قديم 09-05-2013, 09:38 AM   #1
جودت منصور
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
المشاركات: 4
افتراضي الإنسان والملائكة


الملائكة والخليفة
دكتور جودت منصور
قال تعالى:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30
إن من يتلو هذه الآية يجد نفسه أمام عدة تساؤلات:
الأول: ".. أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء.." كيف عرفت الملائكة طبيعة هذا الخليفة؟
الثاني: ".. ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.." لماذا قالت الملائكة هذه المقولة؟
الثالث: ".. إني جاعل في الأرض خليفة.." ما مقصود الأرض من الآية؟
أولاً: ".. أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء.."
كيف عرفت الملائكة طبيعة هذا الخليفة؟
الأمر لم يصل بعد لأن تظهر هذه الصفة البشرية حتى يتمكن الملائكة من معرفتها. وقد ظهرت فعلا على أرض الدنيا فالبشرية منذ أن ظهرت على الأرض وهي تفسد فيها وتسفك الدماء, وحتى لحظة كتابة هذه السطور.
وتعتبر هذه الصفة البشرية التي أخبر عنها القرآن منذ بدء خلق البشر وعلى لسان الملائكة الكرام من أعظم الآيات البينات لإثبات صدق الوحي والنبوة في القرآن الكريم.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف عرفت الملائكة هذه الطبيعة في هذا الخليفة؟
التفاسير:
الشعراوي: (كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها . أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض . ولكن كلمة سفك وكلمة دم . كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة . والله سبحانه وتعالى يقول : { والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم } [ الحجر : 27 ] فكأن الجن قد خلق قبل الإنسان) جزء 1 صفحة 126 الشاملة.
ابن كثير: (وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم، قاله القرطبي] (6) أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.) جزء 1 صفحة 216.
جاء في تفسير الطبري:
(حدثنا القاسم: قال حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قالا قال الله لملائكته: "إني جاعلٌ في الأرص خليفة" - قال لهم: إني فاعلٌ - فعرضُوا برأيهم، فعلّمهم علمًا وطوَى عنهم علمًا علمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: "أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء" - وقد كانت الملائكة علمتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء -"ونحن نسبّح بحمدك ونُقدس لكَ. قال إني أعلم ما لا تعلمون". فلما أخذ في خلق آدم، هَمست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق رَبنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلمَ منه وأكرمَ عليه منه. فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرَهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلمُ منه، لأنا كنا قَبله، وخُلقت الأمم قبله.)جزء 1 صفحة 464.
خلق الله تعالى الملائكة من النور, والنور يبدد ظلام الليل وظلام الجهل. والنور لا يُجَسُّ ولا حجم له ولا كتلة ولا وزن.
وخلق الله الجان من مارج من نار والنار مصدر النور ولولا النار ما كان النور ولكن النار لها مستويات ودرجات تبدأ من وسط ظلمة الدخان إلى بريق النار الخالص. والنار وإن كانت تجس ويحس لهيبها, لكنها لا تُجَسَّمُ ولا حجم لها ولا وزن أو كتلة.
وأراد الله تعالى أن يخلق بشرا من طين والطين هو أساس النار فلولا الطين ما وقدت النار. والطين يُجَسُّ ويُحَسُّ وله حجم ووزن وكتلة.
ولما علمت الملائكة المادة التي سيخلق منها الخليفة وهي الطين ومن الطين تستخلص العناصر الأساسية لوجود الحياة التي سيخلق منها الخليفة الجديد, انتظرت الملائكة بما فيهم ابليس ما عسى أن يكون هذا الخلق الجديد؟, فإذا به جسد مسجى له فم وأسنان وبلعوم ولسان وقناة مجوفة تبدأ بالفم وتنتهي بفتحة الإست ويتوسطها كيس عضلي.
وله قضيب بارز متصل بخصيتان متدليتان بين الفخذين.
حقا هذا ما تأملته الملائكة من هذا المخلوق الجديد ألم يقم إبليس برحلة داخل تجويف هذا الخليفة وهو لا يزال في حالة الطين؟.
تفسير القرطبي: الجزء الأول صفحة[ ص: 266, 267 ]
(وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال: فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ وقال: يا رب إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين- ولذلك سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض- فصعد به، فقال الله تعالى له: أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها. فقال: أنت تصلح لقبض أرواح ولده " فبل التراب حتى عاد طينا لازبا، اللازب: هو الذي يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك حتى أنتن ، فذلك حيث يقول: من حما مسنون قال: منتن. ثم قال للملائكة: إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه يقول: أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: من صلصال كالفخار. ويقول لأمر ما خلقت. ودخل من فمه وخرج من دبره، فقال إبليس للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه. ويقال: إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول: أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون قالوا: نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه، ولئن فضلت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول: خلق الإنسان من عجل)
إذن الملائكة علمت أن هذا الخليفة ذو بنية جسدية فريدة لم يكن فيهم مثلها وهي وجود الجهاز الهضمي الذي فيه كيس المعدة ولا شك أن هذا الكيس يحتاج للامتلاء, والامتلاء يحتاج إلى سعي وبحث عن المواد التي تتلاءم مع امتلائه, والسعي يعرض صاحبه للاصطدام مع غيره, والاصطدام يسبب الشجار والصراع... والصراع يسبب الفساد وسفك الدماء.
وكذلك وجود الجهاز التناسلي يحتاج إلى السعي للبحث عن المكمل له وهي الأنثى وهذا البحث يعرض صاحبه للاصطدام بغيره من الباحثين عن الانثى مثله وبالتالي يكون الصراع والفساد وسفك الدماء.
من ذلك كله أدركت الملائكة الطبيعة السلوكية لهذا المخلوق الجديد لذلك قال ابليس عنه: لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه.
أما قوله تعالى: {... إني أعلم ما لا تعلمون..} وذلك لأن علم الملائكة الذي عبروا عنه من خلال الآية كان مقتصرا على ظاهر الامر الذي تمثل في:
1-البنية التشريحية التي أنشأ الله فيها هذا الخليفة والملائمة الوظيفية لهذه البنية التشريحية.
2- المادة الطينية التي كانت هي أساس البنية الجسدية لهذا الخليفة.
ثانيا: ".. ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.."
لماذا قالت الملائكة هذه المقولة؟
لقد قمت بدراسة لبعض التفاسير والمفسرين فلم أجد أحدا يبين سبب قول الملائكة ".. ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.."
ماذا تريد وتقصد من ورائه؟ لكن وجدت مقوله لابن كثير قد تشير بتوضيح ذلك. وعلى أي حال سوف أستعرض آراء بعض المفسرين:
الشعراوي: جزء 1 صفحة 126:
(وهذا تسبيح وتنزيه لله سبحانه وتعالى . . والتسبيح والتنزيه لا يكونان إلا للكمال المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة . . والكمال المطلق هو لله سبحانه وتعالى وحده . لذلك صرف الله ألسنة خلقه عن أن يقولوا كلمة سبحانك لغير الله تعالى . فلا تسمع في حياتك أن إنسانا قال لبشر سبحانك . وهكذا صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير الله سبحانه وتعالى . وقول الملائكة : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } كأن نقول سبحان الله وبحمده . ومعناها تنزيه لله سبحانه وتعالى في ذاته . . فلا تشبّه بذات . وفي صفاته . فلا تشبّه بصفات وفي أفعاله . فلا تشبه بأفعال . . ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟ معناها أننا ننزهك ونحمدك . أي يا رب تنزيهنا لك نعمة . ولذلك فإني أحمدك على أنك أعطيتني القدرة لأنزهك . والتقديس هو تطهير الله سبحانه وتعالى من كل الأغيار . ولأنك يا ربي قدوس طاهر . لا يليق أن يرفع إليك إلا طاهر . ولا يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إلا طاهر . .
إنه عرّفنا معنى نسبح بحمدك ونقدس لك . ثم أراد الله بحكمته أن يرد على الملائكة فقال : { إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ولم يطلقها هكذا . ولكنه سبحانه أتى بالقضية التي تؤكد صدق الواقع . .)
ابن كثير: جزء 1 صفحة 216.
(يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي: نصلي لك كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال: { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أي: إني أعلم من المصلحة (8) الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها (9) ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد
فيهم الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.)
هل كانت الملائكة تريد أن تكون هي صاحبة الوجود في الأرض الدنيا حيث يسبحون الله ويمجدونه بينما هذا الخليفة سيفسد في الأرض الدنيا ويسفك فيها الدماء؟
أنا لا اعتقد أن الملائكة كانت تقصد من وراء كلامها هذا أنها تريد أن تسكن أرض الدنيا بدل هذا الخليفة.
إذن لماذا قالت الملائكة ذلك؟
الجواب يرتبط بمقصود الأرض في الآية:
ثالثاً: ".. إني جاعل في الأرض خليفة.."
ما مقصود الأرض من الآية؟
الجميع وأقول الجميع بمعنى كل من لديه أبسط مفاهيم دينية وكل من هو صاحب رسالة سماوية كاليهود والنصارى يعلم أو يعتقد بأن الأرض التي خلق من ترابها آدم عليه السلام هي أرض الدنيا.
ولكنني لا أعتقد ذلك. فهل يعقل أن أكون صاحب الرأي الصحيح والوحيد في هذه القضية؟!! أنا ذاتي لا أعتقد ذلك ولكنني
أحاول التدبر والتأمل في آيات الله البينات.
وسؤالي الأول هو: هل خلق الإنسان قبل خلق السماوات والأرض؟ سأجد مليارات الألسن تصرخ وتقول لا .. لم يخلق الانسان قبل خلق السماوات والأرض.
ومرة ثانية أقول إنه حق التدبر في آيات الله.
لماذا خلقت السماوات والأرض؟
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }هود7
ابن كثير: جزء 4 صفحة 307.
(وقوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، ولم يخلق ذلك عبثا،)
إذن ابن كثير يقول: خلق الله تعالى السماوات والأرض لنفع عباده.
الشعراوي: جزء 1 صفحة 4133.
(ولكن حين نجيء إلى السموات والأرض لا نجد أحداً قد ادعى أنه قد خلقها. وقد أبلغنا الحق سبحانه أنه هو الذي خلقها, وهي لمن ادّعاها إلى أن يظهر مُعارِض، ولن يظهر هذا المعارض أبداً. وكل هذا الخلق من أجل البلاء: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 7 ] . أي : ليختبركم أيكم أحسن عملاً، ولكن من الذي يحدد العمل؟ إنه الله سبحانه وتعالى .)
السعدي جزء 1 277.
(فبعد أن خلق السماوات والأرض استوى عليه، يدبر الأمور، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية.
ولهذا قال: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي: ليمتحنكم، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض بأمره ونهيه، فينظر أيكم
أحسن عملا.)
الألوسي جزء 8 صفحة 168.
({ لِيَبْلُوَكُمْ } اللام للتعليل مجازاً متعلقة بـ { خُلِقَ } أي خلق السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم ، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معاشكم وأودع في تضاعيفهما ما تستدلون به من تعاجيب الصنائع والعبر على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يختبركم .)
إذن الله تعالى خلق السماوات والأرض لكي تكونا مكان لاختبارنا, أي ليمتحننا من منا الفائز ومن منا الخاسر ولولا ذلك لما كانت السماوات والأرض.
قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }البقرة29
الآية واضحة الدلالة حيث تصرح بأن الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعا وبعد ذلك استوى إلى السماء فسواهن سبه سماوات.
وهذا يعني أن وجودا ما كان لنا قبل خلق السماوات والأرض, فما الغريب أن يكون وجودنا هذا كان في الجنة أولاً ومما لا شك فيه الجنة تقع خارج السماوات والأرض.
وبينما نحن في الجنة, ووفقا لعلم الله الذي قاله للملائكة إني أعلم ما لا تعلمون والذي فيه معصية آدم وبالتالي لا بد من خروجه من الجنة, ولا بد من مكان يكون للإنسان يمثل السجن الذي يودع فيه هذا المخلوق العاصي ليثبت لربه أنه فعلاً لم يعصى ربه عنادا بل كان بسبب زلة وخطأ غير مقصود فيه التكبر والتعالي لذلك كانت كبسولة السماوات والأرض هي السجن والمكان الذي سُيبتلى فيه الإنسان العاصي لربه.
وطالما أن الإنسان ووفقا للآيات السالفة الذكر كان له وجود أسبق فلا شك أن مادة الطين التي خلق منها هذا الخليفة كان مصدرها ارض الجنة ولقد توجهت بسؤال إلى جهات عدة:
ما هو الدليل القطعي من القرآن أو السنة النبوية الصحيحة! الذي يثبت أن الإنسان خلق من تراب وطينة أرض الدنيا؟
فلم أجد أحدا اعطاني جوابا شافيا, مما يدل على صدق تأملي وتدبري.
من هنا أدركت أن مقصود الأرض في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 هي أرض الجنة وليس أرض الدنيا.
ومن هنا أيضا أدركت من خلال تأملي في قوله تعالى: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ: أي أن الملائكة أدركت أن الله سيجعل في أرض الجنة خليفة عنهم يقيم فيها دائما وأبدا, ولما علمت الملائكة من بنية الخليفة التشريحية وملائمتها الوظيفية أن هذا الخليفة سيكون من طبعه الفساد في الأرض وسفك الدماء وهذه أمور تدركها الملائكة أنها لا ينبغي أن تكون في أرض الجنة لذلك قالت يا رب كيف ستجعل في الجنة خليفة عنا من صفاته الفساد فيها وسفك الدماء وهي أمور لا ينبغي أن تكون في الجنة بينما نحن يا رب لم نعصيك ولا نزال نسبحك ونقدسك وهلا وقع الاقتصار علينا؟.
هذا ما تلألأ أمام بصيرتي من تدبري في آيات الله فإن كنت مخطئا فمني ومن الشيطان وإن كنت مصيبا فمن الله وحده لا شريك له.
دكتور جودت منصور.

*المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي منتدى الزاهد.
جودت منصور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:01 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.