قديم 02-11-2015, 06:01 AM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي ألطب ألنبوي

01 الفهرس
02 ألطب ألنبوي
04 التفريق بين أحاديث الأحكام الشرعية وأحاديث الرأي في الأمور الدنيوية
05 أنتم أعلم بشئون دنياكم
06 "أنتم أعلم بأمر دنياكم"
07 إضاءات وأنوار
08 كتب في " ألطب النبوي "
09 الإعجاز الإلهى .. وما أخبرنا نبينا الكريم عن التمر
10 الطب النبوي.. مفهومه ونشأته
11 ممارسة الرياضة في الطب النبوي
12 ماء زمزم
13 خير ماء على وجه الأرض
14 الشرب من الإناء
15 بعض علاجات الطب النبوي في بطاقات رائعة
20 ألثريد
21 ألتلبينه
22


__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-11-2015, 06:31 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي ألطب ألنبوي 1


تقديم:
حرص الإسلام على بناء مجتمع سليم معافى جسدياً ونفسياً, ليكون أفراده أصحاء أقوياء, وهذا ما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلّم حينما قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير".
وأهمية علم الطب تتأتى من ضرورة إيجاد العلاج, وليس أدل على ذلك من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء".
ومن هنا نجد أن الأطباء العرب تحمّلوا مسؤولية كبيرة تجاه الإنسانية، وأمام الله تعالى فحملوا الأمانة وأدّوها حقّ تأدية, فكان بحثهم في أسباب المرض وطرق علاجها ينبع من دافع ديني أولاً, وإنساني ثانياً, فقدموا الكثير للإنسانية, ليكون عطاؤهم نبع ينهل منه, الداني والقاصي على فترة امتدت لقرون من الزمن كان خلالها الغرب يغرق في مستنقعٍ من الجهل والظلام.

ما هو الطب النبوي؟
هو مجموع ما ثبت وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم مما له علاقة بالطب، سواء كان آيات قرآنية أو أحاديث نبوية شريفة، ويتضمن وصفات داوى بها النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ممن سأله الشفاء، أو أنه دعا إلى التداوي بها، كما يتضمن توصيات تتعلق بصحة الإنسان في أحوال حياته من مأكل ومشرب ومسكن ومنكح، وتشمل تشريعات تتصل بأمور التداوي وأدب الطب في ممارسة المهنة وضمان المتطبب في منظار الشريعة الإسلامية.
منذ القديم قام كثير من العلماء بإفراد الأحاديث النبوية المتعلقة بالطب في مؤلفات خاصة بها، كما قاموا بشرحها والتعليق عليها، وإضافة كثير مما يتعلق بطب الأعشاب إليها، وما ذلك إلا لأهمية علم الطب من جهة، ولإبراز ما وفق الله سبحانه نبيه وهداه إليه من علاجات ونصائح وأدوية وإجراءات كانت تمثل علماً خاصا، ثبت في الواقع المجرب وعند أصحاب الاختصاص صحته وأهميته، يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه (زاد المعاد إلى هدي خير العباد): وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء، فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدسي وظنون وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به، وكمالُ التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، إن لم يتلق هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائه، بل لا يزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم ومرضاً إلى مرضهم.

الحث على المداواة

"تداووا عبـاد الله"..
حديث صحيح رواه الأربعة، فعن أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، إلا داء واحدا، الهرم".
وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى".
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء،علمه من علمه،وجهله من جهله، إلا السام". والسام الموت رواه ابن ماجه
وفي هذه الأحاديث حث على المداواة . وأن الأدوية ما هي إلا وسائل جعلها الله طريقاً للشفاء.. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "علمه من علمه، وجهله من جهله" حث للأطباء المسلمين على البحث والاستقصاء لاكتشاف أدوية لأمراض لم يعرف لها بعد دواء.. وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء بموافقة الدواء للداء، فلكل دواء مقدار معين يعمل به، وينبغي ألا يزيد ولا ينقص.
وتعاليم الإسلام كلها تدفع إلى المحافظة على الصحة والارتقاء بها في كافة المجالات ليعيش الإنسان حياة سعيدة طيبة في الدنيا والآخرة.
وإذا كان الإسلام قد أوجب المحافظة على الضرورات الخمس وهي:
الدين والنفس والعرض والمال والعقل، فإن ثلاثاً من هذه الضرورات تتصل بوجوب المحافظة على صحة البدن، ألا وهي النفس والعرض والعقل.. والطب يحفظ البدن ويدفع عنه غوائل المرض.. يقول الإمام الشافعي: "صنعتان لا غنى للناس عنهما: العلماء لأديانهم والأطباء لأبدانهم".. ويقول أيضا: "لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب".(1)

كتب الطب النبوي
أفرد جميع علماء الحديث في كتبهم التي جمعوها من كلام النبوة أبواباً خاصة تحت اسم "باب الطب"، وكان البادئ منهم في ذلك الإمام مالك في موطئه، وتبعه في ذلك البخاري فمسلم فأصحاب السنن وغيرهم.
وأول مصنف مستقل عرف لدى المؤرخين في مجال الطب النبوي هي رسالة موجزة للإمام علي الرضا بن موسى الكاظم ( المتوفى عام 203 هـ - 811 م )، وقد حققها ونشرها الأستاذ الدكتور محمد علي البار، ثم ظهر كتاب "الطب النبوي" لعبد الملك بن حبيب الأندلسي ( المتوفى عام 238 هـ - 853 م ) وكان فقيها محدثا لقب بعالم الأندلس، وهو أول كتاب في الطب النبوي يذكر فيه الأحاديث والأبواب، وقد حقق الكتاب مع تذييله بحاشية قيمة علمية الدكتور محمد علي البار.
ويعتبر الموفق عبد اللطيف البغدادي (المتوفى عام 629 هـ - 1231 م.) أول طبيب قام بشرح طبي لأحاديث الطب النبوي، وكان طبيبا فقيها ونحويا وفيلسوفا، ومن مؤلفاته "الطب من الكتاب والسنة" الذي حققه الدكتور عبد المعطي قلعجي.
وألف علماء آخرون كتبا في الطب النبوي ومنهم ابن السني، وأبو نعيم الأصبهاني، والتيفاشي، والكمال بن طرخان، والإمام الذهبي وغيرهم.
أما الإمام ابن قيم الجوزية فكان من كبار علماء دمشق، ويعتبر كتابه "الطب النبوي" أشهر الكتب المصنفة في هذا الفن.
ويعتبر كتاب الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 "المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي" من أجمع كتب الطب النبوي، لأنه حوى معظم ما كتبه السابقون عليه بالإضافة إلى توسعه في علم الحديث.
_________________________________
(1) التداوي يأخذ حكم المباحات وليس الفرض بدليل ما روي في الحديث:
حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏عمران أبي بكر ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏عطاء بن أبي رباح ‏ ‏قال قال لي ‏ ‏ابن عباس ‏"‏ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه ‏ ‏المرأة السوداء ‏ ‏أتت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال ‏ ‏إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت أصبر فقالت إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها ‏ "
لذا فالأمر في حديث "تداووا عبـاد الله".. لا قرينه تصرفه للفرضية.
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2015, 09:53 PM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي

الطب النبوي هو مجموعة النصائح والهدي المنقولة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الطب الذي تطبب به ووصفه لغيره، وصلتنا على شكل أحاديث نبويه شريفه، بعضها علاجي وبعضها وقائي. وتناولت علاج أمراض القلوب والانفس والابدان والارواح، منها ما هو علاج بالادويه الطبيعية ومنها ما هو علاج بالادويه الروحانيه وألأدعية والصلوات والقرآن. جمع تلك الوصايا بعض المتقدمين وأهمهم ابن قيم الجوزية، ثم أضاف إليها المتأخرون كتباً أخرى.

§ تصنيف الأمراض
تصنف الأمراض حسب الطب النبوي إلى نوعين مرض القلوب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن. يقول ابن القيم: " ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا) البقرة 10، ومرض شهوة وغي (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) الاحزاب 32. فهذا مرض شهوة الزنا والله أعلم. وأما مرض الأبدان، فقال تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) النور61"[1].
§مراحل العلاج
يشرح ابن قيم الجوزية خطوات العلاج في ضوء فلسفة الطب النبوي كالتالي: "وأمراض المادة أسبابها معها تمدها، وإذا كان سبب المرض معه، فالنظر في السبب ينبغي أن يكون أولا، ثم في المرض ثانيًا، ثم في الدواء ثالثًا"[1].
ويصف الطبيب في قوله: "هو الذي يفرق ما يضرُّ بالإنسان جمعُه، أو يجمعُ فيه ما يضرُّه تفرُّقه، أو ينقُصُ منه ما يضرُّه زيادَته، أو يزيدُ فيه ما يضرُّه نقصُه، فيجلِب الصحة المفقودة، أو يحفظُها بالشكل والشبه؛ ويدفعُ العِلَّةَ الموجودة بالضد والنقيض، ويخرجها، أو يدفعُها بما يمنع من حصولها بالحِمية".
يقول ابن قيم الجوزية: "فكان من هَدْيِ النبي صلى الله عليه وسلم فعلُ التداوى في نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، ولكن لم يكن مِن هَدْيه ولا هَدْى أصحابه استعمالُ الأدوية المركَّبة التي تسمى ((أقرباذين))، بل كان غالبُ أدويتهم بالمفردات، وربما أضافُوا إلى المفرد ما يعاونه، أو يَكْسِر سَوْرته، وهذا غالبُ طِبِّ الأُمم على اختلاف أجناسِها من العرب والتُّرك، وأهل البوادى قاطبةً، وإنما عُنى بالمركبات الرومُ واليونانيون، وأكثرُ طِبِّ الهند بالمفردات. وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوى بالغذاء لا يُعْدَل عنه إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يُعْدَل عنه إلى المركَّب. قالوا: وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحِمية، لم يُحاوَلْ دفعه بالأدوية.قالوا: ولا ينبغى للطبيب أن يولعَ بسقى الأدوية، فإنَّ الدواء إذا لم يجد في البدن داءً يُحلِّله، أو وجد داءً لا يُوافقه، أو وجد ما يُوافقه فزادت كميتهُ عليه، أو كيفيته، تشبَّث بالصحة، وعبث بها، وأربابُ التجارِب من الأطباء طِبُّهم بالمفردات غالباً، وهم أحد فِرَق الطبِّ الثلاث.والتحقيقُ في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية، فالأُمة والطائفة التي غالبُ أغذيتها المفردات، أمراضُها قليلة جداً، وطبُّها بالمفردات، وأهلُ المدن الذين غلبتْ عليهم الأغذيةُ المركَّبة يحتاجون إلى الأدوية المركَّبة، وسببُ ذلك أنَّ أمراضَهم في الغالب مركَّبةٌ، فالأدويةُ المركَّبة أنفعُ لها، وأمراضُ أهل البوادى والصحارى مفردة، فيكفى في مداواتها الأدوية المفردة. فهذا برهانٌ بحسب الصناعة الطبية" نفس المصدر السابق.

فضل الطب النبوي على طب الأطباء:
لأن المسلم يؤمن بأن الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره يجعل نسبة الطب النبوي إلى طب الأطباء كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء. خصوصًا الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتمادِه على اللهِ، والتوكلِ عليه، والالتجاء إليه، والانطراحِ والانكسارِ بين يديه، والتذلُّلِ له، والصدقةِ، والدعاءِ، والتوبةِ، والاستغفارِ، والإحسانِ إلى الخلق، وإغاثةِ الملهوف، والتفريجِ عن المكروب. وهذا يأتي من الاعتقاد أن القلبَ متى اتصل برب العالمين، وخالق الداء والدواء، ومدبِّر الطبيعة ومُصرِّفها على ما يشاء كانت له أدويةٌ أُخرى غير الأدوية التي يُعانيها القلبُ البعيدُ منه المُعْرِضُ عنه، وأنَّ الأرواحَ متى قويت، وقويتْ النفسُ والطبيعةُ تعاونا على دفع الداء وقهره.
§التخمة كسبب رئيس للأمراض:
يعتبر الطب النبوي التوازن في الغذاء وقاية من أمراض عديدة، ويعتبر أن من أسباب الأمراض إدخال الطعام على البدن قبل الهضم، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النفع، البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة. وذلك في ضوء الحديث النبوي: "ما مَلأَ آدَمِىٌ وِعاءً شَراً مِنْ بطنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ لُقيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإنْ كان لا بُدَّ فَاعلاً، فَثُلُتٌ لِطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرَابِه، وثُلُثٌ لِنَفَسِه"[2].
§أنواع العلاج بالطب النبوي:
العلاج بالطب النبوي يشمل ثلاثة أنواع:
1-الأدوية النبوية الطبيعية ويشمل العلاج بالعسل وأبوال الإبل وألبانها وإخراج الدم والعلاج بالكي وبالحجامة والشبرم السنوت والحناء والتمر والتلبينة
2-الأدوية الإلهية وتشمل علاج العين والسحر وغيرهما بالتعوذات والرقى والاغتسال
3-المركب من الأمرين.
----------------------------------
§مراجع:
1.تعدى إلى الأعلى ل: أ ب زاد المعاد، الجزء الرابع
2. أخرجه أحمد 4/132
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2015, 10:47 PM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي التفريق بين أحاديث الأحكام الشرعية وأحاديث الرأي في الأمور الدنيوية

التفريق بين أحاديث الأحكام الشرعية
وأحاديث الرأي في الأمور الدنيوية
ألسؤال 1:
جزاكم الله خيرا عما تبذلونه من عمل وأدعو من الله أن يجعلها في ميزان حسناتكم....وسؤالي هو أني قرأت من حديث طويل في أحد الكتب للرسول صلى الله عليه وسلم قوله ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ولم أجد سنده ..فإذا كان هذا الحديث صحيحا فما هو مقصده الشرعي وهل يجوز لنا أن نعممه على سائر الأمور الدنيوية لنا أو بعبارة أخرى هل يمكن شرعا للناس الاجتهاد الفردي بناء على العقل في أمور تنفعهم في دنياهم ؟.
وجزاكم الله كل خير.

الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإن ما ذكرته هو جزء من حديث صحيح، فقد أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا " تمرا رديئا" فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. كما ذكره ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه وغيرهم بروايات مختلفة.
وقد بوب له النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سيبل الرأي.اهـ فذلك هو المقصد الشرعي وهو عام في سائر الأمور الدنيوية، فيمكن لكل فرد أن يجتهد في أموره الدنيوية الخاصة بما يناسبه وينفعه، فله أن يبني داره -مثلا- إلى أي جهة تناسبه، ويزرع مزرعته بما يفيده. فلا دخل للشارع في ذلك؛ اللهم إلا من ناحية تقنينه للمسائل، مثل تحريمه للإسراف أو التقتير أو الإضرار بالغير ونحو ذلك من الأمور العامة التي تجري في كل المسائل تقريبا. وللاستزادة يرجى مراجعة الفتوى رقم: 57742.
والله أعلم.

السؤال رقم: 57742. :
يقول النبي عليه السلام‏:‏ إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به‏..‏ وإذا أمرتكم بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم‏ٌ قرأت هذا الحديث في أحد المواضيع فهل هو حديث صحيح؟ وفي هذه الحالة أريد ان أعرف لأي مدي يكون أعلم بدنياه؟

الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإن المعنى المشار إليه في السؤال صحيح، وقد ورد في عدة أحاديث صحيحة منها ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون (النخل) فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصاً (تمراً رديئاً)، فمر بهم فقال: مالنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا... قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.
وفي صحيح ابن خزيمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما ناموا عن صلاة الفجر قال بعضهم لبعض فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون؟ إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم به، وإن كان شيء من أمر دينكم فإلي...
وأما مدى معرفة الشخص لدنياه، فإن ذلك يتوقف على ذكائه وتجربته وخبرته، وما تأخذ أمور الدنيا من تفكيره واهتمامه، فقد يكون المرء عليماً بأمور دنياه خبيراً بدقائق أمورها وهو لا يعرف الكثير عن دينه والعكس صحيح.
وقد يكون بعضهم يعرف شيئاً من هذا وشيئا من ذلك، فهذا من المواهب والملكات التي يعطيها الله تعالى لبعض عباده.
اما الكفار فهم غافلون عن دينهم بالكلية، ولا يعرفون شيئاً عن الآخرة والميعاد والجنة والنار، ولهذا قال تعالى عنهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ {الروم: 7}.
والله أعلم.

منقول عن:

ويقول " أبو سعد الغامدي "
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ : فَخَرَجَ شِيصًا. فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : مَا لِنَخْلِكُمْ ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ.

هذا الحديث قد يتوقف عنده البعض مستشكلا ولكن المتأمل في هذا الحديث يجد ما يذهب عنه الإشكال وذلك:
أن هذا الحديث يؤكد بشرية الرسول التي أكدها القرآن.
الرسول جاء من بيئة لا علم لها بالزراعة وشؤونها.
لا يتصور أن الرسول يجب أن يكون على علم بكل شيء من أمور الدنيا.
أيضا لا يتصور أن الرسول ما كان يتكلم إلا بالوحي ، بل هو كغيره من البشر يتكلم فيما يتلكم فيه الناس ويتحدثون.
ثم إن هذا الحديث وقد روى بألفاظ مختلفة وهذا يدل على أن بعض الرواة قد رواه بالمعنى وهذا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند محاكمة الحديث إلى ثوابت القرآن.
ثم إنه من فوائد هذا الحديث:
أن الصحابة كان الأصل عندهم قبول قول النبي على أنه موحى به من الله حتى بين لهم أنهم يجب أن يفرقوا بينما يقوله اخبارا عن الله تعالى وبينما يقوله برأيه ، وهذا نجد أن الصحابة قد أخذوه بعين الاعتبار في كثير من الوقائع ومن ذلك :
قول الحباب يوم بدر لرسوله : أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم تغور ما وراءه من القلب ثم تبنى عليه حوضا فتملاه ماء فتشرب ولا يشربون فقال رسول الله لقد أشرت بالرأي.
ومنه حديث بريرة :
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ رَاجَعْتِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
ومن فوائد الحديث أن على الناس أن يأخذوا بالأسباب وسنن الله التي أودعها في الخلق لإصلاح حياتهم وأمور معاشهم.
هذا والله أعلى وأعلم.

منقول عن :

__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2015, 08:29 AM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي أنتم أعلم بشئون دنياكم

أنتم أعلم بشئون دنياكم

تعليق بقلم:د‏.‏ عبد الفتاح إدريس

يحمل بعض الناس ــ خاصة من لا فقه عنده ــ بعض نصوص الشرع علي غير معناها الحقيقي‏,‏ ليا لمدلولها الذي وضعت لإفادته‏,‏ رغبة في الاستدلال به علي حكم لا يدل عليه النص بمنطوقه أو مفهومه من قريب أو بعيد‏.
ومثل هذا الحمل ناشئ عن فهم سقيم لنصوص الشرع, وجهل بكيفية الاستدلال بها علي الحكم الشرعي, ترتب عليه كثير من الخلل الفكري, الذي ما زالت بعض المجتمعات الإسلامية تعانيه حتي يومنا هذا. ومن النصوص الشرعية التي كان لها الحظ الأوفر من سوء فهم البعض لها وجهلهم بمدلولها, وكيفية الاستدلال بها علي الحكم الشرعي, حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم المتعلق بتأبير النخل, فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما هاجر إلي المدينة, وجد أهلها يؤبرون النخل, فاستقبح ذلك منهم, وأشار عليهم بعدم التأبير قائلا لهم: لو لم تفعلوا لصلحت, فامتثلوا رأيه, وتركوا تأبير نخلهم في تلك السنة, فتلف الثمر, فلما علم بذلك قال لهم: أنتم أعلم بشئون دنياكم. وقد حمل البعض هذه العبارة الصادرة من رسول الله صلي الله عليه وسلم ما لا تحتمل, واعتبرها دعوة إلي ترك الحرية للناس في اختيار النظم والتشريعات التي تتحقق بها مصالح مجتمعاتهم الحياتية, سواء في المجالات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية أو نحوها, من كل ما يتعلق بشئون الحياة الدنيا, سواء كانت تلك النظم تتفق مع شرع الله تعالي أو تخالفه, وسواء كانت مستمدة من الشرائع السماوية أو من غيرها, أو هي خليط من ذلك كله, بحسب ما يري أهل كل مجتمع أنه يحقق مصالحهم الدنيوية. وهذا الفهم غير المستقيم للحديث السابق, لا يساعد عليه منطوق الحديث ولا مفهومه, وحمل معناه علي المعني السابق هو من الخطأ البين, الذي لا يقره أهل الاختصاص. فقد صدر هذا القول أنتم أعلم بشئون دنياكم, من رسول الله صلي الله عليه وسلم في معرض الكلام عن تأبير النخل, وهو أمر يخضع للتجربة والخبرة في مجال الزراعة, ولم يكن لرسول الله صلي الله عليه وسلم خبرة أو تجربة بذلك من قبل, وإنما أشار علي أهل المدينة بما يظنه أصلح للنخل من وجهة نظره كبشر, ولم يأمرهم بتنفيذ أمر صادر عنه, وإنما حضهم علي ما رآه تحضيضا لا إلزام فيه, حيث قال لهم: لو لم تفعلوا لصلحت, فهو مجرد ظن منه صلي الله عليه وسلم أن ترك التأبير فيه صلاح النخل, والظن يخطيء ويصيب, فهو من حيث ما أشار به عليهم بشر, يجوز عليه ما يجوز علي البشر, من الإصابة والخطأ في مثل هذه الأمور التي تخضع للتجربة والخبرة في مجالها, ولهذا روي عنه صلي الله عليه وسلم أنه بين لأهل المدينة, بعد ما تبين له تلف الثمار, أن ما أشار به عليهم مجرد ظن منه, وليس وحيا أوحي به إليه, إذ قال في بعض روايات الحديث: إنما هو ظن, فإن كان( أي الظن) يغني شيئا فاصنعوه, فإنما أنا بشر مثلكم, وإن كان الظن يخطئ ويصيب, ولكن ما قلت عن الله عز وجل فلن أكذب علي الله, وفي رواية أخري: إنما أنا بشر, فإذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به, وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر, وفي رواية ثالثة: إنما أنا بشر مثلكم, وإن الظن يخطيء ويصيب, ولكن ما قلت لكم: قال الله, فلن أكذب علي الله. وهذا يدل علي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يدخل في روع أهل المدينة, حينما أشار عليهم بعدم تأبير النخل, أن ذلك وحي أوحي به إليه, حتي يكون قوله بعد ذلك: أنتم أعلم بشئون دنياكم, من قبيل الوحي المصرح بترك الناس أحرارا, في اختيار ما يشاءون من تشريعات ونظم, تحكم مجتمعاتهم في شتي مناحي الحياة, وإنما هو قول قاله من عند نفسه, ولهذا استدرك بعد هذه العبارة, فقال: ولكن ما قلت عن الله عز وجل فلن أكذب علي الله, الدال علي بقاء أمر التشريع الذي يحكم شتي مجالات حياة البشر بيد الشارع سبحانه.
منقول عن " ألأهرام "
السبت 28 من ذو الحجة 1434 هــ 2 نوفمبر 2013 السنة 138 العدد 46352
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2015, 08:42 AM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي "أنتم أعلم بأمر دنياكم"

"أنتم أعلم بأمر دنياكم"
هل حقاً وعينا الحكمة في قوله ـ صلى الله عليه وسلم:
"أنتم أعلم بأمر دنياكم"
د. عبد البديع حمزة زللي
أستاذ علم البيئة

فهم كثير من الناس أحاديث تأبير النخيل فهما خاطئا من خلال قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنتم أعلم بأمر دنياكم). وظنوا أن جميع الأمور الدنيوية التي حدث عنها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي من أمور الدنيا فقط، لذا فهي تخضع لهذا القول، الأمر الذي يعرض الأحاديث النبوية المتعلقة بالأمور الدنيوية إلى التعطيل. وهذا الأمر جد خطير.
ولقد خاض في هذا الأمر كثير من العلماء منذ القدم وخاصة أولئك الذين اهتموا بأمور الفلسفة، وعلوم الطب والعلوم الدنيوية الأخرى، وقد يظن بعضهم خطأ أن في تعميمهم قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنتم أعلم بأمر دنياكم) على جميع الأحاديث النبوية المتعلقة بأمور الدنيا ومعيشتها ما يحمي هذه الأحاديث من انتقادات غير المسلمين حول هذه الأمور، لذلك نجد بعضهم قد أخذ يؤكد أن ما قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمور الدنيا ومعيشتها هي من اجتهاده، مستشهدين ببعض الأحاديث النبوية المتعلقة بأمور الطب مثلا، وهم لم يفهموها فهما جيدا، ويدركوا المعاني الدقيقة من أقواله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها.
وذلك اجتهادا منهم لحماية أقوال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أي طعن أو تشكيك، وخاصة عندما يبدو للملحدين تعارض وهمي بين نتائج العمل التطبيقي وبين أقوال نبي الهدى ـ صلى الله عليه وسلم، فيسيئون بذلك إلى أحاديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حيث يحسبون أنهم يحسنون، وما قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمور الدنيا هو حق لا مرية فيه ولا شك فيه، حتى وإن بدا في بعض هذه الأحاديث تناقض ظاهري فمرده إلى عدم معرفة الأسباب التي أدت لذلك، وعدم معرفة المعاني الدقيقة التي تشملها أقوال الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الأحاديث، بل العكس فهذه الأحاديث تكشف لجميع البشر عن معجزة من معجزات النبوة التي تدلنا على أمر دنيوي ما، لم يعرف الناس عنه شيئا في ذلك الحين، ولم تظهر حقيقته إلا بعد أن توسعت العلوم والمعرفة، وبعد أن تطورت الأجهزة والمخترعات، لكن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد سبق العلماء والعلم الحديث، وأشار أو كشف عن الحقائق العلمية الخاصة بهذا الشأن، وهو لم يكن أبدًا طبيبا أو عالما فلكيا أو عالما في أمور الدنيا كلها، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يعلمه بهذه الأمور فعرفها وعرَّف الناس بها، مما يدل على صدق نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورسالته.
نعود ونقول إن من الأمور التي جعلت مثل هؤلاء يتجرأ ون على أحاديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو ما قد يظهر من تعارض وهمي بين ما ورد في بعض الأحاديث النبوية المتعلقة بالأمور الدنيوية، وبين نتائج التطبيق الفعلية، في حين لو تدبروا فيها وتأملوا بعمق علمي، لوجدوا أن الحقائق العلمية تنسجم مع هذه الأحاديث انسجاما مذهلا، وتتكشف لنا منها معجزات نبوية، وهذا التعارض الوهمي مرده في الأصل إلى عدم تطبيق أقوال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ينبغي أن تُطبَّق، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك أحاديث نبوية كثيرة متعلقة بأمور الطب النبوي، وفي هذه الأحاديث نجد أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصف لنا مادة أو غذاءً ينفع في علاج مشكلة معينة، وقد يستخدم البعض هذه المادة أو ذلك الغذاء دون مراعاة الشروط اللازمة في الاختيار والتطبيق، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور ما يبدو ظاهريا نوعاً من التعارض الوهمي بين نتيجة التطبيق وبين قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتعلق بهذا الأمر، في حين أنه لو أننا فهمنا قول الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهما صحيحا، وأدركنا المعاني الدقيقة من هذا القول تمام الإدراك، وطبَّقنا الطب النبوي التطبيق الصحيح السليم، لظهرت لنا مباشرة تلك الفائدة المرجوة من هذا التطبيق، غير أننا قد لا ننتبه إلى هذه الأمور عند تطبيق الطب النبوي لمعالجة مشكلاتنا الصحية، فكل مخلوق أو مادة توجد على هذه المعمورة تتخلق أو تتكون وفق فطرة ربانية سليمة، وبكل مخلوق نباتي أو حيواني يتغذى حسب هذه الفطرة تغذية معينة، وإذا وجدنا قولا للحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصف لنا مادة أو غذاءً لعلاج مشكلة صحية معينة، فعلينا إذاً أن نستخدم هذه الأشياء وقد تكوَّنت أو تخلَّقت أو تغذت حسب الفطرة الربانية الصحيحة السليمة، أما إذا غيَّر الإنسان في فطرة التغذية والتخليق، فعليه أن يتوقع أيضًا تغيراً في الأثر الصالح النافع المرجو من هذه الأشياء التي غير في فطرة تخليقها أو تغذيتها أو تكوينها. ولمحدودية هذا المقال لا يمكننا أن نتوسع هنا كثيرًا، ولذلك نضرب مثالاً واحداً يعرفه الجميع نوضح فيه هذا الأمر وهو العلاج بالعسل:
العلاج بالعسل
ورد في القرآن الكريم وفي أحاديث كثيرة فائدة العلاج بالعسل من الأمراض والأسقام المختلفة والمتنوعة.
ولعل البحث في الدراسات والأبحاث التي تناولت موضوع الاستشفاء بالعسل قد يسبب الحيرة والإرباك، إذ نجد أن بعض الأطباء قد توصلوا في أبحاثهم إلى نتائج تدل على إمكانية تناول بعض مرضى السكر للعسل دون حرج، وأن للعسل أثراً حسناً في سير مرض السكر، في حين نجد باحثين آخرين قد توصلوا في دراساتهم وأبحاثهم إلى أن العسل يؤدي إلى زيادة السكر في الدم، كما نجد نتائج أخرى توصلت إلى أن الاستشفاء بالعسل يتم بنوع دون آخر كالعسل الأبيض الذي أظهر نتائج طيبة في حين أن تناول مريض السكر للعسل الأسود يؤدي إلى زيادة السكر في الدم، كما نجد آخرين قد توصلوا إلى خلاف ذلك.
ولعل هذه الحيرة قد أصابت الأطباء أنفسهم، إذ إننا نجد بعضهم قد شرح شرحا مفصلا وافيا حول الاستشفاء بالعسل من مختلف الأمراض والأسقام، وتجنبوا إلقاء الضوء على إمكانية الاستشفاء بالعسل من مرض السكر أو الإشارة إلى إمكانية تناول مرضى السكر له كنوع من أنواع الأطعمة.
وعندما نستعرض بعناية كل الدراسات المتعلقة بهذا الشأن فإننا نجد أن الذين ينادون باستخدام العسل لمرضى السكر على حق، وأن نتائج أبحاثهم تؤكد ذلك، كما يظهر لنا أيضًا أن الذين جربوا العسل كعلاج لمرض السكر فزادت نسبة السكر في دمهم، هم أيضًا على حق، فكيف يمكن إذاً التوفيق بين النتيجتين المتضاربتين؟ وماذا يفعل مريض السكر إزاء هذا التضارب؟ وإلى أي فريق يميل؟
لقد حيَّر هذا الأمر أيضًا علماء الدراسات الإسلامية، فانقسموا إلى فريقين: فريق يرى أن العسل دواء عظيم وعام لكل الأسقام والأمراض استنادا إلى حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (إن كان في شيء من أوديتكم خيرا…)(1) وذكر منها (شربة عسل)، وكذلك حديث (عليكم بالشفاءين العسل والقرآن). أما الفريق الآخر فقد حصر الاستشفاء بالعسل على أمراض معينة، وفي هذا الشأن قال ابن كثير ـ رحمه الله(2): (قال من تكلم على الطب النبوي: لو قال المولى سبحانه فيه الشفاء الناس لكان العسل دواء لكل داء، ولكن قال: (فِيهِ شِفاءٌ للنَّاسِ)(أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوي بضده). ولعل ظهور بعض المتعارضات الوهمية عند تطبيق العلاج بالعسل قد جعل هذا الفريق من العلماء يؤكدون على أن الاستشفاء بالعسل يكون في أمراض معينة تجنبا لتعارض ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وعلى أي حال فمن أخذ برأي الفريق الثاني من العلماء وهو أن العسل فيه شفاء من أمراض وأسقام معينة فليس في ذلك حرج ولا تصادم في النتائج التي تبدو متعارضة مع نصوص الكتاب والسنة، ومن أخذ برأي الفريق الأول وهو أن العسل شفاء أو فيه الشفاء، فلا بد له من تفسير لظاهرة التعارض أو التصادم التي قد تحدث في حالة بعض الأمراض وبخاصة مرض السكر مع نصوص الكتاب والسنة، إذ نجد في بعض الأحاديث أن لفظ الشفاء قد جاء معرفا بـ (ال التعريف) مع العسل وغيره، ففي صحيح الإمام البخاري(3) رحمه الله تعالى من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي (4).
وعلىأي حال فنحن نميل إلى الرأي الأول وهو أن العسل فيه شفاء بإذن الله من كل داء وسقم، ولكن لابد لنا قبل الشروع في الاستشفاء به أن نعرف هل العسل الذي نستخدمه هو عسل طبيعي تكوَّن حسب الفطرة السليمة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في النحل لتكوينه، أم أن الإنسان تدخل بإحداث تغيير في هذه الفطرة؟
كنا قد تناولنا هذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الأول من كتاب (وجوه متنوعة من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) وألقينا الضوء على الإعجاز العلمي في آيات سورة النحل، وعرفنا أن القرآن الكريم قد رتب أنواع العسل من حيث الجودة، وأشار إلى العوامل الرئيسية التي من شأنها أن تعمل على إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس، وهو العسل من النوع الأول الذي جاء حسب ترتيبه في القرآن والذي لم يتدخل الإنسان في فطرة تكوينه. وعرفنا أن مثل هذا النوع من العسل يحتوي على نوع من الهرمونات يشبه الأنسولين (عن هذا الموضوع انظر: العلاج بعسل النحل للدكتور يو يريش) ومررنا على تلك الأبحاث العلمية التي دلت على أن مرضى السكر لم يتأثروا من تناولهم هذا النوع من العسل، وعليه ظهر للجميع أن التعارض الوهمي بين الاستشفاء بالعسل، وبين النتائج العكسية التي تظهر غالبا لدى مرضى السكر، إنما يعود أصلا إلى تغيير فطرة تغذية النحل، وكذلك عدم مراعاة العوامل والشروط اللازمة التي أشار إليها القرآن الكريم، ونشير هنا إلى أن هذا النوع من التغيير في الفطرة، يُنسب إلى قسم من أقسام التلوث البيئي تحت اسم الدَّخل على فطرة التغذية (Pollution of Nutrition)، القينا الضوء عليه في الجزء الأول من كتاب (مقدمة لعلوم التلوث البيئي)، إذ يتخلق كل شيء حي، وغير حي في هذا الوجود حسب فطرة سليمة أوجدها المولى سبحانه وتعالى في هذه الأشياء، ويتغذى كل نبات وكل حيوان حسب هذه الفطرة السليمة أيضًا. ونلاحظ في الطب النبوي الشريف هديا يدلنا على استخدام أو استعمال أشياء معينة حية وغير حية للاستشفاء بها، وفيها ـ بإذن الله تعالى وقدرته ـ الشفاء أو الانتفاع بها. ولهذا فلا بد لنا أن نستخدم أو نستعمل هذه الأشياء بعد تخلقها حسب الفطرة السليمة، غير أن تدخل الإنسان في تغيير فطرة تخليق هذه الأشياء وتكوينها يؤدي إلى فقد جزء من الأثر النافع المرجو منها، فإذا حدث ما لا يرجوه الإنسان فعليه أن يعزو ذلك إلى التغيير الذي أحدثه هو في هذه الفطرة السليمة، وإلا فإن الأصل في النتائج المرجوة من استخدام هذه الأشياء هو النفع والاستفادة.
ولأن المجال لا يسمح لنا بالتوسع فيمكن الرجوع إلى الكتابين لمن أراد التفصيل.
علىأية حال نعود إلى موضوع هذا المقال المتعلق بفهم قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنتم أعلم بأمر دنياكم)، فقد لا يفهم مباشرة المقصود من أقواله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل ربما يكون فيها قصد آخر.
فهم الأحاديث النبوية المشرفة
عموما قد يفهم بعض الناس أقوال الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهما ظاهريا دون أن يتفكروا ويتأملوا في هذه الأقوال، ولذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: (نضَّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلَّغه كما سمعه فرب مبلَّغ أوعى من سامع).
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقول إلا حقا في مزحه ومداعبته، في غضبه ورضاه، في أمور الدين كلها وأمور الدنيا. ولقد وردت في المسند (أن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله: إني أسمع مقالة أفأ كتبها؟ قال: نعم، قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا). ولقد صح أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بنفسه بعض المزارعين إيقاف تأبير النخيل، ونُقل هذا الخبر إلى بعضهم.. فخرج بعض التمر شيصا (الشيص رديء التمر ). فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك أقوالا مختلفة حسب اختلاف الزمان والمكان والحادثة المرتبطة بذلك، لأن وقائع إيقاف تأبير النخيل لم تخص فئة واحدة من المزارعين، ولا مكانا واحدا ولا زمانا واحدا، بل تدل الأحاديث التي وردت في هذا الشأن أن وقائع إيقاف تأبير النخيل كانت في أزمنة وأماكن مختلفة ومع أقوام مختلفين من المزارعين، ومنهم من خصهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالزيارة، وأمرهم بإيقاف تأبير النخيل ثم خصهم بالزيارة مرة أخرى عندما ظهرت النتائج وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله المعروف: (أنتم أعلم بأمر دنياكم).
ولقد فهم بعض الناس هذا القول فهما خاطئا دون أن يتأملوا المعاني الدقيقة التي يشملها هذا القول، ودون أن يفكروا أو يتأملوا في الحكمة من إيقاف تأبير النخيل، إذ خُيِّل لبعضهم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعلم بدور ووظيفة تأبير النخيل، وما هي الفائدة المرجوة من ذلك، كما خيل لهم أيضًا أن أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإيقاف تأبير النخيل كان أمرا عارضا حدث فقط عند مروره ببعض القوم الذين كانوا يقومون بتلقيح النخيل، في حين أنه لم يكن شيئ من ذلك صحيحا. فالرسول صلوات ربي وسلامه عليه كان على علم ومعرفة تامة بدور ووظيفة التأبير والفائدة المرجوة منه.
فهل أدرك هؤلاء الحكمة من أمره صلى الله عليه وسلم؟
وكي نتأمل بيسر وسهولة الأحاديث التي وردت بخصوص إيقاف تأبير النخيل كان علينا أن نمر على جميع الأحاديث التي جاءت في هذا الشأن، فهذه الأحاديث تظهر لنا أمورا كثيرة منها:
1 ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان على علم ومعرفة بدور ووظيفة تأبير إناث النخيل وفائدة هذا التأبير ونفعه في إصلاح التمر من أول لحظة شاهد فيها عملية التأبير وذلك عندما أخبره الصحابة بدور ووظيفة هذا التأبير.
2 ـ أن أمره صلى الله عليه وسلم بإيقاف تأبير النخيل لم يكن أمرا عارضا بل كان يعنيه المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحكمة مخفية، فالرسول صلوات ربي وسلامه عليه كان يعرف خبرة المزارعين الطويلة في الزراعة عموما، وفي زراعة النخيل خاصة، ويعرف باعهم الطويل في هذا المجال، وكان من البديهي ـ والله أعلم ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعرف أن نتيجة عدم تأبير النخيل ستظهر مباشرة عند موسم الحصاد، وسيأتي الناس ليسألوه عن ذلك.
3 ـ بالرغم من أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعلم بأن أمر تأبير النخيل هو أمر دنيوي تظهر نتيجته بالإيجابية أو السلبية بالفعل أو عدم الفعل، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد عرف دور ووظيفة التأبير، لكننا وجدنا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قام بالتحدث مع المزارعين وأمرهم بإيقاف تأبير النخيل، أو نقل هذا الأمر إلى بعضهم عن طريق الصحابة، كما ذهب إلى بعضهم بنفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليأمرهم بوقف تأبير النخيل، ثم عاد إليهم مرة أخرى بعد ظهور النتيجة ليسألهم بنفسه عن حالة تمرهم بعد أن صار شيصا، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ على علم بذلك.
كل هذه الأمور تجعلنا نفطن بأن هناك أمورا خفية وحكمة لا نعرفها من وراء هذا العمل، فليس كل ما وصل لنا من قول أو فعل للنبي ـ صلىالله عليه وسلم ـ يمكننا أن ندرك بشكل مباشر ما يقصده منه صلى الله عليه وسلم، بل لا بد لنا أن نتأمل في ذلك حتى تتكشف لنا المعاني الدقيقة لهذه الأقوال أو الأفعال، وتظهر لنا منها الحكمة المخفية علينا، أو جزء من هذه الحكمة.
لقد كشفنا في كتاب (لمحات مضيئة على أحاديث إيقاف تأبير النخيل) بعض الوجوه لتلك الحكمة الخفية من أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإيقاف عملية تأبير النخيل، ووجوهاً أخرى من الإعجاز العلمي في أحاديث إيقاف التأبير، ونكشف اليوم وجوهاً جديدة.
فما هي هذه الوجوه؟ وإلى أي شيء تهدف؟
أهم هذه الوجوه يتمثل في الكشف عن أسلوب من أساليب الرسول المعلم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التعليم، فالهادي البشير والسراج المنير والمعلم الكبير صلوات ربي وسلامه عليه كان ينوع أساليب التعليم، ولعل ما كتبه فضيلة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ـ رحمه الله ـ في كتابه: الرسول المعلم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأساليبه في التعليم، يظهر لنا أهم هذه الأساليب، إذ تمكن الشيخ أبو غدة أن يحصي (40) أسلوبا من أساليب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعليم الناس أمور دينهم ودنياهم، ذاكرا أن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يختار في تعليمه من الأساليب أحسنها وأفضلها، وأوقعها في نفس المخاطب، وأقربها إلى فهمه وعقله، وأشدها تثبيتا للعلم.
ثم ذكر أن من درس السنة وقرأها بإمعان رأى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يلون الحديث لأصحابه ألوانا كثيرة، فكان تارة يكون سائلا، وتارة يكون مجيبا، وتارة يجيب السائل بقدر سؤاله، وتارة يزيده على ما سأل، وتارة يضرب المثل لما يريد تعليمه.
ولعل التفكر والتدبر في أحاديث إيقاف التأبير يجعلنا نضيف إلى ما ذكره فضيلة الشيخ أبو غدة، أسلوبا آخر من أساليب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعليم كافة المسلمين، هذا الأسلوب يتمثل في التعليم من خلال نتيجة العمل، إذ يظهر أن هذا الأسلوب التعليمي من خلال أحاديث إيقاف التأبير وأحاديث أخرى. فقد كان الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمد إلى تطبيق بعض الأمور حتى يجعل الناس يستشفون بأنفسهم حقيقة هذا الأمر من خلال النتيجة التي تظهر. وإذا ما غفل الناس عن هذه الحقيقة وضحها وبيَّنها لهم.
وهناك أمثلة مختلفة تبين لنا كيف كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمد على تعليم الناس بهذا الأسلوب من خلال العمل والتطبيق، وجعل النتيجة كوسيلة تحث الناس على استدراك الحقائق بأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك علمهم وأرشدهم إليها. ومن أمثلة تعليمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس أمور دينهم من خلال نتيجة العمل الإجابة على سؤال أحد الذين سألوا عن وقت صلاة الصبح وذلك من خلال التطبيق العملي. فقد جاء في الموطأ للإمام مالك ـ رحمه الله ـ أن رجلا جاء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله عن وقت صلاة الصبح، فسكت عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر ـ أي بعد انكشف وأضاء ـ، ثم قال:
(أين السائل عن وقت الصلاة؟) قال: هأنذا يارسول الله، فقال: (ما بين هذين وقت).
وبالنسبة لتعلم الناس أمور دينهم ودنياهم من خلال أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدم التأبير، فإن هذا الأمر نستشفه من خلال سؤال يطرح نفسه، وهو:
هل تعلم المسلمون شيئا من أمره بعدم التأبير؟
لو تمعنا في هذا السؤال، لرأينا أن المسلمين قد تعلموا أشياء كثيرة من خلال نتيجة عدم التأبير، ومن ذلك ما يلي:
1 ـ تأكدت للمسلمين أولا وقبل كل شيء حقيقة أمور الدنيا وحقيقة أمور الآخرة. فأمور الدنيا ظنية لا تُعرف حقيقتها إلا من خلال الممارسة والتطبيق والتجربة. ولهذا قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مناسبة أمره بعدم التأبير: (إن كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به)، أما أمور الآخرة فهي حقائق لا يجد الظن إليها أبدًا أي طريق أو أي ثغرة، فهي أمور قطعية، ولابد لنا أن، نرجعها إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وإلى سنة الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. ولذا فقد قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفس المناسبة: (وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليَّ).
2 ـ تعلم المسلمون أن إخضاع الشيء الدنيوي للتجربة والتطبيق يكشف لهم عن الحقيقة الدنيوية الخاصة بهذا الشيء، وبما أن أمور الدنيا ظنية تدخل في دائرة الظن، فلا يمكن الخروج من هذه الدائرة إلى دائرة اليقين إلا عن طريق التجربة. بل إن معظم الحقائق العلمية التي كشف العلم النقاب عنها بدأت أولا بالظن، فالشيء الدنيوي الذي يُظن بحدوثه أو عدم حدوثه لا يمكن أن تُعرف حقيقته يقينا ما لم نلجأ إلى التجربة والتطبيق، ونتائج التجارب الصحيحة هي التي تظهر هل حقيقة الظن إيجابية أم سلبية، ويبقى أمر الظن فيما يخص أمور الحياة في هذه الدنيا معلقا لا يعرف صاحبه هل ظنه صحيحا أم خطأ ما لم يخضع هذا الأمر الدنيوي للتجربة والتطبيق، فغالب الاكتشافات العلمية والحقائق لم يعرف حقيقتها الإنسان إلا بعد أن أخضع الأشياء التي يظن بحدوثها للتجارب التطبيقية. فأساس كشف الحقائق يعتمد على الظن، والتجربة هي المحك الذي يوضح هل هذا الظن صحيحا أم خطأ. فصدق من لا ينطق عن الهوى، أوليس هو القائل في بعض أحاديث إيقاف التأبير: (وإن الظن يخطئ ويصيب)؟ وحتى تتجلى حقيقة هذا القول للعالم بأسره، كانت وقائع إيقاف التأبير هي التجربة والتطبيق الذي عرف الناس من خلاله كيف كانت حصيلة النخيل المحبة للقاح، غير أنه لم ينتبه الناس إلى الجانب الآخر من نتائج هذه التجربة، وهو الجانب الإيجابي المتمثل في معرفة تلك الأنواع من النخيل القنوعة باللقاح عن طريق الرياح والحشرات، والتي لا تحتاج إلى تأبير. فتجربة إيقاف التأبير أظهرت هذه الأنواع، غير أن نقص الحصيلة بصفة العموم في ذلك العام ربما جعل الناس لا ينظرون إلى تلك النخلات التي أنتجت ثمرا طيبا من غير تأبير.
ونعتز ونفخر بأن المنهج العملي الذي يتبعه علماء هذا العصر للكشف عن الحقائق العلمية إنما سبقهم به رسول الهدى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو الذي أقر بأن أمور الدنيا لا يقف على حقيقتها وواقعها إلا من يعمل ويمارس عمله على الأمر الدنيوي المعني، ويُخضع هذا الأمر للتجربة والتطبيق، ولهذا فإننا نرى أن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قال لمن خص من المزارعين بالزيارة لإيقاف تأبير النخيل وخصهم بالزيارة بعد ذلك عند ظهور النتيجة (أنتم أعلم بأمر دنياكم)، ولم نجد في أحاديث إيقاف تأبير النخيل أنه قال هذا القول لغيرهم.
3 ـ تعليم المسلمين الأخذ بالأسباب في أمور الدنيا مع التوكل على الله. فالله سبحانه وتعالى خالق الأشياء وهو سبحانه مسبب الأسباب. فتأبير النخيل يعتبر سببا من الأسباب الذي جعله المولى سبحانه وتعالى لعقد ثمار النخيل شديدة ومتوسطة الرغبة في التلقيح، فلابد للإنسان أن يأخذ بالسبب ويتوكل على الله، فالسعي في السبب لا ينافي التوكل على الله، بل يشترط الأخذ بالأسباب.
ولأن عدم الأخذ بالأسباب في الأمور الدنيوية هو من التواكل وليس من التوكل، لذا نجد أن تشريعات الإسلام تؤكد على الإنسان دائمًا بأن يسعى في طلب الرزق مع توكله على الله، وألا يتواكل، والقرآن الكريم مليء بما يحث الإنسان على ذلك، وكان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يترك فرصة مناسبة يجد فيها ما يعلم فيها المسلمين أمور دينهم ودنياهم إلا وقد أخذ بها.. لذا فقد قدم الهادي البشير والسراج المنير صلوات ربي وسلامه عليه ـ عندما أمر بعدم تأبير النخيل ـ الحجة الواضحة والبرهان القاطع لكل من سوَّلت له نفسه على التواكل، وأثبت أن الأمور الدنيوية تتطلب العمل والجد والاجتهاد، وأن الإنسان الخامل لا يمكن أن يحصل ويجني أي مكسب ما لم يعمل، ولهذا فكأننا بعدم تأبير النخيل نقول للمتواكلين: (انظروا إلى حصيلة ما يجنيه المتواكل).
وحتى لا يخطئ أحدنا ويتساءل: هل كان الصحابة الذين كانوا يشتغلون بزراعة النخيل متواكلين كي يخصهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الأمر؟، فنقول: حاشا وكلاّ، فالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا قدوة في التوكل على الله، ولكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ وكما سبق أن أشرنا ـ كان يختار في تعليمه من الأساليب أحسنها وأفضلها وأوقعها في النفس. ولأن التواكل في الإسلام محظور، فكان لابد من تقديم دليل قاطع لكل الناس يفهمون منه مباشرة ما نتيجة التواكل إن فكروا أن يقدموا على هذا الأمر، وأحسن الأدلة والأمثلة التي يجب أن تقدم للناس لإدراك مفهومها بسرعة وسهولة، هي تلك الأدلة التي تنبع من نفس البيئة التي يعيش فيها الناس، ولقد عاش المسلمون الأوائل في بيئة كلها زرع ونخيل، وفهموا وأدركوا أمور هذه الزراعة وحصيلتها، لذا فأحسن دليل نجده في بيئة المدينة يدل على سلبية عدم القيام بالأعمال التي تتطلبها أمور الحياة، هو إيقاف التأبير، والله أعلم.
قائمة المراجع:
1. ابن أنس، الإمام مالك، الموطأ، تصحيح وترقيم الأحاديث محمد فؤاد عبدالباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب الدينية.
2. ابن حنبل الإمام أحمد (164 ـ 241هـ): مسند الإمام أحمد. ط بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ/ 1993م.
3. ابن كثير، الحافظ عماد الدين أبو الفداء. تفسير القرآن العظيم. ط2، مج4، بيروت: دار المعرفة، 1407هـ/1987م.
4. زللي، عبدالبديع حمزة، لمحات مضيئة على أحاديث تأبير (تلقيح) النخيل، ط1، المدينة المنورة، 1418هـ.
5. زللي، عبدالبديع حمزة، وجوه متنوعة من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الجزءالأول: الإعجاز العلمي البلاغي واللغوي، ط1، المدينة المنورة، 1419هـ.
6. زللي، عبدالبديع حمزة، مقدمة لعلوم التلوث البيئي، الجزء الأول: تلوث الهواء ط1، المدينة المنورة، 1419هـ.
7. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري. ط1، القاهرة: دار البيان للتراث، 1407هـ/1986م.
8. يويريش، ن، العلاج بالعسل بيروت: دار القلم، ترجقصـة الحيــــاة بين الدلائل الإيمــانية والنظريات العلمية.
منقول عن موقع : الهيئة العالمية للإعجاز العلمي فى القرآن والسنة
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2015, 09:15 AM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي إضاءات وأنوار

إضاءات وأنوار





























__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2015, 09:25 AM   #8
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي



كتب في " ألطب النبوي

















__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2015, 09:41 AM   #9
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي الإعجاز الإلهى .. وما أخبرنا نبينا الكريم عن التمر

الإعجاز الإلهى ..

وما أخبرنا نبينا الكريم عن التمر
نبيل عبدوني
أسرار التمر وعظيم فوائده
قال الله تعالى {وما... ينْطِقُ عن الهَوَى إنْ هو إلا وَحْيٌ يُوحَى} وقال تعالى {وعلّمك ما لم
تكنْ تَعْلَمُ وكان فَضْلُ الله عليك عظيمًا} إنها قبسات نورانية وإشراقات خير
من هُدى الطبِّ النبوي الشريف تزيد المؤمن إيمانًا، وتشهد بصدق نبينا محمد عليه
الصلاة والسلام.

يقول الله تبارك
وتعالى خطابًا للسيدة الجليلة مريم البتول أم نبيّ الله عيسى عليه الصلاة والسلام {وهُزِيإليكِ بِجِذع النخلة تُسَاقِطْ عليكِ رُطَبًا جَنِيًّا فكلي واشربي وقرّي عينًا}
(سورة مريم).

ويقول الرسول
الأعظم صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ بسبع تمرات من عجوة المدينة مِمَّا
بين لابَيْتَها، لم يضرَّه في ذلك اليوم سُمٌّ ولا سِحْر» رواه مسلم.
.. قبل التحدث
عن منافع التمر العظيمة الذي لَقَّبه العلم الحديث «بمنجم المعادن الغذائية»،
نحب في البداية أن نبين للقارئ أن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يُحِبُّ
أكل التمر وخاصة الرُطَب وهوالذي يُعْصَر فَيُسَوّى منه دبس، ثم يجف فيصير بعد ذلك
تمرًا، وكان عليه الصلاة والسلام لزهده في هذه الحياة الدنيا الفانية يواصل ولأيام
عديدة على أكل التمر مع الماء في الغذاء والعشاء، وفيه إشارة منه صلى الله عليه
وسلم لأمته على أهميته العظيمة في غذائه للجسد، وأنه غذاء كافٍ طبيعي يقوي البدن
ويحفظه من كثير من الأمراض لغناه بالمواد الغذائية، وقد أخبرت السيدة الجليلة عائشة
رضي الله عنها أنه كان يمر الشهران في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما
يُوقدُ فيها نار، وأنهم كانوا يعيشون على الأسودين: التمر والماء.

فوائد التمرالعظيمة في الغذاء والدواء

فالتمر من الفاكهة الصحراوية الممتازة، فهو غني جدًا بالمواد الغذائية الضرورية للإنسان لأنهمنجم من المواد الغذائية، فهو سريع الامتصاص في جسم الإنسان، وهو يحتوي على
ڤيتامينات: (A,B2, B1).
ويحتوي على مواد سكرية وبروتين وألياف ومواد دهنية وعلى معادن الفوسفور، والكبريت،
والحديد، والمنغنيزيوم، والكلورين، والنحاس، والكالسيوم، والمنغينزيوم والبوتاس.
وأما البلح فهو غنيٌّ جدًا بالڤيتامين «A»
وهو ڤيتامين يُقَوّي النظر، كما يزيد من مقاومة الجسم ضد الأمراض المختلفة. والبلح
يساعد على الإمساك بينما التمر يساعد على تليين الأمعاء لما فيه من ألياف طبيعية.
ولقد أظهر الطب الحديث أن التمر يقوي العضلات والأعصاب، ويحفظ رطوبة العين وبريقها، ويقوي أعصاب العين وأعصاب السمع لغناه بالڤيتامين «-A-»
ولذا كان سكان الصحراء يتمتعون بحدة النظر، فالتمر إذًا يقوي السمع والبصر. ومع
إضافة شَراب الحليب مع أكل التمر يصبح التمر من أهم الأغذية، خاصة لأصحاب الجهاز
الهضمي الضعيف. والتمر عنصر مهم في تقوية الطاقة الجنسية، وبما أن التمر غني
بالڤيتامين «A»
والذي يسمى بڤيتامين النمو فلذلك فإن تناول التمر يساعد جسم الفتيان والفتيات
والأطفال على النمو والتكامل ولا يسبب السمنة فهو خال من المواد الشحمية والدهنية.

والتمر يبعد الكثير من الأمراض السرطانية لغناه بمادة «المنغينزيوم».
والتمر يزيل الدوخة ويقضي على التراخي وزيغان البصر وينظف الكبد ويغسل الكلى ويدر البول.
ومن فوائد التمر أنه يُهدئ الأعصاب ويزيل التوتر، ويحارب القلق والاضطراب ويفيد المصابين بفقر الدم، وهو غذاء ودواء نافع لمرضى الكبد ومفيد جدًا للأطفال والرياضيين وللنساء الحوامل والمرضعات، وهو يقاوم الأمراض الصدرية ويُقَوّي حُجيرات الدماغ، وهو سريع في تنشيط الجسم، ودواء فعال للسعال والبلغم، وهو مُلَيّن نافع للأمعاء يمنع الإمساك لغناه
بالألياف.
ونشير هنا إلى أن التمر ينصح بعدم تناوله عن حالات الأمراض التالية:

1- مرض السكري.

2- البدانة.

3- أرياح البطن.

4- تضخم القولون
(الأمعاءالغليظة).

5-الإسهال.
منقول
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2015, 03:03 PM   #10
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,955
افتراضي الطب النبوي.. مفهومه ونشأته

الطب النبوي.. مفهومه ونشأته

معتز الخطيب
"الطب النبوي" .. تعبير شائع، كثر مروجوه في هذا الزمن، وهو في أصل إطلاقه لدى الأئمة المتأخرين من علماء الحديث خاصة، يُراد به تلك الأحاديث الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل تتعلق بالطب: من علاج ودواء ووقاية ورقية ونحوها.

غير أنه بهذا اللفظ: \"الطب النبوي\" تعبير مستحدث – بحسب اطلاعي - في حدود القرن الرابع الهجري إذ صنف أبو بكر بن السني (364هـ) كتاب \"الطب في الحديث\" وصنف أبو عبيد بن الحسن الحراني (369هـ) كتاب \"الطب النبوي\" وتوالت المصنفات بعدئذ بهذا الاسم لأبي نعيم الأصبهاني (430هـ) وأبي العباس المستغفري (432هـ) وأبي القاسم النيسابوري (406هـ) وغيرهم وصولا إلى القرن الثامن والتاسع الهجريين إذ نجد مصنفات للذهبي (748هـ) وابن قيم الجوزية (751هـ) ثم السخاوي (902هـ) والسيوطي (911هـ) وغيرهم.

الطب في كتب الحديث الأصلية
وما لفت نظري أثناء التتبع والبحث أن الإمام مالكا (179هـ) صاحب الموطأ، وهو أول كتاب في الحديث الصحيح غير المجرد، لم يستعمل تسمية \"الطب\" أصلا، ولم يُفرد له كتابا في موطئه مع أنه سمى كتابا باسم \"العين\" وذكر فيه الأحاديث عن المعالجة من العين، والرقية والغسل بالماء من الحمى والطيَرَة، وأورد أحاديث عن الطاعون في كتاب \"الجامع\"، وهذه كلها من مفردات ما سُمي لاحقا بـ \"الطب النبوي\".

كما أن الأئمة: البخاري وأبا داود وابن ماجه خصصوا كتابا أسموه \"كتاب الطب\" وذكروا فيه تلك الأحاديث المتصلة بالوقاية والعلاج وبعض الأدوية. في حين أن مسلما (261هـ) حصر كل مفردات ما سمي بالطب النبوي تحت كتاب \"السلام\"، وإن كان جعل ضمنه بابا سماه \"الطب والمرض والرقى\" وإلى جانبه أبواب أخرى عن السم والسحر والرقية والطيرة وغيرها. أما الترمذي (279هـ) فجعل عنوان الكتاب \"الطب عن رسول الله\".

والسؤال الآن: هل لهذا معنى؟

إنه من المقرر أن أئمة الحديث كانوا يدققون في عنونة كتبهم وأبوابها، وأن فقه كثير منهم وآراءه يُستنبط من منهجه في التبويب والتصنيف. ومما سبق يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

- أنه وردت أحاديث نبوية في شئون العلاج والتداوي ونحوهما أدرجها المحدثون تحت عنوان جامع، كسائر الأحاديث حينما ساد التصنيف على الأبواب \"الموضوعات\". فظهرت تسمية كتاب \"الطب\" كرابط جامع لجملة الأحاديث تلك.

- أن عدم اطراد تسمية واحدة في تلك الكتب، والتي هي مصادر رئيسية للحديث الشريف يعني أنها كانت مسألة اجتهادية خاضعة لاعتبارات \"فنية\" تتعلق بترتيب الأحاديث لا غير. ومن هنا كان إفراد التسمية بـ \"الطب\" فقط.

- أن هذا الجمع للأحاديث المتعلقة بشئون يجمعها اسم \"الطب\" شأنه شأن باقي الأحاديث من أنه تحقق فيه شرط صاحب الكتاب الذي جمعها: إن كان اشترط فيها الصحة فهي صحيحة لديه، أو كان التزم أن يجمع ما هو \"مقبول\" من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، وكان منها تلك الأقوال التي تتعلق بشأن الطب.

لكن تبقى مسألتان على غاية الأهمية هنا فيما يتعلق بجملة الأحاديث كلها: في الطب وغيره، وهما:

الأولى: كيفية الاستدلال بهذه الأحاديث، وإطار العمل بها، فليس كل ما صح يُعمل به، كما هو مقرر في علم أصول الفقه، فقد صحت أحاديث: العمل على خلافها، وبعضهم جمع الأحاديث التي لم يفتِ بها الفقهاء.

والثانية: وهي فَرْز الأحاديث بالنسبة لتعدد وتركيب شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ووظائفه المقررة، فمنها ما يصدر على صفة النبوة والتبليغ والفتيا فمصدره الوحي وهو داخل لا شك في الشرعيات، ومنها ما يصدر على صفة الإمامة/السياسة، والقضاء وما يصدر عنه بوصفه محمدا الإنسان الذي يكتسب خبراته وتجاربه الحياتية من محيطه الاجتماعي وبيئته الثقافية وهذا لا مدخل فيه للوحي على التفصيل، وإن كان يبقى مؤطرا بإطار عام هو شخصية النبوة ورفعتها.

- أن تسمية الإمام الترمذي \"الطب عن رسول الله\" تسمية دقيقة لا تخرج عما ذكرت من أن هذا الكتاب يلم شمل الأحاديث التي وردت عن رسول الله في شأن الطب. ولكن يبقى بعد ذلك البحث في المسألتين السابقتين. في حين أن تسمية \"الطب النبوي\" التي استُحدثت لاحقا كانت قد حسمت الموقف من تلك الأحاديث وأن كل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم هو من قبيل الشرع، بما فيه أحاديث الطب. وهذا رأي يخالفه المحققون من العلماء.

الوعي بالطب وحدوده
وينبغي أن نشير إلى أن تعبير \"الطب النبوي\" لا نجده – بعد البحث - شائعا في كتب الفقه، ولا في كتب شروح الحديث. فالوعي الفقهي الكلي لمسألة الطب في تلك الأعصر المتقدمة كان منحصرا في إطار بحث جواز التداوي، وأنه لا يُرتب أي إثم شرعي، كما لا يُعكر صفاء التوكل على الله وتوحيده، وهذه النقاشات نجدها في كتب شروح الحديث، بل وفي كتب الطب النبوي نفسها كما لدى الإمام الذهبي مثلا. وفي هذا يقول الإمام بدر الدين العيني وهو أحد شراح صحيح البخاري: \"فيه إباحة التداوي وجواز الطب، وهو رد على الصوفية في أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا يجوز له مداواته وهو خلاف ما أباحه الشارع\". بل إن الأزرقي يحتد في الدفاع عن الطب وأن له منافعَ في مقدمة كتابه \"تسهيل المنافع\"!.

ونجد الجدل في هل التداوي ينافي التوكل؟ في كتب ابن القيم وابن حجر، بل إن الفقهاء اختلفوا في حكم التداوي: فقال الشافعية بسنيته لا بوجوبه، قالوا: لأن نفعه غير مقطوع به! وقال بعض الفقهاء: \"ترك التداوي لِقَويّ التوكل أفضل\"، ومن هؤلاء النووي (676هـ).

بل نجد في موطأ الإمام مالك – رحمه الله - ‏أن رجلا في زمان رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏أصابه جرح فاحتقن الجرحُ الدمَ، وأن الرجل دعا رجلين من ‏بني أنمار‏ ‏فنظرا إليه فزعما أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال لهما: أيكما أَطَب؟ فقالا: ‏أوفي الطب خير يا رسول الله؟! فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏أنزل الدواء الذي أنزل ‏الأدواء. فقد استنكر الرجلان أن يكون في الطب خير!، والنبي صلى الله عليه وسلم يسألهما: أيهما أمهر في صناعة الطب؟ وهي صناعة كانت في عصره، ولذلك قال ابن خلدون في مقدمته: \"والطب المنقول في الشرعيات \"أي النبوي\" من هذا القبيل (أي تجاربي)، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب\".

هكذا نجد أن الوعي في ذلك الزمن كان في حدود جواز التداوي، وأن الطب له منافع، وعلى هذا المستوى دار الجدل ابتداء! ففي القرن الهجري الأول إلى منتصف القرن الثاني لم يبلغ الطب عند العرب – كما يقول إدوارد فنديك - \"رتبة العلم المتقن، بل اقتصر على بعض المعلومات المكتسبة بالاختبار. إلا أن الأمم المجاورة للعرب كانت على درجة عليا من العمران والتمدن ولا سيما في علوم الطب، ولذلك كان الأفراد القليلون من العرب يقتبسون منهم شيئا من المعلومات الطبية ويأتون بها إلى الأوطان. ومما رغبهم على اتباع هذه الخطة الأحاديث المروية عن صاحب الشريعة الإسلامية في تعاطي بعض العلاجات\".

الطب: نهضته وعلاقته الفلسفة
وإن ثبت أن تعبير \"الطب النبوي\" إنما شاع في القرن الرابع الهجري، فربما يكون لذلك دلالة؛ إذ إن هذا القرن شهد نهضة علم الطب على يد الإمام الرازي (313 هـ) صاحب كتاب الحاوي، وأمثاله، وذلك بعد أن أخذ الخلفاء في القرنين الثاني والثالث يهتمون بتنشيط العلوم، ولا سيما الطب، فاستدعوا إلى بلاطهم المعلمين والمهرة من أهل هذه الصناعة، وبذلوا العطايا لمهرة النقلة لترجمة المصنفات اليونانية الطبية إلى العربية، وفي عهد المنصور العباسي 148هـ اتصلوا بمدرسة جنديسابور التي استدعى المنصور أحد أطبائها - وهو جورجيس بن بختيشوع - لمعالجته من سوء هضم، وحظي بمكانة لدى الخليفة بعد معالجته، وانتقلت المدرسة إلى بغداد وكان هذا الطبيب من أبرز المترجمين لكتب الطب بعدها، إلى جانب حنين بن إسحاق وغيره. فكان الطب اليوناني هو الأساس الذي بنى عليه أطباء الإسلام علم الطب.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أنه غالبا ما كان يتصل الطب بالفلسفة في تلك العصور، بل عد الطب فرعا من فروع الطبيعيات التي هي فرع من فروع الفلسفة. يقول ابن خلدون: \"ومن فروع الطبيعيات: صناعة الطب\". كما أن عددا من أساطين الطب كانوا فلاسفة، سواء من اليونان أم المسلمين. حتى إن ابن سينا في مقدمة كتابه \"القانون\" يشير إلى أن الطبيب في طبه إنما يحتاج إلى البرهان بوصفه فيلسوفا لا طبيبا.

هذا الجو الذي أشرنا إلى طرف منه، هو ما ساعد على تلك النهضة الطبية في صدر الإسلام، دون توقف عند ملة الطبيب أو الطب ومصدره، حتى إن ابن رشد في فصل المقال يقول: \"يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، سواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك لنا في الملة، فإن الآلة التي تصح بها التذكية ليس يُعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة\".

بل إن الملاحِظ الدقيق لبعض مصنفات الطب النبوي يجد أنها متأثرة في ترتيبها بكتبِ أمثال ابن سينا (428هـ) في كتابه الشهير بالقانون، والذي لا يمت إلى الطب النبوي بصلة، فهو حصيلة تراكم معرفي لطب من سبقه وطب اليونان، فابن القيم مثلا تحدث عن المرض وأقسامه والعلاج والتداوي، ثم عن العلاج بالأدوية الطبيعية، ثم عن هديه صلى الله عليه وسلم في علاج أمراض مخصوصة، ثم ذكر شيئا من الأدوية والأغذية المفردة. أما كتاب السيوطي فهو مرتب على ثلاثة فنون: الأول في قواعد الطب، والثاني في الأدوية والأغذية، والثالث في علاج الأمراض. ثم لنتأمل تصنيف القانون لابن سينا (428هـ) لنجد: الأمور الكلية، الأدوية المفردة، الأمراض الجزئية، الأمراض التي لا تختص بعضو، الأدوية المركبة.

أضف إلى ذلك أنه شتان بين كتاب القانون لابن سينا الذي عُد فتحا في الطب كعلم له كلياته وجزئياته التفصيلية الشاملة، حتى كان المصدر الرئيسي لمهنة الطب، وبين كتب ما يسمى بالطب النبوي، والتي لا ترقى إلى مستوى \"العلم\" الشامل، بل هي شذرات من هناك وهناك، وهو في غالبه يدور حول توجيهات عامة، فهو لا يتضمن نظرية طبية محددة حتى يسمى علما، وإن كان حاجي خليفة قد بوب له في كتابه \"كشف الظنون\" بقوله: \"علم طب النبي عليه الصلاة والسلام\" فإن ذلك لا ينطبق على العلم بمعناه الاصطلاحي، بل على المعنى البسيط الذي اشتمل عليه التصنيف، فإنه ذكر فيه مصنفات أبي نعيم وغيره ممن تلاه. وهو ما أكده طاش كبري زاده في مفتاح السعادة فقال: \"علم طب النبي صلى الله عليه وسلم وهو علم باحث عن الأحاديث النبوية الواردة في طب المرضى\".

طب المحدثين.. وطب اليونان!
ثمة ملحوظة مهمة هنا ينبغي ذكرها، والبناء عليها، وهي أن الانشغال بما عرف بالطب النبوي هو انشغال حديثي بالدرجة الأولى؛ فهو بالأصل باب من أبواب الحديث، ومن هنا كان عامة المصنفين فيه من المحدثين. فطريقة المحدثين العناية بكل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأنهمُ الغالبُ أن يعتبروا كل ذلك شرعا، ومن هنا لا يبدو غريبا أن يقول ابن القيم: \"طب النبي متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة\"، فهذا وعي حديثي بامتياز، ثم لنتأمل بعد ذلك الوعي الفقهي السابق الذي يجادل على مستوى جواز التداوي وحكمه، بل إن الصارف للشافعية عن القول بوجوب التداوي هو عدم تيقن نفع الدواء الذي يقول ابن القيم إنه قطعي متيقن! وكذلك لنتأمل القول بأن ترك التداوي أفضل، بمقابلة القول بطب إلهي ينافي تعاطيه قوة توكل المؤمن! والوعي الحديثي والفقهي يلتقيان على مستوى الرؤية عند أن الطب والعلاج تَدَخلٌ في جسم الإنسان، ومن هنا كان الخوض في مسألة جواز العلاج وعدمه وفي الطب النبوي، على اعتبار أن هذا تدخل مبني على ما هو شرعي أتت به الأحاديث.

ثم لنتأمل هذه الملحوظات كلها، مضمومة إلى الإشارة السابقة عن نشأة الطب كفرع من فروع الطبيعيات وهي فرع من فروع الفلسفة، وازدهار علم الطب مع حركة الترجمة التي شملت كتب الفلسفة اليونانية والطب في العصر العباسي. كل هذا يعني أن هذه الحركة تمت بمعزل عن هذا الوعي الفقهي والحديثي معا، ومع ذلك نجد أن كتب شروح الحديث أفادت من الطب اليوناني فاعتمدت نظرية أبقراط في الأخلاط والأمزجة كما اعتمدت النظرية اليونانية القائلة بالعناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب، ومن هنا تأتي تعبيرات مثل الحار والبارد والرطب واليابس في كتب \"الطب النبوي\" وشروح الحديث.

إلى هنا لا يبدو أن ثمة حساسية تجاه النقل والإفادة من الطب اليوناني، فمع وجود كتب \"الطب النبوي\" ومع الجدل حول التداوي وهل ينافي التوكل؟ لم أجد جدلا حول وجوب اعتماد الطب النبوي ونبذ الطب اليوناني مثلا، ولا جدلا حول علم الطب النبوي بمقابل علم الطب اليوناني، بل كما قلنا حدث تداخل بينهما. وكان هنالك أطباء من ملل شتى، بل قال إدوارد فنديك: \"إن السواد الأعظم من رجال الطب من 150هـ حتى 300هـ كانوا من النصارى\". وقد أفرد ابن أبي أصيبعة \"طبقات الأطباء\" باعتبار الطب إرثا إنسانيا فذكر الأطباء من اليونانيين والإسكندرانيين ومن كانوا في أول ظهور الإسلام، ومن السريانيين والأطباء النقلة \"المترجمين\" وأطباء الجزيرة العربية، والمغرب والهند ومصر والشام.

هذا كله يعني أن كلام ابن رشد حين تحدث عن إسقاط الاعتبار بالملة، مقابل اعتبار النفع والصحة، كان له مصداق واقعي في تاريخ الحضارة الإسلامية ومفاعيلها. في حين أن الفصل التام الذي يحدث الآن، بالحديث عن طب غربي، وآخر إسلامي، وثالث نبوي، والتمحور حول تحصينات ودفاعات هوياتية في مقابل اضطراب علاقتنا مع الغرب في العقود الأخيرة، وفي سياق رحلة الأسلمة وابتذالاتها من قبل العديد من المتحمسين للإسلام، هذا كله يعني أن الوضع الإسلامي ليس بعافية.
-----------
المصدر- اسلام اون لاين
__________________
حاتم الشرباتي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:46 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.