قديم 04-22-2012, 02:34 PM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,078
افتراضي جوانب اقتصادية

التسعير مظلمة
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

التسعير هو: "أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولى من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة". (1)
وقد اختلف العلماء في حكم التسعير، فذهب الجمهور إلى حرمته مطلقا، وذهب مالك في رواية عنه إلى جوازه (2)، وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه مع تفصيل، وفي هذا يقول ابن القيم: "وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز؛ فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب". (3)
والراجح حرمة التسعير مطلقا. عن أنس قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلىالله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "إنّ الله هو المسعّر القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقىالله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان، وقال الحافظ في التلخيص صحيح على شرط مسلم، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح).
هذا الحديث الصحيح هو عمدتنا في القول بتحريم التسعير مطلقا، ووجه الدلالة فيه على التحريم أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض التسعير مع أن القوم قد سألوه أن يفعل، وعلل الامتناع عنه بكونه مظلمة. وقد جاء النهي عن التسعير مطلقا، ولم يرد ما يخصص هذا النهي أو يقيّده بالقوت أو بغيره، فيكون تحريمه عاما يشمل كل شيء.
شبهات وردّها
يقول بعض الناس أن التسعير جائز في حالة الغلاء الفاحش الذي يضر بالناس، فهو مصلحة عامة تقتضيها رعاية الشؤون. والجواب، أن هذا الكلام مردود بنص الحديث بل هو يخالف الحديث، ولسنا ندري كيف ساغ لبعض الفضلاء القول به؟
ثم إنّ الغلاء لا يعالج بالتسعير، أي لا يعالج الظلم بمظلمة؛ فإذا جعلنا ثمن الخروف مثلا مائة دينار، فماذا نفعل بالتاجر الذي اشتراه بمائة دينار، فإننا نظلمه بمنعه الربح الذي أجازه الشرع. قال الشوكاني رحمه الله: "ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض}، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء". (4)
والأصل في الدولة إذا كانت حقا راعية لشؤون العباد بما شرّع الله سبحانه أن تعالج مشكلة الغلاء التي تنشأ عادة عن الاحتكار أو الندرة بتوفير السلع وجلبها وعرضها في الأسواق بأسعار مناسبة. وهذا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ أرسل يجلب السلع عام المجاعة ولم يسعر على الناس. فعن زيد بن أسلم عن أبيه أسلم : أنه لما كان عام الرمدات و أجدبت ببلاد الأرض كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص من عبد الله أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص لعمري ما تنالي إذا سمنت ومن قبلك أن أعجف أنا ومن قبلي و يا غوثاه فكتب عمرو : سلام أما بعد لبيك لبيك أتتك عير أولها عندك و آخرها عندي مع أني أرجو أن أجد سبيلا أن أحمل في البحر ...." (رواه ابن خزيمة في صحيحه).
ويقول بعض الفقهاء: "وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطه من القيمة فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند الجمهور، وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل لا بما يريد من الثمن، وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير". (5)
والجواب، أن هذه المصلحة التي خصص بها حديث النهي عن التسعير لم تكن مقصودة للشارع، ولو كانت مقصودة له لبينها النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله الناس أن يسعّر؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ويقول بعض الفقهاء أن حديث أنس في التسعير واقعة حال. والجواب أن العبرة بالخطاب وليس بالواقعة أو الحادثة أو السؤال، فإن أتى النص بصيغة العموم، فإنه يكون عاما ولا يختص بتلك الواقعة. والظاهر أن الحديث كما فهم الجمهور عام يدل على حرمة التسعير مطلقا، ويدلك على هذا اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم للتسعير مظلمة من مظالم المال.
وعليه، فإن التسعير لا يجوز مطلقا، وعلى الدولة أن تدع الناس تبيع كيف تشاء، ويرزق بعضهم من بعض، إلا أن عليها من باب رعاية الشؤون والنظر في مصالح الناس أن تتدخل في الغلاء بجلب السلع وتكثير العرض، فمتى كثر العرض قلّ السعر.
(1) ينظر (نيل الأوطار)، للشوكاني، ج5 ص308
(2) ينظر (المنتقى شرح الموطأ)، للباجي، ج5 ص18
(3) ينظر (الطرق الحكمية)، ص355
(4) ينظر (نيل الأوطار)، للشوكاني، ج5 ص308
(5) ينظر (الطرق الحكمية)، ص375

التعديل الأخير تم بواسطة شاكر فضل الله ; 03-31-2020 الساعة 04:25 PM
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-22-2012, 02:36 PM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,078
افتراضي

حول المشكلة الاقتصادية
الكاتب: ياسين بن علي
يغلب على الباحثين في شؤون الاقتصاد تعريف المشكلة الاقتصادية بأنها: "نتيجة تعدد الحاجات الإنسانية وتزايدها بصورة مستمرة في ظل محدودية (ندرة) الموارد الاقتصادية المتاحة والتي تستخدم لإشباع تلك الحاجات"، فيجعلون من ندرة الموارد وتعدّد الحاجات أساس المشكلة الاقتصادية، ويجعلون من المشكلة الاقتصادية حجر الأساس الذي يقوم عليه علم الاقتصاد ذاته، إذ إنه يقوم بدراسة المشكلة محاولا استخدام النظريات والقواعد الاقتصادية المختلفة لإشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات والرغبات الإنسانية عبر استخدام الموارد الاقتصادية المتوفرة والتي يتميز وجودها بالندرة.
إن هذا التعريف للمشكلة الاقتصادية غربي، صاغه مفكرو الغرب وفق رؤيتهم الاقتصادية الرأسمالية المنبثقة عن وجهة نظرهم وقاعدتهم الأساسية في التفكير، وقد تبعهم في ذلك واقتدى بهم فيه جلّ من كتب في الاقتصاد من المسلمين، بل عمل به كلّ من مارس الاقتصاد وتلبّس به.
وإننا نزعم أن هذه النظرة إلى المشكلة الاقتصادية نظرة باطلة عقلا وشرعا. وأوجه البطلان فيها نقف عليها من خلال ما يلي من تفصيل:
مناقشة فكرية
يرى الرأسماليون أن أصل وجود المشكلة الاقتصادية ناتج عن محاولة الفرد أو المجتمع إشباع حاجاته غير المحدودة، ويعنون بذلك أن ميول الإنسان ورغباته في التكاثر والتنويع في الاستهلاك مع تطور حضارة المجتمع الذي يعيش فيه وتقدم مدنيته غير محدّدة بسقف إشباع معيّن لا يمكن تجاوزه، مما يجعل تلك الحاجات والرغبات تصطدم مع واقع ندرة الموارد الطبيعية والمنتجة.
وهذا الرأي الرأسمالي أي القول إن الحاجات عند الإنسان متجددة ومتعددة فهي غير محدودة، بينما وسائل الإشباع من سلع وخدمات مهما كثرت فهي محدودة، باطل؛ لأنّ المشاهد المحسوس أن الحاجات عند الإنسان تنقسم إلى قسمين: الحاجات الأساسية، والحاجات الكمالية. فحاجات الإنسان الأساسية ثابتة لا تتغير، ولا تزيد ولا تنقص حسب المجتمعات وحسب درجة رقيها وانحطاطها المدني. وهذه الحاجات الأساسية هي التي تتطلب الإشباع الحتمي أي الإشباع الضامن للبقاء، وهي محدودة بل تكاد تكون محصورة في المأكل والملبس والمسكن. فهل يشقى الإنسان إلا من أجل توفير هذه الحاجات، وهل يسعى البشر في مناكب الأرض إلا من أجل هذه الحاجات. فمهما حصل من تقدّم أو تطور في وسائل المعيشة، ومهما تجددت تلك الوسائل، فإنّ الحاجات الأساسية عند الإنسان تبقى واحدة محدودة غير قابلة للنماء والتطور والتجدّد في جوهرها، لذلك فإن إشباعها لا يولد مشكلة حقيقة، ولا يمكن اعتباره معضلة اقتصادية كما يقولون.
أما ازدياد الحاجات والرغبات نتيجة التطور الصناعي والتقدّم المدني فهو واقع لا يمكن نكرانه، إلا أنه يتعلق بالحاجات الكمالية كالسيارة وليس بالحاجات الأساسية. ومما يجب الإشارة إليه هنا، هو الفرق بين الإشباع ونوع مادته؛ فالمأكل حاجة أساسية، ونوعه لا يؤثر في محدوديته؛ لأن إشباع الحاجة قد يكون برغيف خبز وقد يكون بغير ذلك. والملبس حاجة أساسية، ونوعه لا يؤثر في طبيعة الحاجة ومحدوديته؛ لأنّ إشباعها يكون بقميص صوف مرقّع ويكون بقميص حرير.
بناء عليه، فإن الخطأ الأساسي الذي وقع فيه علماء الاقتصاد الرأسمالي ومن لفّ لفّهم يكمن في عدم التمييز بين الحاجات الأساسية والحاجات الكمالية. فالحاجات الأساسية اللازمة الإشباع محدودة، وأما الحاجات الكمالية فرغم عدم محدوديتها نسبيا إلا أنها لا تسبّب مشكلة ولا توجد معضلة؛ لأنّها ليست وسيلة البقاء بالنسبة للإنسان، ويمكن تفاوت الإشباع فيها.
هذا أمر، والأمر الآخر الدال على فساد نظرية المشكلة الاقتصادية الغربية الرأسمالية هو كذبة ما يسمى بمحدودية السلع والخدمات أي وسائل الإشباع؛ لأن المشاهد المحسوس أن هذه الوسائل كثيرة وفيرة تضيق بها المخازن وتفيض بها الأسواق. فالمصانع المنتجة للغذاء، والألبسة، والمواد الكهربائية وغير ذلك كثيرة تتنافس فيما بينها في كثرة الإنتاج وإغراق الأسواق ببضاعتها، فالمشكلة إذن ليست في ندرة السلع والخدمات كما يقولون بل المشكلة في غير ذلك؛ وهي تكمن في التوزيع العادل للثروات الموجودة المتوفرة أي توزيع وسائل الإشباع من أموال ومنافع على أفراد الأمة من أجل معالجة الحرمان الذي يصيبهم، ومن أجل إشباع حاجاتهم الأساسية ثم فتح السبل أمامهم لإشباع الحاجات الكمالية. لذلك فالمشكلة ليست مشكلة ندرة بل مشكلة توزيع.
مناقشة شرعية
إن الإنسان إذا ما أراد النظر في مسألة من المسائل فعليه أن يحّدد المنظور الذي ينطلق منه في بحث تلك المسألة، وبما أننا نؤمن بالإسلام، ونؤمن بعقيدته وشريعته، فعلينا أن ننطلق منه في بحث شتى القضايا التي تعترضنا. وإذا كان القس مالتوس أو آدم سميث أو ريكاردو يقرّرون ندرة الموارد الطبيعية، فإن الله سبحانه وتعالى خالق الكون بما فيه ومن فيه يكذّب ذلك ويقرّر عكسه، فمن يصدّق المؤمن؟
قال تعالى في سورة إبراهيم: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)}.
فالآيات الكريمة تصرّح بأنّ النّعم المبثوثة في هذا الكون الفسيح المسخّر لنا، هي أعظم بكثير من الرغبات والمطالب المحتملة القابلة للزيادة. فإذا كانت النّعم بشهادة الحقّ سبحانه لا تحصى، فهي غير محدودة، وإذا كانت المطالب البشرية بشهادة الحقّ سبحانه مستجابة، فأعطانا من فضله ما نسأل، فأين الندرة إذن التي يتحدث عنها القوم؟
وصدق الله العظيم القائل بعد الإنعام علينا بكل ما نسأل، {إنّ الإنسان لظلوم كفاّر}. فالمشكلة الاقتصادية سببها ظلم الإنسان، بكفرانه النعمة، وباحتكاره وطمعه وتسلّطه ورأسماليته، وبحكام ينهبون ثروات الأمم وينفقونها على الشهوات، وليس سببها الندرة.
فصدق الله، وكذب الرأسماليون.
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-22-2012, 02:38 PM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,078
افتراضي

الفرق بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد
الكاتب: ياسين بن علي

عرف أرسطو علم الاقتصاد بأنه دراسة الإدارة المنزلية، وقد تطور هذا التعريف عبر الزمن ليأخذ مدلولات معينة أبعد ما تكون عن التعريف البدائي له. فعرّفه آدم سميث في كتابه (بحث في طبيعة ثروة الأمم) 1776م: "بأنه اسم ذلك النوع من المعرفة الذي يتصل بالثروة، أي أنه ذلك العلم الذي يختص بدراسة الوسائل التي يمكن بواسطتها لأمة ما أن تغتني". وعرّفه جون ستيوارت ميل في كتابه (تعريف الاقتصاد السياسي) 1836م بقوله: "إنه هو ذلك العلم الذي يقتفي أثر ذلك النوع من قوانين الجماعة الذي ينشأ من عمل بني الإنسان في سبيل إنتاج الثروة". وعرّفه أدوين كنان في (الثروة) 1928م بقوله: "إنه العلم الذي يدرس الجانب المادي من السعادة الإنسانية، أو بعبارة أخرى الرفاهة المادية". وعرّفه لورد روبنز في (طبيعة وأهمية علم الاقتصاد) بقوله: "هو ذلك العلم الذي يدرس السلوك الإنساني كعلاقة بين أهداف وبين وسائل نادرة ذات استعمالات بديلة". وله تعريفات أخرى متعددة، إلا أنّ التعريف العلمي للاقتصاد كما شاع يركّز على اعتباره علما اجتماعيا يتعلّق بدراسة السلوك الإنساني والعلاقات بين الناس المرتبطة بإنتاج المنتجات والخبرات الاجتماعية وتبادلها وتوزيعها واستهلاكها.
وكما ترى ففي هذه التعريفات التي سقناها ما يدلّ على الخلط بين مسألتين: بين علم الاقتصاد وبين النظام الاقتصادي أو ما يطلق عليه بعض المفكرين اسم المذهب الاقتصادي.
فالاقتصاد عند الغربيين، وعند كثير من المسلمين ممن تأثر بالمدرسة الغربية، هو العلم الذي يبحث في حاجات الإنسان ووسائل إشباعها، أي في إنتاج السلع والخدمات (وهي وسائل إشباع الحاجات) مع بحث توزيع هذه السلع والخدمات، فيجعلون الحاجات ووسائل إشباعها متداخلين بحيث لا ينفصل بحث أحدهما عن الآخر. وبناء عليه، فهم ينظرون إلى الاقتصاد نظرة واحدة تشمل المادة الاقتصادية وكيفية حيازها، أي ينظرون إلى علم الاقتصاد والنظام الاقتصادينظرة واحدة دون فرق بينهما أو تمييز.

أمّا لماذا نفترض وجود الفرق بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد، وما هي الثمرة العملية للتفرقة بينهما، فنبيّنه فيما يلي:
يميّز علماء الاقتصاد بين المذاهب الاقتصادية، فيقولون الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي. ومنشأ هذا التمييز هو الفرق في الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي المبني على الفرق في النظرة إلى الحياة والمجتمع والإنسان.
وإذا نظرنا إلى تعريف المذهب أو النظام الاقتصادي الرأسمالي ندرك الأسس التي قام عليها وميّزته عن بقية الأنظمة، فهو: نظام اقتصادي يعتمد على الملكية الخاصة لجميع وسائل الإنتاج, ويرى أن القسم الأعظم من هذه الوسائل يعود لعدد قليل من الرأسماليين, ويقوم النظام الرأسمالي على حرية الفرد في التعامل مع الآخرين, وفي القيام بأي نشاط اقتصادي يختاره دون تدخل من جانب السلطات (الدولة), مدفوعا بهدف تحقيق أكبر قدر من الربح, ومستهدفا رفاهيته الفردية, ويكون تدخل السلطات في النظام الرأسمالي, بوضع قيود على الملكية أو على حرية التعاقد موجها لمصلحة الدولة.
وهذا بخلاف المذهب أو النظام الاقتصادي الاشتراكي الشيوعي الذي يقوم على إلغاء الملكية الفردية أو الخاصة، ويعتمد على الملكية العامة لجميع وسائل الإنتاج، ويرى أن هذه الوسائل ملك مشاع لكل الناس، وتقوم الدولة بالسيطرة على ذلك.
وهذا أيضا بخلاف النظام الاقتصادي في الإسلام الذي يقوم على رؤية معينة للملكية الفردية والعامة وكيفية حيازة المنفعة والتصرف فيها ودور الدولة.
فالفارق إذن بين هذه النظم يكمن في اختلاف طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية في المجتمع، وبعبارة أخرى فإن النظام الاقتصادي مجموعة أفكار وأحكام خاصة تتعلق بفهم الواقع، وعلاج المشكلة، وبالتالي لا بد أن يكون هذا النظام أو المذهب مرتبطا بوجهة نظر معينة في الحياة أو أيديولوجية معينة. ومن هنا جاء الاختلاف والتمييز فيقال النظام الاقتصادي الرأسمالي أو الشيوعي أو الإسلامي.
وأما علم الاقتصاد فيبحث في الإنتاج وقوانينه، والعوامل التي تساعد على تنميته وتحسينه أي يبحث في المادة الاقتصادية، وتحليل تلك المادة، وتكثيرها وتوفيرها وتنميتها حسب الوسائل التقنية الحديثة. فهو يختلف عن النظام في المهمة والمنطلق والغاية ولا يختلف عنه في الموضوع، باعتبار أنّ كليهما يبحث في الاقتصاد.
ويمكن لنا إجمال الفرق بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد في النقاط التالية:
1. العلم يبحث في المادة وظواهرها فيكتشف ويحلل ويكثّر، في حين أن النظام يبحث في كيفية تنظيم الملكية من حيث الحيازة والتصرف والتوزيع.
2. العلم يحدّد القوانين العامة المتعلقة بالاقتصاد ككلّ بغض النظر عن الخلفية العقدية، بخلاف النظام الذي يحدّد القوانين الخاصة المتعلّقة بنظرة عقدية خاصة وأيديولوجية معيّنة.
3. العلم عالمي لا يتعلّق عادة بمجتمع معيّن، في حين أن النظام خاص يرتبط بمجتمع معيّن.

بناء على ما تمّ تحديده من فروق بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد تظهر لنا الثمرة العملية من هذا التمييز. فعلم الاقتصاد من الأمور العامة التي يحوز للمسلمين أخذها والانتفاع بها، وأما النظام الاقتصادي فلا يجوز أخذه لأنه خاص يرتبط بعقيدة معينة ورؤية كونية مختلفة.
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2012, 09:23 AM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,078
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
ارتفاع الاسعار وعلاجه
ترتفع اسعار السلع والمواد الغذائية في البلاد ارتفاعا كبيرا يأدي الى تذمر الناس من الحالة
الاقتصادية , مما يدفع الحكومة لتسعير الكثير من المواد الغذائية . ونحن لسنا بصدد البحث عن اسباب ارتفاع الاسعار , وهل هي راجعة لاسباب داحلية كاحتكار بعض التجار لبعض السلع , او جشع بعضهم , او ان المواد الاولية في العالم قد ارتفع سعرها فأدى ذلك الى ارتفاع الاسعار او غير ذلك من الاسباب .
نعم نحن لسنا بصدد ذلك , وانما الذي يهمنا ان نبين حكم الله تعالى في تسعير الحكومة للمواد الغذائية , وكيف يعالج ارتفاع الاسعار حسب احكام شرع الله تعالى .
اما بالنسبة للحكم الشرعي المتعلق بالتسعير , فقد حرم الاسلام التسعير مطلقا لما روى عن انس قال ( غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول لو سعرت , فقال : ان الله هو القابض الباسط الرازق المسعر , واني لارجو ان القى الله عز وجل ولا يطلبني احد بمظلمة ظلمتها اياه في دم ولا مال . ) ولما روى عن ابي هريرة قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله سعر , فقال : بل ادعو الله . ثم جاء اخر فقال : يا رسول الله سعر , فقال : بل الله يخفض ويرفع .)
وتحريم التسعير عام لجميع السلع لا فرق في ذلك بين ما كان قوتا وما لم يكن كذلك لان الاحاديث تنهى عن التسعير مطلقا فهي عامة ولا يوجد ما يخصصه بالقوت او بغيره , فكانت حرمة التسعير عامة تشمل كل شيء .
والتسعير حجر على الناس فيما يملكون , فمعنى ملكية السلعة ان يكون لمالكها سلطان عليها , والتسعير حجر عليه , وهو لا يجوز الا بنص شرعي , ولم يرد نص بذلك , فلا يجوز الحجر عليهم بوضع ثمن محدد لسلعهم .
هذا هو حكم التسعير من الناحية الشرعية , اما من حيث الواقع فان التسعير فيه اشد الضرر على الامة في جميع الظروف , لانه يفتح سوقا خفية للسلع وهي ما يسمونها السوق السوداء . فترتفع الاسعار ويحوز السلع الاغنياء دون الفقراء .
اما كيف يعالج ارتفاع الاسعار حسب احكام الشرع فذلك يكون باتباع الخطوات التالية :
1ـ يجب على الدولة ان تمنع الاحتكار . والمحتكر هو من يجمع السلع انتظارا لغلائها حتى يبيعها بأسعار عالية بحيث يضيق على اهل البلد شراؤها .

والاحتكار حرام شرعا لورود النهي الجازم عنه في صريح الحديث الشريف , فقد روى في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يحتكر الا خاطىء ) ولما روى عن الاثرم عن ابي امامة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحتكر الطعام , وروى ايضا باسناده عن سعيد بن المسيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من احتكر فهو خاطىء) .
فالنهي في الاحاديث يفيد طلب الترك , وذم المحتكر بوصفه خاطىء بمعنى مذنب عاص , وقرينة تدل على ان هذا الطلب للترك يفيد الجزم .
2ـ على الدولة ان تلغي ضريبة الجمارك الغاء تاما , ذلك لان اخذ الجمارك من رعايا الدولة حرام لما روى عن عقبة بن عامر انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يدخل الجنة صاحب مكس ) . وعن ابي الخير قال : سمعت رويفع بن ثابت يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ان صاحب المكس في النار ). قال يعني العاشر ) والعاشر هو الذي يأخذ العشر على التجارة التي تأتي من الخارج .
فهذه الاحاديث تدل على انه لا يؤخذ من رعايا الدولة شيء من المكس على تجارتهم وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب فلم يأخذ من التجار في الدولة الاسلامية شيئا من المكس , اقره الصحابة على ذلك , فكان اجماعا سكوتيا , وهو دليل شرعي . والمكس هو المال الذي يؤخذ على التجارة حين تمر على حدود البلاد , فتعبرها لتخرج منها او لتدخل اليها .
وقد روى عن كريز بن سليمان قال : كتب عمر بن عبد العزيز الى عبد الله بن عوف القارىء , قال : ان اركب الى البيت الذي برفح يقال له بيت المكس فاهدمه ثم احمله الى البحر فانسفه فيه نفسا .
وفرض الجمارك على السلع قد يوجد عذرا لدى بعض التجار لرفع اسعار سلعهم , فالغاء ضريبة الجمارك من شأنه ان يؤدي الى رخص الاسعار .

3ـ من اهم الوسائل التي يجب ان تتبع لمعالجة ارتفاع الاسعار , جلب الدولة للسلع وبيعها في الاسواق لتجبر التجار على تخفيض الاسعار , وهذا ما فعله عمر بن الخطاب الخليفة الثاني للمسلمين حين حصلت المجاعة في الحجاز فقط لندرة الطعام في تلك السنة , فقد جلب الطعام من مصر وبلاد الشام الى الحجاز فرخص دون حاجة الى التسعير .
والدولة بوصفها راعية لشؤون الناس , كان عليها ان تعالج الاساس الاقتصادي الذي تنشأ عنه مثل هذه الاضطرابات في السوق , فتعمل على الا تكون البلد سوقا استهلاكية فقط ,وذلك بتوجيه السياسة الاقتصادية لانتاج السلع محليا حتى لا يكون الناس تحت رحمة السوق العالمي .
وهكذا يظهر ان ما اقدمت عليه الحكومة من تسعير للسلع حرام , وظل التذمر من الناس ومن التجار قائما , وان العلاج الصحيح لمشكلة ارتفاع الاسعار يكمن في منع الاحتكار , والغاء ضريبة الجمارك , وجلب السلع من الخارج وطرحها في الاسواق , وجعل البلد منتجة للسلع لا سوقا استهلاكية فقط .

حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-31-2020, 04:26 PM   #5
شاكر فضل الله
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 538
افتراضي التسعير مظلمة

التسعير مظلمة
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

التسعير هو: "أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولى من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة". (1)
وقد اختلف العلماء في حكم التسعير، فذهب الجمهور إلى حرمته مطلقا، وذهب مالك في رواية عنه إلى جوازه (2)، وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه مع تفصيل، وفي هذا يقول ابن القيم: "وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز؛ فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب". (3)
والراجح حرمة التسعير مطلقا. عن أنس قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلىالله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "إنّ الله هو المسعّر القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقىالله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان، وقال الحافظ في التلخيص صحيح على شرط مسلم، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح).
هذا الحديث الصحيح هو عمدتنا في القول بتحريم التسعير مطلقا، ووجه الدلالة فيه على التحريم أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض التسعير مع أن القوم قد سألوه أن يفعل، وعلل الامتناع عنه بكونه مظلمة. وقد جاء النهي عن التسعير مطلقا، ولم يرد ما يخصص هذا النهي أو يقيّده بالقوت أو بغيره، فيكون تحريمه عاما يشمل كل شيء.
شبهات وردّها
يقول بعض الناس أن التسعير جائز في حالة الغلاء الفاحش الذي يضر بالناس، فهو مصلحة عامة تقتضيها رعاية الشؤون. والجواب، أن هذا الكلام مردود بنص الحديث بل هو يخالف الحديث، ولسنا ندري كيف ساغ لبعض الفضلاء القول به؟
ثم إنّ الغلاء لا يعالج بالتسعير، أي لا يعالج الظلم بمظلمة؛ فإذا جعلنا ثمن الخروف مثلا مائة دينار، فماذا نفعل بالتاجر الذي اشتراه بمائة دينار، فإننا نظلمه بمنعه الربح الذي أجازه الشرع. قال الشوكاني رحمه الله: "ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض}، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء". (4)
والأصل في الدولة إذا كانت حقا راعية لشؤون العباد بما شرّع الله سبحانه أن تعالج مشكلة الغلاء التي تنشأ عادة عن الاحتكار أو الندرة بتوفير السلع وجلبها وعرضها في الأسواق بأسعار مناسبة. وهذا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ أرسل يجلب السلع عام المجاعة ولم يسعر على الناس. فعن زيد بن أسلم عن أبيه أسلم : أنه لما كان عام الرمدات و أجدبت ببلاد الأرض كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص من عبد الله أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص لعمري ما تنالي إذا سمنت ومن قبلك أن أعجف أنا ومن قبلي و يا غوثاه فكتب عمرو : سلام أما بعد لبيك لبيك أتتك عير أولها عندك و آخرها عندي مع أني أرجو أن أجد سبيلا أن أحمل في البحر ...." (رواه ابن خزيمة في صحيحه).
ويقول بعض الفقهاء: "وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطه من القيمة فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند الجمهور، وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل لا بما يريد من الثمن، وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير". (5)
والجواب، أن هذه المصلحة التي خصص بها حديث النهي عن التسعير لم تكن مقصودة للشارع، ولو كانت مقصودة له لبينها النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله الناس أن يسعّر؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ويقول بعض الفقهاء أن حديث أنس في التسعير واقعة حال. والجواب أن العبرة بالخطاب وليس بالواقعة أو الحادثة أو السؤال، فإن أتى النص بصيغة العموم، فإنه يكون عاما ولا يختص بتلك الواقعة. والظاهر أن الحديث كما فهم الجمهور عام يدل على حرمة التسعير مطلقا، ويدلك على هذا اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم للتسعير مظلمة من مظالم المال.
وعليه، فإن التسعير لا يجوز مطلقا، وعلى الدولة أن تدع الناس تبيع كيف تشاء، ويرزق بعضهم من بعض، إلا أن عليها من باب رعاية الشؤون والنظر في مصالح الناس أن تتدخل في الغلاء بجلب السلع وتكثير العرض، فمتى كثر العرض قلّ السعر.
(1) ينظر (نيل الأوطار)، للشوكاني، ج5 ص308
(2) ينظر (المنتقى شرح الموطأ)، للباجي، ج5 ص18
(3) ينظر (الطرق الحكمية)، ص355
(4) ينظر (نيل الأوطار)، للشوكاني، ج5 ص308
(5) ينظر (الطرق الحكمية)، ص375
__________________
شاكر فضل الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-31-2020, 04:32 PM   #6
شاكر فضل الله
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 538
افتراضي عمر وفقير مصر

عمر وفقير مصر
د. عبدالرحمن الطريري
عندما عين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص واليا على مصر بعد فتحها سأله: لو جاءك سارق فماذا تفعل به؟ وكان الجواب سريعا من عمرو بن العاص، حيث قال: أقطع يده، وهذه الإجابة طبيعية، حيث تنسجم مع الأحكام الشرعية إذا ثبتت الجريمة على مرتكبها. لكن عمر بن الخطاب لم يكتف بسماع جواب عمرو بن العاص، بل رد عليه لو جاءني فقير من مصر لقطعت يدك. استوقفني هذا الحوار بين الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ووال معين لم يستلم مهام عمله حتى الآن، وتساءلت لماذا سأل عمر عمرو بن العاص، ماذا سيفعل لو جاءه رجل سارق، هل عمر يختبر الوالي الجديد في معرفته الدينية وإلمامه بأحكام الشريعة؟ أم أن عمر يختبر عمرو بن العاص في ذمته وأمانته؟ أم أن عمر يود أن يتأكد من قدرة عمرو بن العاص على تطبيق الحد الشرعي؟ هذه التساؤلات استثيرت في ذهني وأنا أقرأ هذا الموقف وانتهيت إلى أنه من المستحيل أن يكون الهدف معرفة مستوى إلمام عمرو بن العاص بالمعرفة الشرعية فمثله، وقد عاش في عصر النبوة وعصر الخليفتين، لا يمكن أن يجهل مثل هذه المعلومة، كما أن عمرا لا يمكن أن يكون ضعيفا وغير قادر على تنفيذ الأحكام الشرعية وهو القائد العسكري، الذي على يديه تم فتح مصر. إن سؤال عمر لعمرو ماذا سيفعل لو جاءه السارق له مغزى آخر وأعمق وله دلالة، عمر يعلم أن مصر غنية، وفيها من الخيرات الكثير لما حباها الله من تدفق نهر النيل، وشعبها شعب عمل وكفاح في الحياة، لذا لا يتصور عمر أن يوجد في مصر فقير، أو من يلجأ إلى السرقة، بسبب الحاجة، ولن يوجد فقير في بلد غني كمصر أو غيرها إلا بسبب فساد إداري وعبث في المال العام الذي يفترض أن يستخدم في سد حاجات المواطنين. إن رد عمر بقوله لو جاءني فقير من مصر لقطعت يدك فيه إلزام لعمرو بن العاص بضرورة الحفاظ على المال العام، واستخدامه في سد حاجات الناس حتى لا يوجد فقير في مصر يضطر للسفر إلى المدينة شاكيا عمرو بن العاص. هذا الموقف يجسد إحساس قائد بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه شعبه، وضرورة التأكد من صلاح الولاة في إدارتهم للولايات التي يديرونها، والمحافظة على المال العام، ووضعه في أماكنه المناسبة بدلاً من تبذيره وإضاعته في مجالات وأمور تافهة. المقارنة بين وضع مصر في عهد عمر، وتحت ولاية عمرو بن العاص، وبين واقعها الحالي الذي نتج من حكم العسكر على مدى ما يقارب 60 عاما يكشف الفرق الشاسع، الفقر، والمرض، والأمية هي نتائج واضحة، وملموسة، وتشير الإحصائيات إلى أن 40 في المائة من الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر. وما نشر من معلومات بعد الثورة يكشف أن الفساد المستشري وسرقة المال العام والرشوة والمحسوبية كانت أسبابا واضحة في هذا الواقع المؤلم. أن تصل ثروة مبارك إلى 70 مليار دولار في حين يصعب على المواطن الحصول على لقمة العيش أو أن يباع الغاز لإسرائيل بأبخس الأثمان ويقف المصريون بالطوابير لشراء أسطوانة غاز وبسعر غالٍ، فهذا دليل على أن الفساد هو الأساس في إدارة البلد، الذي حولها إلى بلد فقير، لذا حذر عمر عمرو بن العاص من الولوج في الفساد وسرقة المال العام، حيث قال: إن جاءني فقير من مصر سأقطع يدك، لأنه يفترض استحالة وجود فقير مع هذا الثراء. لو فكر الحاكم في مصر، وغيرها من أوطان العالم أجمع بالطريقة نفسها التي يفكر بها عمر لما كان فقراء وجوعى في العالم، وبالذات في البلدان التي تزخر بالمصادر الطبيعية، لكن الأنانية وحب الذات أودى بالحكام إلى الاستحواذ على الثروات دون غيرهم، وامتلأت المصارف بالأرصدة في حين يوجد عدد كبير من الناس يعانون الفقر وضيق ذات اليد ويفتقدون أبسط الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وخدمة صحية مناسبة، ومدارس وغيرها.
منقول عن : الإقتصادية
https://www.aleqt.com/2012/09/18/article_693871.html
__________________
شاكر فضل الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:40 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.