قديم 04-15-2020, 10:00 PM   #11
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,941
افتراضي لماذا سرت مع حزب التحرير؟ (ب)

لماذا سرت مع حزب التحرير؟ (ب)
(2) - ماذا تعني الذكرى 99 لهدم الخلافة؟
الواقع أنها ذكرى أتت كامتحان من رب العالمين، فتكاثرت أمم لا تتقي الله على هدمها بعد أن فتحت مدن وقضت على ممالك وامبراطوريات، ومن الممكن أن يكون (البطر والإعجاب بالنفس) قد تمكن من نفوس المسلمين – معظمهم أو بعضهم – مما مكن دول الكفر الصليبية من القضاء على الخلافة بمساعدة أنذال من أراذل المسلمين، درسوا في مدارس وجامعات الغرب (فرنسا وانجلترا والفاتيكان) منهم أحمد لطفي السيد وطه حسين وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ..... وغيرهم كثير..... وزرع في العرب والعجم جرثومة القومية والوطنية وغيرها من جراثيم الفكر الدخيل، ورغم إخلاصوذكاء السلطان عبد الحميد ومقاومته للمؤامرات خاصة مؤامرات اليهود إلا أن عملاء الكفر تكاثروا على الهدم بكل قوة وزاد قوتهم عمالة عائلتين من المسلمين هم آل سعود والشريف حسين وأبنائه فكان لهم ما أرادوا، والامتحان الرباني بقي قائما للفرز بين المخلصين والعملاء والدخلاء ليقضي الله أمرا كان مفعولا وأرى خطأ رأي بعض المسلمين بتأخر انجاز الله وعده، فالله لم يربط انجاز وعده بوقت معلوم بل ليجري حكمته كما تم مع المسلمين في العهد المكي حين وصل الأمر أشده وبعدها أتاهم النصر وتمت هجرة المسلمين ليثرب وأنعم الله عليهم بدولة الخلافة الراشدة بعد المناجاة الأليمة للرسول صلى الله عليه وسلم (ربي لمن تكلني .....)
وكما قال الشاعر:
إنه عهد قضى وانقضى ....... بذنب من خان ومن أهملا
هل فقدت الأمل بعد كل هذه السنين؟
أرى أن من التحق بالدعوة بهدف (عودةالخلافة) من الممكن جدا أن يمل لطول فترة الانتظار، وأرى كما شاهدت فإنّ عدد من أساتذتنا ومشايخنا واخواننا من الرعيل الأول وما بعده قد ملوا وتركوا الدعوة حتى أنهم نسوا الأفكار التي كانوا يحملونها وأصبحت غريبة عليهم،في حين أن من الشباب العاديين استمروا بنشاطهم بكل نشاط، وهناك فرق كبير بين من عمل بقصد التمكين ليس الا وبين من يعمل لفرض فرضه الله تعالى، فإن وصل فله أجرين وثوابين، صحيح أننا نعمل للتمكين ولكن عملنا لتحقيق فرض نثاب عليه في كلتا الحالتين (الوصول أو عدم الوصول لا سمح الله)، بناء عليه فأنا أدعوا الله تعالى أن يعجل التمكين مع علمي أنّ التمكين لن يتم إلا متى شاء الله تعالى. فعملنا لن يوصل للهدف إلا إذا أذن الله تعالى، وبناء عليه فإني لم أفقد الأمل أبدا وأسأل الله أن يكرمني بعدم فقدان الأمل مطلقا.
بماذا تخاطب شباب المسلمين؟
أقول لنفسي ولكل شباب المسلمين أنّ الله قد فرض علينا واجبات يكرمنا بثواب العمل بها ويعاقبنا بتركها، وحمل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض فرضه الله تعالى، فعدم حمل الدعوة يعني تعطيل فرض واجب ولا بد فحمل الدعوة من الفروض الواجبة وتركها حرام يعاقب عليه من لم يمتثل للفرض، فإلى كل المسلمين أنصح بحمل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن المنكرات الحكم بغير ما أمر الله تعالى وعدم تحكيم الإسلام من المنكرات التي يحاسب جميع التاركين لها.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى.


__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 06:56 PM   #12
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (أ)
تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان
المولود في القدس عام1931
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت قد أنهيت دراستي الثانوية في الكلية الرشيدية في القدس وذلك عام 1948 وجلسنا لامتحان الدراسة الثانوية أو مترك فلسطين كما كان معروفاً في تلك الأيام جلسنا للامتحان تحت أصوات القنابل والرصاص وذلك في قاعة المدرسة المامونية للبنات في منطقة باب الساهرة في القدس وهي قريبة من منطقة الشيخ جراح حيث دارت معارك كثيرة بين المتطوعين من سكان القدس وما حولها من القرى وبين القوات اليهودية المنظمة وكان أفراد من الإخوان المسلمين من مصر وسوريا يشتركون في القتال وكان الناس يكبرونهم ويحترمونهم ويؤيدونهم فقد كانوا هم واجهة الجهاد في ذلك الوقت.
وانتهينا من الامتحان بعد أن قربت حكومة الانتداب البريطاني موعد انتهاء العام الدراسي إلى 15/3/1948
وذلك لكي تعترف في شهادة المترك قبل مغادرتها لـ فلسطين في 15/5/1948 واشتدت المعارك في القدس وصارت القنابل تتساقط على جميع الأحياء في منطقة البلدة القديمة وكنا نسكن في حارة السعدية وهي هدف قريب للقنابل التي كانت تقذف من منطقة النوتردام والباب الجديد وهي منطقة عالية ومشرفة على البلدة القديمة ورحل الناس ورحلنا إلى أريحا حيث سمعنا بنتائج امتحان المترك بالإذاعة وكانت منظمة الصليب الأحمر قد أحضرت النتائج من المنطقة اليهودية في القدس وأعلنتها ونجحنا والحمد لله ومكثنا في أريحا لمدة سنتين ثم بدأ الاستقرار يعود إلى منطقة القدس ورجع بعض الناس ورجعنا من أريحا. وكانت الإدارة الأردنية قد بدأت تتركز في الضفة الغربية ومنطقة القدس الشرقية.
ولم يكن ثمة عمل في القدس فالناس قليلون جداً والمناوشات مستمرة من وقت وآخر بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني وكان يسمى بالجيش العربي ولم يكن يمر أسبوع واحد دون حدوث هذه المناوشات المفتعلة وسقط الكثيرون أمامنا وصار ذلك شيئاً مألوفا لدينا.
ولما كنت أميل من صغري إلى تعلم الخط العربي فقد التحقت بمكتب الشيخ شكيب القطب رحمه الله وكان خطاط مشهوراً وعنده معمل صغير لعمل الزنكوغراف وأختام الكاوتشوث وكان رحمه الله من المجاهدين الذين ابلوا بلاء حسناً في الجهاد ضد القوات الانكليزية واليهودية في ثورة 1936 المشهورة وسجن وخرج من السجن مريضاً. واذكر انه قد حصل على عقد لعمل أختام مطاطية لجميع الدوائر الأردنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وذلك بعد ضمهما رسمياً للأردن بعد مؤتمر أريحا سنة 1950 والذي أعلن أهل الضفة الغربية والقدس ولاءهم للملك عبد الله في ذلك الوقت وبالطبع فقد كانت مشاعر الناس كلها ضد هذا الولاء لكرههم للملك عبد الله وذلك لدوره في تسليم أجزاء كثيرة من فلسطين.
واذكر في ذلك الوقت أيضا أن احد أصدقاء الدراسة في الثانوية وهو عبد اللطيف النوباني قد زارني وأنا في مكتب المرحوم الشيخ شكيب القطب وسألني إن كنت قد حصلت على النسخة الأصلية لشهادة المترك فلما أجبته بالنفي ذكر لي انه قد حصل على شهادته بعد أن حصل عليها من السفارة الإسرائيلية في نيقوسيا بقبرص واستغربت ولم أصدقه في أول الأمر وفعلاً أراني الشهادة وشجعني على أن أرسل رسالة بالبريد لسفارة الإسرائيلية في نيقوسيا بقبرص وخفت واستغربت كيف أن البريد العادي كان يصل إلى السفارة الإسرائيلية في الخارج وكانت دائرة البريد كغيره من الدوائر الحكومية تابعة للإدارة الأردنية في ذلك الوقت ، وبالفعل قد كتب صديقي الرسالة لي على غرار ما فعل هو ولم اكتب بظهرها اسمي خوفاً من أن اتهم بالاتصال مع العدو. وكانت دهشتي كبيرة عندما تلقيت بعد ثلاثة أسابيع رسالة كبيرة وفيها شهادتي ومعها بطاقة تهنئة وتحية من سفارة إسرائيل بقبرص وطلباً بالرد على استلام الشهادة والذي تجاهلته. ولا أزال أفكر لليوم كيف أن الاتصالات البريدية استمرت حوالي سنتين مع إسرائيل في ذلك الوقت.
وكما ذكرت سابقاً بان سمعة الإخوان المسلمين كانت طيبة جداً ولاسيما وان أهل القدس قد لمسوا بأنفسهم صدق جهادهم وذلك في منطقة جنوب القدس عند صور باهر و أطراف مدينة بيت لحم وكان لهم ولاشك فضل كبير في الحفاظ على تلك المنطقة وعدم سقوطها بأيدي القوات الإسرائيلية.
وكانت للإخوان دار في منطقة الشيخ جراح في القدس وكالعادة كان فيها قاعة للمحاضرات وقاعة كبيرة للممارسة الألعاب الرياضية ولاسيما لعبة البوكس وكان لهم بطل في تلك اللعبة من عائلة الدسوقي وقد قاموا بإجراء حفلات كثيرة وحاز فيها بطلهم الدسوقي على جوائز كثيرة وكان الإخوان يعتبرون هذا نوعاً من الدعاية للدعوة الإسلامية وكنت اسمع من قادتهم أن الشاب يجب أن يجد كل ما يحب في دار الإخوان حتى لا يلتحق بالنوادي الأخرى وقد لاحظت أنهم انزلقوا في هذا المفهوم حتى طغت حفلات البوكس والمصارعة ورحلات الكشافة على النواحي الفكرية حيث قل الاهتمام بالتثقيف بالإسلام عندهم .
المهم أنني التحقت بهم وكنت أتردد على دارهم من وقت لآخر وصار المسئول عن أسرتنا وكنا ثلاثة السيد ج.حجازي وكان لديه بعض الثقافة الإسلامية وكنا نجتمع أسبوعيا في بيته نقرأ بعض القرآن وبعض الأحاديث النبوية والتسبيح والصلاة.
ولما كانت دار الإخوان المسلمين قريبة من منطقة القتال في الشيخ جراح فقد قام الإخوان بنقلها للمسجد الأقصى حيث أعطتهم دائرة الأوقاف الغرفة المقابلة لباب السلسلة والتي تقع على سطح الصخرة كما نقول وكانت غرفة طويلة جعل القسم الأمامي منها مكتبة والقسم الخلفي جعل قاعة للمحاضرات وكنا نجتمع بتلك الغرفة ولاسيما يوم الجمعة قبل الصلاة فنتوضأ فيها تمهيداً لصلاة الجمعة في المسجد الأقصى ولا أنسى أبدا كيف كنا حوالي عشرين شخصاً ومر موكب الملك عبد الله قريباً منا ثم اتجه الموكب إلى المسجد الأقصى تحتنا ثم سمعنا صوت إطلاق الرصاص وبقينا في الغرفة وشاهدنا بأعيننا الملك القتيل محمولاً وذلك من شباك ولكننا لم نعرف ما حدث إلى أن جاء جنود البادية واخرجوا جميع الناس في ساحة المسجد وأخرجونا معهم ضرباً بأعقاب البنادق ولم نعرف ما حدث بالضبط إلا بعد أن جاء الشيخ إسماعيل الأنصاري يلطم خديه صائحا لقد قتلوا سيدنا وكان يقول ذلك نفاقاً طبعاً أمام جنود البادية ومكثنا في ساحة الحرم تحت الشمس إلى ما بعد العشاء ولم يسمحوا لأحد من الناس للذهاب لقضاء حاجتهم حتى بال الكثيرون من كبار السن في ساحة المسجد وأمام بابه. ثم جمعوا المخاتير لكل منطقة وصاروا يطلقون سراح الناس أفرادا أفرادا واعتقلوا وضربوا كثيرين ممن اشتبهوا بهم.
المهم أن لهذه الغرفة ذكريات فقد سمعت أول درس للمرحوم أبي إبراهيم تقي الدين النبهاني في تلك الغرفة وكنا آن ذاك حفنة من الشباب اذكر منهم ع.الكرد رحمه الله و س.سالم و ع. الديك و م. البيطار و م. درويش،، س. درويش ، أ.الخياط، الخياط، س. السراج، ع. أباظة، م. قنيبي وغيرهم. واذكر أننا كنا نجتمع في دار س. السراج وكان الشيخ الخياط هو المسئول وكانت جلسات روحية تمتد إلى منتصف الليل وأكثر أحيانا فكان يقول لنا فاليسبح كل واحد منكم خمسين مرة ثم يقول هلمُ فليصل ِ كل واحد عشر ركعات ثم يطلب من احدنا أن يذكر حديثاً للرسول ثم يشرح هو أو غيره وهكذا كنا نحي جلسات روحية كما كانوا يسمونها.

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 06:58 PM   #13
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (ب)

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (ب)
ذكرت أننا كنا نستعد لصلاة الجمعة في تلك الغرفة المقابلة لقبة الصخرة في المسجد الأقصى وذلك قبل الصلاة بساعة ولما كنا كجماعة للإخوان المسلمين نحتاج إلى من يحاضر لنا وذلك لجميع الناس حولنا فقد كنا نستعين بمن نجد عنده الرغبة في إلقاء حديث لنا في تلك الغرفة المتواضعة وما اشد فرحتنا عندما كان يحضر سعيد رمضان ليلقي محاضرة وكانت شهرته قد طبقت الأفاق وكنا نستأجر قاعة في الكلية الإبراهيمية في منطقة باب الساهرة وذلك لكثرة المستمعين لسيد سعيد رمضان وهكذا كنا نتلهف على إيجاد من يحاضر لنا.
وحدث أن حضرنا كعادتنا قبل الصلاة وإذا بالمحاضر شيخ معمم في حدود الأربعين تشعر وأنت تستمع إليه انه يؤمن بما يقول وان كانت كلماته تخرج من القلب وليس محاضراً كغيره يلقي كلمات مكررة ويمضي. بل لقد استمعت إليه في أول درس له في تلك الغرفة وكان موضوع درسه" غزوة احد وكيف عالج الرسول عليه الصلاة والسلام الهزيمة بعدها" وشرح رحمه الله الغزوة سريعاً ثم بدأ يركز بالتفصيل على نتائجها وكيف حاول رسول الله صلى الله عليه سلم أن يحرم قريش من لذة النصر عندما امرر عدداً من المسلمين باللحاق بابي سفيان ومقاتلته في اليوم التالي للمعركة وكيف سقطت هيبة المسلمين بعد هذه الهزيمة وخيانة يهود بني قينقاع واستهتار القبائل في نجد بالمسلمين وقتلهم ستة من الصحابة ثم غدرهم بأربعين آخرين في بئر معونة وكيف أن الرسول صلى الله عليه سلم استمر سنة كاملة لا يهدا له بال حتى طرد بني قينقاع وتحدى قريشاً في بدر الثانية والتي انسحبت خوفاً وكيف انه عرج على بني أسد وهاجمهم في عماية الصبح واستأصلهم انتقاماً لغدرهم بالأربعين صحابياً وكيف امتدت به الفتوحات حتى وصل إلى دومة الجندل على حدود الأردن كما هو معروف في السيرة. وكان أبو إبراهيم رحمه الله يربط ذلك بهزيمة المسلمين في حرب فلسطين وكيف أن الرسول لم يهدأ حتى أزال أثار الهزيمة وكان أبو إبراهيم يلقي درسه هذا على شكل حلقات متسلسلة كل أسبوع ولمدة تقرب خمسين دقيقة وكان يتخلل درسه بعض الأسئلة والاستفسارات. وصار الناس يكثرون أسبوعيا وذلك لسماعهم نمط جديد في فهم السيرة النبوية وربطها بحياتنا الحاضرة وضاقت الغرفة وصار الناس يقفون خارجها ليسمعوا وهم في طريقهم للصلاة في المسجد الأقصى كل يوم جمعة. واستمر رحمه الله على ذلك مدة تقارب شهرين كان فيهما يختار مواضيع معينة من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفهم الناس جميعاً أن الشيخ تقي الدين هو رئيس الإخوان لمواظبته على إلقاء درسه كل يوم جمعة في الغرفة المعروفة بأنها لهم ولكنه رحمه الله لم يكن في يوم من الأيام سائراً مع تجمعهم وقد اتخذ دروسه في دارهم ليجمع حوله من توسم فيهم الفهم والحرص على العمل للإسلام، وأنا اعلم علم اليقين انه لم ينتسب للإخوان في يوم من الأيام وأنا أتحدى من يقول عكس ذلك.
وكان آخر عهده في تلك الغرفة أن الناس طلبوا مكاناً آخر لسماع دروسه رحمه الله فكان أن اختار الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى في الداخل وهو زاوية تسع عدة مئات من المصلين.
واجتمع الناس في تلك الزاوية من المسجد الأقصى وبدأ أبو إبراهيم رحمه الله درسه وكان عن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان درسه مؤثرا جدا حتى أنني لاحظت دموع الكثيرين من المستمعين تسيل على خدودهم وانتهز رحمه الله فيضان المشاعر عند المستمعين وانتقل بهم سريعا إلى سقيفة بني ساعده حيث كان النقاش محتدما حول انتخاب خليفة للمسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وصار يذكر الناس بأهمية الخلافة عند المسلمين وكيف تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يدفنوه قبل أن ينتخبوا خليفة لهم.وكان هذا أول أحاديثه رحمه الله عن الخلافة وضرورة إرجاعها والعمل لذلك.ولاقى هذا الدرس إقبالا شديدا من قبل الناس حتى أن الزاوية صارت تمتلئ بالمصلين قبل حضور الشيخ رحمه الله بساعتين . ولم تطل دروسه كثيرا فقد لاحظ المسئولون عن المسجد الأقصى تجمع الناس بشكل ملفت للنظر فاستصدروا قانونا من دائرة الأوقاف بأن على من يريد التحدث في المسجد فعليه أخذ إذن رسمي الدائرة وإعلامها بنوع الحديث الذي سيتحدث به.
ولم يعلق رحمه الله على ذلك كثيرا وكان همه- كما تبين لي بعد-أن إلقاءه لتلك الدروس لم يكن إلا وسيلة لجلب الناس للتكتل الذي كان يقوم به سرا.
وذات يوم حضر ع.الكرد رحمه الله وقال لي أن الشيخ تقي الدين يقوم بتدريس من يرغب دراسة خاصة في بيته وأنه هو قد بدأ بالدراسة معه وعرض علي المشاركة فلم أتردد في القبول وذهبت معه ذات ليلة إلى منزل الشيخ رحمه الله وكان يسكن في منطقة وادي الجوز في شقة في الطابق الرابع ***وهناك ولأول مرة جلست مع الشيخ رحمه الله وكان عنده المرحوم داود حمدان والذي تعرفت عليه أيضا في منزل الشيخ لأول مرة ولم تكن دراستي معه منتظمة تماما فقد كانت الأفكار في دور الإعداد وأذكر أنه رحمه الله كان يطلب مني قراءة موضوع "الحضارة الإسلامية كما صورها القران" وهي آخر بحث في كتاب حياة محمد للدكتور محمد حين هيكل وكان يكلفني بقراءة هذا الموضوع قراءة جهرية كلما حضر أحد حتى لقد كدت أحفظ كل جملة في هذا المقال وكان رحمه الله يحبه كثيرا ويمدح هيكل إلا أنه كان ينتقده لرده على أقوال المستشرقين في أول الكتاب ، وكثيرا ما كان رحمه الله يضحك ممازحا عندما أغلط في القراءة لاسيما إذا كان الخطأ نحوية واضحة.
وكنت أتردد ليليا أنا وعباس رحمه الله فنجد عنده الشيخ داود حمدان وقد عرفت أنه من خريجي الأزهر وأنه يعمل محاميا شرعيا وعنده مكتب صغير في المحكمة الشرعية والتي كانت في الزاوية الهنود في حي الواد داخل البلدة القديمة بالقدس وكنا نرجع نحن الثلاثة كل ليلة بعد الثانية عشرة وكنا جميعا نسكن في منطقة قريبة.وكان رحمه الله يعيش في شقته وحيدا فقد علمت أنه أرسل زوجته وأطفاله للإقامة في بيروت وكان يبدو على الشقة عدم الترتيب ولاحظت أن مشكلة الطعام لم تكن تشغله رحمه الله فقد كنت ألاحظه مرارا يأكل الخبز مغموسا بالزيت مع الشيخ داود حمدان وكنت أنا وعباس نشترك أحيانا بالأكل معهم وخطر ببالي سؤال حول ذلك ولكني لم أساله وأجابني رحمه الله من السؤال بأن الزهد في الإسلام ليس التقشف عن الطعام بل أن الزهد هو أن تأكل ما تيسر عندك وذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يأكل أطيب الأطعمة ويثني ويشكر الله على ذلك وكان يأكل أبسطها ويمدح ويشكر الله عليها وهذا أدق مفهوم فهمته عن الزهد،ووضح هذا المفهوم لدى عندما كنت أجد أحيانا بعض البيض فيأكله رحمه الله مسلوقا كما أننا كنا نخرج من الصلاة الجمعة مع الشيخ داود رحمه الله في فنأكل في بيته المجاور للمسجد الأقصى في منطقة باب السلسلة .
ولاحظت أن داود كان ملازما له باستمرار فما كنت أحضر أنا وعباس رحمه الله إلا ونجده عنده وكنا نحضر أحيانا بعد العاشرة فنجده هناك وكان كثيرا ما يقضي الليل عنده وكنت أسمع الشيخ تقي الدين يقول لداود سنقوم الليلة في الثالثة لنقرأ البحث كذا في الكتاب الأم للشافعي أو بحث كذا وكانت تلك الفترات كلها فترات أعداد وتهيئة.ولا أنسى أنه رحمه الله قد نسي المدفأة ولم يطفئها ولما حضرنا في اليوم التالي كانت جميع جدران الغرفة ملطخة بالسواد ولم ينم رحمه الله في منزله تلك الليلة فقد تأخر ونام في منزل الشيخ داود رحمه الله وإلا كان اختنق ليلتئذ.
وكانت الشقة غير مرتبة والكتب والأوراق هنا وهناك، وكان رحمه الله يملي علي أحيانا فأكتب وتبين لي فيما بعد أن ذلك كان كتاب التكتل الحزبي والذي طبعناه على شكل أوراق بالآلة الطابعة وصرنا ندرسه معه في شقته وبيت السيد ع.مريش وكان يسكن على بعد حوالي كيلومتر عن شقة الشيخ-وكان السيد مريش أزهريا أبيضا وهو من الأزهريين القلائل الذين حملوا الدعوة في أول الأمر.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 07:01 PM   #14
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (ج)

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (ج)
ومرت الأيام وذلك عام 1951 وأذكر أننا ذهبنا مع الشيخ رحمه الله أنا وعباس وداود إلى الخليل حيث ألقى رحمه الله محاضرة عن الإسراء والمعراج في أحد النوادي هناك ولا أنسى صوت المقرئ الضرير وهو يقرأ سورة النجم قبل إلقاء المحاضرة والتي استمعنا فيها لأول مرة عن هذا الموضوع وكيف كان انتهاء لمرحلة التفاعل وابتداء مرحلة طلب النصرة وأنه كان آخر امتحان لمجتمع مكة هل سيحمل الدعوة أم لا وأنه كان هزة عنيفة لضعاف الإيمان الذين سقط بعضهم لعدم تصديقه بتلك المعجزة.
كانت هذه المفاهيم جديدة علينا وقد سمعنا قصة الإسراء والمعراج مرات ومرات بالطريقة المعهودة عن إسرائه عليه الصلاة والسلام للقدس ومعراجه إلى السماء وما شاهده هناك.وقضينا الليلة في بيت مفتي الخليل الشيخ عبد الحي عرفة رحمه الله وكان من الحاملين للدعوة والمتحمسين لها كثيرا وكان آخر عهدي به أن زارني في دمشق سنة 1974 وعلمت فيما بعد أن إسرائيل طردته من الخليل في ذلك الوقت وكان خفيف الروح وكان يستعصى عليه فهم نقطة أحيانا بينما أفهمها أنا وعباس فيقول رحمه الله والله أن الشباب الصغار أسرع منا في الفهم.وجلسنا ذات يوم إلى الطعام العشاء عنده وأظن أن أبا يوسف أميرنا الحالي كان حاضرا تلك الليلة وقد اجتمعت به للمرة الأولى هناك في الخليل وكان الشيخ أبو إبراهيم يمدحه كثيرا وكان اسم"عبد القديم" غريبا لدى وكنت أسمع أبا إبراهيم يذكره مرارا.أقول جلسنا للطعام وكان أرز عليه قطع اللحم ولم يكن حول الطعام إلا بضع ملاعق وكانت واحدة أمام الشيخ عبد الحي فقال له عباس ولم يكن أمامه ملعقة"يا سيدي الشيخ الملعقة التي أمامك زتها" أي أرمها لي فأجابه رحمه الله "لا بل انت زدتها يا عباس"ولم أر الشيخ تقي الدين يضحك كما ضحك على الجواب الشيخ عبد الحي رحمهما الله جميعا رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.وتكررت زيارة الشيخ للخليل وأذكر أننا ذهبنا معه ونزلنا في حلحول عند منزل أ.العناني، وكانت تلك الزيارات كلها بقصد كسب من يتوسم فبهم الفهم والاستعداد للتكتل.
ونعود إلى الإخوان المسلمين فقد تبين لهم أن الشيخ قد أخذ معظم النابهين عندهم ولم يبق من المجموعة كلها إلا خمسة أشخاص فقط تربطهم صداقات شخصية مع سيد رمضان والذي أحس بالتكتل الجديد وبدأ يهاجم الشيخ رحمه الله في محاضراته وبدأ الباقون من الإخوان يضربون على وتر أن الشيخ رحمه الله قد تمرد واشق عنهم وأنه يريد المجد الشخصي لنفسه.ولم يعبئ رحمه الله بقولهم بل بدأ ينظمنا في حلقات منتظمة واستمر هو في البحث والتأليف وكان الشيخ داود حمدان رحمه الله ساعده الأيمن فكان يقوم بكل التصليحات اللغوية وكان قويا في استعمالها وله كثير من الملاحظات الهامة وإليه يرجع الفضل في بلورة كثير من المفاهيم.وكما ذكرت فقد كان كتاب التكتل الحزبي أول كتاب كتب وكان السير يقوم بموجبه تماما ولم أنتبه إلى ذلك ألا بعد أن درسناه مع الشيخ مرات كان يتخللها كثير من النقاش ،كما أنني لاحظت أن الشيخ رحمه الله كان يكتب مواضيع أخرى وعرفت فيم بعد أنها كانت أجوبة على النقاشات حصلت مع بعض الناس ،كما علمت من عباس رحمه الله قد ألف كتابا سماه"إنقاذ فلسطين وذلك قبل قيامه بالدعوة وعرفت بعد ذلك أن ذلك كان بداية التحسس للعمل الحزبي الصحيح وعرفت أن الطريق الطويل الذي ذكر الكتاب إنما كان هو الطريق التكتل الحزبي والذي قام به رحمه الله فيما بعد.
وأذكر مرة أنني ذهبت لمنزل الشيخ رحمه الله فلم يكن موجودا ولما سألت المرحوم داود قال لي أنه سيرجع قريبا وفعلا لم يتأخر فسأله داود ماذا تم في النقاش فبدأ رحمه الله يذكر ما حصل وكان أن ذهب الشيخ رحمه الله لمناقشة شخص من عائلة العزة يحمل أفكار بعثية ولا يعتقد بصلاحية الإسلام للتطبيق وسرد رحمه الله ما دار في النقاش بالتفصيل وسر داود رحمه الله كثيرا وقال له"أكتب هذا النقاش يا أبا إبراهيم "فكتبه فكانت بحث "القيادة الفكرية في الإسلام"وأكملها بعد نقاشه مع شخص آخر من عائلة حماد، ولما سأله داود عن ذلك الشخص قال رحمه الله أن"عقليته ملساء تضع عليها المفهوم فينزلق"وهكذا استمر رحمه الله في الكتابة بعد أن كان يقوم بالنقاشات مع مختلف حملة الأفكار وما أكثرها في تلك الأيام فقد كان الكثيرون يبحثون عن أسباب النكبة ومحاولة وضع العلاج وكان المجتمع في مدينة القدس وقتئذ في دوامة من النقاش. وسافر الشيخ رحمه الله إلى بيروت ومكث مدة تقارب الشهر ثم عاد وكنت أسمع منه مدحا وثناء على شخص اسمه ء.السبع وعلمت أنه قد كسب بعض الأشخاص للتكتل هناك في بيروت، ولكنه كان يقول دائما"أن للقدس جوا روحانيا لا أجده في أي مكان"وقد سمعته رحمه الله يكرر هذا القول مرارا.
وطلب الشيخ رحمه الله طباعة المواضيع المتفرقة في كتاب وكان منها موضوع"الأخلاق في الإسلام" والذي كتب على أثر نقاش بين عباس رحمه الله وسيعد رمضان الذي حضر مرة للقدس وألقى محاضرة عن الأخلاق وكان كلما ناقشه عباس في نقطة يقول له"الأخلاق يا عباس "وكان عباس رحمه الله يردد قوله دائما من باب التفكه بضحالة التفكير عند سعيد رمضان.
وحيث أنه كانت لدي معرفة بأعمال الطبع بحكم عملي في مكتب الخطاط شكيب القطب رحمه الله فقد ذهبت أنا وداود إلى مطبعة دار الأيتام الإسلامية في القدس وساومنا المسئول على طبع خمسمائة نسخة من كتاب نظام الإسلام فطلب من مئة وعشرين دينارا وكنا قد بدأنا بدفع التزامات نحن الدارسين لم تزد عن مئة فلس أحيانا فالفقر كان عاما فيذلك الوقت ، واستكثرنا المبلغ وتذكرت أن هناك مطبعة مهجورة يملكها شخص سرياني في منطقة حي الأرمن كان قد حضر مرة وعرض على الخطاط شكيب القطب طابعة بعض أوراق الدعاية للصابون النابلسي، وذهب مع داود إلى تلك المطبعة فطلب منا صاحبها خمسين ديناراً فأنزلناها إلى خمسة وأربعين وفعلاً تم طبع الطبعة الأولى لكتاب نظام الإسلام وكتبت العنوان بخطي وأرسل لنا أ.السبع من بيروت "سلايدات" للدعاية كتب فيها "لا اشتراكية ولا رأسمالية بعد اليوم اقرأ نظام الإسلام " ووضعناها لتعرض في سينما النزهة وهي دار السينما الوحيدة في القدس آنذاك وكنت أقوم بكتابة إعلانات الأفلام لها منذ وقت طويل وبعنا عدداً لا بأس به من نسخ الكتاب كما قمنا بتوزيع عدد كبير منه مجاناً واحدث الكتاب جواً طيباً وبدأ أصحاب الأفكار الأخرى يقفون موقف الدفاع. ولم ننتبه أنا وداود إن صاحب المطبعة وضع اسم مطبعته وهي "مطبعة السريات بالقدس" في الصفحة الأخير لكل نسخة كدعاية لمطبعته وكنا قد قضينا ثلاثة أيام متوالية نراجع ونصحح ما يطبع أولا بأول واتخذ بعض الحاقدين على الحزب من ذلك وسيلة للمهاجمة والتشكيك بالكتاب واتهام الشيخ رحمه الله بأنه مأجور.
كنت إنا تلك الفترة قد تركت العمل مع الخطاط شكيب القطب رحمه الله وعينت معلماً في قرية حلحول ثم انتقلت المدرسة البكرية ثم العمرية في القدس وكان عباس رحمه الله مدرساً في الكلية الرشيدية كما كان الشيخ ع.مريش مدرساً للدين فيها وكانا يشكلان مع بعضهما جبهة قوية ضد الأساتذة وبعض الطلاب من والبعثيين والشيوعيين. وفكرت في الذهاب للكويت وكانت البعثة الكويتية للتعاقد مع المعلمين تحضر في الصف لاختيار بعض المدرسين وكانوا يطلبون كتاب توصية من احد الكويتيين. وذكرت رغبتي في الذهاب للكويت للشيخ داود والذي اخبر الشيخ تقي الدين بذلك ولم يحبذا رحمهما الله ذلك ولكن الشيخ تقي الدين قال لي" هنا وان كنا نفضل بقاؤك هنا" وفوجئت بعد مدة بسيطة بإحضاره كتاب توصية من احد الكويتيين مع بعض أدوات الخط العربي أرسلها أ.السبع من بيروت وكان إن حضرت البعثة الكويتية بعد ذلك وتعاقدت معها للعمل في وزارة التربية في الكويت.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 07:04 PM   #15
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (د)

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (د)
وتجهزت للسفر إلى الكويت عن طريق دمشق حيث نركب سيارات شركة نيران التي تقطع صحراء الشام إلى بغداد ومنها نتوجه بالقطار إلى البصرة ثم إلى الكيت. والتقيت بدمشق بأحد حملة الدعوة وهو السيد ج. الهندي وكان الشيخ داود قد أعطاني اسمه وعنوانه واجتمعت هناك به حيث زرنا السيد نمر المصري والذي علمت انه كان من البارزين من حملة الدعوة في دمشق. واذكر أننا قرأنا قسم من كتاب التكتل في تلك الليلة ولفتت نظري جملة في الكتاب بحث الفرق بين الحزب والمدرسة تقول" لو كان في قطر سكانه مليون نسمة وفيه حزب أعضاؤه مئة شخص فانه يحدث في هذا القطر نهضة بأقصر مما تستطيع المدرسة" واعترضت على هذه الجملة من نمر المصري كثيراً وفعلاً غيرت الجملة إلى انه لا يمكن للمدرسة أن تقوم بالنهضة مهما بذلت ممن جهد أو زمن وذلك في الطبعة الثانية للكتاب.
وتوجهت إنا وج.الهندي إلى الكويت حيث كنا أول من حمل الدعوة هناك وتعرفنا هناك على خالد الحسن والذي كان يعمل كاتباً عند عبد الله العلي احد أقطاب الإخوان المسلمين في الكويت، وكان خالد قد اجتمع بالشيخ رحمه الله عن طريق نمر المصري وأوصانا به خيراً وفعلاً حمل خالد الدعوة وكانت شخصيته قوية وكان محبوباً فاستطاع أن يكسب الدعوة هناك ثم انضم إلينا شاب طيب هو خالد عيد رحمه الله.
للكويت ميزة قد لا توجد في أي بلد عربي آخر وهذه الميزة هي وجود عدد كبير من أبناء الدول العربية حيث كانت مكاناً للارتزاق وفي هذه الميزة حسنات وسيئات وان كانت السيئات ترجح على الحسنات وقد استطعنا أن نوصل الدعوة إلى جميع الناس تقريباً من مختلف البلدان العربية ولكن أكثر المؤيدين كانوا من الفلسطينيين ويعود ذلك لإحساسهم بالنكبة وتلمس بعضهم سبل استرجاع فلسطين ولكون أكثرنا ممن حملوا الدعوة في الفلسطينيين ولكون الشيخ تقي الدين رحمه الله فلسطيني الأصل من قرية اجزم في قضاء حيفا وقد علمت انه كان من تلاميذ الشهيد عز الدين القسام وهو من أبطال ثورة 1936 وهذا يدل على أن الشيخ تقي الدين رحمه الله كان يتحسس طريق العمل منذ ذلك الوقت.
أقول كان أكثر المؤيدين والذين وافقوا على الدراسة الحزبية المنتظمة كانوا من الفلسطينيين بينما وجدنا عزوفاً من المصريين في الكويت وذلك لوجود حساسية عندهم بان رئيس الحزب ليس مصرياً وكثيراً ما كنا نسمع منهم استفسارات عن الحزب ومؤسسه وعندما يعلمون انه ليس مصرياً يشعروننا بان أي حركة أن لم تبدأ من مصر وعن طريق المصريين فإنها لا تنجح ويعود ذلك إلى تركز العصبية لمصر عند المصريين أكثر من أي بلد عربي آخر وقد ضايقنا هذا التعصب لمصر كثيراً ولاسيما في عهد عبد الناصر والذي سأتكلم عنه فيما بعد. والسبب الثاني لعزوف المصريين هو كونهم موظفين ولاسيما في وزارة التربية وكانوا هم المسئولين عن برنامج التعليم كله في الكويت بحكم ارتباط هذا البرنامج بشهادة التوجيهية المصرية وكان لدى الكثير منهم غرور كبير بحكم مناصبهم العالية ولاسيما طبقة المفتشين ومضايقاتهم للمدرسين معروفة وكانت حديث الكويت في ذلك الوقت، وأيضا فان الرواتب العالية التي كانوا يتقاضونها كانت تتضاعف أحيانا إلى ثلاثة أضعاف عندما تتحول إلى جنيهات مصرية ولهذا السبب لاحظت أن أكثر الذين كانوا يعادون الدعوة إنما يعود ذلك إلى أسباب مادية وخوفاً على فقدان وظائفهم وقد برز ذلك كثيراً في أهل غزة من الفلسطينيين الذين لم نتمكن من كسب واحد منهم للدعوة وبرز عداؤهم لها بشكل ملفت للنظر أيام عبد الناصر وذلك للأسباب المادية والخوف من فقد العمل وهذه المشكلة لا تزال لليوم.
وقد استعنا أن نكون عدداً كبيراً من الحلقات أكثر الدارسين فيها من الفلسطينيين كما ذكرت أن نكسب بعض العراقيين والسوريين واللبنانيين، أما عن الكويتيين فإننا لم نستطع أن نكسب منهم احد واستمر ذلك النفور إلى مدة تزيد عن عشرين عاماً وبالرغم من أن خالد الحسن استطاع أن يضم يوسف السيد هاشم إلى حلقة وكان يوسف محبوباً ومعروفاً لدى الكويتيين بحسن سيرته وطيبته وقد برز ذلك عندما ترشح لانتخابات النيابية وفاز بأكثرية كبيرة وصار عضواً في مجلس الأمة الكويتي ثم وصل إلى منصب وزير الدولة في الكويت ولكنه كان قد ترك الدعوة وقتئذ وان كان لا يزال يحترم الأفكار وله مواقف طيبة وقد علمت أن حكومة الكويت كانت ستقوم بضربة قاصمة للحزب في الستينات وذلك بإلغاء عقود وتسفير كل من يعرف عنه انه من الحزب أو يواليه ولكن موقف يوسف قد ألغى ذلك واتخذت إجراءات ضد بعض حملة الدعوة وسفر بعضهم، وبالرغم من الجهود التي بذلها خالد ويوسف إلا أننا لم نستطع إلا تشكيل حلقة واحدة تضم يوسف الحجي وخالد الفرحان( وقد أصبحا وزيرين فيما بعد وبعد أن تركا الدعوة أيضا) وإبراهيم الصوري ومحمد البابول وقد ثبت هذا أن إلى اليوم كما علمت، وقد لاحظت أن جميع الأفراد الذين انضموا للدراسة عن طريق خالد الحسن إنما ساروا لحبهم له وكان الرابط مشاعرياً أكثر منه فكرياً وكان خالد ذلق اللسان حلو الحديث يغلب على أسلوبه الملاينة والملاطفة مما جعله يكسب عدداً كبيراً، وكان ج.الهندي يسير على نفس أسلوبه تماماً مما اكسبنا كثيراً من الدارسين والمؤيدين بينما اتهمت إنا بفظاظة الأسلوب وعدم الملاينة والشدة في النقاش علقت كثيراً من خالد والهنديوكانا هما المسئولين عن الدعوة في الكويت ولم انعما نسب إلي إلى أن حصل مرة نقاش بيني وبين أ.ناصر الدين وهو من الخليل وكان شيوعياً معروفاً وقد أحرجته في النقاش أمام عدد من كبار السن من الخليل وكانوا يزورونه وذلك عندما أصررت على أن يجيبني بنعم أو لا عن إيمانه بالله وأصررت على ذلك وغضب وأحرج كثيراً أمام الحاضرين وطردني من بيته بحجة أن هذا ليس أسلوبا للنقاش وشكاني إلى خالد وكان خالد يتبع أسلوب الملاينة كما ذكرت فكتب خالد إلى الشيخ يشكوني بسبب أسلوبي المنفر ولم اعلم بذلك إلى أن جاء الجواب من الشيخ رحمه الله فقرأ خالد الجواب بان أسلوبي في النقاش هو الصحيح وانه رحمه الله يعرف أسلوبي جيداً.
عدت إلى القدس لقضاء عطلة الصيف فوجدت عدداً من الشباب المتحمسين اذكر منهم شاباً من الضفة الشرقية اسمه صالح الساكت كان نشيطاً جداً ووجدته تناقش الشيوعيين في القطرية الديالكتيكية وكان الشيخ رحمه الله قد أضاف في القيادة الفكرية في نظام الإسلام نقضاً للنظرية الديالكتيكية وكان هذا النقض سلاحاً قوياً بأيدي الشباب حتى لقد كان يقول بعضهم عند نقاشه لبعض المخدوعين بالشيوعية لقد كنا نفهم الشيوعي تلك النظرية ثم ننقضها له وتلهفت على الدراسة ذلك النقض وكان مطبوعاً على أوراق منفصلة وقال رحمه الله أنها ستضاف إلى بحث القيادة الفكرية في الطبعة الثانية أن شاء الله، كما وإنني رجعت إلى ملازمة عباس والشيخ داود رحمهما الله وكنا نقضي معظم الليالي مع الشيخ رحمه الله وكان في تلك الفترة قد كتب على أوراق بلغت ست عشرة صفحة بحث النظام الاقتصادي في الإسلام وكان يدرسه لبعض الشباب في منزله ولاحظت في تلك الفترة حضور عدد من الشباب من منطقة طولكرم اذكر منهم م. عكاشة وف.حبايب وعدد آخر كان يحضر من الخليل وباقي جهات الضفة الغربية. واسند رحمه الله إلي بعض الحلقات وكان رحمه الله قد حصل على غرفة صغيرة مقابل قبة الصخرة في الجهة الغربية ولا اعرف كيف أعطتها إدارة الأوقاف له ولم يكن يتردد عليها كثيراً وقد قضيت العطلة الصيفية ادرس فيها حلقتين أو ثلاثة يومياً بالإضافة إلى حلقة أخرى كل ليلة تقريباً في منطقة حارة اليهود وأتوجه بعدها إلى منزل الشيخ رحمه الله في وادي الجوز وشغلت كثيراً في تلك العطلة حتى أن والدي رحمه الله قال لي مرة كأنك لم تحضر من الكويت لقلة رؤيتنا ذلك وذكر أول ليلة وصلت فيها وكانت في أول أيام رمضان فزلت إلى المسجد الأقصى بعد الإفطار وجلسنا في تلك الغرفة الصغيرة وكنت أحدثهم عن الدعوة في الكويت وأدركنا الوقت وأغلقت أبواب المسجد فلم نستطع الخروج وبقينا إلى السحور وصلينا صلاة الفجر وحراس المسجد يغلقون الأبواب عادة بعد صلاة العشاء،ولم بانقضاء الوقت في تلك العطلة ورجعت إلى الكويت وكان ذلك في بداية العام الدراسي سنة 1954 وكنت قد أحضرت معي آخر ما كتبه الشيخ من أبحاث جديدة ولاسيما بحث نقض النظرية الديالكتيكية وقمت بتدريسها لخالد ويوسف وجودت وبقية الشباب وكان فهمي للأفكار أدق من فهم الجميع حيث كنت قداخذت من رأس النبع كما يقولون.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 07:08 PM   #16
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (هـ)

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريان (هـ)
واستمر نشاطنا بشكل رائع واستطعنا أن نوقف الشيوعيين عند حدهم والذين بهتوا لفهمنا الجديد وكان في الكويت عدد كبير منهم من شتى البلدان العربية، واخذ النقاش في الكويت يظهر بشكل جلي ولاسيما وان جمعية الإرشاد الإسلامي والتي تمثل الإخوان المسلمين قد بدأت يثير الأجواء ضدنا وبدا عداؤهم يظهر بشكل واضح وكان خالد قد ترك العمل مع شركة عبد الله العلي المطوع وهو الذي كان مسئولاً عن جمعية الإرشاد الإسلامي ولا يزال إلى اليوم مسئولاً عن جمعية الإصلاح الاجتماعي وهي البديل عن الجمعية السابقة ومع عدائهم لنا فقد كانوا يشعرون بقوة ودقة الأفكار التي نحملها لاسيما وأننا قد أوقفنا الشيوعيين والبعثيين وكانوا يعرفون باسم القوميين العرب وكان على رأسهم كويتي هو عبدا لله حسين واحمد السقف واللذان صارا سفراء لدولة الكويت في هذه الأيام ولا يزالا على عدائهم للإسلام وإيمانهم يفصله عن الحياة واذكر أننا زرنا عبد الله حسين في منزله وناقشناه فوجدناه على حد تعبير الشيخ رحمه الله أملسا لا يثبت لديه مفهوم وإنما تنتفخ أوداجه عند ذكر القومية العربية وكان يكتب مقالات يهاجم الإيرانيين في صحيفة تصدر في الكويت أظن أن اسمها كان الصدى وتذكرت كلام الشيخ رحمه الله عن القومية العربية فقد كان يذكر بيتاً عند ذكرها هو :
وما مثلها إلا كفارغ بتدق خلي من المعنى ولكن يفرقع
ومضى العام الدراسي وكنت اسكن مع جودت ونعيم وكان خالد يحض كل ليلة لعندنا كما كان يحضر عدد آخر اذكر منهم محمد معروف وكان طيباً وكريماً وقد تبرع بمبلغ كبير لطباعة بعض كتب الدعوة وكان خالد مسئولا عن حلقة الشباب الكويتيين وكان على علاقة طيبة مع الكثيرين منهم بحكم عمله الجديد في بلدية الكويت. وكنت إنا مسئولا عن حلقة تضم المرحوم عبد اللطيف أبو صبره والمرحوم شحادة عرعر وزكريا الصادي واثنين آخرين وكانوا جميعاً مساحين في بلدية الكويت وكانوا يسكنون في سكن الإشغال في منطقة الشامية واستمرت تلك الحلقة معي لمدة سنتين أو أكثر كما كان جودت مسئولا عن حلقةاخرى وكذلك بعض الشباب الآخرين.
وعدت كعادتي إلى القدس في صيف 1955 وكانت عطلة رائعة أيضا فقد كان الشيخ يدرس نظام الحكم وكان قد كتبه أثناء وجودي في الكويت وكان قد ترك منزله الذي يملكه شخص من عائلة حمدون وعلمت انه قد فعل ذلك لعدم رغبته في إحضار عائلته من بيروت نهائياً ولا أتذكر بالضبط هل رشح رحمه الله نفسه للبرلمان الأردني في ذلك الصيف أم الذي قبله وقد نزل رحمه الله في قائمة انتخابية مع أنور نسيبه واستغرب الناس كثيراً لان أنور نسيبه كان معروفاً بأنه من المحسوبين على الحكومة الأردنية وقد نجح فعلاً بينما لم ينجح رحمه الله وعلمت انه كان يعرف النتيجة سلفاً وإنما نزل مع نسيبة فقط من باب الدعاية للدعوة واتخذ فترة الانتخابات منبرا للتحدث كما يريد وقد استفدنا من ذلك كثيراً في تلك الفترة وكنت قد كتبت جميع اليافطات الانتخابية على قطع طويلة من القماش الأبيض وأتذكر بعض الشعارات التي كتبها مثل" إرجاع الخلافة الإسلامية هو الحل أيها المسلمون" انتخبوا تقي الدين النيهاني وأنور نسيبة وغير ذلك من الشعارات.
ذكرت رحمه الله كان يدرس نظام الحكم في ذلك الصيف وكان يجلس في دار المرحوم توفيق أبو خلف وهو من الخليل وكان رحمه الله من النشيطين والمتحمسين كثيراً للدعوة وقد ترك منزله الكائن في وادي الجوز واخذ عائلته لقضاء الصيف في الخليل وكان المنزل كخلية النحل وكنت أرى الشيخ رحمه الله جالساً يدرس نظام الحكم من الساعة الثامنة صباحاً إلى منتصف الليل يومياً وكان ثلاثة من شباب العراق ملازمين له وينامون في المنزل معه وهم المرحوم عبد العزيز البدري والذي قتله البعثيون في العراق وإبراهيم مكي وهو الآن مدير الموانئ في الكويت وأبو علي ولا اعرف اسمه الكامل وقد حمل الثلاثة الدعوة في العراق وكان لهم الفضل في نشرها هناك واذكر المرحوم البدري انه كان يقف أثناء القراءة ويقول للشيخ رحمه الله " سيدي هذا مو صحيح" فيقول له الشيخ " ولم يا شيخ عبد العزيز" فيقول" ما هكذا درست في الأزهر يا سيدي" فيقول لي رحمه الله احضر لي الكتاب الفلاني من الداخل فأحضرت الكتاب فيقول لي أعطه للشيخ عبد العزيز فأعطيته إياه فيقول له "افتح البحث كذا والصفحة كذا واقرأ واسمعنا يا شيخ" فيقرأ رحمه الله ويقف قائلاً"ها بلى سيدي صحيح ما تقوله" ويضحك الشيخ تقي وهو يضع يده اليسرى على صلعته ويحمل كتاب نظام الحكم في يده اليمنى. وتكرر ذلك من الشيخ عبد العزيز البدري عدة مرات ثم قال لن أسالك بعد الآن فكل ما تقوله صحيح وقال السيخ تقي الدين له عندما استغرب مرة كيف انه لم يفهم ذلك في الأزهر فقال له" لقد كنت تدرس هناك لتنال الشهادة فقط أما نحن هنافاننا ندرس لنطبق ذلك غداً أن شاء الله".
وكان هناك شيخ مصري يلازم الشيخ أيضا في تلك الدار لا اذكر اسمه ولما سالت عنه في السنة التالية علمت أن الشيخ رحمه الله قد طرده فقد كان يعمل مع المخابرات الأردنية ولعل الشيخ رحمه الله قد لاحظ عليه ذلك فقد كان هناك شاب من دار أبو خلف يضايق الشيخ المصري دائماً محاولاً طرده من البيت وكان أبو إبراهيم رحمه الله يلاحظ ذلك فيسكت.
وعلمت في نهاية تلك العطلة الصيفية أن الشيخ رحمه الله سيستقر في عمان وذلك لأنه سيعمل في الكلية العلمية الإسلامية وبالفعل فقد رجعت إنا إلى الكويت ونزل الشيخ إلى عمان وعمل مدرساً في تلك الكلية وقد علمت انه قد اتخذها منبراً للدعوة أيضا وقام بضم كثير من الشباب للعداوة أثناء العام الدراسي وعلمت انه قد قدم إشعارا إلى وزارة الداخلية الأردنية بتأسيس حزب التحرير وكان القانون ينص على إشعار الداخلية فقط بتأسيس الحزب ويصبح الحزب بعدها قانونياً ولم يكن المسئول عن وزارة الداخلية يعلم ذلك وهو من دار المغربي فلما استلم الإشعار ووقع باستلامه علم بالقانون إلي كان معمولا به أيام الخلافة العثمانية وذلك لتسهيل إقامة التكتلات التي تعمل لهدم الخلافة واستفادة رحمه الله من هذا القانون وجاء السيد المغربي يكاد يبكي خوفاً على وظيفته طالباً من الشيخ رحمه الله سحب الإشعار ولكنه رحمه الله رفض ذلك وكان يتندر رحمه الله إمامنا عن جهل المسئولين في الدولة وذكر لنا قصة تقديم الإشعار بقيام الحزب.
ولاحظت في تلك الفترة التي كان فيها الشيخ رحمه الله يدرس نظام الحكم تأييد عدد كبير من رجال الأزهر والذين كانوا قبلاً يعارضون رحمه الله ويأتي كثير منهم ينصحون بالإقلاع عن القيام بالتكتل الحزبي حرصا عليه وخوفاً من اصطدامه بالدولة واذكر من المؤيدين المتحمسين الشيخ حافظ صندوقه رحمه الله والشيخ فارس إدريس والشيخ جميل الخطيب وكان ولا يزال إماما للمسجد الأقصى يلقي خطبة الجمعة وكنت قد درسته نظام الإسلام وكتاب المفاهيم حزب التحرير وكان سريع الفهم وطل مؤيدا للحزب حتى لقد سمعت له خطبة الجمعة في العام الماضي 1984 وكنت ازور القدس وكانت خطبته بالحرف الواحد من كتاب المفاهيم وعلمت أن خطبه كلها من كتاب الحزب.كما أنني اذكر شيخاً اسمه عبد السميع وهو مصري كان من الإخوان المسلمين وقد لجأ إلى الضفة الغربية أيام عبد الناصر وكان يسكن قرية قباطية في قضاء نابلس وقد اقسم أمامي بأنه أسس مع الشيخ حسن ألبنا أكثر من مئة شعبة لهم في الصعيد بمصر وانه بعد أن اجتمع بالشيخ تقي الدين عرف أن طريق الحزب هي الصحيحة واقسم أمام الشيخ وكنت حاضرا بان المرحوم حسن ألبنا لو كان حاضرا لتبع حزب التحرير ولكن "دول اللي جوم بعده ما يخافوش ربنا" كما قالها باللهجة المصرية. أما قاضي القدس الشرعي الشيخ حلمي المحتسب فكان يعجب بالشيخ تقي الدين رحمهما الله ولكن يبتعد عن الحزب أما الشيخ عبد الله غوشة رحمه الله والذي أصبح قاضيا للقضاة فيما بعد فقد كان يعيش في برجة العاجي وكان يستمع من بعيد لأفكار الحزب دون محاولة الاقتراب منها واذكر انه قد دعي لإلقاء محاضرة عن الحريات في الإسلام في جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية وكان وقتئذ قاضيا للقضاة في أول أيام حكم الملك حسين وكان الملك عبد قد استمع إلى درس للشيخ عبد الله غوشة في مسجد الأقصى وذلك قبل مقتلة بأسابيع وأعجب بدرسه وقربه وصار فيما بعد قاضيا للقضاة. ولما كانت تربطني بالشيخ عبدا لله غوشة قرابة أراد والدي رحمه الله أن يذهب لوداعه وعرض على الذهاب معه ووجدت ذلك فرصة لمناقشته في موضوع المحاضرة وذهبنا فعلا فلما دخلنا وجدنا قاعة الاستقبال ممتلئة بالمودعين والمنزلقين وكان بينهم عدد كبير من الأزهريين ولا عجب فهم في حضرة قاضيا القضاة وكان هو يحدثهم عن محاضرته التي سيلقيها ولما جلسنا نظرت حولي وانتهزت أول فرصة للسؤال عن موضوع المحاضرة فأجابني بأنها عن الحريات في الإسلام وقبل أن يستمر في كلامه قلت بصوت عال أن عنوان المحاضرة خطأ لأنه لا توجد حريات في الإسلام وبدأ اشرح ما جاء في بحث القيادة الفكرية في نظام الإسلام وكان الشيخ رحمه الله قد انتهت أيامه منذ وقت طويل وكانت الأفكار واضحة تماما للتضايق الشيخ عبد الله كثيرا وتدخل بعض الحاضرين ليسكتوني وكنت ربما اصغر الجالسين سنا وبدأ الامتعاض على وجه والدي رحمه الله ولاسيما أن زوجة الشيخ عبدا لله قد أرسلت تناديه وهي شقيقته وذهب وعاد يناديني لننسحب وذلك بعد أن بينت رأي أمام الحاضرين وعلمت من والدي بعد ذلك أنها قد طلبت منه أن يأخذني معه وكان ذلك بمثابة طرد لنا من ذلك المنزل واذكر إنني أخبرت تقي الدين رحمه الله بذلك فسر كثيرا وضحك لأنني أحرجت قاضي القضاة. وعلى هذا المنصب فقد علمت من عباس رحمه الله وكان مصدر ثقة وكان يسأل الشيخ تقي الدين رحمه الله كثيرا علمت منه أن الملك عبد كان قد أرسل في طلب الشيخ تقي الدين ودعاه لمقابلته في الفر الملكي فقال له الملك عبد الله "ما الذي سمعناه عنك يا شيخ" فلم يرد أبو إبراهيم رحمه الله بشيء وأعادها للملك فلم يرد عليه ثم قال الملك "يا شيخ أتوالي من نوالي وتعادي من نعادي أعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه الشيخ تقي الدين رحمه الله أخيرا قائلا لقد عاهدت الله تعالي أن اخدم الإسلام والمسلمين وان أجاهد الكفار والكافرين والمنافقين " فلم يدعه الملك يكمل حديثه وطرده صائحا " اخرج اخرج " وعلمت فيما بعد أن الملك عبد الله قد أرسل للشيخ تقي الدين شخصا نسيت اسمه يعرض عليه منصب قاضي القضاة أن هو اظهر ولاؤه للملك عبد الله وبطبع رفض الشيخ رحمه الله رفضا باتا وطرد ذلك الشخص.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 07:12 PM   #17
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريانـ( و)

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريانـ( و)
وعدت إلى الكويت في العام الدراسي 1956 وهو عام عصيب كان علينا في الكويت وكان كذلك عصيبا على حملة الدعوة في المنطقة فقد سما نجم هبل تلك الفترة من الزمن وهو عبد الناصر، وكنا في الكويت نعاني من تعصب الجالية المصرية وغرورهم ولاسيما مع ارتفاع نجم هبل في تلك الفترة وكان كل مصري تقريبا يتدله بكبريائه على الناس معتبرا نفسه عبد الناصر والذي كان يغيظنا هو تقديس كثير من الفلسطينيين له حتى أكثر من بعض المصريين أنفسهم.

وكنت إنا وجودت وظافر وعدد آخر نعمل مدرسين في مدرسة عمر ابن الخطاب وكان ناظر المدرسة سعدي بدران وكان كبير في السن ويغلب عليه ايلوب الملاينة والملاطعة مما جعل المفتشين المصريين يستغلون هذا الضعف لتغييره والإتيان بمصري بدله وكانت تلك سياستهم في تلك الفترة وكان ناظر المدرسة سعدي بدران رحمه الله يعطف على الدعوة ويؤيدها قلبيا حتى لقد قال له مرة مفتش الرياضيات أن مدرستك هي وكر للتحرريين واتهمه بتأيدهم وكانت النتيجة أن أرسل لي ولجودت وعدد آخر من المدرسين إنذارات لطرد من العمل إذا استمر نشاطنا الحزبي وكان ذلك طبعا من تقرير المفتشين المصريين وحصل أن دعي الناظر إلى اجتماع للمدرسين لبحث شؤون التدريس وصادق ذلك يوم العدوان الثلاثي على مصر وتكهرب الجو ونحن في الاجتماع بعد أن كان احد الفراشين يقدم الشاي وذلك عندما قام أزهري مصري الشيخ مجاور وصار يلطم خدوده ويبكي ويصيح " مصر تضرب بالقنابل وانتم هنا تشربون الشاي" وكان صوته أنكر من الأصوات الحمير فقد كان النفاق ظاهرا عليه وكان يحقد على الدعوة كثيرا ويحقد على الناظر معتقدا انه واحدا منا ولعله كان يطمع هو بمنصب النظارة وقد علمت فيما بعد انه صار مفتشا ولم أر الحاج سعدي رحمه الله غضبا منا كما تلك اللحظة حتى لقد صار يمسك بأكواب الشاي ويرميها على الأرض ويصيح أننا نحب مصر أكثر منك وانبرى للشيخ مجاور بعض المدرسين المعروفين بحبهم لعبد الناصر يردون عن أنفسهم التهمة وإنهم يحبون مصر أكثر منه وأثارت تلك القصة جوا عدائيا للمدرسة وناظرها ولا سيما بعد أن خرج عبد الناصر منتصرا من حرب1956 على حد زعم الذين عبدوه من دون الله وكان الحزب قد اصدر نشرات حول العدوان الثلاثي وقمنا بتوزيعه على الناس الذين حقدوا علينا واتهمونا بالخيانة والتعامل مع إسرائيل وانكشفنا لدى الناس جميعا بأننا أعداء الزعيم هبل وصرنا لا نعرف من أين نتلقى التهكمات والاستهزاء وعلمنا أن العام الدراسي لن يمر على خير فقد طردت وزارة التربية عددا كبيرا من حملة الدعوة وكان جو العداء لنا مساعدا على ذلك وعلمت أن أحد المدرسين واسمه محمد طنطاوي وكان معنا في المدرسة وهو من المباحث عبد الناصر وكان يعرض علينا صوره مع عبد الناصر مفتخرا بملازمته له ،علمت أنه ذهب إلى عبد العزيز حسين وزير التربية آنذاك وقال له أنه سيقتلني إذا لم توقفني الوزارة عند حدي وأنني أغلط وأشتم الرئيس عبد الناصر وبالطبع لم نشتم الرئيس ولكنا نقول عنه أنه عميل لا أمريكا وأني لا فهام الناس أن تدرك ذلك فقد كانت أدمغتهم في تلك الفترة محاطة من غشاوة التقديس لهبل وزير التربية من ذلك المصري والذي كان صلعا فأنهى عقده وأرسلوا لي إنذار نهائيا جاء فيه "بلغ الوزارة أنك لازلت تتمادى في إثارة النقاش السياسي في المدرسة مما يسبب انحرافا في السير الدراسة وعليه فإننا نعتبر ذلك إنذار الأخير الموجه لكم" كما أرفقوا مع الإنذار أمرا إداريا بنقلي إلى مدرسة ابتدائية صغيرة في دور التأسيس وذلك إبعادا لي عن نقل الدعوة للطلاب والذين شكلنا منهم حلقة واكتشف مفتش الاجتماعات ذلك عندما أحد التلاميذ ممن يدرسون في الحلقة وذلك عندما أفهم المفتش بأن الجهاد حرب هجومية وليست دفاعية فقد شرح المفتش وهو عثمان فيظ الله رحمه الله بأن قد طردت المسلمين من مكة واستولت على أملاكهم وأراد من الطلاب أن يستنتجوا عذرا للمسلمين في قتالهم للكفار فانبرى له ذلك الطالب وهو من عائلة المصري وأحرجه كما أن طالبا أخر أحرج مفتش اللغة العربية والدين عندما بين له أن آية الزكاة يفهم منها أن الدولة هي التي تجمع الزكاة من الناس لقوله تعالى فيها "والعاملين عليها".
وكثر الهجوم علينا كما ذكرت وارتفعت شعبية عبد الناصر هين ذلك العصر وكانت البعثة المصرية في الكويت تكاد تستولي على الحكم ولا سيما وقد كان على رأسهم شخص اسمه عبد المجيد مصطفى وكان كما سمعنا يغشاه عبد الله سالم أمير الكويت في ذلك الوقت وكان اسم عبد الناصر مكتسحا لكل شيء وكان الناس يلمسون له العذر في كل شيء ويبررون له أي خطأ وقد أحاطوه بهالة من التقديس وكان أحد شبابنا وهو المرحوم عياش العبوشي مدرسا في إحدى المدارس وكان سريع الانفعال كثير الغضب وكان بعض عبدة عبد الناصر قد لاحظوا عليه ذلك فكانوا يستفزونه باستمرار فيقول رحمه الله"اسمعوا لا يوجد إلا حزبين حزب التحرير وحزب التبرير وأنتم من حزب التبرير"وكانوا كلما ناقشهم في أخطاء هبل أوجدوا له تبرير قد لا يخطر على باله هو. وقد أنهت وزارة التربية عقده أيضا وتوفي في حادث سيارة رحمه الله.
ونقلت إلى المدرسة الأحمدية وهي ابتدائية ناظرها كويتي اذكره بالخير وهو إسماعيل الشرهان وقد حذره المفتش الاجتماعيات عثمان فيظ الله مني وأنني قد أخرب المدرسة وطلب منه مراقبتي ولكن هذا الناظر قدرني بعد مدة وجيزة حتى أصبح لا يقطع أمرا دون استشارتي واطمأننت إليه وصرت أعطيه بعض البيانات وكان يسر بها ويتكلم بأفكارنا في ديوانيته ويناقش كأنه واحد منا وكان له الفضل في تحسين صورتي لدى وزارة التربية ولا أنسى فضله أبدا فقد كان يعطي المفتشين صورة حسنة عني قبل أن يزوروني في حجرة الدراسة ولا أنسى أن المفتش عثمان فيظ الله قد أرسل طالبا أن أقابله في مكتبه في وزارة التربية واستغربت لذلك كثيرا وذلك عندما ذهبت إليه في مكتبه وكان معه مفتش اللغة العربية محمد موافي وفوجئت بطلب فيظ الله أن أحدثه عن عبد الناصر وعمالته وطمأنني فتكلمت كما أريد وتأكد لدي أن كثيرا من كبار الموظفين المصرين كانوا يكرهون عبد الناصر ولكن كانوا يخفون ذلك خوفا فقد كان بينهم من المباحث وترددت عليهما عدة مرات وكانا يسران من كلامي كثيرا وخطر ببالي أن ذلك قد يكون استدراج لي ولكن ظني كان في غير محله إذ أنه في نهاية العام قد أرسلا لي كتاب شكر رسمي من الوزارة التربية وتكرر ذلك لمدة ثلاث سنوات ورشحني فيظ الله لمنصب وكيل وكانت كتب الشكر الثلاثة قد مسحت الإنذارين السابقين ولكن لم أحصل على منصب الوكالة ورقيت فيما بعد إلى منصب مدرس أول ولا أنسى موقف ناظر المدرسة معي أثناء حرب 1967 حين طلب من الجميع المدرسين في مدارس الكويت التبرع للجيوش العربية وطلب من كل مدرس التوقيع أمام اسمه بنسبة التبرع التي سيدفعها في نهاية الشهر وكانت لا تقل عن نصف الراتب فما فوق وجبن المدرسون ووقعوا وظهر التذمر على المدرسين من القطاع غزة والذين كانوا يسبحون لعبد الناصر فقد حسبوا أن ما سيتبرعون به سيصل إلى مئات الجنيهات المصرية بحكم تحويلهم كل دينار كويتي إلى مصري وحديثهم الصباحي بينهم كان يوميا عن آخر سعر لتحويل الدينار الكويتي إلى مصري.ورفضت التوقيع أمام اسمي فاستغل الوكيل ذلك وكان سوريا منافقا من أذناب عبد الناصر وقد عين وكيلا على غير رغبة الناظر وكتب قائمة التبرعات للمدرسين وكتب اسمي باللون الأحمر وكتب أمامه كلمة مستنكف عن الدفع ودخل غرفة الناظر ليوقها ويرسلها للوزارة فلما نظر الناظر إليها وغضب جدا وقال صائحا به واسمه أحمد الجابي أن ما افهمه أنا عن قضية فلسطين وإخلاصي لا يمكنك أن تصل إليه بعشرات السنين ولكن أقسم بالله أنني لن أبقيك في هذه المدرسة واتصل رأسا بوزير التربية وكان اسمه وقتئذ فيصل الصالح وطلب منه نقل وكيل المدرسة أو نقله هو ولم يذكر السبب حماية لي وذكر أنه لا تعاون بينهما وفعلا نقل الوكيل إلى المدرسة بعيدة في السالمية وأما التبرعات فقد نصحته بأن لا يرسلها للوزارة وفعلا أخذ برأي وكان الناس قد تفتحت أعينهم بعد أسبوعين من حرب 1967 التمثيلية والتي خزا الله فيها عبد الناصر وتحطم هبل إلى غير ما رجعة وصرنا نأخذ موقف الهجوم على عبدته ولاسيما مدرسي منطقة غزة الذين صاروا يتخبطون لضياع تحويشات العمر ووضعها في القطاع واتصل قسم المالية بوزارة التربية بالناظر ليرسل قائمة التبرعات فصار يماطل إلى أن جاء آخر الشهر وجاءت الرواتب كاملة لم يخصم منها شيء فجمع الناظر المدرسين وقال لنا أن خبرا طيبا سأقوله لكم ولاسيما للمصريين ومدرسي قطاع غزة وهو أن الرواتب جاءت كاملة لم يخصم منها شيء وأن الفضل في ذلك يرجع إلي أشار إلي شاكرا ومؤيدا موقعي مما أغاظهم رغم فرحهم العظيم بإنقاذ نصف راتبهم وعلمنا فيما بعد أن المدرسة الوحيدة في الكويت التي لم يتبرع مدرسوها للمجهود الحربي للجيوش العربية كانت المدرسة الأحمدية وربما اتهمنا البعض بالبخل والخيانة ولكن الصعقة التي صعقها هبل للأمة كانت شديدة أفقدتهم صوابهم فلم يلتفتوا إلينا وصار كل واحد منهم يراجع حساباته وكان هدف الأكثرية الساحقة من المدرسين والموظفين في الكويت هو البقاء في وظائفهم والتي تدر عليهم مبالغ كبيرة إذا قيست بما يأخذه أمثالهم في البلاد العربية وقضاء عطلة الصيف في الضفة الغربية أو غيرها ولذلك صارت النغمة التي صرنا نسمعها بعد سقوط الضفة الغربية هي هل سنصيف في العطلة الصيفية هناك وكان الناس يسألونا هذا السؤال بعد أن نعطيهم نشرة فيها تحليل سياسي وكان كل ما يهمهم الإجابة عن السؤال حول رجوع الضفة الغربية .
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2020, 07:14 PM   #18
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2,088
افتراضي تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريانـ (ز)

تذكرات محمد حمدي عبد الرؤوف العريانـ (ز)
لقد استبقت الأمور ونسيت ذكر ما حدث في سنة 1957-1958وهي السنة التي تعرض فيها الحزب إلى هزة عنيفة لم نتوقعها وهي مشكلة الخلاف الذي حصل في مفهوم القيادة والتي أدت نتيجتها إلى سقوط عدد كبير من الشباب والذي وجد بعضهم الفرصة مواتية للخروج من التكتل متخذاً ذلك الخلاف حجة وأصاب الفتور عدداً آخر ولا أنكر أن الفتور أصابني لهول الصدمة. وقد عدت من القدس في صيف تلك السنة وكان الحزب قد نزل الانتخابات قبلها مرة ثانية ولم ينزل الشيخ رحمه الله بل في القدس داود حمدان رحمه الله ونزل في الخليل أسعد بيوض ويوسف الصغير ولعل أسعد بيوض قد انسحب في آخر لحظة مما أدى إلى اتخاذ الحزب أمر بفصله على ما سمعت ونزل في طولكرم الشيخ أحمد الداعور وهو الوحيد الذي نجح في الانتخابات رغم محاولة إسقاطه بتزوير واتخذ الحزب من عضويته في البرلمان وسيلة لنشر كثير الأفكار وطبعها في كتيبات وتوزيعها على الناس بحجة أنها بيانات موجه للحكومة باسم النائب أحمد الداعور وقد أفاد الحزب منذ ذلك كثيراً إلى أن أوقعت عضويته فيما بعد وقد كتبت مرة ثانية اليافطات الانتخابية لمرشحينا في منطقة الخليل والقدس وطولكرم وأظن أن غانم عبده قد رشح في عمان.
أما الشيخ رحمه الله فقد علمت انه اعتقل لمدة ثم أطلق سراحه وقد كلفني في تلك السنة أن أمر على دمشق أثناء رجوعي من الكويت لأطمئن والدته عليه وانه خرج من السجن وانه يحاول الحضور لزيارتها عند حصوله على الأذن بالسفر وقد علمت انه كان ممنوعاً من مغادرة الأردن ولم يسمحوا له بتجديد جواز السفر وعلى ذكر جواز السفر وتجديده فقد كلف رحمه الله شخص يسمى إبراهيم وهو قريب الشيخ داود حمدان بتجديد جواز في إدارة الجوازات بالقدس وكان إبراهيم هذا بسيطاً ساذجاً ولما سألوه عن اسم والدة الشيخ رحمه الله احتار ولم يعرف ما يقول وخشية أن يرجع ليسال الشيخ رحمه الله وقال لهم أن اسمها تقية وسجلوا ذلك في الجواز وعندما رجع واخبر الشيخ رحمه الله ضحك كثيراً جداً وكان دائما يتندر بما فعله إبراهيم هذا فكان يرد عليه قائلاً " يا سيدي أن اسمك تقي فقلت من المحتمل أن يكون اسم والدتك تقية. وقد زرتها فعلاً كما كلفني رحمه الله في دمشق وكانت امرأة ضريرة كبيرة السن وسألتني متلهفة عن محمد وهو اسمه رحمه الله واستغربت كيف سجنوه وهو يدعوا للخير وألحت علي في أسئلة لتطمئن على خروجه من السجن فطمأنتها رحمها الله.
ولا أنسى أبدا تلك أليلة التي اجتمعنا فيها في منزل خالد الحسن في منطقة الشامية بالكويت فلما اجتمع عدد كبير على غير عادة من الشباب الحزب قرأ خالد وكان هو المسئول الرسالة الموجهة من نمر المصري وداود حمدان حول موضوع القيادة وأنها يجب أن تكون جماعية وليست فردية وطلبا منا تأييد موقفهما من ذلك الفهم للقيادة وكان خالد مائلاً إليهما بحكم معرفته بنمر وانضم إليه جودت الهندي وجميع من كان يحوم حولهم وأكثرهم من سكان دمشق ولحظت كما ذكرت سابقا أن الصداقة الشخصية قد لعبت دورا كبيراً في توقف خالد ومن سار معهم ووجد عدد كبير منهم الفرصة السانحة لتوقف عن السير لاسيما وان الكويت صارت تشدد علينا كثيراً وطردت وأنهت عقود عدد من الشباب وكانت الوزارة تقوم بعمليات إنهاء للعقود لجميع الاتجاهات الشيوعيين والبعثيين والتحريريين ولعل كانت تتظاهر بطرد الجماعات الأخرى تبريرا لطرد شبابنا.

وقام خالد في تلك الليلة بإجراء عملية تصويت لمعرفة المؤيدين والمعارضين لنمر وداود وكانت الأغلبية معهم وصار خالد يردد بان بإمكاننا نحن في الكويت أن نضغط على الشيخ رحمه الله وذلك بان نوقف الدعم المالي للحزب وكانت الكويت أكثر من يمول مالية الحزب لكثرة عدد الشباب فيها وارتفاع رواتبهم ولم أرى الشيخ رحمه الله غاضبا أكثر من غضبه لدى سماعه موقف خالد وقد سألني عن ذلك الموقف من خالد وكان قد وصله وأحب أن يتأكد مني بالضبط أن كان خالد قد ذكر ذلك وكان ذلك في بيروت عندما اجتمعت به رحمه الله للمرة الأخيرة ولم أره بعدها إلى أن توفي رحمه الله وقد استقر في مكان لا اعرفه ولا أنسى قوة ذكرته وقد سألني رحمه الله عن موقف كل واحد من الشباب ذاكرا أسماءهم واحد واحد مع إنني متأكد انه لا يعرفهم شخصيا ولم يجتمع بهم.

أما ما تم في تلك الليلة فقد كان أسوء ما مر طيلة ثلاثين سنة الماضية ووقعت مشدوها أول الأمر لا اعرف أن اتحد موقف معينا لان معرفتي بداود كانت تنفي عنه احتمال الانزلاق مع نمر الذي لم اجتمع به إلا مرة أو مرتين ولكني علمت انه من محبي الزعامة وهذه الصفة لاحظتها في خالد وكنت دوما احدث نفسي وقد أفضيت لبعض الإخوان بذلك عن خالد هداه الله فلم يكن ذكاؤه بالقدر الذي عرف به وان كان ذلق اللسان يستحوذ على سامعيه إلا أن استيعابه الفكري كان ضعيفا إذا قيس بكثير من شباب الحزب وسبحان الله العظيم فإن نظرتي لهما قد جاءت صادقة فقد أصبح خالد اليوم الرجل الثاني في منظمة فتح وصار نمر أيضا عضوا بارزا فيها وتحققت الزعامة لهما ولا زال خالد يحلم بإنشاء دولة فلسطين على أي جزء من فلسطين ويصبح رئيسا للوزارة فيها لا حقق الله أحلامه وهداه الصراط المستقيم وقد اكتسب خالد قوة تأثيره وسعة معرفته ولا شك من أفكار الحزب كما حصل ذلك أيضا مع غيره ووصلوا إلى مناصب وزارية في الكويت كيوسف السيد هاشم وإبراهيم مكي. وانجاز إلى جانب الشيخ رحمه الله عدد قليل من الشباب كنت واحد منهم وكتب خالد للشيخ رحمه الله أن جعلني أنا الشاهد على ما جرى في تلك الليلة لعلمه بثقة الشيخ رحمه الله بي-وثبتنا والحمد لله واستمرت الدعوة سائرة في طريقها في الكويت واذكر من الذين ثبتوا محمد عكاشة وعبد اللطيف أبو صبره رحمه الله وإبراهيم الصالح وهو كويتي من أصل عراقي وكان الجو قد أصبح يميل لجانبنا وذلك بعد أن اهلك الله سبحان وأزاح عنا كابوس عبد الناصر ولكننا فوجئنا بظهور صنم جديد لعله أشد خطرا علينا من هبل السابق وكان ذلك (العمل الفدائي والذي أظهرنا أمام الناس بمظهر الخونة لعدم تأييدنا له.
وتضايقنا من العمل الفدائي كثير لا سيما أن الناس يؤمنون بالأشياء الملموسة وكانوا يسمعون لا يوم عن الأعمال الفدائية من هجوم على القوات الإسرائيلية وخطف الطائرات حتى لقد تصور البعض أن الرجوع فلسطين قد أصبح على مرمى النظر وان سقوط إسرائيل لم يبقى له أشهر قليلة وكنا نسمع التهكم والاستهزاء وتكال لنا تهم الاستخذاء والعمالة لموقعنا من ذلك العمل والذي ابعد الناس كثيرة بعد أن كانوا يقتربون بعد هلاك عبد الناصر بدء التفتح بعض العيون التي عاد وميض العمل الفدائي وأغلقها مرة ثانية وصرنا نسمع الجملة المأثورة من الناس "أن الطلقة الواحدة على إسرائيل هي أفضل إلف مرة من جميع بيانات حزب التحرير خلال العشرين السنة الماضية".

ولم الناس أن العمل الفدائي إنما كان ممسحة للحكام مسحوا فيه أقذارهم بعد هزيمتهم سنة 1967 وتستروا وراءه ليرجعوا هيبتهم الضائعة والتي مرغتها إسرائيل بالتراب وبدأ الناس اليوم أي في عام 1983 يتذكرون كلام الحزب عن العمل الفدائي بعد ما حصل في لبنان والتخاذل وظهور عرفات ومن دار في ملكة بمظهر المتهالكين على الحل السلمي وكسب منصب رئيس الدولة الفلسطينية لا أقام الله كيانا وبدأت بعض الغشاوات تزول عن الأذهان وان كان لا يزال في الأمة من هم في غيهم يعمهون.

هذه بعض الذكريات أحببت أن اكتبها وفيها شيء من تاريخ إنشاء الحزب وفىتني أن اذكر أن الشيخ رحمه الله عندما كان في القدس عام 55 – 56 قد اتخذ مكتبا للحزب في عمارة هندية باب العمود وقد سمعت من عباس القرد رحمه الله أن الشيخ قد اجتمع بسيد قطب لبحث إمكانية توحيد الإخوان مع الحزب وقمت بنفسي وسألت الشيخ رحمه الله عن ذلك وكان قد عاد من بيروت حيث تم الاجتماع هناك مع سيد قطب رحمه الله ولم يشأ الشيخ رحمه الله أن يخوض في تفاصيل النقاش وقال لي بالحرف الواحد " أن سيد قطب مؤلف كتب ولبى حامل الدعوة" فلما استفسرت عن معني قوله قال لي " اسمع يا حمدي أن أي إنسان عنده جلد على التنقيب يستطيع الغوص على الكنوز الإسلامية فيزيل عنها الغبار ويعرضها بثوب بهيج أما أن يجعل هذه الأفكار تسير في الأسواق من قبل حملة الدعوة فهذا عمل لا يقوم به إلا عدد قليل من الناس" وعرفت أن المرحوم سيد قطب كان مؤلفا فقط ثم تبنى الإخوان كتبه فيما بعد وصار واحد منهم. وذكر رحمه الله انه لا يقبل مطلقاً أن ينضم الإخوان كمجموعة للحزب ولا يقبل إلا أن يدخلوا كأفراد يدرسون في الحلقات ولا يستثنى من ذلك احد منهم وهذا ما ذكره بالحرف الواحد رحمه الله. واذكر انه بعدها توجهت معه إلى منزل المرحوم أبو خلف في وادي الجوز فتركنا المكتب وسيرنا إلى باب الزاهرة في طريقنا لوادي الجوز وكان رحمه الله يردد في الطريق أبيات شوقي في رثاء الخلافة والتي سمعتها لأول مرة فأعجبت بها وقلت لما لا نكتبها في بعض الكتب فضحك رحمه الله قائلاً" أننا لا نكتب كتب بالأدب " وسألني هل أعجبتك فعلاً فقلت نعم ويظهر أن ذلك قد بقي عالقاً في ذهنه رحمه الله وفوجئت بعد أكثر من عشر سنوات تظهر تلك الأبيات في رثاء الخلافة لأحمد شوقي في كتاب نداء حار من حزب التحرير رحم الله الشيخ رحمه واسعة واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً وجزاه الله عن المسلمين كل خير فقد أدى الأمانة وبذل ما يستطيع وتحمل فوق ما يتحمله كثير من الناس ويكفي انه عاش أكثر من خمسة وعشرون عاما بأسماء مستعارة غير مستقر بمكان واحد ولم تسلط الأضواء عليه إلا قليلاً بعد موته ولم يعلن عنه إلا بعد أن توفي في بيروت ودفن بها رحمه الله عام 1977.
نسأل الله أن يعيننا على إكمال ما بدأ وأعاد إرجاع نظام الخلافة للأرض انه سميع مجيب.
لوس انجلوس يناير 1985
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:36 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.