قديم 03-25-2016, 09:30 PM   #11
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 18 - 19

في الحقيقة التاريخية الثانية عن تأليه الناس للحاكم في المسيحية ديانة الرومان الجديدة أيضاً قد دال عليه الزمن، ولم يعد أحد يناقش فيه أو يتأثر به. فالمسيحية في أوروبا ـ في وهم الأوروبيين ـ زالت بحلول الديمقراطية.
إذا سلمنا، نحن المسلمين، وصدَّقنا أولاً أن الوثنية التي سادت في وثنيات قبل المسيحية زالت وحلَّت محلَّها المسيحية. وصدَّقنا ثانياً أن المسيحية زالت وحلَّت محلَّها الديمقراطية فالواقع يصدمنا: لماذا تعاظمت كراهية الأوروبي للإسلام لماذا يستمر كل حاكمِ قطيعٍ أوروبي في قتل المسلمين؟ لماذا تهيج مشاعر الأوروبيين ضد الإسلام والمسلمين في سرعة البرق؟ لماذا يكره الأوروبيون المسلمين في عقولهم وقلوبهم؟ لماذا يستمر الحكام بنظامهم الديمقراطي في منع الأوروبيين من فهم الإسلام؟ لماذا بعد قرنين ونيف من حلول الديمقراطية ديانة وثنية جماعية بدل المسيحية ديانة الوثنية الفردية؟ أم أن القول الأصح حلول الديمقراطية ديانة وثنية فردية جديدة بدل المسيحية ديانة الوثنية الجماعية. أيهما أكثر صواباً وأقوى حجة هو موضوع منفصل عن جواب لماذات المسلمين في سبب استمرار كراهية أوروبا للإسلام. ولا يخفف أو يزيل صدمة المسلمين، ولا يفسِّر سبب استمرار كراهية ديمقراطيي أوروبا وأمريكا للمسلمين والإسلام بنفس الحدَّة التي كان يكرهنا بها المسيحيون، وحتى أكثر مما يكرهنا وثنيو خرافات الهنود واليابان ووثنيو الفراغ ملحدي كل زمان.
إنهم يكرهوننا بلا شك. في الواقع يكرهوننا بمشاعر المسيحيين. المسيحية ما زالت متأصلة. يكذبون عندما يقولون إن الديمقراطية حلت محل المسيحية. الغبي وحده الذي لا يستطيع التفريق بين استبدال الحاكم لِقناعه المسيحي صنماً مصلوباً بِقِناع ديمقراطي، وبين حلول الديمقراطية محل المسيحية. حال الغبي هذا كحال الغبي الذي لم يستطع التفريق بين تبديل الإمبراطور قِناعه بصنم جوبيتر بِقِناعِ مسيحٍ صنمٍ مصلوب، وبين حلول المسيحية محل الوثنيات. الغبي، مسيحياً أوروبياً أو ديمقراطياً أوروبياً لا يدري لماذا يستمر الحقد فيه على المسلمين، ولا يدري رغم عدم التزامه المسيحي لماذا يتوارث كراهية المسلمين ويغلظ عقله حتى عن محاولة فهم الإسلام. الغبي الأوروبي لا يدري لماذا عقيدته الديمقراطية ونظامه الديمقراطي، ولماذا حكامه الديمقراطيون وثقافته الديمقراطية أبقت على شعلة كراهية المسلمين والإسلام ناراً تتأجج في قلبه وعقله، رغم ثورته على المسيحية ـ في خياله ـ ورغم تبديله المسيحية بالديمقراطية ـ في أحلامه ـ فكراً وطريقة عيش.
الغبي رجل حلَّ في الغباء. الغباء ثقافة فكرية يفرضها حكام أوروبا كلٌّ في شعبه وعلى شعبه. فرضوا أن لا يكون هناك غبي أوروبي بل أوروبيون أغبياء فيهم ومنهم استثناء يديرون فيهم وعليهم لعبة تثقيفهم ثقافة الغباء.
ثقافة الغباء في الأوروبيين بدأت عندما بدأ السناتو خطته في تحويل مئات الوثنيات إلى وثنية واحدة، وعندما بدأ خطته الفكرية في تحويل الوثنيين في وثنيات إلى وثنيين في وثنية، وترسخت أبدياً إلى اليوم عندما فرض المسيحية بديلاً جديداً لتعدد الوثنيات وتفرق الوثنيين. وما الثورة الديمقراطية على المسيحية إلا كالثورة الرومانية على وثنياتها. هل غيَّرت الثورة الرومانية المسيحية على الوثنية واقع الألوهية في الغرب؟
يميل الباحثون ميلة واحدة يمنةً، ويميل النقاد الذين يفتشون عن الحقيقة ميلة واحدة يسرةً. كلهم يكتبون ويقارنون ويفتشون في تجرّد وتقيد بمثاليات وخُلُقِيّات لم تجرِ به أبحاثٌ أخرى في تاريخ كفار الجنس البشري.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:33 PM   #12
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 19 - 21

نزاهة الباحثين والنقاد في واقع الألوهة في أوروبا، أو في هل غيَّرت ثورة الإمبراطور الروماني الوثني على الوثنيات وفرضه المسيحية لتوحيد الوثنيين بالسيف والذبح والصلب واقع هذه الألوهة، نزاهة لا تشوبها شائبة. حيادهم في جدية البحث عن الحقيقة وتجرّدهم في فهم القرائن يذهل العقول. عمق أبحاثهم وتشعب انتقادهم يدل على شغفٍ وحبٍّ للحقيقة لولاه لما كان يمكن لأحد منهم أن يستمر في بحثه لما في أبحاثهم من اكتشافات تُؤلم وتصدُم وتُحبِط. آلاف الأبحاث والمقالات الانتقادية، وآلاف الشروحات مع وضد الانتقادات في عشراتِ وعشراتِ آلاف الكتب.
هل وصلوا إلى الحقيقة؟
أو:
هل ضاعوا في الحقيقة؟
الباحثون كلهم افترقوا يمنة أو يسرة: فرقتين متناقضتين:
فرقة تقول إن المسيحية غيرت واقع الألوهة في الغرب.
فرقة تقول إن المسيحية لم تغيِّر واقع الألوهة في الغرب.
الفرقة التي فارقت يمنةً تقول إن المسيحية منعت عبادة الأصنام.
الفرقة التي فارقت يسرة تقول إن المسيحية منعت عبادة غير الصنم على الصليب.
فرقة تقول إن المسيحية دين جديد.
فرقة تقول إن المسيحية خليط من كل الأديان سابقتها.
واحدة تقول إنه دين الرحمة والإنسانية.
واحدة تقول إنه دين الهمجية والوحشية.
أو تقول إن المسيحية دين سماوي.
بينما الأخرى تقول إنه دين أرضي صاغته وألَّفته يد إنسان.
المسيحية؛
دين الهمجية والوحشية أو دين الرحمة والإنسانية، دين الخديعة والتزوير أم دين سماوي، دين الشياطين أم دينٌ روحي، وثنية جديدة أم وثنية قديمة، هل هذا هو موضوع البحث أم هو بحث في غير الموضوع؟
غفلتهم عن حقيقة المسيحية أنها مؤامرة رومانية لترسيخ دعائم إمبراطورية رومانية أبدياً غفلة أم تغافل؟

الموضوع الحقيقة؛ هل غيرت أوامر السناتو بفرض المسيحية واقع حال الأوروبي في عبوديته، في حريته، في طريقة عيشه، في بؤسه، في سعادته، في ثرائه، في فقره، في فكره، في أحلامه، في حياته أو في موته! لماذا لم تغيِّر؟ لأنها لم تغيِّر واقع الألوهية! الثورة المسيحية أو الأصح فرضُ المسيحيةِ فَرَضَ تغيير حال الإمبراطور من إله يحمي صنم جوبيتر في معبده إلى حامي صنم المسيح في معبده. حقيقة الموضوع أن الإمبراطور بقي في نظرهم إلهاً يحكم بهواه ليرضي المسيح بعد أن كان إلهاً يحكم بهواه ليرضي جوبيتر. واقع الألوهية في الغرب لم يتغير بفرض المسيحية بل جاءت المسيحية في أهمِّ نصوصها الأولى تقدِّس الحاكم، تثبِّته، تطيعه، تحميه، تكرِّسه من نسل الآلهة، تقدِّس حقه الإلهي في بركة الإله، تجعل طاعته واجباً مقدساً في أساس المسيحية. في أوائل ديانته التي صاغها في أوائل رسائله يقول مؤسس المسيحية بولس في رسالته إلى أهل رومية الإصحاح الثالث عشر: 1 ـ 3 ما نصه: لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله.. حتى إن مَن يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله. والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة، فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل للشريرة.] أي تقديس للحاكم أكثر من هذا التقديس؟ الحاكم عند بولس ليس الحاكم المسيحي بل الحاكم الوثني والأخص الحاكم الإله الروماني. هو كان يدعو في بلاد الرومان ويخاطب رعايا الرومان فهو لم يدعُ إلى طاعة حاكم لاحق بل إلى طاعة الحاكم القائم. ولم يدعُ إلى طاعة حاكم مسيحي فلم يكن هناك حديث عن حاكم مسيحي، وهذا سرُّه المخفي أنه جاء بدعوته المسيحية يكرِّس ألوهة الحاكم الروماني وثنياً غير مسيحي حتى يسهل تكريس ألوهته مسيحياً حاكماً. وفي نفس الرسالة في 4 ـ 5 يقول: فإذا كنت تريد ألا تخاف السلطان افعل الصلاح فيكون لك مدح فيه لأنه خادم الله للصلاح، لكن إذا فعلت الشر فخف لأنه لا يحمل السيف عبثاً، بل هو خادم الله منتقم من الذي يفعل الشر.] هل كان في زمن قول بولس هذا الكلام أشرُّ وأظلم من حكم الرومان؟ ما معنى الصلاح في هذا الكلام غير طاعة الحاكم الوثني الروماني! هذه رسالة تبشير فيما يزعمون أنه دين جديد، بينما في تفسيرها العملي رسالة تبشير بدين خضوع مطلق للحاكم الروماني، هذه الرسالة وحدها إثبات يكفي برهانها لدمغ بولس أنه مربوط بحبل طرفه بيد سلطة رومانية تحركه كيف تشاء، تنفخ فيه الهواء لينطق بما تريد. كيف مرَّ البحاثة والنقاد والفلاسفة بهذا القول ولم يأخذوه إثباتاً على أن المسيحية كلها مؤامرة فكرية من حبك الرومان؟ إنهم بحثوا في معنى القول وأسهبوا في شرحه أنه دعوة إلى المسالمة، وأنها تتعلق بالصيغة الروحية للتبشير المسيحي، وأنها من جنس من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، وأنها إثبات عن الرحمة عند المسيحيين. لم يفهموا هذا القول بمدلوله، لم يربطوا القول بهدف القول، لم يدركوا مقاصد الفكر في الألفاظ، فهموا النص ولم يفهموا معناه، أو أدركوا معناه ولم يعقلوا غايته، فصلوا بين اللفظ وفكره، أو بحثوا وانتقدوا وكفروا بمعنى اللفظ فأشبعوا عطش الكراهية للمسيحية في نفوسهم، واكتفوا بنشوة إثبات الحجة على الخطأ والفساد في الفكر المسيحي. الكراهية عاطفة ككل العواطف في الإنسان، إن كان السعي لإشباعها، عميت بصيرة العقل عن رؤية مسالك الدرب في السعي، همهم كان إقامة الحجة على صوابية كراهيتهم، وعلى خطأ المسيحية، وعلى فشل المسيحية، وعلى جرائم المسيحية، وعلى أن المسيحية أوهام وتدجيل ووثنية. ماذا يقدم أو يؤخِّر ذلك في وجود المسيحية، ماذا يؤثر في ارتداد المسيحيين عن مسيحيتهم، بماذا يضعف سطوة الكاهن على المسيحي؟
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:37 PM   #13
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 21 - 23

كذا في قول بطرس الخرافة الذي أوهموا المسيحيين بوجوده، بطرس الذي كان في التاريخ النصراني أنه موجود، كان حوارياً من أصحاب عيسى عليه السلام وكان يرى في بولس عدواً للنصرانية ولتلامذة عيسى نبي الله، فكان شديد الضراوة في محاربة بولس والتبرؤ من دعوته المسيحية التي تقول بالإله المتجسد في إنسان وهي فكرة الوثنية الغنوصية. لطمس عداوة بطرس اخترع بولس بطرساً جديداً بعد موت بطرس الحواري المؤمن بعيسى نبياً عبداً مرسلاً من الله الخالق الواحد الأحد، وساعد الرومان دعوة بولس بمزاملته لبطرس بطمس خبر موت أو قتلهم بطرس الحواري أحد الإثني عشر من تلامذة نبي الله عيسى. وهكذا هناك بطرس الحقيقي الذي لم يكذب على الله ولم يقدِّس عيسى ولم ينطق بكفر وهناك بطرس الخرافة التي استمدت قوتها من بطرس الذي قتله الرومان سراً ولم يكشف التاريخ أين وكيف. وبينما حياة بطرس الحواري تلميذ عيسى شخصية حقيقية إذ سجل التاريخ أحداثاً وأقوالاً ترتبط به، نجد حياة بطرس الخرافة ليست شخصية حقيقية فكل الأحداث والأقوال التي ترتبط بها تلصق به ولا ترتبط به، وكل ما يقال عن بطرس الخرافة ليس فيه إثبات على العلاقة بين الشخص والقول أو بين الشخص والفعل، هناك فراغ بين بطرس الخرافة والزعم أنه قال أو فعل. لا بل إن الوقائع الملصقة ببطرس الخرافة تثبت أن شخصيته شخصية مزورةُ الوجود لم تكن أبداً موجودة. يقول بطرس الخرافة وهو الذي عينوه بعد مئات السنين قديساً، وكان لا بد من ذلك لإعطاء أقواله إثباتاً وأحقية: اخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب، إن كان للملك فكمن هو فوق الكل، أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعل الشر، وللمدح لفاعلي الخير، أكرموا الجميع، أحبوا الاخوة، خافوا الله، أكرموا الملك] رسالة بطرس الأولى: الإصحاح الثاني: 11 ـ 17، الذي ينظر في هذا المقطع وينظر في المقطع السابق الوارد عن بولس يدرك فوراً أن هذا ليس كلام رجلين بل كلام رجل واحد، فإن تغاضينا عن الأسلوب الواحد والنص الواحد والمعنى الواحد فإن الرسالة بالمعنى لا يمكن التغاضي عنها، فهي رسالةُ خُطَّةٍ لا رسالة خطاب مكتوب أو مقروء، بل هدف عمل، وغاية خطة، ورسالة المعنى في الخطاب. وهذا يفرض أن وراء الرسالة الواحدة في الخطابين جهةً واحدة، وعقلاً واحداً، وإدارة واحدة.
هذا الفكر في المسيحية هو فكر أساسي في المسيحية وقد استوجب على مر العصور توضيحه وتثبيته، ففي كتابات ترتوليان كما جاءت في اقتباس جان توشار في كتابه تاريخ الفكر السياسي جاء عن ترتوليان هذا النص: الإمبراطور هو لنا أكثر مما هو لأي إنسان آخر، لأن إلهنا هو الذي أقامه ولهذا وجب علينا أن ندعمه، فالسلطة الإمبراطورية مستمدة من الله، وإن كانت لا تشارك في فضائل الألوهية لأنها مخلوقة، فالله خلقها لتنفيذ مشيئته... نحترم في الأباطرة حكم الله الذي أقامه لحكم الشعوب، فنحن نعلم أنهم بإرادة الله يمسكون بالسلطة.] أيضاً هذا القول قيل في حق أباطرة الرومان الوثنيين آلهة زمانهم الذين كانوا يعلنون أن حقهم الإلهي كان من صنم جوبيتر أو من يختار الإمبراطور من عديد الأصنام أن يكون حاميه. لكن، لا يجب الضياع في ظاهر هذا القول أو في معناه أو في حيرة تناقضه مع ما كان يجب أن يكون عليه القول، بل لا بد من التمسك في فهم مدلول معاني هذه الكتابات حتى لا نضيع كما ضاع الباحثون والنقاد عن هدف الفهم في حقيقة المسيحية المؤامرة الرومانية التاريخية على الجنس البشري. ولا يجب أيضاً أن نلتفت إلى مناقضتها لقول منسوب إلى مسيحهم في أناجيلهم معبراً عن ازدرائه واحتقاره وتبرئه من أهل السلطة بقولهم إنه قال: مملكتي في السماء.] ما معنى أو ما مدلول معنى قول المبشر ترتوليان: الإمبراطور هو لنا أكثر مما هو لأي إنسان آخر] في ضوء واقع ترتوليان أنه يدعو لدين جديد يخالف دين الإمبراطور؟ ليس في مدلول هذا اللفظ إلا مدلول واحد أن ترتوليان كان يدعو لدين جديد بأمر من الإمبراطور وبموافقة منه ومباركته وحمايته له. وما معنى أو مدلول معنى قوله: لأن إلهنا هو الذي أقامه] في ضوء إعلان الإمبراطور أن الإله جوبيتر هو الذي أقامه؟ أيضاً ليس في مدلول هذا اللفظ إلا مدلول واحد هو أن ترتوليان في حقيقة الواقع لم يكن يرى فرقاً بين جوبيتر والمسيح إلا بتغيير التسمية لإثارة رغبة التغيير حتى يكون في التغيير تحقيق هدف الخطة في توحيد جميع الوثنيين. كذلك في قوله: فالسلطة الإمبراطورية مستمدة من الله] ألم يكن مفروضاً على جميع شعوب الإمبراطورية الرومانية على اختلاف وثنياتهم أن يعتقدوا أن السلطة الإمبراطورية مستمدة من الآلهة صنماً كانت أم أصناماً؟ أليس ذلك تثبيتاً وترسيخاً للعقيدة الوثنية الرومانية المفروضة على كافة الشعوب؟ أليست إعلاناً عن استمرار حق الإمبراطور الإلهي مع انتشار المسيحية؟ وهكذا يلزم أن تفسر جميع أقاويله على أنها أقوال كهان جوبيتر وكهان أبولون وكهان يونو وكهان وينوس وكهان مينروة. وقوله: نحترم في الأباطرة حكم الله الذي أقامه لحكم الشعوب] هو نفسه في مدلوله كمراسيم السناتوس الروماني بتأليه الإمبراطور أي بإعلانه إلهاً لتكريمه بعد موته كما فعل بمرسوم إعلان يوليوس قيصر إلهاً بعد موته بسنتين، وبمرسوم إعلان أوغسطس قيصر إلهاً في حياته ورُفع صنمه في جميع الهياكل وفي جميع البلاد ورُتِّلت التراتيل باسمه إلى جانب تراتيل الأصنام الأخرى واعتبرت يوم مولده مقدساً واسمه مقدساً، وبعدها أمر بعبادة آبائه على أنهم آلهة طالما هو إله، وأعلن شقيقته أوكتافية وزوجته ليفيا آلهة بمساواتهما مع عذارى آلهة الموقد العائلي الروماني ورُفعت صورهما وتماثيلهما في الهياكل. السناتوس والشعب الروماني وشعوب الإمبراطورية جمعاء، وكلهم وثنيون كانوا يحترمون في الأباطرة حكم الله، وحكم الله هنا تعني اختيار الله لهم ليكونوا أباطرة وهذا يناقض الواقع. فمعظم، إن لم يكن جميع، أباطرة الرومان وصلوا إما بالقوة أو بالغدر أو بالرشوة أو بالزنى بالإمبراطورة أو باللواط مع الإمبراطور. فأي إله يكون من يختار إمبراطوراً بهذه السبل؟ وأي دين يقر باحترام قدسية هكذا إمبراطور، وأي مبشر يدعو لتقديس حق هكذا إمبراطور؟ ولِمَ يصر ترتوليان المبشر المسيحي العظيم بل فيلسوف المسيحية الكبير أن يستعمل لقب الإمبراطور الذي هو عنوان الوثنية والإجرام والنهب في تاريخ البشرية إبان وجود ترتوليان؟ لماذا لم يستعمل غير هذا اللفظ المقيت في قلب الجنس البشري؟ ليس إلا لسبب واحد هو أن الإمبراطور كان سيده، حاميه في رسالته، إلهه في واقعه.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:38 PM   #14
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 23 - 24

تمدُّدُ الرومان في البداية وتوسع الإمبراطورية الرومانية قام على مبدأ واحد طوال وجودها، قاعدة إفناء الجيوش والقبائل التي تحيط بحدودها لضم بلادهم إلى نفوذها وسلطتها وإدارتها. ومن لم يقتلوا يكونون عبيداً للإمبراطور يوزعهم على مؤيديه في طول البلاد وعرضها. لم يعرف تاريخ البشرية استبداداً وظلماً أكثر قسوة وجبروتاً وبطشاً من حكم الرومان الذي امتد مئات السنين. لا يمكن الاتفاق على عمر الإمبراطورية الرومانية لأن بعض المؤرخين ينعيها عندما انتقلت سلطة الاستبداد والظلم والقتل إلى الكنيسة، إذ بعد أن قسَّم الإمبراطور تيودوسيوس في عام 395 الإمبراطورية الرومانية قسمين بين ابنيه غربية عاصمتها روما يكون عليها ابنه أركاديوس بعد موته الذي كان في عام 408، وشرقية يكون عليها إمبراطوراً ابنه الثاني هونوريوس. غزا البربر روما عام 476م وحطموا سلطة إمبراطورها أبدياً فاستغلت الكنيسة في روما غياب الحاكم القوي وأعلنت أنها صاحبة الحق في الحكم، وبذلك ورثت سلطان الاستبداد والظلم والبطش. بعض المؤرخين ينهي وجود الإمبراطورية الرومانية بهذا الحدث، ولكنا نرى أن حكم الكنيسة كان استمراراً لنفس نمط الحكم الاستبدادي الإمبراطوري الذي كانت الكنيسة تبرر ظلمه وبطشه، فلا شيء في التاريخ تبدل حتى يقال إن عهداً في الاستبداد انتهى وبدأ عهد جديد في الظلم. انتقال السلطة كان تداول بين أيدي أهل الظلم أنفسهم وفي إطار المسيحية نفسها فلم يطرأ جديد لا في أهل الحكم ولا في إطار الحكم ولا في طريقة الحكم ولا حتى في تبرير الاستبداد والظلم والبطش، فالكنيسة كانت مسخَّرة وأصبحت تسخِّر مباشرة.
في رسالة بولس ـ الذي تعتبره الكنيسة قديساً ـ إلى أهل رومية يقول: فالحاكم المستبد لا يحمل السيف عبثاً، إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر]. متى كان طغيان وإجرام فرعون ونيرون وتيبيريوس وأورليان ودقلديانوس وقسطنطين وتيودوسيوس عمل طاعة لله، هل تيبيريوس إمبراطور الرومان الذي وافق على قتل مسيح بولس خادم الله في جريمته؟ هل يُعقل أن يعتبر المسيحي قسطنطين الذي أمر بفض مجمع نيقيه الذي انعقد لأول مرة بحضور ألفين وثمانية وأربعين كاهناً من مختلف الرتب الكنسية لأنهم خالفوه في الرأي، فقتل معظمهم وشرد المترددين منهم وأعاد عقده بالقلة التي وافقت معه، أنه عمل يخدم إلههم؟ هل جرائم تيودوسيوس عام 395 عندما أنشأ محاكم التفتيش وقتلَ بمجرد الشبهة بمخالفته مئات الآلاف من المسيحيين خدمة لإلههم؟ هل بطش جمعية الصليب المقدس التي أمر الإمبراطور بإنشائها في تورينو قبيل عام 350 لتقتل جميع الوثنيين بالإبادة خدمة لإلههم؟ لماذا لم يسأل المسيحيون إلههم وهو موجود بينهم صنماً في كنيستهم أو حياً في قلوبهم: إذا كنت إلهاً فلماذا لم تَهْدِهِمْ بدل أن تأمرنا بقتلهم؟ أم أن المسيحي يُقرُّ بقول بولس إن الحاكم مسيحياً أو وثنياً هو إله لا يُسأل عما يفعل؟ وهل قتل وتشريد محاكم التفتيش في إسبانيا، بأمر الحاكم الإله وبأمر الكنيسة، مئات الألوف من المسيحيين من رحمة الإله أم من استبداد وظلم وبطش الحاكم الوثني وتبرير الكنيسة له في جريمته؟ ألا يتساءل المسيحي في قرار الديوان الكنسي الصادر في عام 1568 بإدانة جميع شعوب الأراضي المنخفضة في أوروبا الشمالية والحكم عليهم بالإعدام فقامت جيوش الحكم المسيحي بقتل السكان رجالاً ونساءً وأطفالاً، عن سبب هذا القرار وحقيقة النفسية والعقلية والعقيدة التي أمرت بذلك أنها نفسية وعقلية وعقيدة وثنية مسيحية إذ لا يعقل لإنسان يصدق أنه إنسان أن يفعل ذلك، وأنه لا يمكن أن يفعل ذلك إلا وثني تحجَّر قلبه على احتقار الصنم الذي يعبده؟
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:40 PM   #15
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 25 - 26

كيف يفهم المسيحي ويبقى مسيحياً بعد أن يعلم أن شارل التاسع ملك الفرنجة دعا مخالفيه بآراءٍ مسيحية إلى باريس في عام 572 ليكونوا ضيوفاً عليه ليناقشهم ويتبادل الرأي المسيحي معهم بالحجة ليتوافقوا على رأي واحد يخدم المسيحية فيصدقوه، ثم في الليل يغدر بهم قبل التحاور وإثبات الاختلاف القاطع فتجري دماؤهم سواقي في أزقة باريس؟ ويفخر تاريخ المجرم شارل التاسع بتهنئة كاهن روما له حامل نفس لقب كاهن روما الوثني قبل المسيحية وحتى قبل مولد المسيح بمئات السنين «الحبر الأعظم»؟ كيف يعلم المسيحي أن المسيحيين كانوا يعرضون على المسلمين بلداً بعد بلد في إسبانيا أن يستسلموا فيحافظوا على أرواحهم ونسائهم وأطفالهم فيصدِّق المسلمون فيستسلموا، وبعد الاستسلام تُبقر بطون النساء ويُذبح الرجال في أعناقهم ويداس الأطفال بأرجل الخيول ويبقى مسيحياً في ملَّة الغدرالاوروبي؟ كيف يبقى المسيحي مسيحياً بعد أن يقرأ في كتاب الفاتيكان «المسيحية عقيدة وعمل» الذي نشره الفاتيكان سنة 1968 أي بعد ألف وتسعمائة وعشرة أعوام من ذوبان بولس في التاريخ في صفحة 50 ما نصه: كان القديس بولس منذ بدء المسيحية ينصح لحديثي الإيمان أن يحتفظوا بما كانوا عليه من أحوال قبل إيمانهم بيسوع]؟ ألا يفهم أنه نفسه حفيد وثني لا مسيحي ولو سمى بولسُ جدَّه مسيحياً؟ ألا يرى أنه لا توجد مسيحية كما يتوهَّم وجودها؟ ألا يتذكر أن بولس مؤسس المسيحية هو الذي كان يقول هذا القول لجده؟ ألا يلحظ خلفية ديانته؟ ألا يتعرَّف إلى أصل المسيحية؟ ألا يشعر أو يفكِّر في أصله المسيحي؟
المؤرخون والباحثون يحصرون سبب قتل المسيحيين للمسيحيين أنه خلاف عقيدي، هل من طبيعة الإنسان أن يقتل إنساناً آخر لأنه يختلف معه في الرأي؟ كثيرون يجيبون نعم، ويعطون البراهين على حروب الشعوب الوثنية عبر التاريخ أنها كانت لاختلاف عقائدهم. الحقيقة الواقعية في التاريخ أو في حروب التاريخ تنقض قولهم، وحتى لا نخوض في الحروب الصغيرة لنقض قولهم سنأخذ أضخم وأطول وأهول حرب وثنية حصلت في تاريخ الجنس البشري قبل تعميم الرومان لوثنيتهم الجديدة بقوة القتل بالسيف والرمح والفأس. أطول وأهول الحروب الوثنية افتعلها الرومان منذ العام 500 ق.م. وحتى عام 323 م عندما أعلن قسطنطين أنه رأى رؤية في المنام أوجبت عليه أن يتحوَّل من وثني يعبد صنم جوبيتر إلى مسيحي يعبد ويركع لصنم المسيح. طوال ثمانمئة عام قضاها الرومان في قتل غيرهم. لماذا؟ المؤرخون والباحثون المتخصصون يجمعون على أن الرومان كانوا متسامحين مع جميع الوثنيات، ويجمعون أن روما كانت بكثرة هياكل أصنام الوثنيين وتعددها أشبه بعاصمة كل الوثنيات، ويجمعون أن الرومان لم يخوضوا حرباً واحدة من آلاف الحروب التي خاضوها من أجل القضاء على وثنيةٍ مخالفة لوثنيتهم، ويجمعون أن الرومان لم يفرضوا وثنيتهم على أحد. الحرب الوحيدة التي خاضوها ضد وثنية التضحية البشرية وثنية الكلت في شعوب بريتانيا وأيرلندة، فهذه هي الحرب الوحيدة التي خاضوها ليمنعوا الوثنيين أجداد إنكليز اليوم من ممارسة التضحية البشرية. نفوس الرومان على فظاعة وحشية قلوبهم تقزَّزت من فجور التفحش في أمة الكلت فحاربوهم ليمنعوهم من ممارسة هذه الفظاعة التي لم يقوَ الرومان على احتمالها. انتصر الرومان ولكنهم لم يفرضوا وثنيتهم عليهم.
الحقيقة التاريخية أن الرومان لم يحاربوا الوثنيين الآخرين لإلغاء وثنية وفرض وثنيتهم، والحقيقة التاريخية أن الرومان كانوا يحاربون الجيوش التي تقف في توسيع حدود سيطرتهم لنهب خيرات البلاد الأخرى واستعباد الناس. لم يحاربوا يوماً حرباً وثنية، حتى عندما احتلوا فلسطين لم يفرضوا على يهود أن يتحولوا إلى وثنية أخرى ويتركوا وثنية أحبارهم. بل أقروهم وصادقوهم وأفرزوا لهم قوة عسكرية أسموها شرطة الهيكل تحت إمرة كاهن الهيكل لتحميه وتأتمر بتنفيذ أحكامه التوراتية المحرَّفة. وهذه الحقيقة التي يُجمع عليها المؤرخون حقيقة في مجامع المصادر التاريخية في كل اللغات وعند كل الشعوب، وهي تنقض قول كل باحث أو مؤرخ استدل بأدلة لم يفهمها على حقيقتها. الحقيقة التاريخية أن حروب الوثنيين كانت لتوسيع رقعة سيطرتهم. إذن لا يصح دليلاً أن همجية القتل المسيحي للمسيحي كانت امتداداً للحروب العقدية في التاريخ الوثني، لأن ذلك لم يحصل حقيقة في الحروب الوثنية وإن كان ذريعة معلنة في كثير من الحروب لتأليب النفوس وتعبئتها للقتال. إلا أنها لم تكن ذريعة حقيقية بل ذريعةً خديعة للنفوس.
الحرب العقدية الوحيدة التي عرفها الجنس البشري هي حرب المسلمين للكفار أي لغيرهم من البشر. وهي الحرب الوحيدة التي كان فيها قواعد للحرب وقواعد للقتل. حرب المسلمين لم تكن لتوسيع الحدود لنهب خيرات البلاد، ولم تكن لاستعباد الناس، ولم تكن لفرض الإسلام ديناً، بل لتطبيق نظام الإسلام في علاقات الناس، ولتطبيق معالجات الإسلام في الخلافات الناشئة عن تلك العلاقات، كانت لفرض العدل وإحقاق الحق بين الناس بقوة الدولة.
حرب المسيحيين للمسيحيين لم تكن حرباً على خلاف أن المسيح طبيعة واحدة ومشيئةٌ واحدة أو أن المسيح طبيعتان ومشيئتان، هذا السبب المعلن الذي صدقه المؤرخون والباحثون وافترقوا في تأييد هذا أو ذاك، وتاهوا في آلاف الشواهد والأحداث التي حصروا فهمها بتصديقهم المسبق للذريعة المعلنة فضاعوا وتاهوا عن ملاحظة أن الذريعة خديعة لتغطية حقيقة سبب الحرب التي لا علاقة لها بالمسيحية بل بالغاية التي من أجلها وُجدت المسيحية.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:43 PM   #16
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 27 - 29

متى، يقول إن مسيحه قال: قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل فإن مَنْ قتلَ يستوجب الدينونة، أما أنا فأقول لكم إن كل من غضب على أخيه يستوجب الدينونة (متى 5: 21). في هذا القول يُبطِل مسيح متى شريعة يهود المحرَّفة التي تسمح بالقتل ويجزم أن من يقتل يستحق الإدانة أي يكون ارتكب جريمة القتل. ثم يمعن في تحريم القتل بتحريم الغضب الذي هو من مقدمات القتل الأساسية، ويجعل الإدانة واجبةً واقعةً على الذي يجوز مقدِّمةً محتملة للقتل. فبأيِّ مسيحية غدرَ شارل التاسع بالمسيحيين في باريس وأجرى دماءهم سيلاً نجساً في أزقة وسواقي المدينة وهم ضيوفٌ عنده وفي أمانِهِ وعهدِهِ بحمايتهم؟ وبأيِّ مسيحيةٍ قتل قسطنطين المئات وسجن وشرد المئات مِمَّن خالفوه الرأي في مجمع نيقيه أول مجمع كنسي لاهوتي يجتمع بأمر الإمبراطور الذي كان وثنياً وتحول مسيحياً بالطريقة نفسها التي تحوَّل فيها الوثني شاؤول إلى مسيحيٍ بولس؟
متَّى، نفسه، في كتابه ذاته، يقول عن مسيحه عينه إنه قال: قد سمعتم أنه قيل أحِبَّ قريبك وابغض عدوك، أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم. وصلُّوا لأجل مَنْ يعنَتُكُم ويضطهدكم لتكونوا بني أبيكم الذي في السموات، لأنه يُطلِع شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين (متى 5: 43 ـ 45) حرَّم الغضب مقدِّمة القتل، وحرَّم ـ مسيحهم ـ البغض تربة الشر، حتى بغض الأعداء وأمر بحب الأعداء وجعل ذلك شرط العبودية لله، إذ كلمة ابن في ذلك الزمن الذي كتب فيه متى كانت تعني العبد، وكلمة ابن الله كانت تعني عبد الله. ولكن سبب إيجاد المسيحية وهدف صياغتها أوجب تحوير وتحريف وتزوير معناها بالذي يعنونه. قرار الديوان الكنسي عام 1568 بقتل المسيحيين في بلاد الأرض المنخفضة من أوروبا كان قراراً، بأيِّ مسيحية؟ مسيحية متى في إنجيله تحرِّم ذلك، مسيحية الحبر الأعظم في الكنيسة تحرِّم ذلك، مسيحية التثليث تحرِّم ذلك، مسيحية الصنم المصلوب تحرِّم ذلك! مسيحية الإمبراطور وحده تسمح بذلك، وحدها مسيحية الرومان تسمح بذلك. لا يمكن فهم سبب إباحة ذلك إلا بربطه بسبب إيجاد الرومان للمسيحية، ورعاية نموها، وتبني الإمبراطور لها، وفرض تعميمها على جميع شعوب الإمبراطورية. عندما جاء جنود الرومان، نزولاً عند إلحاح كاهن هيكل يهود كايافاس ـ caiaphas المارق عن دين موسى سلام الله عليه، لاعتقال عبد الله ونبيه عيسى، كان قائد العسكر الروماني شاهراً سيفه فلما وقف في حضرته قال له النبي عيسى كما يدَّعي مرقص في كتابه: رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون (متى: 26: 52 وما بعدها). نحن نعلم بالبرهان العقلي أن عيسى كان عبداً نبياً مرسلاً من الله، ونؤمن عقدياً أنه جاء بالديانة النصرانية، ونفهم يقيناً واقع مؤامرة سلطات الحكم الروماني بإيجاد المسيحية وترئيس عيسى عليها باسم المسيح، وصياغة أفكار مسيحية مسيحهم الذي صنعوه صنماً إلهاً، طوال عشرات العقود من الزمن بعد رفع الله لعيسى من الأرض، من الأفكار والافتراضات التي تزخر بها وثنيات روما والإغريق والشرق. مرقص أحد الذين كتبوا تاريخ المسيح الذي أوهم بولس الناس به، هل نسيت الكنيسة هذا القول لمسيحهم عندما أمرت محاكم التفتيش الكنسية بقتل مئات الآلاف من المسيحيين لمجرد الشبهة في مخالفتها الرأي في حالة مفترضة افتراضاً في المسيح الذي زعم بولس أنه هبط عليه دون أي دليل؟ الكنيسة اختارت أربعة كتب تاريخية وسمَّت كلاًّ منها إنجيلاً من بين آلاف الكتب التي عُرضت عليها وقُدِّمت من كتّابٍ مسيحيين، الكنيسة هي التي فرضت أن هذه الكتب على ما فيها من تناقض واختلاف أنها مقدَّسة عندها، قبل ذلك لم يعتبر أحدٌ أنها كتب مقدَّسة بل كتب تاريخية من تأليف أشخاص. في هذه الكتب يروون عن عيسى، فقط لإعطاء مصداقية لما يزعمونه عن المسيح الذي لا علاقة له بالمسيح عيسى، إذا كانت الكنيسة تعتبر هذه الأناجيل مقدسةً فعلاً فكيف تتجرأ على مناقضة قول في أقدس لحظات مسيحيتهم، لحظة القبض على (يسوع)؟ أليس من المفترض أن يكون مشهد القبض على إلههم أكثر المواقف أثراً في نفس أي مسيحي، وقوله في ذلك الموقف أكثر المواقف تأثيراً في مواقف الكنيسة؟ جاء الجند للقبض على (يسوع) الذي جعلوه فيما بعد إلهاً في صنم ليقتلوه وهو أهم حادث في تاريخ مسيحيتهم فيقول بسماحة مذهلة لا حاجة إلى شهر السيف يكفي أن تشيروا علي بالمشي معكم لملاقاة حتفي. في مواجهة جريمة قتله لا يرد، لا يعارض، لا يفاوض، يسلم نفسه، أما الكنيسة فمجرد الشبهة بمخالفة فرد أو مئات الآلاف لرأي تبنَّته بالتصويت لا بحجة دليله ولا بقوة برهانه، بل بطريقة التصويت نفسها على إباحة اللواط في برلمان الإنكليز، أو طريقة التصويت على إباحة عبادة الشيطان في أمريكا، أو طريقة إباحة الزنا في فرنسا، بنفس الطريقة أقرت الكنيسة رأياً تبنَّته وفرضته مقدساً. كل من أراد مناقشته أو إعادة النظر فيه لأنه يخالف ما تعلموه عبر عشرات ومئات السنين، أمرت الكنيسةُ بقتله! كيف يفسِّر مسيحيُّ اليوم، إذا كان عاقلاً راشداً عدلاً سبب جريمة الكنيسة بقتل آلاف وملايين المسيحيين الذين خالفوها الرأي؟ قد يظن البعض بعد حيرة طويلة في السبب أن الكنيسة نسيت موقف (يسوع) في الانقياد للجنود الذين أخذوه ليقتلوه، لكن هذا ظنٌ موهوم للخروج بالكنيسة من مأزقها حتى لا يكفر بها، إذ كيف يكفر بها ولا يملك بديلاً عنها يتمسك به ينقذه يوم الدينونة. الذي يوجِدُ الأعذار للكنيسة التي كفرت حتى بما اعتبرته وأمرت به أن يكون مقدساً ليس إنساناً عاقلاً راشداً عدلاً، لذلك لن نتوقف للرد عليه. بعضٌ آخر، بعد حيرةٍ أطول في عقله، قد يصل إلى الظن أن الكنيسة خالفت نصوصها المقدسة، وبسبب ما كتب رجالاتها عن اعترافات أسياد الكنيسة عن مخالفتهم للنصوص المقدسة وما أدى إليه من سوء تصرف في بعض الأحيان، وفي بعض القضايا، صدَّق هذا المحتار أن الكنيسة نادمة، وصدَّق أنها أخطأت فوصل للاقتناع أن سبب جرائم الكنيسة التي لا تُحصى ولا يمكن حصرها ولا حتى بآلاف المجلدات كان مخالفة للنص المقدس الذي هو أساساً من صنعها. تائه حائرٌ في واقع علاقة الحياة بالموت، ضائع خائف من انقطاع حياته عن بعثه يوم الوقوف بين يدي الله الخالق ليحاسبه على كفره وإيمانه، خائف من عذاب الله أضاع عقله في خوفه، يفترض كما يظن عَبَدَةُ جوبيتر أن إلهه سينقذه من عذاب الله في الحياة الآخرة فيزداد تمسكاً بشبكة العنكبوت التي وقع فيها. ظنُّ هذا أوهَنُ من ظنِّ الأول، كلاهما يلتمِسُ لنفسه عذراً من إنكار قدسية الكنيسة والارتقاء إلى مستوى مسؤولية الشهادة بالحق. الذي يمنع المسيحي أينما كان من إنكارٍ مطلق للكنيسة لأن كل الخيارات البديلة للمسيحية، وكل الأفكار التي بمتناول يده أن يفهمها، هي بدائل وثنية يعتقد أنه يحتقرها في ذاته ولكنه يحتقرها بقوله لا في ذاته، لهذا لا يلحظ أنه يعيش في ذاته وثنية ليست أقل هولاً ولا أكثر سخافة من تلك الوثنيات التي يحتقرها.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:45 PM   #17
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 29 - 30

البديل الوحيد لتخبط المسيحي هو البديل الوحيد لكل وثنيات الدنيا، مفكِّروا أوروبا عملوا لكي يكون البديل للأوروبي في إحباطه في مسيحيته هو الديمقراطية. اليوم، يرى الأوروبي أنه محبطٌ في طريقة العيش الديمقراطي، مفكِّرو أوروبا بعد أن انقرضت منها طبقة الفلاسفة بجفاف تربة العقل من السقاية الشيطانية بدأوا يفلسفون الإحباط في الأوروبي حتى لا يروا إخفاقهم ولا يعترفوا بجهلهم. يستمرون في شعوذة القول لأنهم لا يرون البديل. جربوا، وسمحوا للناس، وأثاروا الأجيال جيلاً بعد جيل لتجربة كل الوثنيات علَّهم يلحظوا بصيصاً في أملٍ بإنقاذ الأوروبي من كبوته الفكرية. يأس الأوروبي من الكنيسة وكفره بالمسيحية مَنَعاهُ من ملاحظة المؤامرة عليه بالديمقراطية حتى لا يتمرد على السيطرة عليه وعلى نظام ترويضه حيواناً داجناً في عمله ومسكنه، اليوم لا يوجد في الأفق إمكان صياغة مؤامرة جديدة تنقله من واقعٍ في عبوديةٍ إلى واقع آخر في العبودية، حيرة الأوروبي ليست حيرة فرد بل حيرة الجنس البشري. بديل الإحباط في المسيحية هو بديل الإحباط في الديمقراطية، وهو بديل الإحباط في كل وثنية، وفي كل ضياع، وفي كل كفر. بديل الأوروبي في أيديولوجيته اليوم ممنوعٌ عليه أن يفكر فيه، تماماً كما كان ممنوعاً عليه أن يفكِّر في بديل مسيحيته: إسلام القرآن. تربى في السجن المسيحي على كره الإسلام، ويتربى في سجن طاقة غرائزه، سجن الديمقراطية، على كره الإسلام. الكنيسة لم تسمح له أن يتعرف أو يفهم الإسلام حتى لا تكون الكنيسةُ سجناً بلا سجناء كما أصبحت في بلاد الإسلام هياكل جوفاء. أنظمة الحكم الديمقراطي لا تسمح للأوروبي أن يتعرف إلى الإسلام حتى لا يلحظ لهثه الدائم في الحياة الديمقراطية في خدعة الشبع من الجشع الغريزي.
كيف يمكن أن يفهم الأوروبي سبب قتل الكنيسة للمسيحيين، أو سبب قتل المسيحيين الكاثوليك للمسيحيين البروتستانت وكل فريق لا يقل وثنية عن الآخر، ولا يقل تمسكاً بالباطل، يتفاخر بجهله، ويتكابر في عميته، ويتبارى في وحشيته ضد مسيحية الآخر كلما سنحت له الفرصة، إذا لم يهتدِ إلى حقيقة المسيحية في وجودها وطريقتها وغايتها؟ بالأمسِ لم يكن حراً في سلوك طريق الهداية لمعرفة حقيقة المسيحية، كان عبداً يُساط في انقيادٍ للعيش جاهلاً مسخَّراً في عقله وماله وعمره، لعل أحفاده أوروبيي اليوم يجدون له عذراً. اليوم، في ظل ديمقراطية التضليل، ماذا يمنع أوروبيي اليوم من السعي لمعرفة المسيحية في حقيقتها بتجرد ونزاهة، بَعْدَ، كما يعلنون، أنْ طُمِسَتْ في القلوب والعقول؟ لم تجرِ في أوروبا بعد عزل الكنيسة عن دور حكم الناس محاولة لفهم حقيقة المسيحية. جميع المحاولات التي جرت كانت موجهة في انتقاد سخافة الأفكار المسيحية وفساد عقائد المسيحية. أو محاولات جرت في بيان جرائم الكنيسة وجشع بطاركتها وقسوة قلوب أحبارها وخداع كهنتها. أهل الديمقراطية، حكامها، فلاسفتها ومفكِّروها، المخطِّطون والمشرفون على ثورات الديمقراطية منعوا أي محاولة ولو فردية في قرية منزوية أن تبدأ. فهم حقيقة المسيحية اليوم ما زال ممنوعاً، حتى اليوم لا يوجد أوروبيٌ واحد تجرأ وقام وأعلن حقيقة التاريخ في مسيحية الكنيسة التي استعبدت الأوروبيين ما يقارب خمسة عشر قرناً، بعدَ ما يقرب من مائتي عام من تحرر الأوروبي من سطوة الظلم الكنسي يمتنع الأوروبي عن فهم حقيقة سبب قتل جده وأبيه، هل يمتنع أم يمنعونه؟ لا يهمنا في شيء أن نثبت أنهم، حكام الديمقراطية، يمنعونه من فهم سبب قتل الكنيسة لجده المسيحي، المهم أن يفهم الأوروبي أنه حتى اليوم لا يفهم السبب، وأن الأسباب المعلنة والتي كتبوا في إثباتها مئات وآلاف الكتب أسباب تمويهية حتى يستحيل عليه أن يتبيَّن حقيقة سبب مقتل جده المسيحي. لأنه لا يمكنه أن يفهم حقيقة السبب إلا بربطه في حقيقة المسيحية ابتداءً وغاية. والخطر على الديمقراطية، ونظام العيش الديمقراطي، والأيديولوجية الديمقراطية في عقول الأوروبيين، كل الخطر أن يربط الأوروبي فهمه لحقيقة المسيحية بالثورة الديمقراطية، عندها فقط يهتدي إلى حقيقة الديمقراطية وثورتها أنها مؤامرة عليه نقلته من واقعٍ في جهل إلى جهلٍ في واقع، ومن واقع في ضياع إلى ضياع في الحياة، ومن واقعِ خنوعٍ في عبوديةٍ إلى عبودية في نظام!
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:47 PM   #18
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 30 - 32

حتى يفهم الأوروبي سبب ظلم الكنيسة لأجداده، وجشع الكهان في اغتصاب إنسانية الأوروبي بتعطيل عقله، ووحشية البطاركة والأحبار في قتل أتباع غير كنيستهم، لا بد أن يفهم حقيقة المسيحية في سببها وغايتها. هذه الحقيقة هي بالواقع التاريخي للبشرية المؤامرة الأولى على الجنس البشري. نقول إنها مؤامرة تاريخية من حيث إن مؤامرة الرومان المتجسدة بالدعوة للمسيحية استمرت من بداية القرن الرابع الميلادي وحتى بداية القرن الثامن عشر ما يقرب من ألف وأربعمائة سنة، حيث استوجبت ظروف الزمن إعادة صياغة مؤامرة استعباد الأوروبي بتعطيل عقله كلياً. فبعد أن منعت المسيحية عقل الإنسان الأوروبي من ممارسة قدرته الطبيعية في فهم المسيحية طوال مئات السنين بقوة الفأس الكنسي الذي كان يجول لقطع الأعناق التي تتعالى حنجرتها في السؤال، وحِدَّة السيف الكنسي الذي يصول في جزِّ الرؤوس التي تجرأت في طلب فهم المسيحية، جاءت ثورة التحرر من جبروت الكنيسة في قهرها للنفوس بصياغة جديدة لتعطيل العقل في الأوروبي كلياً بإطلاق غرائزه ورغباته لتطغى على براهين العقل وحيثيات التفكير، وذلك بتسخير العقل في إشباع الغرائز والجوعات بديلاً عن عمله الطبيعي في تنظيم إشباعها مباشرةً، أو تخفيف حِدَّتها في طلب الإشباع بموازنة أسباب الإثارة فيها أو لها.
أصل المسيحية أنها مؤامرة على جنس البشر في مدى السيطرة الرومانية، لأن قوة الرومان زمن صياغتهم للمسيحية كانت أقوى قوة عسكرية في الجنس البشري. صحيح أنهم كانوا يخسرون حرباً، ولكنها كانت هزيمة جيش من جيوش الرومان، وصحيح أن الفرس كانوا سداً في توسعهم في الشرق إلا أنه لم يكن مقارنة بين موارد القوة في الإمبراطورية الرومانية مع موارد القوة في الفرس، كان الرومان يحاربون الفرس بجيش من جيوشهم وليس بكل جيوشهم. وفي مؤامرة الرومان على شعوب الإمبراطورية بالمسيحية كانوا يأملون أن تكون المسيحيةُ هي الشرك الذي يوقِعُ الفرس في تبعية الرومان. فشل الرومان في نجاح مؤامرتهم في الفرس لم يكن بسبب ذكاء الفرس بل بسبب غباء الرومان. ذلك أن الرومان فرضوا إيمان الناس بالمسيحية بالمكر والخداع والدس، منذ تحول شاؤول الخسيس في شرطة الرومان بإمرة كاهن الهيكل الصدوقي من يهود إلى بولس الذي هبط عليه إله المعرفة، لغاية إعلان قسطنطين إله الرومان تحوله إلى إمبراطور المسيحيين الأول بسبب هبوط إله المعرفة أيضاً عليه، كما هبط على شاؤول عميل الرومان وأجيرهم على إطلاق مؤامرتهم. وقد استمرت فترة المكر والخداع والدس في تمرير المؤامرة الرومانية هذه في نشر المسيحية ما يقرب من مئتين وخمسة وسبعين عاماً، أي منذ ما يقرب من سنة 50 ميلادية، سنة تحول شاؤول الخسيس إلى بولس المسيحي، وحتى سنة 325 ميلادية سنة تحول الإمبراطور إلهاً وثنياً إلى إلهٍ مسيحي. ذلك كان مرحلة الدس الروماني في صياغة المسيحية التي كانت منذ البداية تُعرف بمسيحية بولس لفصلها عن نصرانية المسيح، وكان ذلك الفصل بسبب قوة إيمان تلامذة عيسى عليه السلام وعنادهم على التبرؤ من ديانة بولس وبراءتهم من كفره، ووثنيته، وتحالفه مع الرومان. تلك كانت المرحلة الأولى في الممارسة أما في مجالها فكان محصوراً في القسم الغربي من شرق الإمبراطورية بسبب وقوف الحواريين سداً في وجه بولس منذ البداية ما منع أتباعه تقليدياً من إمكانية تجاوزهم للعمل في بلاد الفرس. خاصة وأن دعاة المسيحية صُبِغوا منذ اليوم الأول أنهم عملاء السلطة الرومانية ما كان يعني الموت المحتم إذا قُبِضَ عليه في بلاد الفرس. وكان من شأن المرحلة الأولى في الممارسة والمجال أن فُرِضَ الحائل التاريخي بين المسيحية والشرق أبدياً. ولست أرى سبباً في ذلك الخطأ التاريخي إلا عناد الرومان في الاستعجال في السير بالمؤامرة مهما كانت العواقب التي كان الرومان يعتمدون على حلِّها في حال تعقدها المستعصي على تغيير الظروف بالقوة العسكرية. إذ، قليل من قادة الرومان أمثال أوغسطوس الذي كان يرى في تلافي الحاجة إلى الحسم العسكري، حيث أمكنَ، بعداً أعمق في التاريخ. غيرنا، قد يقول إنه غباء، من يقول ذلك يغفل شراسة صراع الحواريين تلامذة النبي عيسى رضوان الله عليهم في محاربة كفر بولس بدين النبي عيسى ووقوفهم المستميت بوجه محاولاته لطمس تعاليم عيسى وتحريفها وتبديلها بمعارف غنوصية، وثنية، وهلينيَّة. كذلك، من يقول بغباء الرومان بدل استعجالهم للسير بالمؤامرة اعتماداً على الحل العسكري في النهاية، يغفل حقيقة احتقار يهود لبولس ودعوته التي هي ضد تعاليمهم أيضاً وأثر ذلك الاحتقار في صدود مجاوريهم من الأمم الوثنية في عدم التجاوب مع بولس أولاً والدعاة من بعده عبر الزمن.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:49 PM   #19
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 32 - 33

المرحلة الثانية بدأت في السنة التالية لترائي الإله المسيحي على الإله الوثني قسطنطين بالأمر الأول بالقتل الجماعي لمخالفيه ـ والأصح القول بقولهم القتل الجماعي لمخالفي الكاهن الذي عينه الإمبراطور لسوق المسيحيين في عبادة الطاعة للإمبراطور ـ في مجمع نيقيه الذي عارض اقتراحه الأول بالتثليث وأصروا أن قد كان الأب إذ لم يكن الابن وأن الأب وحده الله. فأمر أمره المسيحي الأول في عام 325 ميلادية بنفي وتشريد وصلب وقتل أو تقطيع تسعين بالمئة من المجتمعين ولم يسمح بالبقاء إلا للذين خضعوا لمشيئته في إقرار التثليث المبهم وعددهم يقارب المئتين من أصل 2048 كاهناً وداعياً ومبشِّراً مسيحياً، معظمهم لم يفهم بوضوح حقيقة الفكر التآمري في المسيحية الرومانية فأخذوها أخذاً وثنياً مسيحياً لا مسيحياً رومانياً، فاختلط عليهم الأمر وتاهوا عن البعد الروماني في المؤامرة المسيحية. وهكذا استمرت هذه المرحلة فيما عُرِف فيما بعد بالكنيسة الكاثوليكية حتى زوال سلطتها، مرحلة قتل وتشريد ونفي كل مخالف استمرت من أول إمبراطور مسيحي وانتقلت إلى أول كاهن مسيحي روماني حاكم وحتى عزل الكنيسة وجزاريها عن السلطة المباشرة.
هذا العمل الأول، فهمه، يلقي الضوء على فهم سبب مبادرة الرومان في مؤامرتهم المسيحية. واقع الخلاف في مجمع نيقيه هو غير حقيقة الخلاف. واقعه لا يستوجب هذا القتل الجماعي إذ الخلاف بقي محصوراً بين وثنيين وفي أفكار وثنية وكلها أفكار افتراضية وليست أفكاراً واقعية. آريوس، المخالف، لم يعترض على ألوهة الصنم ولا على عبادة الصنم، ولم يعترض على أبوة الأب ولا على ألوهة الابن، ولا على فكرة الأب والابن، ولا على فكرة التناسخ الإلهي، آريوس كان في كل هذا وثنياً ولكنه وقد كان باراً محباً لأبيه رأى أن الإله الابن لا بد أن يكون باراً بأبيه الإله، لأن البر فضيلة طبيعية في الإنسان وفي رأيه كل فضيلة طبيعية في الإنسان هي امتدادٌ أو جزءٌ من طبيعة إلهية. لذلك، يستحيل عند إله آريوس أن لا يكون باراً بأبيه. ولما كان البر يلزم أن يكون مظهره في أهم المظاهر وجد آريوس أن الابن يجب أن لا يجلس حيث يجلس أبوه، أو يزاحمه كرسي الألوهية التي بسبب تفاهته لم يرَ كما رأى الإمبراطور أنها تتسع لاثنين! فما كان منه ـ من آريوس ـ إلا أن أصر على أن الابن البار ـ وهو المسيح الصنم ـ يأخذ من أبيه الألوهة ويطيع أباه الإله ويرضى أن يبقى صنماً بدون سلطة الألوهة ما دام أبوه حياً. آريوس في صنميَّة إلهه لم يكن أكثر سخفاً من وثنية الألوهة التي أراد الإمبراطور فرضها على كهان المسيحية في مجمع نيقيه. لم يستوجب الخلاف النظري قتل القوي للضعيف، أو قتل صاحب السلاح لعديم السلاح، ولا يستوجب قتل كاهن فكيف بعشرات مئات الكهنة. فلا بد أن حقيقة سبب القتل غير واقع سبب القتل.
الحدث نفسه، حدث مجمع نيقيه، حدثُ موضوعِ الخلاف، حدث المجزرة، كله حدثٌ واحد يُظهر أن الموضوع لا يتعلق في بحث ألوهة صنم بل في ما كانت عليه القضية في الواقع. القضية في واقعها قضية طاعة الإمبراطور، أو عبودية الطاعة للإمبراطور أن تكون جزءاً من عقيدة الدين المسيحي أو لا، آريوس لم يشكك بألوهية الابن بل كرَّسها ولذلك رآهُ عنواناً لبر الابن بأبيه، لم يستطع أن يرى إلهه ابناً عاقاً يزاحمُ أباه. هل يجوز لكاهن أن يكون له رأي غير رأي الإله الإمبراطور؟ في رأي الإنجيل وفي رأي بولس: لا، لا يجوز، إذ الرأي الأول والآخر صاحب الحق الإلهي الحاكم! آريوس، لعنه الإمبراطور كما لعنه الله بكفره، وجده الإمبراطور مذنباً بجريمة الكفر في قدسية الطاعة للإمبراطور وليس مجرماً في عدم طاعة الإمبراطور. آريوس، على تفاهته، كان مقتنعاً أن المجمع هو مجلس نقاش وبحث حقيقي، لم يرَ أبعد من أفق منخره، صدَّق أنه يمكن له كما كان لبولس سلطة إقرار صفة من صفات الفضيلة على إلهه. لم يرَ أنه أول عملٍ يقوم به الحاكم المسيحي الأول لإثبات وإقرار سلطته على الكنيسة والكهان وإلباس سلطته اللقب المقدس إمبراطور الكنيسة أي سيدها الأوحد أبدياً. لم يرَ ـ آريوس ـ أن المجمع هو لإعلان قدسية الإمبراطور وحقه المطلق في صياغة شكل الإله ودوره وسلطته. الأبله ـ آريوس ـ ظن أو صدَّق أن المجمع يُعقد بأمر الإمبراطور لتبادل الآراء في حقيقة الإله الذي اشتغل الرومان ما يقرب من ثلاثمائة عام في إقناع الناس بحقيقة المسيح الذي كانوا يعدِّلون في صياغة ألوهيته كلما اقتضت ظروف مراعاة شروط الوثنيين الجدد في ما يجب أن يكون عليه الإله المشترك، إذ فكرة المسيح الإله الابن من إله أب فكرة مشتركة كانت سائدة في جميع الوثنيات، وإن كانت فكرة الإيمان بألوهيته الهابطة أنها وحدها تُنقذ من الجهل والعذاب وتغفر ذنوب جميع المعاصي فكرة غنوصية خالصة.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2016, 09:51 PM   #20
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 34 - 36

القضية في مجمع نيقيه أن الإمبراطور قسطنطين كان يعتبر موقعه سليل الأباطرة الذين أوجدوا المسيحَ إلهاً، فهو في حقيقة التاريخ وريث الإمبراطور صانع المسيح الإله الابن المصلوب، وصانع رواية الإله الابن العاق وخرافة الابن المخلوق في الأزل من الأب. أبله الكهان آريوس أراد أن يكون إلهاً مثل الإمبراطور، يصنعُ إلهاً! عارض صنيع الإمبراطور صنم الإله الابن العاق وبَدَّلَهُ بصنم الإله الابن البار! لم يغير في الصنم أو يقترح تعديلاً في عدد أصابع قدم الصنم التي أبقى عليها خمساً، أو تقصير قطعة القماش التي تغطي عورة الصنم إذ كانت قطعة القماش التي تغطي عورة الرجل بالغة الأهمية عند الأباطرة الرومان، لأنها كانت تمثل إخفاء لذكورة الرجل أنها في رجولة أو أنوثة، كان اللوطي منهم أكثر حرصاً على ستر عورته حتى لا تُرى حقيقته، وكان الرجل منهم أكثر اهتماماً على ستر عورته حتى لا يُعرف بذكورته بدل شجاعته، فقد كانوا يقدِّرون الشجاعة أكثر من الذكورة. القضية في مجمع نيقيه قضية إقرار من هو صاحب القرار الإلهي في الإمبراطورية، فإن طغت سلطة الكهان على سلطة الإمبراطور سقطت ألوهة الإمبراطور بين أرجل الكهان، وإن ثبت الحق الإمبراطوري بقي الكهان بين قدمي الإمبراطور. كان من الطبيعي أن يخنع كهان الكنيسة في طاعة أحكام الإنجيل وتعاليم شاؤول الذي غيَّر اسمه إلى بولس ويرضون بقدسية ألوهية الإمبراطور. أول مجمع للكهان في تاريخ المسيحية رفض الانصياع في ذل الخنوع للإمبراطور كما فرضته كل أناجيلهم، وكما فرضه بولس في كل تعاليمه. كهان نيقيه أرادوا أنفسهم صانعين لإلهٍ بار. لم ترضَ نفوسهم النجسة بإلهٍ ابنٍ عاق، إذ كيف يستطيع ابنٌ إلهٌ عاقٌ أن يطهِّر الرِّجس في نفوسهم، كانوا يعلمون أنهم أنجاس فأرادوا صنع مطهِّرٍ لهم. وقد وقفوا في ذلك الموقف يستمدون قوتهم من عراقة آريوس في مهد التثليث الإلهي، بل أحد أهم مراكز التثليث في الأمم الوثنية: مصر الفرعونية. آريوس، وثنياً من مصر، كان دائم التفكير بثلاثية آلهة فراعنة مصر، كان يرى فيها خلطاً، ويرى فيها عجباً، ويرى فيها تناقضاً. لما أدرك ثلاثية بولس في مسيحيته التاريخية لَحَظَ فيها تناقضاً خليطاً عجيباً فأراد تصحيحه حتى لا تصير المسيحية إلى ما صارت إليه ثلاثية الفراعنة من زوال بفعل عواملها الذاتية. لما أعلن تصحيحه عارضهُ مَنْ حولَهُ، عندها، تذكَّر سَحَرَةَ فرعون وإفلاسهم في حضرة الحقيقة. سَحَرَةُ فرعون لما رأوا ما فعل موسى أدركوا حقيقة موسى أنه على يديه أجرى الله مثلاً على قدرته، قدرة الله تجلَّت في كشف خداع السحرة، سبحانه ما أرحمه، لم يبطش بهم بل أجرى الحقيقة في عيونهم وعيون نظّارهم. لم يكن أمام السحرة الخيار بعد أن كُشِفَ عنهم حجابُ ستر الحقيقة إلا أن يروا الحقيقة. في غمزةِ الخاطر خرُّوا ساجدين حمداً لله أن كشف عن عقولهم حُجُبَ الوهم والخديعة، هم كانوا يصدقون ما يرون وهماً أنهم صنعوه، الله سبحانه أراهم أنهم لم يصنعوا شيئاً، أراهم أنهم يتوهمون صنعاً. كسحرة فرعون ظنَّ نفسه، أنه كُشِفت له حقيقة الابن المصلوب إلهاً باراً وليس إلهاً عاقاً. كسَحَرَةِ فرعون أراد التمرد على ألوهة القول في أمر الإمبراطور. توهَّم رؤيا فانتصب عنفوانه في السير بها مستمداً قوة في الاقتداء في أبرار موسى الذين هُم مِنه أبرياء، أولئك رضوان الله عليهم سجدوا لله لما رأوا برهان ربهم، هذا أراد تغييراً في معدن إلهه باراً بدل عاقاً! آريوس كان من الشرق الحافل بتتالي أنبياء الله، وبتراث البر الذي كانوا يدعون إليه سلام الله عليهم أجمعين، كانوا يدعون إلى البر بعهد الله في توحيد طاعته، وعهد آدم في توحيد عبادته سبحانه، وعهد الإنسان، كل إنسان، بالوفاء بعهد الوفاء لله على أنعمه ببر الله في كل قول وعمل كما يأمر الله به مع كل نبي. البرُّ تراث عميق الجذور في أهل الشرق، أهل مدائن الأنبياء. لم يستطع آريوس أن يتنكّر لأصل كل الفضائل في ديانات الله: البر بعهد الله ومنه البر بالوالدين. آثر أن يتشبَّه بالذين آمنوا في حضرة فرعون دون أن يلحظ أن أولئك آمنوا بالله الحق، انتقلوا من كفر فرعون إلى إيمان توحيد الطاعة لله، وأنه لم ينتقل من كفر إلى كفر حتى، بل غرق في الكفر إلى قعرٍ أذل: بدل أن يكون كافراً يلحق بحاشية الإمبراطور مرفوع الرأس بين أترابه من رجال الكنيسة عبيد الطاعة لقسطنطين، اختار أن يكون مقطوع الرأس كافراً ينتظر قيام الساعة التي يُقذفُ بها في سعير الجحيم مع الذين قتلوه وتآمروا على تغيير وتزوير وتحريف دين عيسى عليه السلام.
واقع الحدث في مجمع نيقيه وقضية مجمع نيقيه لا يستوجبان هذا القتل والنفي والإذلال والحرمان الذي تبعه. وثنيون يقولون إن الابن إلهٌ قبل أن يولد وآخرون وثنيون يقولون إن الابن إلهٌ بعد أن وُلد، أو ابنُ إلهٍ يكون إلهاً في غياب أبيه أو بعد موت أبيه. وثنيون يقولون إن الابن عاقٌ يحكم بوجود أبيه وآخرون وثنيون يقولون بل الابن بارٌ لا يتجرأ على التطاول على سلطة أبيه ودوره. هذا تنافس على تمجيد الابن، هذا تفاخر في صفات الابن، هذا ترسيخ لوثنية الأب، وتأكيد لصنمية الاثنين، ومغالاةٌ في طمس حقيقة الألوهية في الوجود، هذا تطاول على الألوهية بإخضاعها لما يريده الإنسان لها، وإذلال لها بفرض مشيئة الإنسان على تشكيلها، هل الإله يشكِّل المخلوق الإنسان أم الإنسان يصوغ شكل الإله الخالق؟ هذا استعباد للإله، تحقيرٌ له وتسفيه! هذا يعني أن الإنسان هو الذي أوجدَ الإله المزعوم أباً كان أو صنماً! هل المسيحيون بولس ولوقا ومرقص هم الذين أوجدوا هكذا إله يُختلف على حقيقته وشكله ودوره؟ لِمَ لَمْ يحدِّدوا هُم حقيقة وشكل ودور وأصل الإله الذي قالوا للناس عنه إنه إله؟ هل كانوا هم يجهلون أصل إلههم؟ هل كانوا هم يجهلون كيف يجب أن يكون دور المسيح إلههم؟ وكانوا يجهلون علاقة الابن بأبيه؟ هل أرادوه حقاً ابناً عاقاً بأبيه كما جعلوه ابناً عاقاً بأمه؟ لماذا كانوا لا يفرِّقون بين البر والعقوق؟ لماذا لم يلحظوا أنه من المهين المذل أن يكون إلههم عاقاً؟ لماذا أرادوا وأصروا أن تكون صفة الإله الابن أنه عاقٌ بأمه أولاً ثم بأبيه؟ لماذا عجزوا عن معرفة دور الأب في الوجود منفصلاً عن دور الابن؟ لماذا عجزوا عن توزيع الصلاحيات عليهما؟ لِمَ أعطوا كل سلطات الألوهة للابن؟ لِمَ جعلوا صنماً للابن وحده؟ لماذا يركعون لصنم الابن وحده؟ لماذا لا يركعون لذكر الأب إذا عجزوا عن إيجاد صنمٍ له؟ لماذا في تقديسهم للابن إلههم يأكلون لحمه ويشربون دمه، هل لأنهم يعلمون أنه إله بالوهم لا بالحقيقة؟ هل لأنهم يعلمون أنهم هم أوجدوا هذا الابن ولذلك هم قادرون على إفنائه بالتهامه رمزاً واستحضاره صنماً في كل حين؟ ماذا أرادوا غير تسفيه الإنسان في عقله، وتحقيره في وجوده، وتسخيره في حياته؟
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.