قديم 10-29-2014, 12:57 PM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,134
افتراضي وقفات بين يدي الهجرة إلى الحبشة


وقفات بين يدي الهجرة إلى الحبشة

المهندس ثائر سلامه (أبو مالك )
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد

لما اشتد الأذى بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن لمن شاء منهم بالهجرة إلى الحبشة، في رجب سنة خمس للبعثة، قبيل إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، ولقد رأيت أن أقف وقفات مع هذا الحدث الهام في تاريخ الدعوة الاسلامية، فأقول وبالله التوفيق:

بينا حال المسلمين على ما نعلم من اشتداد الأذى نزل قوله تعالى من سورة الزمر:

ï´؟قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍï´¾(10)

قال القرطبي في تفسيره (وابن عطية): وقال ابن عباس: يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة.

وقال سيد قطب رحمه الله في الظلال: فلا يقعد بكم حب الأرض، وإلف المكان، وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها، إذا ضاقت بكم في دينكم، وأعجزكم فيها الإحسان. فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان؛ ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان.
فأول درس نتعلمه من هذه الهجرة، هو نبذ الوطنية والالتصاق بالأرض وأن الولاء للاسلام.
قال ابن إسحاق : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه .
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاشتغال بالسياسة منذ أول أيام الدعوة، فها هو عليه سلام الله يعلم حال الحبشة، ففيها ملك لا يظلم عنده أحد، وقد اختارها لهم على بعد الشقة، وصعوبة السفر وهم المستضعفون، لهذين الأمرين: أنها أرض صدق، ولأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد.
هاجر في الهجرة الأولى، اثنا عشر رجلا وأربع نسوة، أمر عليهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد كانت معه زوجه رقية بنت رسول الله عليه سلام الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما‏:‏ ‏(‏إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام‏)‏، فالرسول صلى الله عليه وسلم هنا يبين طبيعة هذه الهجرة: إنها هجرة إلى الله، هجرة المستضعفين الذين لا يستطيعون إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكنهم أن يقيموا الدين.

عاد المسلمون بعد شهور ثلاثة، ففي شوال من نفس السنة بلغهم أن مكة أسلمت، فعاد الوفد إلى مكة، ومن ثم كانت الهجرة الثانية، وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلًا إن كان فيهم عمار، فإنه يشك فيه، وثماني عشرة أوتسع عشرة امرأة‏، كانت مكة قد تيقظت لهم هذه المرة فحاولت التضييق عليهم ومنعهم لكنهم كانوا أسرع احتياطا وأبلغهم الله الحبشة مرة أخرى.

إننا إذ نتأمل في هذا الأمر مليا، نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل إلى الحبشة الغالبية العظمى ممن تبعه، فلا يبقى معه في مكة إلا أقل القليل،
ولو كانت نظرته إلى طبيعة دعوته أنها دعوة أفراد إلى الاسلام، يسلم هذا وجاره وأخوه، حتى لا يبقى في المجتمع المكي أحد إلا ويسلم وعندها يقيم الشرع، لو كانت نظرته كذلك لأبقى واستبقى هذه اللبنات التي تلزمه لتحويل المجتمع بهذه الصورة،
لكنه يعي صلى الله عليه وسلم أن المجتمع ليس مجموعة أفراد فقط يصلح بصلاحهم، بل كان شغله الشاغل صلى الله عليه وسلم هدم الكيان الفكري العقدي الذي قام عليه النظام الحاكم لمكة، ليتحول المجتمع بنظامه ومشاعره وأفكاره إلى مجتمع إسلامي، تأمل ما كان من أمر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في حضرة النجاشي لما سأله عن الدين الذي اعتنقوه:
قال جعفر بن أبي طالب‏:

‏ أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوى الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات،وأمرنا أن نعبد الله وحده،لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك‏.‏
تأمل يا رعاك الله،
كم هي دقة الفهم لدى الصحابة الكرام، فذاك جعفر رضي الله عنه في الفترة المكية ، يحدد طبيعة الدعوة الاسلامية، السمة الغالبة الطاغية على طبيعة هذه الدعوة: تغيير واقع المجتمع الجاهلي إلى مجتمع بقيم إسلامية،
فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، إذن المجتمع جاهلي، ما هي علامات الجاهلية في المجتمع؟
نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك
النظام المتحكم في المجتمع الجاهلي ، هذا عرفه العام، هذه هي العلاقات التي تحكم المجتمع، وهي العلاقات التي جاء الاسلام ليضربها في المجتمع من أجل تغييره،
بأي شيء تتغير هذه القيم؟
فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ،
بالتوحيد، وبالأوامر والنواهي التي كلها تتحول إلى علاقات جديدة يقوم عليها المجتمع تحل محل العلاقات القديمة وتضربها في الصميم.
لم تقتصر دعوة الاسلام في الفترة المكية إذن على العقيدة بالشكل الذي يفهمه المروجون لتغيير المجتمعات بأفهام معينة للعقيدة، بل ها أنت ترى بأم العين أن المسألة كما بينها جعفر اللهم ارض عنه وأرضه وألحقنا به يا رب العالمين، عقيدة وعلاقات في المجتمع تتغير بتغيير المقاييس ، بحيث تصبح المقاييس الجديدة: الأوامر والنواهي،

ثم إن طبيعة الدعوة لم تكن دعوة فردية أيضا، فهي صراع بين الكفر وبين الاسلام في المجتمع، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

ذكر بعض الرواة أن هذا الحدث حصل بعد غزوة بدر، وحاول بعضهم الجمع بين الرأيين بالقول أن مكة أرسلت عمرو مرتين، ولكن الذهبي في سير أعلام النبلاء يروي الحادثة عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نهايتها تقول: فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوسق له أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.
قال الذهبي رحمه الله: وقولها حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عنت نفسها وزوجها.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:19 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.