قديم 01-10-2018, 07:26 PM   #1
أبو الهمام الخليلي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 25
افتراضي البدعة بين السياسةِ والعبادة

البدعةُ بينَ السياسةِ والعبادة

إن البدعةَ في اللغة هي استحداث أمر على غير سابق مثال، والبدعة،التي هي ضلالة، هي بالقطع أضيق بكثير من هذا المعنى اللغوي، لذا نقول: البدعة لها معنى شرعي، يجب أن يحدد.

نعم لقد وقع الخلاف في تقسيم البدعة، فمنهم من قسمها إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، ومنهم من قسمها على الأحكام الشرعية الخمسة، أي بدعة واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة و مباحة، ومنهم من قال البدعة هي قسم واحد ، كلها ضلالة وحرام. وهذا هو الحق الذي تنطق به النصوص، على أية حال إن الخلاف حول تقسيم البدعة هو خلاف نظري لا أثر له في النقاشات الدائرة بين أهل العلم، وجوهر الخلاف بينهم هو حول هل الأمر المختلف فيه له أصل يندرج تحته أي هل هو مظلل بدليل شرعي أم أنه لا دليل عليه، فإن كان مظللاً فهو جائز، يسميه البعض بدعة حسنة و البعض الآخر لا يدخله في البدعة وإنما يدرجه في السنة الحسنة أوفي المصالح المرسلة أو الوسائل والأساليب المباحة.


من المهم التذكير هنا أن الأحكام الشرعية خمسة، أي البدعة ليست نوعاً سادساً، و إنما هي نوع من الحرام خصها الشارع بالإبراز لأهميتها وشناعة فعلها.

إن أحداً في رأسه عقل فضلاً أن يكون في رأسه شيء من الفقه، لا يقول بحمل حديث كل محدثة بدعة على إطلاقه، فيحرم كل محدث مخترع جديد، لأن الإسلام ليس ضد الإبداع ولكنه ضد الابتداع، ولو تجرأ أحد على أخذ الحديث على منطوقه وإطلاقه وظاهره، لارتكب شناعات أربأ أن أصفها بالفقهيه، ولحرم سجاد المساجد، والميكرفونات والحنفيات، ومعظم عاداتنا الرمضانية، في شهر رمضان ولحرم الانترنت وكل المخترعات ولحرم تنقيط القرآن وتشكيله، ونسخه وطباعته، وكتابة أسامي السور وعدد آياتها، ولحرم علم الحديث و علوم الفقه وأصوله واللغة، ولجعل غالب عاداتنا محرمة لا لشيء إلا لأن النبي لم يفعلوها!

لعل في تأنيث الأحاديث النبوية للبدعة والمحدثة بتاء التأنيث، إشارة إلى أن البدعة أو المحدثة هي من اللفظ العام المخصوص، لأن المؤنث كما هو معلوم أضيق في دلالته من المذكر في اللغة.

قال صلى الله عليه وسلم : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) رواه الشيخان، وفي لفظ ﻭﰲﻟﻔﻆﳌﺴﻠﻢ: (ﻣﻦ ﻋﻤﻞ ﻋﻤﻼ ﻟﻴﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﻓﻬﻮ ﺭﺩ)، إن هذا الحديث يحمل في داخله قيدين على المحدثة يضيقانها، ففي قوله (من أحدث في أمرنا هذا) قيد واضح على أن المقصود في الإحداث هنا هو الإحداث في الدين، لا في شأن الدنيا، فلا يشمل إذاً الوسائل والأساليبَ والصناعات والمخترعات العلمية. أما القيد الثاني في الحديث فهو في قوله (ما ليس منه)، وقيده آتٍ من جهة مفهوم المخالفة، بمعنى أن ما أحدث مما هو من الدين فهو مقبول، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول)، كجمع المصحف ونسخه وتنقيطه وكتابة أسامي السور وعدد الآي ومكية أو مدنية، وكمن يعتاد نصفَ جزء من القرآن ورداً يومياً، أو يحدث درساً شهرياً في المسجد، أو دعاءً خاصاً يدعوه، فكل ذلك إحداث في الدين ما هو منه فهو مقبول، شريطة أن لا يعتبر ذلك استدراكاً على الشرع وإضافة له، كأن يعتبر نصف الجزء من القرآن هو شرع الله الذي لا يخالف زيادة أو إنقاصاً، وعلى هذا المثال قس.
لن يتعمق الفهم لمسألة البدعة دون التعرض لمصطلحين رئيسين في البدعة، الأول هو البدعة الحقيقية، والثاني هو البدعة الإضافية.

أما البدعة الحقيقية فهي ما أحدث بأصله ووصفه وإضافته للدين، كأن تخترع رقصة معينة على أنها قربة لله تعالى، يقام بها في وقت أو صورة معينة أو ما شاكل، فهذه الرقصة محدثة في الدين بأصلها ووصفها. أما البدعة الإضافية فهي مصطلح إصطلحه الإمام الشاطبي، وسار عليه العلماء من بعده، البدعة الإضافية هي ما أحدث بوصفه لا بأصله، مثل المصافحة فهي واردة في الشرع ولكن أن تكون عقيب الصلاة فهذا غير وارد، وكأن يصلى على النبي عليه السلام فهذا وارد ولكن أن يكون عقيب الأذان وكأنه وصلة له فهذا غير وارد، كذلك دعاء المسلم لأخيه المسلم بقوله:" كل عام وأنت بخير" فهو وارد من جهة عموم الدعاء، ولكن أن يخص هذا الدعاء بيوم العيد فهو غير وارد، وهكذا ..تكون المسألة من جهة أصلها واردة ولكن من جهة وصفها غير واردة. هذه هي البدعة الإضافية، وعند الحديث عن الوصف فإنهم يتحدثون في ستة أوصاف: الصورة أو كيفية الأداء، والتوقيت، والمكان، والعدد والجنس والحال. وعند تأمل هذه الأوصاف الستة، لك أن تسأل نفسك ما هي الأحكام التي جاء لها الشرع بهذه الأوصاف كلها أو بعضها؟ هل جاء الشرع بتوقيت معين للبيع مثلاً أو كيفية أداء معينة (صورة)، أو مكان معين أو عدد معين الجواب : لا. وكذلك كل المعاملات والعقوبات، ولكنك تلمس هذه الأوصاف بارزة كل البروز في العبادات، فلهذا السبب انحصرت البدعة الإضافية في العبادات أو كادت.

ولما كان أهل العلم مجمعين على حرمة البدعة الحقيقية، كانت ليست محل نقاش وجدال فيكتب الفقه، ولكن لما كانت البدعة الإضافية هي محلاً لنقاش والجدال، غلبت على موضوع البدعة، حتى أن البدعة إن أطلقت راح الذهن إلى العبادات مباشرة، أي البدعة باتت وكأنها البدعة الإضافية وحسب دون الحقيقية.

ولكن، ومن باب التجديد، أي العود بالمسألة إلى أصلها الشرعي، وقبل الخوض قليلاً في البدعة الإضافية وبيان ما يجوز منها وما لا يجوز، نضع مسألة البدعة الحقيقية تحت الضوء الكاشف، لأنها كما سترون تعنينا كحزب سياسي أكثر من البدعة الإضافية، ولكي لا أطيل، أضعكم أمام عمدة الأحاديث في البدعة الحقيقية، لنتأمله معاً، إنه حديث العرباض بن سارية، وهذا نصه:عن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : "وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً، وَجَلَتْ مِنْهَ الْقُلُوبُ،وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ،فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ،كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا، قَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ،فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

تأمل معي هذا الحديث، هل سياق الحديث يتحدث عن المسبحة، أو الصلاة على النبي عَقيب الأذان أو المصافحة أو المولد أو الذكر الجماعي أو ما شابه، الجواب بالقطع لا، إن السياق سياق سياسي بامتياز، فهو يتحدث عن طاعة الحاكم وعدم الفرقة السياسية بين المسلمين، والبدعة هنا في مقابل سنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعده، ، إذاً كما تلاحظ، البدعة الحقيقية برزت كل البروز في الشأن السياسي، ولعل البدعة التي عناها النبي هنا هو انتقال الخلافة من الرشد إلى الحكم العاض، وانتقال الأمر،أي الحكم من الشورى إلى الوراثة والتغلب، أي البدعة الحقيقية هنا كانت في استحداث أمور على النظام السياسي.

نعم إن انتقال الحكم من الرشد إلى الحكم العاض كان بدعة، وإن الانتقال من الحكم العاض، الذي كان يطبق الشريعة على أية حال، إلى الحكم الجبري الدكتاتوري العلماني، الذي استحدث قوانين لا تمت إلى الشريعة بحال، بل وحاربها، هو أم البدع في هذا العصر، فهو أولى بالاهتمام.

إن البدع الحقيقية هي أعظم وزراً من البدع الإضافية ، كما قال الشاطبي، لأن البدع الحقيقية هي معاندة وقحة للشريعة، وخروج ظاهر عن السنة، بينما البدع الإضافية يفعلها المسلم وهو يظن نفسه يتقرب إلى الله،فضلاً أن البدع الإضافية هي مسألة واقع فيها الخلاف قديماً وحديثاً.

وهنا مسألة مهمة يجدر الوقوف عندها، تسمع أهل الإكثار من التبديع عبارة: "هذا ليس من هدي النبوة، لأن النبي عليه السلام لم يفعله ولا صحابته، أفأنت أتقى من رسول الله وصحابته!"

وللرد على هذا الوسواس في أذهانهم نقول: أولا لا يوجد شيء اسمه سنة ما لم يفعله النبي، أو بعبارة أخرى السنة هي كل ما ورد عن النبي عليه السلام منقول أو فعل أو سكوت فقط، فلا يوجد شيء اسمه السنة التركية أو سنة الامتناع عن الفعل لأن النبي لم يفعله، هذا ليس مكان تأسٍ، إلا أن يكون النبي ترك أمراً فبين لنا بقول أو فعل لم تركه، فهنا يلحق بالسنة القولية أو الفعلية.

إن الصحابة قد فعلوا أموراً لم يفعلها النبي، ولو عرضت هذه الأفعال على أهل التبديع لسارعوا بتبديعها، كحديث بلال بن رباح رضي الله عنه،في الصحيحين، عندما سأله النبي عن أرجى عمل عمله في الإسلام، فكان جوابه أنه يصلي بكل وضوء ما كتب له أن يصلي، تأمله معي جيداً،لاحظ أن النبي هنا لم يقل له هذه بدعة كيف تفعل شيئاً كهذا دون الرجوع إلي، أفأنت أتقى لله مني!، مع أن النبي قد قال مثل هذا عندما أنكر على الرهط الذين تقالوا عبادتهم إلى عبادة النبي، وقد علق ابن حجر في الفتح على هذا الحديث 3/34: (ويستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة، لأن بلالاً توصل إلى ما ذكرنا بالاستنباط فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم)، أي أقره على الركعتين وعلى اجتهاده في توقيتهما.

ومثل ذلك أيضاً ما جاء في البخاري٢٦٨/١
ﻛﺎﻥﺭﺟﻞﻣﻦﺍﻷﻧﺼﺎﺭﻳﺆﻣﻬﻢﰲﻣﺴﺠﺪﻗﺒﺎﺀﻭﻛﺎﻥﻛﻠﻤﺎﺍﻓﺘﺘﺢﺳﻮﺭﺓﻳﻘﺮﺃﳍ ﻢﰲﺍﻟﺼﻼﺓﳑﺎﻳﻘﺮﺃﺑﻪﺍﻓﺘﺘﺢﻗﻞﻫﻮﺍﷲﺃﺣﺪﺣﱴﻳﻔﺮﻍﻣﻨﻬﺎﰒﻳﻘﺮﺃﺳﻮﺭﺓﺃﺧ ﺮﻯﻣﻌﻬﺎﻭﻛﺎﻥﻳﺼﻨﻊﺫﻟﻚﰲﻛﻞﺭﻛﻌﺔ، وهو أمر غريب لم يفعله النبي، وكذا صلاة خبيب بن عدي ركعتين، قبل قتله،ﻓﺠﺮﺕﺳﻨﺔﳌﻦﻗﺘﻞﺻﱪﺍﺃﻥﻳﺼﻠﻲﺭﻛﻌﺘﲔ.

ولنعد للحديث عن البدعة الإضافية،لنضع الحد الفاصل بين ما يجوز وما لا يجوز منها، بشكل عام، لأنه بالتأكيد يوجد إشكاليات عديدة في أذهان السامعين بحاجة إلى تفكيك، ولوضع النقاط على الحروف فيها، نقول: إن الله تعالى إذا شرع لنا حكماً بأصله ووصفه لم تجز مخالفته ، فمخالفة كيفية شرعية بيَّنها الشرع لأداء أمر شرعي، هو بدعة،فمن سجد ثلاثاً في صلاته بدل اثنتين فقد جاء ببدعة، لأنه خالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن رمى ثماني حصيات بدلاً من سبع على جمرات منى فقد جاء ببدعة لأنه كذلك خالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن زاد على ألفاظ الأذان أو أنقص منها فقد جاء ببدعة لأنه خالف الأذان الذي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك يقال في إحداث كيفيةٍ معينةٍ لعبادة أتت من عند لله تعالى مطلقةً بلا كيفية وإضافة هذا الإحداث إلى الشرع، بحيث لا تصح العبادة عندهم إلا بهذه الكيفية، فإن هذه المحدثة بدعة. وبهذا نضع حداً عاماً فاصلاً بين البدعة وما لا يعد بدعة.

أما مخالفة ما جاء الشرع له بأصل، ولكن لم يأتِ له بوصف، أي لم يبين له الشرع كيفية شرعية، كالمعاملات من بيع وإجارة فإن مخالفته تقع إما في الحرام أو المكروه من جهة خطاب التكليف، أو البطلان والفساد من جهة خطاب الوضع، وهو أمر واضح لا يحتاج مزيد بيان. أما إحداث عرف كلبس المرأة غير الجلباب للحياة العامة واعتباره من الشرع، فإن هذا الإحداث يختلف عن مجرد المعصية بمخالفة أمر الشارع بما يخص لبس الحياة العامة، وكذلك كل قانون مناهض لشرع الله تعالى لقانون الربا فإنه يختلف عن مجرد التعامل بالربا، أو إحداث الدساتير العلمانية، وإلزام الناس بها أو جعلها جزءاً من طراز حياة المسلمين، وكذلك إضفاء الشرعية على حدود سايكس بيكو ونظام التأشيرات بين بلاد المسلمين، بحيث تجعل جزءا من الإسلام احتراماً والتزاماً، فإن كل ذلك هو من البدع الحقيقية، ومن جنس ما تحدث عنه حديث العرباض بن سارية و تنطبق عليه عموم أحاديث النهي عن الإحداث في الدين.
وبهذا تنتهي هذه المقالة.

اللهم لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أبو الهمام الخليلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-14-2018, 11:18 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 13,184
افتراضي

بارك الله بك، مأجور إن شاء الله. وننتظر المزيد
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
البدعة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.