ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرُبَّ حامل فقه لا فقه له ، ورًبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " .
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " عبداً " ولم يقل عبيداً ، وعبد جنس يصدق على الواحد وعلى الأكثر ، فمعناه أنه يمدح الواحد والآحاد في نقل حديثه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في وقت واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام ، وكان كل رسول واحداً في الجهة التي أُرسِل إليها ، فلو لم يكن تبليغ الدعوة واجب الاتباع بخبر الواحد لما اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بإرسال واحد للتبليغ ، وقد انعقد إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد في الأحكام الشرعية .
9 – العقيدة والاعتقاد بمعنى واحد ، وهو الإيمان ، والإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل . فلا بد أن تجتمع هذه الثلاث معاً وهي الجزم ، والمطابقة للواقع ، وأن يكون ذلك عن دليل ، أن تجتمع في التصديق حتى يصح أن يكون إيماناً ، أي عقيدة . ولهذا لا يحرم التصديق غير الجازم بخبر الآحاد ، لأنه لا يكون اعتقاداً .
10 – الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء ، أو بالتخيير ، أو بالوضع ، فخطاب الشارع هو الحكم الشرعي ، ولهذا فإن ما ليس خطاباً للشارع لا يعتبر حكماً شرعياً . والحكم هو الرأي في المسألة المتعلقة بفعل العبد ، وهذا الرأي إن كان من الشارع فهو حكم شرعي ، وإن كان من غير الشارع فليس حكماً شرعياً ، وتعتبر التعاريف الشرعية والقواعد الكلية أحكاماً شرعية إذا استنبطت باجتهاد صحيح .
11 – العقيدة والحكم الشرعي كلّ منهما فكر ، ولكنهما يختلفان بالنسبة لتعلق هذا الفكر ، فإن كان متعلقاً بفعل العبد فهو حكم شرعي ، سواءً أكان متضمناً ما يؤمن به ، أم لم يتضمن ، وإن كان غير متعلق بفعل العبد ، وإنما هو يتعلق بأفعال القلب ، أي بالتصديق ، وعدم التصديق فهو من العقيدة ، فبالنسبة لما جاء في خطاب الشارع من أفكار ينظر ، فإن كان مما طُلب الإيمان به ، ولم يطلب فيه العمل ، كالقصص والإخبار بالمغيبات فهو من العقيدة ، وإن كان مما طُلب فيه العمل فهو من الأحكام الشرعية . فقوله تعالى : (آمِنوا بالله ورسوله)، وقوله :( الله خالق كل شيء ) ، وقوله : (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) ، وقوله : (وَيُطافُ عليهم بآنية من فضة) وما شابه ذلك من نصوص الشرع التي لم يطلب فيها عمل يعتبر من العقيدة . وقوله تعالى : (فإن ارضعن لكم فآتوهن أجورهنَّ ) ، وقوله : ( وأحل الله البيع )، وقوله :(إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)، وقوله
صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا " ، وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع ، من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر المسيح الدجّال " ، وما شاكل ذلك من نصوص الشرع التي طُلب فيها عمل يُعتبر من الأحكام الشرعية .
وأما بالنسبة لما لم يأتِ في خطاب الشارع من الأفكار المتجددة فإنه يُفهم واقعها أولاً ممن لهم خبرة بفهم هذا الواقع ، ثم يُفهم النص الشرعي المتعلق بجنس هذا الواقع ، أو الذي يحوي عِلّة متعلقة بهذا الواقع وبجنسه ، ثم يُطبَّق هذا النصُّ على ذلك الواقع ، فإن انطبق عليه كان داخلاً تحته، فيُعطى ما لذلك النصّ من حيث كونه قد طُلب فيه عمل ، أو لم يُطلب عمل فيعرف ما إذا كان من العقائد ، أو من الأحكام ، فيعتبر كأنه جاء في خطاب الشارع ، لأن خطاب الشارع قد جاء بحكمه . وهكذا جميع الأفكار ، فكل فكر متعلق بفعل العبد فهو من الأحكام الشرعية ، وكل فكر ليس متعلقاً بفعل العبد فهو من العقائد .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 08:41 AM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي

12 – الأمة هي مجموعة من الناس تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها ، والأمة الإسلامية تجمعها العقيدة الإسلامية ، والعقيدة الإسلامية تنبثق عنها الأحكام الشرعية ، فالمسلون أمة واحدة .
13 – الرابطة التي تربط المسلمين بعضهم مع بعض هي العقيدة الإسلامية ، وبهذه العقيدة تحصل الأُخُوَّة الإسلامية ، قال تعالى :( إنما المؤمنون إخوة )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم " ، فبالإيمان بالإسلام صاروا إخوة .
14 – الرابطة التي تربط الرعية في الدولة هي التابعية ، وليس العقيدة الإسلامية ، فمن يحمل التابعية يملك جميع الحقوق التي يستحقها ، والواجبات التي تجب عليه ، ولو كان غير مسلم ، ومَن لا يحمل التابعية فليس له ما للمسلمين ، وليس عليه ما عليهم ، لأن الذمّي قد ضمن له الشرع ذلك . لما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوّا العاني " ، قال أبو عبيد ( وكذلك أهل الذمة يُجاهد مِن دونهم ، ويفك عُناتهم ، فإذا استُنقِذوا رجعوا إلى ذمتهم وعهدهم أحراراً ، وفي ذلك أحاديث ) ، ولأن المسلم الذي لا يرحل للعيش تحت سلطان المسلمين ليس له ما للمسلمين ، وليس عليه ما عليهم . لما ورد في حديث سليمان بن بريدة " أدعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم انهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين " فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، أي لتشملهم الأحكام .
15 – التابعية هي حمل الولاء للدولة والنظام ، واتخاذ دار الإسلام تحت ظل سلطان الإسلام دارَ إقامة دائمية .
16 – القومية نعرة خبيثة وعنصرية مدمّرة ، وقد حَرَّمها الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : " إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تُكنوا " وقال عن الحمية الجاهلية : " دعوها فإنها منتنة " وجاء في مسلم أن رسول الله صلى الله علية وآله وسلم قال : " ومن قاتل تحت راية عُميّة يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقَتْلَة جاهلية " . والقومية حين دستها الدول الكافرة بين المسلمين مزقت شمل المسلمين إلى أقوام وأجناس ، فحين تحركت في المسلمين القومية التركية ، والقومية العربية ، والقومية الكردية ، والقومية الفارسية تصدَّع صفَ الأمة الإسلامية ، فأدى ذلك إلى تفرق كلمة المسلمين ، وتمزُّق دولتهم ، وانفصال أقطارهم بعضها عن بعض ، فكان خطرها مدمراً للامة الإسلامية ، وهادماً للدولة الإسلامية ، وإذا تمكنت من المسلمين جعلتهم أمماً ، وحفرت بين بلادهم خندقاً لا يمكن ردمه ، ولا يتأتى أن يُعقَد فوقه جسر ، وجعلت بينها حدوداً كجدار من رصاص ، يجعلها بالنسبة لبعضها دار حرب ، ولذلك كانت الدعوة إلى القومية إثماً كبيراً ، ومنكراً فظيعاً ، وكان اتخاذها رابطة إجراماً في حق المسلمين ، وفي حق الإسلام ، فيجب محاربة القومية ، ومقاومة الدعوة لها ، وجوباً كوجوب الجهاد . ومثل القومية في الإثم والشر الإقليمية والمذهبية الطائفية ، فهذه كلها تؤدي إلى تفتيت الأُمة وبالتالي إضعافها ، فيعامل كل من يدعو إلى القومية والإقليمية والمذهبية الطائفية معاملة المجرم الذي يستحق أقسى العقوبات .
17 – العالم كله من بلاد إسلامية ، وبلاد غير إسلامية إما دار إسلام ، وإما دار حرب وكفر ، ولا ثالث لهما مطلقاً ، ودار الإسلام هي البلاد التي تُحكم بسلطان الإسلام ، وتُطبَّق عليها أحكامه ، وأمانها بأمان المسلمين ، أي بسلطانهم ، وأما دار الكفر أو دار الحرب فهي البلاد التي لا تُحكَم بسلطان الإسلام ، ولا تُطبَّق عليها أحكامه ، أو التي أمانها بغير أمان المسلمين ، أي بغير سلطانهم ، لأن إضافة الدار للحرب أو للكفر ، أو إضافتها للإسلام هي إضافة للحكم والسلطان ، لا للسكان ولا للبلاد . بدليل أن الرسول ïپ² اعتبر ذلك في وصفه دار المهاجرين ، وإعطاء مَن يأتيها أن يكون له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم مِن الأحكام ، ففي حديث سليمان بن بريدة " ثم ادعهم إلى التحوّل مِن دارهم إلى دار المهاجرين " فأمَر بالتحوّل مِن بلاد ليس عليها سلطان الإسلام إلى بلاد عليها سلطان الإسلام ، ثم قال بعد ذلك مباشرة " وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين " . فرتب على التحوّل أحكاماً ، وجعل التحوّل شرطاً ليكون لهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما عليهم ، مما يدل على أن الدار إنما تُعتَبر بالسلطان والأحكام والأمان ، فبحسبها تكون ، فان كانت إسلامية كانت دار إسلام ، وإن كانت كفراً ، كانت دار كفر .
18 – لا يجوز لمن يقيم إقامة دائمية في دار الحرب أي دار الكفر أن يدخل دار الإسلام إلا بأمان ، أي إلا بإذن خاص للدخول ، لأن الحربي يُمنَع مِن دخول دار الإسلام إلا بأمان ، وأما مَن كانت داره دار إسلام ، ولم يكن داخلاً تحت سلطان الخليفة ، كأن كان خارجاً عن الخلافة ، أو لم تنضم بلاده لسلطان الخلافة ، فإنه يدخل بغير أمان ، أي بغير إذن ، وحكمه في الدخول كحكم مَن كان داخلاً تحت سلطان الخليفة سواءً بسواء ، من غير أي فرق بينهما .
19 – البلاد الإسلامية هي البلاد التي حكمها المسلمون بسلطان الإسلام ، وطُبِّقت عليها أحكام الإسلام ، سواء أكانت لا تزال عامرة بالمسلمين كالقفقاس ، أو كانت قد أُجلي عنها المسلمون ، واستوطنها الكفار كالأندلس المسماة باسبانيا فكلها بلاد إسلامية ما دام قد حكمها المسلمون بسلطان الإسلام ، وطُبّقت عليها أحكام الإسلام ، ويترتب على ذلك أن تظل أحكام أراضيها كما كانت يوم سلطان الإسلام ، إن فتحت فتحاً كانت أرضها خراجية كالأندلس ، وإن اسلم أهلها عليها كانت أرضها عشرية كاندونيسيا ، وكذلك كل بلاد تسكنها أكثرية إسلامية ، ولو لم يسبق أن حكمها المسلمون ، فهي بلاد إسلامية ، لأنه قد اسلم أهلها عليها .
20 – الوحدة بين البلاد الإسلامية فرض على المسلمين لأن الإسلام حَرَّم تعدُّد الدولة الإسلامية ، فحرّم تعدّد الخلافة ، قال صلى الله عليه وسلم : " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " ، فإنه ينهى عن تقسيم الدولة إلى دولتين ، إذ منازعة الخليفة اقتطاع جزء من البلاد ، وإقامة خلافة ثانية فيها ، وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " فإنه ينهى عن إقامة دولتين في البلاد الإسلامية ، إذ مبايعة خليفتين هي إقامة دولتين ، فهذه النصوص صريحة في تحريم تعدّد الدول ، فإذا تعددت كان ذلك منكراً وجبت إزالته ، وإزالة تعددها إنما هو توحيدها .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 08:42 AM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي

21 – غير المسلمين مخاطبون بأحكام الإسلام بالأصول والفروع سواء بسواء ، لأن الإسلام جاء لجميع الناس . قال تعالى : (وما أرسلناك إلا كافة للناس) ولأن الله سبحانه قد كلفهم صراحة ببعض الفروع ، فالآيات الآمرة بالعبادة متناولة للكفار ، كقوله تعالى : (يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) وقوله : ( ولله على الناس حج البيت) ولأنهم لو لم يكونوا مكلفين بالفروع لما أوعدهم عليها ، فقد قال تعالى : (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة)، وقال :(فلا صَدَّق ولا صلَّى ولكن كذب وتولّى ) ، وقال : (ما سلككم في سقر قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين)، فثبت كونهم مكلفين ببعض الأوامر والنواهي ، فكذلك سائر الأوامر والنواهي ، فهم مخاطبون بأحكام الإسلام ، ومكلفون بالفروع كما هم مكلفون بالأصول إلا أنهم لا يكرهون على تغيير عقائدهم ، ولا على تغيير الأحكام التي هي عندهم من العقائد ، ويُقَرُّون على ما أقرَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام ، وذلك لقوله تعالى : (لا إكراه في الدين) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إنه مَن كان على يهوديته ونصرانيته فلا يُفتَن عنها " ، فيتركون وما يعتقدون وما يعبدون ، وأي فعل اقرهم الرسول  عليه كشربهم الخمر ، وكزواجهم فإننا لا نتعرض لهم ، وما عدا ذلك من العقوبات والمعاملات فإنه يطبق عليهم كما يطبق على المسلمين ، سواء بسواء ، ويُستثنى من ذلك البعثات الدبلوماسية ، فإن لهم ما يسمى بالحصانة الدبلوماسية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة : " أمَا والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما " .
22 – الذين ارتد آباؤهم عن الإسلام ، ووُلدوا بعد ارتداد آبائهم ، أي وُلدوا من أبوين كافرين مرتدين فإنهم يعتبرون كفاراً ، ولا يعتبرون مرتدين ، أما عدم اعتبارهم مرتدين ، فلأنهم لم يرتدوا هم ، بل الذين ارتدوا هم آباؤهم ، فلا ينطبق عليهم أنهم ارتدوا ، وأما اعتبارهم كفاراً فلأنهم تولدوا من أبوين كافرين ، وكل من تولد من أبوين كافرين كافر ، لما رُوي عن ابن مسعود : " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل عقبة بن أبي مُعَيْط قال : مَن للصبية ؟ قال : النار " وفي رواية " النار لهم ولأبيهم " ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال : " هم منهم " وهؤلاء الذين ارتد آباؤهم يعاملون معاملة الذين الذي وُلدوا عليه ، فإن كان اليهودية أو النصرانية عوملوا معاملة اليهود أو النصارى ، أي معاملة أهل الكتاب ، وإن صاروا مشركين عوملوا معاملة المشركين ، فلا تؤكَل ذبائحهم ولا تُنكَح نساؤهم .
23 – الرأسمالية كالشيوعية كلّ منهما كفر ، والاشتراكية بجميع أنواعها كفر ، فعقيدة فصل الدين عن الدولة عقيدة كفر ، وعقيدة المادية والتطور المادي عقيدة كفر ، واشتراكية الدولة ، والاشتراكية الزراعية وما شابهها كفر ، وكما أن النصرانية دين كفر ، فكذلك الرأسمالية مبدأ كفر ، وكما أن اليهودية دين كفر ، فكذلك الشيوعية مبدأ كفر ، لأنها كلها ملل كفر ، والكفر ملّة واحدة ، وكذلك جميع أنواع الاشتراكية كفر .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 08:43 AM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة - أحكام متنوعة

أحكام متنوعة
24 – شاعت في هذا العصر كلمتا حضارة ومدنية ، صارتا تطلقان على شيء واحد هو إنتاج العقل ، فتطلقان على الفلسفة والفكر ، وكل ما يتعلق بوجهة النظر في الحياة ، وتطلقان على الأشكال المادية المحسوسة ، مما تُنتجه الصناعة والفن ، وكل ما هو مِن الأشكال المحسوسة في الحياة ، فيُقال حضارة الأُمم السابقة ، ومدنية الأمم السابقة ويُراد بهما ما تركته هذه الأمم ، مِن أفكار تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، كالدين والفلسفة وما شاكل ذلك ، وما تركته من آثار مادية وأشكال محسوسة . كالبناء والأدوات المصنوعة وغير ذلك ، وكذلك يُقال حضارة هذا العصر ومدنية هذا العصر ، ويراد بهما هذا المعنى ، وهو كل ما يُنتجه العقل مِن فكر ، ومن أشكال مادية . وهذا الإطلاق على هذا الوجه لهاتين الكلمتين خطأ ، فإن ما يُنتجه العقل مما يتعلق بوجهة النظر في الحياة متباين تمام التباين مع ما يُنتجه مِن الأشكال المادية المحسوسة كالصناعات والاختراعات ، والصواب أن تطلق إحداهما على أحد هذين الأمرين وتطلق الكلمة الثانية على الأمر الآخر ، والأولى أن تطلق كلمة الحضارة على إنتاج العقل مما يتعلق بوجهة النظر في الحياة ، لأنها من الحضر مقابل البدو ، فإنه يراد منها طريقة الحياة ، وأن تُطلق كلمة مدنيّة على الأشكال المادية المحسوسة ، فَتُعَرّف الحضارة بأنها مجموعة المفاهيم عن الحياة ، وتعرّف المدنية بأنها الأشكال المادية المحسوسة .
والحضارة تختلف باختلاف الأمم وطرائقها في العيش ، فالحضارة الشيوعية هي غير الحضارة الغربية ، والحضارة الإسلامية غير الحضارة الغربية ، وغير الحضارة الشيوعية ، ولا توجد حتى الآن حضارة إنسانية مطلقاً ، لأن مجموعة مفاهيم الأمم والشعوب عن الحياة مختلفة ومتباينة ، فما لدى الإنسانية من حضارات هو حضارات مختلفة ومتباينة ، وكذلك ما في تاريخ العالم من حضارات هو حضارات مختلفة متباينة ، فحضارة الإسلام غير حضارة الروم ، وحضارة اليونان غير حضارة الفرس وهكذا ، فكلمة حضارة إنسانية لا وجود لها .
25 – الحضارة الإسلامية تتناقض مع الحضارة الغربية ، وتتناقض كذلك مع الحضارة الشيوعية ، فأساس الحضارة الإسلامية هو العقيدة الإسلامية ، بخلاف أساس الحضارة الغربية ، فإن أساسها هو فصل الدين عن الدولة ، وبخلاف أساس الحضارة الشيوعية فإن أساسها هو المادية ، وهي أن الحياة والإنسان والكون تتطوّر من نفسها تطوراً ذاتياً ، فالعالم بطبيعته مادي ، وحوادث العالم المتعددة هي مظاهر مختلفة للمادة المتحركة ، هذا بالنسبة للأساس .
أما تصوير الحياة فإنه عند الرأسمالية هو النفعية ، وعند الشيوعية هو التطوّر ، بمعنى الانتقال الحتمي من حال إلى حال في حركة تصاعدية ، بخلاف الإسلام فإن تصوير الحياة عنده هو الحلال والحرام . وأما السعادة فإنها لدى الحضارة الغربية والحضارة الشيوعية بمعنى واحد وهو إشباع المتع الجسدية ، بخلاف الإسلام فإن السعادة عنده هي الطمأنينة الدائمة ، سواء أشبعت المتع الجسدية أو أصابها الحرمان ، فإنه إذا وُجدَت الطمأنينة الدائمة نال الإنسان السعادة ، وإذا لم توجد لم ينل السعادة ، وإذا أُشبعت جميع المتع الجسدية ، فلا تتحقق السعادة إلا بالطمأنينة الدائمة وهي تُنال بنوال رضوان الله ، ومن هنا كانت السعادة بمعناها الأساسي طلب رضوان الله ، لأن به تتحقق الطمأنينة الدائمة ، وبهذا التناقض بين أساس الحضارة الإسلامية ، وأساس الحضارة الرأسمالية ، وأساس الحضارة الشيوعية ، وبين تصوير الإسلام للحياة ، وتصوير الرأسمالية والشيوعية لها وبين معنى السعادة في نظر الإسلام ، ومعنى السعادة في نظر الرأسمالية والشيوعية تكون الحضارة الإسلامية على النقيض من الحضارة الغربية ، وعلى النقيض من الحضارة الشيوعية .
26 – لا يجوز للمسلم اخذ حضارة غير الحضارة الإسلامية مطلقاً ، إذ لا يجوز للمسلم أخذ مجموعة المفاهيم عن الحياة غير ما جاء به الإسلام ، فهو مقيَّد بأخذها من الإسلام فيحرم عليه أخذ غيرها ، سواء أكانت متعلقة بالنظرة إلى الحياة ، أم كانت متعلقة بمعالجة مشاكل الحياة ، فكل حضارة غير الحضارة الإسلامية لا يَحلّ أخذها مطلقاً ، أما المدنية فإنه ينظر فيها ، فإن كانت غير متأثرة بوجهة النظر في الحياة فإنه يجوز أخذها كالصناعات والأسلحة وأدوات الزينة ، وأشكال الثياب وأشكال التزيين والتجمل وغير ذلك ، فإن هذه أشياء ، والأصل في الأشياء الإباحة ، أما إذا كانت متأثرة بوجهة النظر في الحياة فإنه لا يجوز أخذها كرسم كل ذي روح ، ونحت كل ذي روح ، وما شاكل ذلك مما جاء النهي الصريح عنه ، فالمدنية يجوز أخذها إلا ما جاء النهي عنه ، أما الحضارة فلا يجوز أخذها مطلقاً .
27 – يجب أن يُفرَّق بين العلوم التجريبية ، وما هو مٌلحق بها كالرياضيات ، وبين المعارف الثقافية ، فالعلوم التجريبية وما يُلحق بها عالمية لا تختص بأمة من الأمم ، ولا تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، فهي في روسيا كما هي في أمريكا حقائق واحدة ، وعلوم واحدة دون أي فرق ، وهي لدى جميع الشعوب والأمم حديثاً وقديماً واحدة ، لم تختلف ولن تختلف باختلاف الشعوب والأمم ، ولا باختلاف وجهة النظر في الحياة ، بخلاف الثقافة وهي المعارف التي تؤثر في العقل وحكمه على الأشياء ، فإنها تختلف باختلاف وجهات النظر . فالنظرة الثقافية في روسيا ، تختلف عن النظرة الثقافية في أمريكا ، فالتشريع والاقتصاد والتاريخ وما شاكلها هي في روسيا غيرها في أمريكا ، وكذلك الثقافة الإسلامية غير الثقافة الشيوعية ، وغير الثقافة الرأسمالية ، والنظرة الثقافية في الإسلام غيرها لدى الغرب ، وغيرها لدى الشيوعيين ، ولهذا لا بد أن يُفرَّق في التعليم بين العلم بمعناه في العصر الحديث ، وبين الثقافة ، فتدرس العلوم التجريبية وما يحلق بها حسب الحاجة ، وتؤخذ من كل إنسان ، إلا إذا كانت بعض هذه العلوم تُؤدي إلى زيغ في العقائد ، أو ضعف في المعتقدات ، فإن هذه العلوم فقط يحرم تعليمها ، فإذا فقدت تأثيرها جاز تعلُّمها ، بخلاف الثقافة فإنه يقتصر في تعليمها على الثقافة الإسلامية ، ويوقف عند حَدِّ النظرة الثقافية في الإسلام ، إلا في المرحلة العالية ، ومراحل البحث والنقد ، فإنه يجوز أن تُعلّم ، ولكن لا لأخذها ، بل لنقضها وإبطالها ، ولا يُعلَّم شيءٌ منها من غير أن يُعلَّم إلى جانبه نقضه وإبطاله ، لأن القرآن الكريم جاءت فيه عقائد الآخرين ، ولكن جاءت في معرض بيانها لإبطالها والرد عليها .
أما الفنون والصناعات فقد تُلْحَق بالعلم ، كالتجارة والملاحة والزراعة فتؤخذ ، وقد تُلْحَق بالثقافة ، مثل رسم كل ذي روح ، وصنع الصلبان ، فلا تؤخذ لأنها تتأثر بوجهة النظر في الحياة .
28 – هناك فرق بين الطريقة والوسيلة والأسلوب ، فالطريقة تكون حسب وجهة النظر في الحياة ، وتختلف باختلافها ، ويُلْتَزم بها ولا تتغيّر ، أما الوسيلة والأسلوب فإن كلاً منهما يكون حسب ما يتطلبه العمل ، ولا تختلف باختلاف وجهة النظر ، ولا يُلْتَزم بها ، بل تتغير ، فإثارة التناقضات في نظر الشيوعية من الطريقة ، والجهاد في نظر الإسلام مِن الطريقة ، واستعمار الشعوب في نظر الرأسمالية من الطريقة . أما الأدوات التي تستعمل مثل المدفع والسيف والقنبلة الذرية ، وكيفية استعمال هذه الأدوات مِن مثل الخطط الحربية ، والفنون العسكرية ، وما شاكل ذلك فإنه من الوسائل والأساليب ، ومن هنا لا يصح أخذ الطريقة من غير الإسلام ، بل لا بد أن يُلْتَزم بالطريقة التي جاء بها الإسلام ، بخلاف الوسائل والأساليب فإنه يجوز أخذها أنّى وُجدت إلا ما جاء نهي صريح عنه .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:18 PM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة -الكتاب

الكتاب
29 – الكتاب هو القرآن الكريم المنزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل ، وهو ما نُقِل إلينا بين دَفتي المصحف بالأَحرف السبعة نقلاً متواتراً .
30 – ما نُقل إلينا مِن القرآن الكريم نقلاً متواتراً ، وعلمنا أنه من القرآن هو وحده الذي يكون حجة ، وأما ما نُقل إلينا منه آحاداً كمصحف ابن مسعود وغيره فلا يكون حجة ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفاً بإلقاء ما أُنزل إليه من القرآن الكريم على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، وَمن تقوم الحجة القاطعة بقولهم فلا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه ، فإذا وٌجِد مِن القرآن الكريم شيء لم ينقله مَن تقوم الحجة بقولهم ، وإنما نُقِل آحاداً ، فإنه لا يعتبر ، لأنه جاء على خلاف ما كُلِّف به الرسول صلى الله عليه وسلم في انفراد الواحد بنقله ، وعلى خلاف ما كان عليه إلقاء القرآن مِن الرسول مِن إلقائه على عِدَّة من المسلمين يحفظونه ، ويكونون ممن تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، إلى جانب أمره بكتابته .
31 – ليس للقرآن الكريم ظاهر وباطن ، وإنما هو كلام عربي ، جاء على لسان العرب . قال تعالى :(قرآناً عربياً )، وقال :( بلسان عربي مبين ) ، فيفهم كما يفهم أي كلام عربي ، ومُراد الله سبحانه من القرآن الكريم هو ما عَبّر عنه القرآن الكريم ، وليس هناك مُراد لله تعالى يُعبّر عنه ، ويفهم مُراده مِن فَهم العبارات التي عَبّر بها فحسب ، فمراد الله سبحانه هو ما جرى التعبير عنه ليس غير ، فالمفهوم العربي هو مُراد الله سبحانه مِن كلامه الذي عَبّر عنه باللفظ العربي ، والأسلوب العربي ، فالمراد مِن الخطاب هو ما دَلّ عليه الخطاب بالأدلة اللغوية ، والدلالة الشرعية التي جاءت بالكتاب أو السنة ، وهذا ليس له ظاهر وباطن ، وإنما له مدلول دلّ عليه الكلام العربي ، بالفهم العربي ، للألفاظ العربية ، والأساليب العربية .
32 – القرآن مشتمل على آيات مُحكماتٍ وأُخر متشابهات . على ما قال تعالى :(منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) أما المحكم فهو ما ظهر معناه وانكشف كشفاً يرفع الاحتمال ، أي ما كانت دلالته صريحة ، لا تحتمل التأويل . كقوله تعالى :(واحلّ الله البيع وحرّم الربا) ، وقوله :(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ، وقوله : (ولكم في القِصاص حياة يا أولي الألباب ) . وأما المتشابه فهو المقابل للمحكم ، وهو ما يحتمل أكثر من معنى ، أي ما تعارض فيه الاحتمال ، واحتمل عدة معان متعارضة . كقوله تعالى :( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )، وقوله : (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) ، وقوله :(أو لامستم النساء ) ، وقوله:( ويبقى وجه ربك ) ، وقوله : ( فإنك بأعيننا ) ، وقوله : (مما عملت أيدينا ) . وما شاكل ذلك مما يحتمل لفظه عدة معان متعارضة ، لا يمكن الجمع بينها ، فيحتاج إلى قرينة لفظية تُعيِّن أحدها . أو مما ظاهره موهم للتشبيه فيستحيل شرعاً أو عقلاً أن يكون المراد منه مدلول لفظه ، فيحتاج إلى قرينة شرعية أو عقلية تُعيِّن المعنى المراد منه .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:19 PM   #8
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة - ألسنّة

السنة
33 – السنة هي قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفعله ، وتقريره مما صدر عنه غير القرآن الكريم ، وهي وحي من الله تعالى ، لأن الله سبحانه يقول :(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )، ويقول : (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)، ويقول :(قُل إنما أتبع ما يوحى إليّ)، ويقول :( إنما أنذركم بالوحي).
34 – السنة كالقرآن من حيث كونها وحياً من الله ، ومن حيث كونها شريعة الله ، ولا فرق بين القرآن الكريم والسنة في الشريعة ، فكل منهما خطاب الشارع لقول الله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، و ( ما ) من صيغ العموم . ولقوله :( من يُطع الرسول فقد أطاع الله) ، وقوله : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ، فالسنة دليل شرعي كالقرآن الكريم من غير أي فرق بينهما .
35 – وصلت السنة إلينا عن طريق الرواية ، بخلاف القرآن الكريم ، فإنه قد نُقِل إلينا نَقلاً فَعَيّنُ القرآن الكريم الذي نزل على رسول الله ، والذي ألقاه على قوم تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، والذي أمر بحفظه وكتابته هو الذي نُقِل إلينا كما نزل به الوحي عيناً ، أما السنة فإن الرواة قد رَووا لنا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما فعله ، وما سكت عنه ، ولهذا كان اعتبار الشيء أنه من السنة متوقفاً على الراوي .
36 – الذين رَووا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يكونوا من الصحابة ، أو لا يكونوا من الصحابة ، لأنه ليس كل مَن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم صحابياً ، ولا كل من روى عنه صحابياً ، بل الصحابي لفظ عربي فيفهم حسب دلالة اللغة . والصحابي لغةً هو كل مَن تحقق فيه معنى الصُحبة ، ولم يرد نصٌّ شرعي يبين معنى الصحابي ، فيكون معناه ما دلت عليه اللغة ، وقد رُوي عن سعيد بن المسيب في تعريف الصحابي أنه ( لا بد من أن يصحبه سَنَة أو سنتين ، أو يَغزو معه غَزوة أو غزوتين ) أما مَن رأى الرسول  أو رَوى عنه ولم يصحبه فليس بصحابي ، ولذلك لما سُئل أنس بن مالك : هل بقي مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك ؟ قال : ( بقي ناس مِن الأعراب رأوه ، أما مَن صحبه فلا ) .
37 – يُلزَم كل مسلم بقبول رواية الصحابي والاحتجاج بها ، ولا يَحلُّ له ردّها ، لأن عدالة الصحابة ثابتة بنص القرآن الكريم القطعي ، فمن ثبت أنه مِن المهاجرين ، أو أنه من الأنصار قبلت روايته قطعاً ، ولا يَحلّ لمسلم ردها لأنه يعني رَدّ مَن أثنى الله عليه ، وعدّله في القرآن الكريم .
38 – غير الصحابة مِن الرواة يشترط فيمن يُحتجّ بروايته منهم أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه ، فالوثوق بالراوي حتى يُعتَبر ما رواه أنه من السنة لا يتم إلا إذا توفرت فيه العدالة والضبط ، فلا بد من التحري الدقيق عمن يؤخذ عنه الحديث . ولا تُقبل رواية مَن في مذهبه رأي يَكفر من يعتقده ، وكذلك من يستحلُّ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لتأييد مذهبه ، أو للدعوة إلى فرقته والترغيب بها ، أو لمصلحة الإسلام ، أو ما شاكل ذلك . لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " مَنْ كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده مِن النار " ، فالكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقِط العدالة قطعاً .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:22 PM   #9
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة - فهم الكتاب والسنة

فهم الكتاب والسنة
39 – الكتاب والسنة قول عربي ، وهو قول تشريعي ، والاستدلال بهما يتوقف على معرفة اللغة العربية .
40 – اللغة العربية كسائر اللغات وضعها العرب ، واصطلحوا عليها ، فتكون من اصطلاح العرب ، وليست توقيفاً مِن الله تعالى . وما دام العرب قد اصطلحوا عليها فطريق معرفتها هي أخذها عنهم ، فإذا قالوا هم إن لفظ كذا موضوع لمعنى كذا ، أو قالوا إن معنى كذا موضوع للفظ كذا قُبل قولُهم وسُلّم به ، ولم يناقش ، لأنه لا مشاحة في الاصطلاح ، فالمسألة مسألة وضع اصطلحوا عليه وليست مسألة عقلية ، ولا متعلقة بالإدراك .
41 – المراد بالعرب هنا العرب الاقحاح ، الذين كانوا يتكلمون اللغة العربية قبل فساد اللسان العربي ، وقد ظلّ قسم منهم حتى القرن الرابع الهجري ، كانوا يسكنون البادية ، ولم تفسد لغتهم ، وأما مَن جاء بعدهم مِن العرب فلا تؤخذ اللغة عنهم ، وليس كلامُهم حجة .
42 – لا بد من التقيد في مدلول اللفظ بما وضعه العرب ، وحصر معنى اللفظ بما وضعه العرب ، لأن المسألة مسألة نقل عن الواضع كما وَضع ليس غير ، وعلى ذلك فإن كون الكلمة مشتقة من مادة معينة لا يعني أن جميع مشتقات هذه المادة تتحد في المعنى ، وأن إحداها تعطي معنى الأُخرى ، فقد تعطي اللغة أكثر من كلمة للمعنى الواحد ، وقد لا تعطي للكلمة إلا معنىً واحداً وُضِعت له ، ولا يُعطي هذا المعنى غيرها ، وذلك كله حسب وضع العرب ، فاتحاد الكلمات بالاشتقاق لا يعني الاتحاد في المعنى ، بل تأخذ الكلمة معناها الذي وضعه لها العرب بغض النظر عن مادة الاشتقاق .
43 – إن التقيد في مدلول اللفظ بما وضعه العرب لا يعني منع الاشتقاق والتعريب والمجاز ، فلنا أن نثري اللغة العربية بهذه الأبواب الثلاثة ، لأن هذه الأبواب ليست خاصة بالعرب الاقحاح ، وإنما الخاص بهم هو وضع أصول الاشتقاق والتعريب والمجاز ، ووضع تفصيلات اللغة العربية وأوزانها ، أما استعمال المجاز والاشتقاق والتعريب فهو لكل عربي عارف باللغة ، ما دام يسير على ما وضعه العرب ، وبذلك كانت اللغة العربية بالمجاز والاشتقاق والتعريب قادرة على التعبير عن كل معنى جديد ، وكل شيء جديد ، وبالتالي كانت قادرة على التعبير عن الحوادث المتجددة لاستنباط حكمها من النصوص الشرعية .
44 – إن قدرة الكتاب والسنة على إعطاء الحكم لكل حادثة تتوقف على قدرة اللغة العربية على التعبير عن كل معنى يتجدد ، وهذا يوجب بل يُحتم أن تتحد اللغة العربية بالإسلام ، أي بالكتاب والسنة ، بحيث يصبحان شيئاً واحداً غير قابل للانفصال ، أي أن تكون اللغة العربية جزءاً جوهرياً مِن الإسلام ، أي جزءاً من الكتاب والسنة غير قابل للانفصال عنهما ، وهذا هو الذي كان ، والذي يتحتم أن يظل حتى آخر الدهر ، ومِن هنا كانت معرفة اللغة العربية شرطاً أساسياً مِن شروط الاجتهاد ، وكانت قراءة الفاتحة باللغة العربية شرطاً مِن شروط صحة الصلاة ، وكانت ترجمة القرآن الكريم غير جائزة مطلقاً ، ولذلك خرج المسلمون من جزيرة العرب يحملون إلى العالم الكتاب والسنة بيد ، واللغة العربية باليد الأخرى ، ويُعلمون الناس اللغة العربية كما يعلمونهم الكتاب والسنة سواءً بسواء ، ولهذا يجب أن يجعل المسلمون اللغة العربية كالكتاب والسنة سواء بسواء من حيث تعلّمها ومن حيث المحافظة عليها فإنه لا بقاء في واقع الحياة ، وواقع العلاقات المتجددة للكتاب والسنة بغير اللغة العربية .
45 – إن الوقوف عند حد المعاني التي وضع العرب لها الألفاظ ، والتقيد بما وضعوه لا يمنع اللغة العربية مِن أن تسع العلوم والاختراعات المتجددة ، فإنه تجوز لأرباب كل علم وكل اختراع أن يضعوا مصطلحات لعلمهم واختراعهم ، فيصطلحون على وضع ألفاظ معينة ، من اللغة العربية لمعانٍ معينة من علومهم ومخترعاتهم ، فذلك جائز ، وقد وضعه العرب أنفسهم ، وجعلوا الاصطلاح جائزاً ، ولكن يخصّص فيما اصطلح له ، فعلم النحو وقواعد الإملاء وما شاكل ذلك لم يضع العرب مصطلحاتها وإنما وضعها أرباب تلك العلوم ، ولم يعرفها العرب فاصطلاحات العلوم وضعها أهل العلوم ، وقد قَبِل ذلك العربُ الاقحاح وأقروه ، فكذلك كل علم يتجدد ، وكل اختراع يتجدد توضع له اصطلاحات جديدة من قبل أرباب العلم وأرباب الاختراع ، ويستعملون له اللغة العربية ، على أن يتقيدوا بالألفاظ العربية وبالأوزان العربية حتى يَظلَّ اللفظ عربياً كما وضعه العرب ، ولا يتغير فيه إلا المعنى المنقول له اصطلاحاً . وبذلك تتسع اللغة العربية للعلوم والاختراعات المتجددة مع التقيُّد بما وضعه العرب والوقوف عند حده .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2016, 03:23 PM   #10
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,956
افتراضي ميثاق الأمة - سن الدستور والقوانين

سن الدستور والقوانين
46 – كلمة القانون اصطلاح ، ومعناه الأمر الذي يصدره السلطان ليسير عليه الناس . وقد عُرِّف بأنه ( مجموع القواعد التي يَجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم ) وقد أطلق على القانون الأساسي لكل دولة كلمة الدستور ، وأُطلق على سائر القوانين الأخرى غير القانون الأساسي كلمة القانون . وقد عُرّف الدستور بأنه ( القانون الذي يُحدّد شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، ويُبيِّن حدود واختصاص كل سلطة فيها ) . هذا ما تعنيه كلمتا الدستور والقانون ، فالدستور والقانون كل منهما أمر السلطان ، والمسلمون إنما هم مقيدون بأوامر الله ونواهيه ، فهم مقيدون بالكتاب والسنة ، والسلطان نفسه مُقيَّد بأوامر الله ونواهيه ، أي بالكتاب والسنة ، ومن هنا هم ليسوا بحاجة ماسة إلى دستور وقوانين ، لأن الأحكام الشرعية قد بيَّنت القواعد التي يجب عليهم اتباعها في علاقاتهم ، وبيّنت شكل الدولة ونظام الحكم ، واختصاص كل سلطة . فدستورهم وقانونهم إنما هو الحكم الشرعي ، أي خطاب الشارع ، به وحده يتَقَّيدون ، وبحسبه وحده يسيرون في علاقاتهم ، وسائر أفعالهم وتصرفاتهم ، سواءً في الدولة ، أو في المجتمع . ومن هنا لم يكن للدولة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى زوال الخلافة الإسلامية أي دستور أو قانون ، إلا حين سيطرت الدول الكافرة على آخر الدولة الإسلامية في آخر أيام العثمانيين ، فأجبروها على سن القوانين ، ثم سن دستور .
47 – إن الله تعالى أمر بطاعة السلطان ، وتنفيذ أوامره . قال تعالى :(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ومَن يُطع الأمير فقد أطاعني ومَن يَعصِ الأمير فقد عصاني " ، غير أن طاعة السلطان مُقَيّدة بما جُعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، لا بكل شيء ، فهو لا يُحلُّ حراماً ، ولا يُحرِّم حلالاً بحجة أن الله أمر بطاعته ، وإنما ينفذ أحكام الشرع على الناس ، فالطاعة إنما هي طاعة الشرع وقد جعل الله له أن ينفذ أحكامه برأيه واجتهاده ، فوجبت طاعته في هذا ، وما عداه فالطاعة هي لله ورسوله لا للسلطان . والسلطان إنما ينفذ شرع الله ، وبما أن الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها ، واختلف المجتهدون فيها ، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية غير ما فهمه البعض الآخر ، وبذلك تعدّد فَهْم الأحكام ، فإن الشارع قد جعل للخليفة أن يتبنى رأياً من هذه الآراء ، ويُلزم الناس بالعمل به وتجب طاعته في هذا ، وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للخليفة أن يتبنى أحكاماً ، وأنه إذا تبنى حكماً وجبت طاعته ، وصار هو حكم الله في حق المسلمين جميعاً . صحيح ان طاعة الخليفة فيما تبنى مِن الأحكام واجبة ، وله أن يُلزم الناس بأحكام مُعينة ، ولكن القيام بذلك ليس قياماً بأمر الخليفة ، وإنما هو قيام بما أمر الله ، والخليفة إنما عَيَّن فهماً مُعيَّناً مِن أفهام متعددة للنص الشرعي ، فالعمل إنما يكون بالحكم الشرعي لا بأمر الخليفة ، بدليل أنه لو تبنى غير الحكم الشرعي لما وجبت طاعته ، بل حرمت طاعته . ومن هنا لم يكن الالتزام بما تبنى الخليفة طاعة لأمر الخليفة في أمر مِن أوامره هو ، وإنما هو طاعة لله فيما أمر الله ، فهو قيام بما أمر الله ، لا بما أمر الخليفة ، ومن هنا لم يكن للسلطان أن يجبر الناس على اتباع قواعد معينة يضعها لهم ، إلا في حالة واحدة هي ما جعل الله له أن يقوم به برأيه واجتهاده .
48 – إن عدم حاجة المسلمين لدستور وقوانين إنما هي عدم حاجة لأحكام مِن وضع البشر يأمر بها السلطان ، لأن الشرع جاء بكل شيء ، قال تعالى :  ونزّلنا عليّك الكتب تِبياناً لكل شيء  فلم تبق هناك حاجة لدستور وقوانين مِن وضع البشر ، ولكن ما جعل الشرع للخليفة مِن تبني أحكام معينة فيما اختلفت فيه آراء المجتهدين ، وما جعله له من إلزام الناس بآراء معينة مِن آرائه هو فيما جعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، كأمر قيادة الجيش ، ونفقات واردات بيت المال ، وما شاكل ذلك ، فإنه يجعل للسلطان صلاحية أن يسن دستوراً وقوانين ، وأن يُجبر الناس على اتباعها ، وعلى ذلك يجوز أن يكون للمسلمين دستور وقوانين مِن الأحكام الشرعية ، ومما جعلته الأحكام الشرعية للخليفة أن يقوم به برأيه واجتهاد . وبالنسبة لتبني الأحكام يُنظر ، فإن كان الخليفة لا يستطيع أن يقوم بأمر يتوجب عليه القيام به إلا إذا تبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر ، أو كانت وحدة الدولة ، أو وحدة الحكم ، أي السلطان ، أو وحدة الأمة أو وحدة البلاد لا تتأتى ، أو لا يُحافظ عليها إلا إذا تبنى حكماً معيناً ، فإن التبني في هاتين الحالتين يكون واجباً على الخليفة ، عملاً بالقاعدة الشرعية . ( ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب ) ، وأما في غير هاتين الحالتين فإن التبني جائز ، وليس بواجب . وأما بالنسبة لما جعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، فإن كان يمكنه أن يعطي رأيه في العمل حين لزوم القيام به ، ولا ضرورة لأن يُعيَّن له أسلوباً معيناً سلفاً ، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يبيّن رأياً معيناً للقيام بذلك العمل ، ويجوز أن لا يبيّن ، أي يجوز له أن يَسنَّ قانوناً ، ويجوز أن لا يَسنَّ ، وأما إذا كان القيام بالعمل لا يتأتى إلا بوضع أساليب مدروسة ومحضرة ، وإذا لم توضع تعذر القيام بالعمل ، وحصلت الفوضى ، فإنه حينئذٍ يجب القيام بسن القوانين ويحرم عدم سنّها ، وعلى ذلك يكون سنّ قواعد معينة يجبر الناس على القيام بها واجباً في بعضها ، وجائزاً في بعضها الآخر ، أما جمع هذه القواعد الواجبة والجائزة في دستور واحد ، وفي قانون واحد فذلك جائز ، وليس بواجب ، ومن هنا كان سن دستور وقوانين للمسلمين جائزاً ، ولكن من الأحكام الشرعية ، ومما جُعل للخليفة أن يقوم به برأيه واجتهاده .
49 - إن تبني الأحكام الشرعية يحدّ من البحث والإبداع ، ولا يشجع على الاجتهاد ، لأنه يُلزم الناس بالحكم المتبنى ، إذ لا يجوز لهم أن يعملوا بغيره ، والحكم إنما يستنبط للعمل به ، لا لمجرد العلم والمعرفة ، فإذا كان العمل به لا يجوز فإن المجتهد حينئذٍ لا يرى حاجة للاستنباط ، لأن مجرد العلم لا يحفز على الاجتهاد ، كما يحفز داعي العمل ، وبذلك يَحدّ من البحث والإبداع ، ولا يشجع على الاجتهاد ، ومن هنا كانت الأحكام التي تبناها الخلفاء الراشدون قليلة جداً ، بل نادرة ، ومن أجل هذا نصح الإمام مالك الخليفة أبا جعفر المنصور أن لا يتبنى كتابه الموطأ ، وان يترك الناس يعملون بما يرون ، وذلك حين طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يتبنى كتابه بعد أن حث ابن المقفع أبا جعفر على أن يتبنى للقضاة أحكاماً معينة يلزم الناس العمل بها . إذ أن ترك الناس يعملون بما يرون يكثر الإبداع ، ويشجع الاجتهاد ، وينمي الثروة الفكرية ، والثروة التشريعية ، ويشحذ العقول ، ويوجد في الأمة الحشد من المبدعين والمجتهدين . وعلى هذا لا بد أن يحاول التقليل من الأحكام المتبناة إذا حصل سَنّ دستور وقوانين .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:33 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.