قديم 03-29-2016, 08:16 PM   #11
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 21 - 22

في انتقاد هؤلاء المثقفين كثيرون أسهبوا في تفصيل تاريخ الحكومة الأميركية الحافل في قتل كل شعب وكل فردٍ تمسك بأي حقيقة من هذه الخمس. لقد أذهلنا ذخر إنسانية حكومات أميركا. أذهلتنا حروب أميركا في جيلنا في قتل الإنسانية في كل شعب. أذهلتنا مقدمة المثقفين في آخر موجات قتل الإنسان أكثر مما أذهلنا تصميم الحكومة الأميركية على قتل كل مَنْ يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأكثر مما أذهلنا قتل الجيوش الأميركية للإنسان الفرد منذ نصف قرنٍ في مسيرة قتلٍ متواصلة دون مبررٍ من مثقفين. أيقظـنا من ذهولنا صوت مؤذِّن الصلاة(12). أيقظـنا من قراءة الخاطر في سجل حروب أميركا القوية التي لم تحتجْ يوماً ولا مع أي خصم إلى تبرير تدميره ولو بحجة غير موضوعية وغير واقعية. لم تحتج أميركا القوية بل الأعظم في قوتها إلى مجلس مثقفين من أثقل عيارٍ محلي وعالمي يبرر لها قتل فئة واحتلال بلاد مئات الملايين من البشر. الرابط بين الحقائق والمبرر غير موجود. الرابط بين فكر الحقائق الخمس وبين فكر إجراء الحرب فلسفياً، موضوعيا وفي غايته غير موجود، مفقود. بل الفكران منفصلان كلية في طريقتيهما وإجراءيهما وغايتيهما. لماذا احتاجت أميركا إلى تبرير حربها على المسلمين من مثقفين وهم الفئة التي في طبيعتها لا علاقةَ لها بالحرب؟ ثلاثة أسباب رئيسية نستعرضها، وغيرها مما يزيد عن ذلك فروع عنها لن تتطرق إليه نترك لخصوبة عقول غيرنا الإسهاب فيه:
1 - قضية البيان ليست قضية حربٍ لقتل المسلمين فلو كانت هذه غاية أميركا الحقيقية فإن تبرير الحرب له قنواته ومؤسساته الرسمية فقط. لم يحصل في أي حرب أن استنفرت فئة المثقفين عقولها بصياغة تبريرٍ لحرب وكأنها هي صاحبة القرار في إعلان الحرب وقيادة الجيوش. ثم، ماذا يشكل هؤلاء الستون من بحر المثقفين الأميركيين؟ فجأة يلتقون، يصوغون بياناً، يوقعونه ويعلنونه وكأنهم هم القائمون على الأمة الأميركية ومؤسسة الحكم الأميركي. في هذا دليل على أن مؤسسة الحكم دعتهم بأشخاصهم للاجتماع والتوقيع على البيان. لكن لا يوجد أي دليل على أن الأمة الأميركية دعتهم للاجتماع أو فوَّضتهم عنها في هذا الإعلان. هذا لا يعني أنهم يخونون أمتهم عندما يتحدثون باسمها، ولا يعني أننا نفترض أن هناك معارضة عارمة أو غير عارمة لبيانهم. لكن ترتيب الحقائق يلزم في فهم أي موضوع فكيف بأمرٍ بهذه الخطورة وهذا الخبث في إخفاء حقائق الموضوع. هذه الحقائق تثبت أن قضية البيان هي غير قضية الحرب. القضية الحقيقية في البيان أوضحها البيان بما يزيد عن عشرين موقعاً بصيغٍ فكرية متعددة. لا نستطيع تعدادها لأن ذلك يخرج الكتاب عن حجمه، لكن نأخذ ما يكفي منها في وضوحها وتعبيرها:
يعددون قيمهم ويجعلونها قيمُ الأمة الأميركية ومؤسسات الحكم في أميركاïپ¹ ثم يقولون عنها: "بالنسبة إلينا، إن العنصر الضارب في هذه القيم هو أنه يمكنها أن تنطبق على كل الناس". وفي آخرِ بحثِ موضوعِ فرض قيمهم يقولون: "...وهو يقدم بذلك قاعدة ممكنة لما ننشده من مجتمع عالمي يستند إلى السلام (بالخضوع لقيم أميركا) والعدل (بين عبيد الطاعة لأميركا)(14) . بين قيَمها الافتراضية والتي جعلوها مبرراً لقتل المسلمين واحتلال بلادهم وبين خطتهم في إيجاد مجتمع عالمي بمواصفات سلمهم وعدلهم يضعون جسراً بين القيم التي أصبحت أميركا بين عشية وضحاها تمتلكها وتقنع بها وتمارسها، وبين المجتمع العالمي الذي بسبب أنها تدعو إليه تفرض على كل دولةٍ منفردة الإذعان بفتح مجالها الأرضي والجوي والبحري ليكون قاعدة لارتكاب الجريمة الأميركية في شعب الدولة وجيرانها، وبفتح خزائن ثرواتها للنهب والخضوع المطلق لمصالح الشركات الدولية.
_____________
(12)مؤذن الصلاة هو نداء الصلاة يعلو به صوت مسلم يدعو إخوانه المسلمين لمشاركته صلاة التعبد إلى الله خمس مرات في اليوم. في هذه الصلاة يقرأ المسلم آيات قرآنية محددةٍ من الله ويقول بأدعية الاستغفار لذنوبه أيضا محددة بنصها. ينتصب، ينحني، يسجد ويقعد، كلها حركات محددة بالشكل والتتالي. كل حركة ترتبط بقول من أقوال التمجيد لله التي في مقصدها عهد تجديد الولاء بالطاعة لله والإخلاص بالتزام أحكامه في مسيرة الحياة وتصرفاته. وتجديد عهدٍ لله بتركِ السوء الذي عرَّفه أو أدانه القرآن، والسعي بالفضيلة في كل عمل وظرف.
(13) الذي يقرأ إيضاحهم لهذه القيم تثور فيه عصبية الإهانة، كأنه تلقى صفعتين من كفين على الخدين في آن واحد. لكنه سرعان ما يتذكر أن الذي يصفعه هم "صفوة" مثقفي الغرب في زمن هذا الشقاء الإنساني. عندما يتذكر ذلك يدرك أنها لم تكن صفعتين على خديه بل استهانة مزدوجة الحدين: استهتار به كإنسانٍ يمكنه أن يفهم، واستهتار بحقه كإنسان أن يرتبط بقيم تراثه لا بقيمٍ يكذبون بها على غيرهم. عندها يرى أن الصفعتين ليستا له بل لجميع أجناس البشر، عندها يحزن أو ينفجر.
(14) ما بين الهلالين ليس من نص البيان بل كلام توضيحي اقتضاه مصطلح السلم والعدل في هذا البيان.
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة طالب عوض الله ; 03-29-2016 الساعة 09:36 PM
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2016, 09:34 PM   #12
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 22 - 23

تفرض حضارة أميركا التي تمارسها وتعيش بها لتكون الأنبوب الذي به تنتقل القيم التي اكتشفوها عشية بيانهم في 12/2/2002 إلى كافة البشر في المجتمع الدولي الذي يريدونه لخير المسلمين. عفواً، ليس لخير المسلمين فقط بل لسكان أوروبا أيضاً(15) . يقولون لنا فقط السر في خلاصنا، ليس للأوروبيين حتى لا يتذكر الأوروبيون أن أميركا سرقت هذا الكنز (16) منهم. يقولون: "نعترف بالطابع الناجز لحضارتنا".
موقعٌ حضاري آخر هو قولهم: "إن ما يميز نشاط الإنسان هو تلك القدرة على التقويم والاختيار وامتلاك تعليلات تفسر اندفاعه وراء ما يطمح إليه أو يحبه. وجزء من هذا النزوع الرغبوي إلى التعرف يتناول الاستفهام عن سبب مجيئنا إلى هذه الدنيا، وعما سيحصل بعد مفارقتها. وهذا ما يقود إلى البحث عن حقيقة الغايات النهائية؛ ما يعني بالنسبة إلى كثيرين، طرح مسألة الله." بعد طرح قيمهم والمجتمع العالمي الذي يسعون إليه وحضارتهم عبّارة القيم للإنسان في الحظيرة الأميركية التي يسمونها "المجتمع الدولي" يقررون في جواب الغايات النهائية للإنسان في حياته وموته أنه يجب أن يصدق ويعتقد ويعيش لأنه يكفيه أن يرضى بقاعدة فصل الدين عن الدولة(17) أو فصل "مسالة الله" عن ممارسته الحياتية. ثم يبحثون في خُلقِـيّاتٍ لسانية(18). نسميها كذلك لأنها أبحاث ليس فيها فكر عندهم، عبارات خلقياتهم كعبارات الذي يفتش عن شيء ليصفه. ليست أبحاثا فكرية في عبارات بل عبارات في أفكارٍ بدون بحث. هذا ما يبدو في عرضهم للخلقيات وهذا سببه جوهري وليس تدجيلياً أو من جهل. نحن نتحدث عن طريقة صوغهم أبحاثهم الخلقية وليس في طريقة بحثهم الخُلُقي بل في صياغته فقط. الخُلقيات عندهم هي السلوك العملي في تبرير الفعل، لذلك تكون خُلُقياتهم هي مَرْكَبَةُ أو وسيلة نفاقهم ومؤامراتهم ومادة غدرهم بغيرهم. لهذا هي ألفاظ وصفية وليست أبحاثاً فكرية. البحث العلمي عندهم لتطوير معادلة يقتلون بها غيرهم أو يزدادون بها كسباً بسبب جهل غيرهم لهذه المعادلة. كذلك أبحاثهم الفكرية في الخلقيات أبحاث لإنتاج مبررات للغدر بغيرهم. لذلك يجعلونها مبرر القتل عندما يقولون: "باسم المبادئ الخلقية الإنسانية العامة وبوعي كامل لقيود ومتطلبات الحرب العادلة، نؤيد قرار حكومتنا ومجتمعنا باستخدام حد السلاح ضدهم". وصف حربهم بأنها "الحرب العادلة" هو مثال واقعي لخلقياتهم في إيجاد صفةٍ للموصوف. ليس ألفاظ خُلقيات عن أفكارٍ خُلقية. هذا لا يمكن تحديده إلا من تناقض أقوالهم في الخلقيات. عندها فقط يمكن معرفة أو تمييز خُلُقيات الفكر وهي خلقيات يتوصل إليها الإنسان بالبحث الفكري لتكون جزءاً من معتقده الحياتي، عن الخلقيات اللسانية التي يحتاج إليها في غدره بعقل غيره.
_______________________
(15)لم نذكر بقية سكان الأرض من الروس وأهل الصين لأن أميركا لم تعد تعاملهم كبشر. في اعتقاد أميركا أن البشري يجب أن يكون له قضية في الحياة حتى يصنَّف أنه بشري وهذا صحيح لأنه شرط في طبيعة الحياة وفي طبيعة الإنسان وهو بحث لن ندخل فيه هنا. لذلك، بعد أن نجح يلتسن في حبس أمة الروس بالمرحاض ونجح بوتين بإغلاق باب المرحاض لم تعد أميركا تنظر إليهم كبشر. أما بشر الصين فموضوع سقوطهم من قطار الجنس البشري قصة متعددة الجوانب لن نخوض فيها أيضاً هنا.
(16) وصف حضارة أميركا والغرب الأوروبي بأنه كنز وصفٌ كذب واضح في غشه. وهو كمن يقول عن الكذاب إنه صادق لكن بين مزدوجين، لا يقوله للكذب بل بأسلوب قول المراد بالمحال وهو من صيغِ الاستهزاء الأدبي.
(17)في مخاطبة المسيحي يستعملون لفظ فصل الكنيسة عن الدولة، لأن واقع الثورة كان على ظلم الكنيسة أو أحبار الكنيسة للناس في فرنسا وغيرها، لم تكن الثورة ثورة على فكرة التثليث بل على الذين يستغلون سلطة الغفران والحرمان في التسلط على أرواح وأرزاق وسلوكيات الإنسان في ألمانيا وغيرها. لكن عندما يخاطبون المسلمين يستعملون "فصل الدين عن الدولة"، وهو يعني فصل الدين عن الحياة. عند المسلمين هذا يعني التخلي الجزئي والكلي عن جميع أفكار الإسلام لأن فكر الإسلام هو فكر للحياة التي يكون الموت جزءاً منها أي من الحياة. لا يوجد في الإسلام فكر للحياة منفصلةٍ عن الموت، ولا يوجد فكر للموت منفصلٍ عن الحياة، بعكس الفكر المسيحي.
(18)بعض الزواحف تصطاد بمعنى تغدر بفريستها بلسانها الطويل ميزها الله بسرعة حركة عضلاته. وهذا هو الدور الرئيسي لهذا اللسان فيها. عند الأميركي السياسي والمثقف وليس الفيلسوف الأوروبي دعوة الأخلاق هي عنده وله كلسان هذه الزواحف لاصطياد فريسته في غفلتها عن هذا العضو القاتل. لذلك نسميها خلقيات لسانية وليس لفظية. إذ دور اللفظ باللسان غيرُ دور الغدر باللسان. لكلِّ دورٍ أحكام وقواعد مفارقة وخاصة.

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2016, 09:46 PM   #13
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 24 - 26

من فهم الربط التبريري في مواقعه الفكرية نكتشف أن السبب الأول في إصدار هذا البيان ليس تبرير الجريمة الدموية للجيش والسياسيين الأميركيين. الهدف الرئيسي يكمن في الحكم على المسلمين بالإفلاس الإنساني من أي قيمة نفسية ومن أي فكرٍ حضاري. هو من أجل أن يفرضوا على المسلمين أن يصدقوا أنهم بشرٌ مفلسون (19). كما الإفلاس المادي يقضي على كيانٍ فردي، مادي أو سلطوي في دولة، كذلك إفلاس الفكر الحضاري يقضي على كيانٍ فردي، اجتماعي أو حضاري في أمة. سبب حرب أميركا على المسلمين يكمن فهمه في معرفة غاية القتل الجسدي والمادي للمسلمين. سبب التبرير الحضاري في بيان المثقفين لقتل المسلمين يكمن في فهم غاية فرض الإفلاس الحضاري على المسلمين ولو بتلفيق تهمة الإفلاس وتزوير برهانه وتنفيذ حكمه بالقوة القاهرة. الغايتان في معنَيَيْهما يتوحدان عندما يتحقق استسلام المسلمين حضارياً باعترافهم بإفلاسهم الحضاري ويخضعون لأفكار المقدمات الحضارية الأميركية أو الغربية أو أياً كانت. بيان المثقفين محاولة حضارية أميركية لهزيمة المسلمين بالضربة الحضارية الخادعة. قضية البيان قضية اغتيال حضاري للمسلمين، ليست قضية تبرير حرب قتل المسلمين.
ثانياً: اتهام المسلمين ليس فيه برهان ما اقتضى استبدال قوة الرأي العام بقوة البرهان المعدومة. اتهام المسلمين بالقنابل الطائرة كما جاء في فقرات بيان المثقفين ليس له ما يبرره عند أي فئة من فئات أي اختصاص. بمعنى أن فئة المخابرات حتى اليوم لا تصدق أن أحداً من خارجها يمكنه اختراقها والقيام بهذا التفجير دون أن تعلم به قبل حدوثه. كذلك العاملين في الردع الصاروخي، وفي فئة الدفاع الجوي وإدارة الحركة الجوية وفي فئة الهندسة النفاثة والعمرانية وكل مجال. لا أحد يمكنه التصديق ببرهان الحدث، لذلك كان الاتهام بالفرض (20) . كل اتهام يحتاج إلى مصدر قوة. قوة الاتهام يجب أن تكون في برهانه لا في حجته. هذا في طبيعته أما عندما يكون اتهاماً مزوراً فتكون قوته في قوة الجهة التي تصوغه. لكن، الاتهام بالفرض ليس له مصدر قوة في طبيعته. حتى يبقى اتهاماً يلزمه الالتصاق بمصدر قوة. هذا الالتصاق إذا نجح في خداع العقل يمكنه حجب الرؤية في بحث برهان الاتهام بنقل البحث إلى حجة الاتهام. كذلك يمكنه الاستغناء عن حاجته إلى قوة الجهة التي تصوغ التزوير في البرهان وهي في هذه الحالة أميركا الدولة وليس المثقفين. حاجة الاتهام الأميركي ـ الدولة ـ إلى مصدر قوة هو سبب بيان الموظفين في صيغته التي جاء بها، يحدد أن الدولة والمثقفين والأميركيين الرعايا هم وراء الاتهام بالفرض. بذلك يستعيضون عن قوة البرهان المعدومة في اتهام المسلمين بقوة الرأي العام المتوحِّد في اتهام المسلمين. هم، "مثقفي البيان" يفرضون أنهم والشعب الأميركي هم الذين اتهموا وأعلنوا الحرب على المسلمين وبذلك قامت القوات المسلحة الأميركية بتنفيذ طلب الشعب وأمر المثقفين للموظفين العسكريين بقتل المسلمين. استبدال قوة الرأي العام بقوة البرهان محاولة يائسة لأنها آخر محاولات خداع مقاييس الحقيقة في الفهم. لكنها أسخف المحاولات لأنها تفقد عناصر الخداع اللازمة في محاولة الخداع. محاولة الخداع تلزمها شروط الخداع أو عناصره. أول وأهم شروط الخداع في محاولة الخداع أن تتلاءم العناصر في أصل الموضوع مع بديله. مثلاً الخداع في البرهان قد يكون في خلط وقائع البرهان بمعاني الحجة، فعناصر الشيئين متلائمة في الموضوع. أو باستقواء معاني الحجة على وقائع البرهان وبذلك تبقى المحافظة على تلاؤم العناصر في محاولة تزييف الحقائق. أو يمكن الاكتفاء بمعاني الحجة وفرضها كبديل لوقائع البرهان، وبذلك يكون الاستبدال بعناصر متلائمة أيضاً. غير هذا كثير في الخداع الناجح وهو الذي يكون واضح الحجة ويمكن تمريره بقناعة من الناس. لكن الخداع السخيف هو الخداع الذي يكون غير واضح الحجة أو الذي يكون جنس عناصر حجته من غير جنس عناصر برهانه. عندها فقط يظهر الاتهام أنه اتهامُ منافق، مخادعٍ، لا يصدرُ إلا عن متآمرٍ يحتاج إلى الكذب في خداعه. الكذب غير الخداع في النفاق. الكذبُ جنس من النفاق يختلف عن جنس الخداع من النفاق. عناصر الكذب غير عناصر الخداع. عدة الكذاب غير عدة المخادع. عندما يختلط الكذب مع الخداع في محاولة واحدة فهذا يعني شيئاً واحداً فقط وهو أن عناصر الكذب وحدها ليست كافية، ولا عناصر الخداع وحدها كافية. لكن اجتماع الجنسين يبقى اجتماع زانيين لا اجتماع زوجين. والفرق بين الاجتماعين كبير وهائل نفترض أن المثقفين يعرفونه رغم أن ثقافتهم تدعو إلى عدم التفريق بين حياة زانيين وحياة زوجين. في البيان الثقافي عنهم أثبتوا أنهم يجهلون الفرق بين عناصر الكذب وعناصر الخداع، ويجهلون الفرق بين اجتماع جنسين للزنا أو في الزواج. هل فعلوا ذلك عن وعيٍ أو عن غفلة أو جهل حقيقي؟ لا ندري ومن الصعب التحديد، غير أنه ليس مستحيلاً بالطبع، لكنه ليس مهماً في نتيجة معرفة حقيقته، المهم أنهم لم يفرقوا. إنهم في محاولة الخداع بحثوا في جمع الكذب والخداع في نتاج يسدون به حاجتهم الحضارية. لم يبحثوا في عناصر الكذب وعناصر الخداع. أعمتهم الحاجة عن ملاحظة الافتراق في العناصر. لذلك كان نتاج محاولتهم في الخداع الحضاري عارياً من أي سترٍ يخفي الخداع فيه. همهم كان استبدال قوة الرأي العام بقوة البرهان لتغطية انعدام البرهان في اتهام المسلمين بالجريمة والإفلاس الحضاري وفرض تصديق التهمة على المسلمين وعلى الأميركيين وعلى الأوروبيين، لكن ليس على إنكليز ولا على يهود!(21)
__________________
(19)إفلاس الإنسان الفرد موضوع فلسفي في مجالين: في عمقه وفي مداه. أخفق الفلاسفة الغربيون عموماً في مداه وهو سبب إخفاقهم في عمقه. سبب ذلك أنهم عدّوا مداه مجالاً واحداً بينما هذا الموضوع يحتاج إلى تحديد مجالات المدى. هم بسبب خلطهم مواضيع الطبيعة الإنسانية - لعدم قدرتهم على تمييز مظاهرها في جذورها - ضاعوا في التفريق بين العمق والمدى أو متى يلزم الربط بين العمق والمدى في الموضوع.
(20)الاتهام بالفرض هو الاتهام بغير برهان، الذي هو غير الاتهام ببرهان مزور. أميركا ـ سلطة الحكم ـ حاولت تزوير برهان الاتهام لكنها سرعان ما تخلت عن تزوير البرهان بعد أن كادت أن تصبح أميركا ـ الكيان ـ تصبح أضحوكة الجنس البشري. بها الناس يسخرون بدل أن تستمر بقدرتها الإعلامية الهائلة على الاستهزاء بهم. لذلك عمدوا إلى الاتهام بالفرض كما يجري قتل المسلمين في احتفال زواج بحجة أنهم يبتهجون ببدء ولادة إرهابي جديد!
(21)قد نتطرق في موقع آخر إلى سبب فشل أميركا في فرض تصديق التهمة على الإنكليز وكيان يهود.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 08:33 AM   #14
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 26 - 28

ثالثاً: الإيقاع بين العقل الأميركي وثقافة الإسلام. برامج فرض كراهية الغربي للإسلام بعيدة في التاريخ إلى ما قبل الحروب الصليبية. تلك الحروب كانت مرحلة من أعمال فرض الصدود عن الإسلام. هذه البرامج بدأت مسيحية وكان يجب أن تنتهي مع انتهاء الحكم المسيحي لكنها الإرث الوحيد الذي تناقلته أيدي ثوار الديمقراطية وعقول فلاسفة الديمقراطية من الإرث الكنسي الذي قامت الثورة بسبب كراهية الناس له. تناقل برامج فرض كراهية الإسلام على الأوروبيين بين سلطة الحكم المسيحي وسلطة الحكم الديمقراطي بكل عناية وحرص كان يجب أن يوقِظَ عقول "المثقفين" إلى حقيقة هذه البرامج. إذ لو كانت برامجَ تتعلق بغايات أيديولوجية لاندثرت هذه البرامج باندحار أيديولوجيتها. ولو كانت تتعلق برؤية اجتماعية لكان يجب أن تغيب مع تبدل الرؤية. ولو كانت تتعلق بفلسفة أيضاً كان يجب أن تتوقف مع توقف تلك الفلسفة عن التأثير في الناس. ولو كانت إرثاً مسيحياً كان يجب عزله كما تم عزل الكنيسة. لكن في الوقائع منذ عزل الكنيسة ومسيحيتها تم تفعيل وتحديث برامج كراهية الإسلام في نفس كل فردٍ غربي. حتى تنجح أنظمة الحكم الديمقراطية في الغرب في فرض كراهية الإسلام على كل أميركي وألماني وإنكليزي وفرنسي وغيرهم في أوروبا، تم دمج تلك البرامج في برامج التثقيف الجماعي. في جميع منابر الإعلام وفي جميع برامج التثقيف المدرسي.
برامج فرض كراهية الإسلام على الغربي ومنه الأميركي برامج تتلاعب بالعاطفة ليس بالعقل، لأنه ليس فيها مادة الحجة ولا برهان الحجة. لذلك تحتاج أجهزة الحكم في ألمانيا، فرنسا، إنكلترا وغيرها إلى برامج دائمة ومرحلية ظرفية في إذكاء هذه المشاعر في كراهية الإسلام، لمنع عقل الغربي من التفاعل مع الإسلام. في ساحة صراع الحضارات كانت قواعد الصراع أن هناك فريقين؛ فريق الغرب الأوروبي وملحقاته في ما وراء البحار ومنه أميركا وأوستراليا سلاحه كراهيته للإسلام. وفريق الإسلام، وسلاحه برهان القول والحجة والواقع. من الواضح أن سلاح كل فريق من جنس مختلف. قوة الكراهية تنبع من لهب الحقد الشيطاني. قوة الإسلام تنبع من قناعة النفس في برهان العقل. لا يوجد تكافؤ بالقوى ولا بمدد القوى. الكراهية تعطِّل العقل وتوقد النفس. القناعة تهنأ بها النفس وتوقِدُ العقل.
بيان المثقفين عمد إلى هذا الخلل في ميزان قوى فريقَيْ صراع الحضارات. يحاول في محاولة الخداع التي قام بها أن يعدِّل في عناصر القوى. فريق الكراهية للإسلام قصد في محاولته إلى إقناع العقل الأميركي بالمبررات الحضارية لغدر المسلمين بالأميركيين؛ وأن هذا الغدر بالأميركيين جزء من عقيدة المسلمين؛ وأن قتل الأميركيين يبرره المسلمون لأن الأميركيين شاذون جنسياً شاذون فكرياً، يعتقدون الباطل حقاً، يزنون بحرية، ينهبون غيرهم، يسرقون بحرية، يكذبون كما يحلو لهم. وأن المسلمين يختلفون عنهم بمسلَّمات الطبيعة والعقل، إذ المسلم لا يؤمن بالسلم والعدل الذي يؤمن به الأميركي. والمسلم لا يؤمن بالأخلاق الكونية والإنسانية وتلك التي عند الحيوان أيضاً. وأن المسلم يرتكب الجريمة لارتكاب الجريمة، وليس بحاجة إلى تبرير لجريمته. وأن المسلم ليس له غاية في الحياة ولا يبحث في مقاصدها لأنه ليس إنساناً. وهو لا يؤمن بأن البشر متساوون في الحقوق والكرامة، وغير هذا مما يؤثر في اهتزاز ركائز العقل في الأميركي. اهتزاز الركائز يؤدي إلى وقوع البنيان الذي يقوم على هذه الركائز. لكن بنيان العقل لا يمكن أن يقع كما وقع مبنى مركز التجارة العالمي. الإيقاع بين العقل الأميركي وثقافة الإسلام هو مبرر إيجاد الاهتزاز في ركائز العقل الأميركي. رفع مستوى برامج فرض كراهية الإسلام في عقل الأميركي هو غاية الإيقاع بين عقل الأميركي والإسلام.
بيان مثقفي أميركا الستين نقبله من مثقفين في ثقافة الغدر بالعقل الأميركي، ليس من ثقافة الأميركي. نتفهمه أنه من رجال خداع الفكر السياسي، ليس من رجال الفكر الثقافي. نتعامل معه أنه من حضارة تأصيل الكراهية في النفوس وتضييع العقول في الحاضر والمصير، ليس من حضارة رجالٍ يعرفون قِيم الإنسان في الحياة والموت. لا نكرههم في كذبهم على شعبهم، ولا نحقد عليهم في استهزائهم بعقل الأوروبي، لكننا نحتقر استهزاءهم عقل الإنسان في أميركا، أوروبا والإنسان المسلم. إنهم لا ينافقون على أحد، لأن المنافق ينافق في نفسه على نفسه، كذا الكذاب والمخادع لكن ليس المتآمر. جريمتهم التي لا يغفرها لهم الإنسان من أي لونٍ وجنس وحضارة هي تبريرهم جريمة كذابٍ، مخادع متآمر على أهله. أهل المتآمر كأهل القاتل هم الذين عليهم يتآمرون ومنهم يقتلون. هم في مسرح الجريمة سواء، بل هم وقود الجريمة، أداتها وسلاحها. هل عرف التاريخ متثقفين مثل هؤلاء قبلوا أن يكونوا مثل هؤلاء؟
كتابُنا ليس للرد على محاولة مثقفين بثقافة الفكر الديمقراطي الأجوف بل لتناول الموضوع الحدث في 11/9 في خطته السياسية لتغيير الموقف الدولي. ليس من منطلق تحريمه الشرعي في الإسلام. حجمُ الأقوال في هذا صدرت من كل من يستطيع أن يصل إلى مذياع أو يكتب في صحيفة حتى بلغ ذلك حدَّ الابتذال. ومن جميع علماء لَيِّ الأحكام الشرعية في غير غايتها فكيف إذا كان في سانحةٍ فيها مبرِّرٌّ شرعي في قول حقيقةٍ! وليس لبحث أبعاده السياسية ولا لبحث رد الفعل السياسي أو لبحث ردِّ فعله الإرهابي. ليس لبحث سبب أو حيثيات عُمق القرار الأميركي في قتل المسلمين في أفغانستان. أو في بناء تحالف دولي ضد الإرهاب بينما تنفرد في عملياتها في قتل المسلمين وتفرض على حاكم كل دولة أخرى أن يفرض على إعلامه وساسته التباري في التباكي والتفاخر في تذللـه لإعلان مداخلته بوقوفه وشعبه مع أميركا في ذبح المسلمين.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 08:39 AM   #15
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 28 - 30

أيضاً، لن نبحث لماذا اختارت أميركا قصف المسلمين بالقنابل الانشطارية بدل القبض على الفاعلين، ولا لماذا لم تعلن عن أدلة تورُّط طالبان أو القاعدة. ولن نحاول أن نفهم لماذا أذلَّت في ردِّ فِعلها كل رئيس دولة في العالم. ولا لماذا لم يقف رئيسٌ واحد أو نظامُ حكمٍ يتبنى كشف الخبث والدهاء في مؤامرتها باختيار كيانٍ من طين عدوّاً لها وللعالم أجمع. كيف ولماذا رضيت دول العالم وأنظمة حكمه والسياسيون والإعلاميون وخاصة برلمانيوه وأحزابه ورؤساءُ الحكم فيه هذا الاستخفاف بعقولهم وهذا الامتهان لكرامة شعوبهم وهذا الإذلال العلني لمفهوم السيادة في تراثهم. ولا كيف يكون عدواً لدولة بين شروقِ شمسٍ وبزوغ قمرٍ يتحول إلى عدوٍ لدول الأرض قاطبة.
ما هي أهداف اختيار طالبان وهي صنيعةُ أميركا وتحت السيطرة المطلقة تديرها المخابرات المركزية الباكستانية لتكون عملاقَ العالم كما الأشكال من مطاط تُنفخُ أحجامها بهواء؟ لماذا تفرض أميركا على العالم برؤساء دوله وحكوماته وأحزابه أن يتخذ من طالبان عدواً شخصياً ووطنيا وقوميا ودينيا وإنسانيا؟ لماذا هذا التذلل الذي يتسابق فيه رؤساء دول العالم لسكب كرامتهم وكرامة دولهم وشعوبهم في المرحاض الأميركي؟ ما هو سر المكر البريطاني في استجدائها إرضاء أميركا بكل أنواع التذلل والتقرب لإشراكها في قتل المسلمين؟ ما هو سر الصفقة الأميركية الروسية لموافقة روسيا على احتلال أميركا "المؤقت" لبلاد المسلمين في وسط آسيا؟ ما هو سر إذلال أنظمة الحكم في بلاد المسلمين إلى درجة تحويلها إلى بوق من أبواق الإعلام الأميركية وإلى مخافر شرطةٍ تعمِّم الرعب والجبن في المسلمين؟ أولى حروب القرن أم آخرها؟ أهي حربٌ على الإرهاب أم فرضٌ لاحتكار أميركا لسلاح الإرهاب؟ كل هذا ليس موضوعاً في هذا البحث إلا أن يكون على علاقة بموضوع الحقيقة الكبرى في خطة أميركا تغيير مجرى التاريخ.
تغيير مجرى التاريخ موضوع أكبر من أميركا لأنه موضوع في طبيعته يرتبط بفكر حياتي ورؤية كونيةٍ في أصل الحياة وسبب وجود الإنسان ومصير العالم. أميركا تدرك أنها لا تملك هذا الفكر ولا هذه الرؤية. هي تدرك أن فكرها الحياتي فكر مبتور كسيح ليس له رأس وليس له أرجل، وأنه في جنسه فكر سطحي تافه لا يقنع به مفكر ولا تسعد به روح. أعلنت أن أحداث أيلول ستغير مجرى التاريخ حتى تخفي حقيقة قصدها وأبعاد خطتها التي وضعتها قبل أن تفتعل أحداث 11/9 لتكون مبرراً لهذه الخطة. عندها، استبدال الاحتلال المباشر لبلاد المسلمين بالسيطرة العسكرية أجدى لأميركا من السيطرة العسكرية والمالية والاقتصادية والسياسية مجتمعة. أو إضافة الاحتلال العسكري إلى سيطرتها المطلقة على بلاد المسلمين يزيد في قوة أميركا وسيطرتها على العالم. هذا التوجه أو هذا التغيير ليس له مبرر فكري، لذلك لا يستند إلى فكر. واقع هذا التوجه أنه يستند إلى قوة فقط لأن تبريره هو القوة وحدها. وقد حدَّد رئيس القوة في أميركا جورج بوش(22) ذلك بقوله في مناسبات كثيرة: إن ذراع القوة الأميركية ستصل إلى أي مكان نريده.
قليل كتبوا في تقنية الحدث، أي في وقائع أحداث التفجير، وبها أثبتوا أن قوة الحكم في أميركا وراء حادثة التفجير. براهينهم لا يمكن نقضها لعنصرين:
الأول أنها وقائع من الحدث نفسه وليست استنتاجًا من الوقائع.
الثاني أنها تنقضُ بمعنى ترد على أقوال السلطة التي تصطنع وقائعاً.

واقع الحدث دائماً هو مقياس الحقيقة الذي يرد مقولة الذي يزعم واقعاً. قوة الحقيقة تنبع من واقع الحدث لذلك هي دائمة المصدر فقوتها لا تتلاشى. قوة القول المفروض كحقيقة تنبع من قوة الكذاب الذي يفرضه لذلك هي متقلبة ومعرضة للاضمحلال تبعًا لطبيعة الكذاب في عناصر نجاحه وفشله، وتلاحم عقله ولسانه، وتغلب مكره على نفسه، واتحاد إرادته وقلبه في تبرير الكذب والخداع حتى يراه صدقاً ونزاهة. لكن الموضوع يحتاج إلى أكثر من هذا الجهد الفردي الذي يجب أن يتكاثر في كل اللغات. إظهار الحقيقة يحتاج إلى قوة من جنسها وحجمها. كشف مؤامرة أميركا في احتلال العالم تحتاج إلى منبر دولي وإن كان طريق ذلك جهداً فردياً. لذلك جُنَّ عقل حكام أميركا من محاولة رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب في أميركا مطالبتهم رئيس أميركا ونائبه ووزير دفاعه ورئيسة مخابراته ـ مجلس الأمن القومي ـ إطلاعهم على المعلومات التي كانت لديهم قبل التفجير. رئيسي الأكثرية في مجلس الشيوخ والنواب لم يكن عندهم أدنى شك أو تخمين أنه تفجير من عمل الحكومة الفدرالية. قدموا طلبهم فقط من أجل الحصول على معلومات تمكنهم من وضع خطة لتلافي هكذا حدث في المستقبل. بكل براءة وإخلاص لدورهم السياسي، لم يخطر ببالهم انهم بهذا الطلب يهددون الكيان الفدرالي الأميركي أو الكيان السياسي الدولي لأميركا. عندما اتهمهم الرئيس ونائبه ورئيسة أجهزته الأمنية أنهم سيكونون متهمين أنهم غير وطنيين إذا استمروا بطلبهم، وعندما رأوا جنون رد الفعل على طلبهم أدركوا أن التفجير من صنع الإدارة. معرفتهم الجديدة التي اكتشفوها بالصدفة وبراءة وعفوية كانت أكبر حجماً من بنيتهم الجسدية وقدرتهم الاستيعابية، انهاروا، أمام الخوف ارتجفت بهم الساق، قعدوا على الكرسي صامتين. صمتهم الرهيب كان أكثر إيضاحاً للحقيقة في سبب جنون الحاكم في أميركا من مطالبتهم العلنية الصريحة، صمتهم، تراجعهم الفوري هو برهان أنهم لم يكونوا شركاء في المؤامرة، تخليهم عن مطالبتهم بممارسة أساس حقوقهم وصلاحياتهم في دورهم الدستوري برهان أنهم تحولوا إلى شركاء في طمس حقائق المؤامرة والتستر على المتآمرين. المسؤولون، أبطال المؤامرة في التغيير، في جنون رد فعلهم أثبتوا أنهم صانعو أحداث التفجير وصانعو ردات الفعل عليه.
_______________________
(22)- تسميته رئيس القوة الأميركية لأنه عندما تقوم أمة على بناء خطتها في العالم على عنصر القوة وحده فهذا يعني انعدام وجود طاقة فكرية عندها من أجل هكذا خطة. وفي أميركا بعد غياب الرئيس بيل كلينتون ومجيء هذا الرئيس بدا واضحاً خلال فترة إدارته قبل حادث التفجير خلو هيكل الرأس في الإدارة الأميركية من أي فكر. كنا نرى هذا الفراغ الفكري في رأس الرئيس وإدارته ونتساءل، لماذا أتى الرئيس بهذا السخيف لإدارة العالم؟ لماذا أتى بهذا الشرير الذي يتغذى بالقتل وترقص عيونه طرباً لسفك الدماء؟ لماذا في نظرات الرئيس غباء ظاهر؟ ماذا تستطيع جبلة حكمٍ من سخيف، شرير وغبي في نظراته أن تفعل أو تتصرف في قدرات أميركا الهائلة؟ لم لتصور هذا السقوط.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 08:49 AM   #16
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 30 - 32

حقائق المؤامرة هذه لا يمكن طمسها مهما حاولوا لأسباب تتعلق بطبيعة هذه المؤامرة. في كل مؤامرة طبيعة ذاتية لأن خصائصها في سببها ونتائجها ووقائعها تختلف. الاختلاف هنا لا يجب ربطه بالظروف وإن اختلفت الظروف فيها بل هو يتعلق أساساً بالمصدر الذي منه تنبثق الخصائص. والمتآمر مهما بلغ من الذكاء والدهاء والعبقرية، ونحن نعترف له بها في هذه العملية، لا يمكن أن يصل إلى التلاعب في طبيعة المؤامرة التي يرتكبها. لأن طبيعة المؤامرة تنشأ نشوءاً بعد العمل وليست وجوداً تنشأ عنه. طبيعة المؤامرة من ممارسة المتآمر، لذلك هي طبيعة تتشكل بالحدث بما فيه من سبب ونتيجة وواقع. عجز المتآمر عن التلاعب بخصائص المؤامرة ليس عجزاً فكرياً بل عجز طبيعي.
كشف مؤامرة تفجير الطائرات في البرجين بعد أن أثبتت الوقائع أن البنتاغون لم تصله طائرة بل أطلقوا عليه صاروخاً من طائرة عسكرية تتعلق بأمور كثيرة. أهم الأمور التي يمكن أن تكشف عن حقيقة التفجير أنه مؤامرة من أصحاب قرار القوة والقرار في الحكم السياسي لأميركا هي البراهين الموثقة بالواقع. مجالات هذه البراهين تتنوع في أنها تقنية، سياسية أو حضارية فكرية. الكتابات في المجال التقني لكشف عنصر التآمر الحكومي في التفجير هو أهم تلك الأعمال وأسهلها وأسرعها لكشف الحقيقة للرأي العام الأميركي والدولي. (23) ألماني كتب في ذلك، فرنسيان أو أكثر وسياسي بارز من أميركا وسياسي متقاعد آخر وصحفيان أبدعوا في كتابتهم وبرهان الواقع في بحثهم أن قلب وعقل الحكومة الفدرالية هو الذي قام بحوادث التفجير في 11 أيلول. نرجح أن هناك أكثر من هؤلاء بكثير كتبوا أيضاً لم نعلم بهم، لكنا نعلم أنه لم يكتب إنكليزي أو هولندي أو إيطالي أو سويدي أو غيرهم (24). هل هناك هذا المستوى من الجدب الفكري في أوروبا وأميركا؟ الحقيقة المؤلمة أن هناك جدب فكري عام في أوروبا وأميركا، لكن هل هو سبب إحجام كثيرين عن الفهم أو أن سبب إحجام كثيرين عن نشر الحقيقة غير سبب الجدب الفكري؟ نعلم، لا نجد جدوى من التفصيل في هذا. نأمل أن تتكاثر أصوات قول الحقيقة من أهل سكوتلنده والدانمرك وغيرهم. نحن يائسون من صوتٍ هولندي أو إيطالي لأن خصوبة تربة الفكر تتصحَّر سنة بعد سنة حتى وصلت برأي خبرائهم سن اليأس في حياة الأمم.
الكتابةُ في كشف حقائق حادثة التفجير في أميركا أنه عمل أصحاب القوة في حكومة أميركا لا يؤذي أميركا أو حتى يخدشها. أهميته ليس في تأثيره على أميركا في اقتصادها أو سياستها أو قوتها. وليس في تأثيره على دول العالم من أجل الوقوف في وجه أميركا. هي، أميركا، أقوى من أن يؤثر بها حادث خارجي أو ضغط خارجي. وحكام دول العالم كثير منهم عملاء لها ومن ليس عميلاً لها يراعيها ويجاريها طمعاً وخوفاً. ليس لها عدو حقيقي بعناصر العداء. ما يقال عن العراق وليبيا وكوبا في الحقيقة نسيج قصصي. في قصة كل منهم دور لبطل ليس أحداً منهم عدو لأميركا بل كل منهم خائف من أميركا. كل منهم يريد أن يكون تابعاً لأميركا لكن ضمن خطة يشارك في تحديد مداها، مواضيعها وأهدافها. لذلك أميركا تعتبرهم أعداء وتستعد يهم وتريد تدميرهم. صحيح أن جميعهم في حظيرة نفوذ غربي غير خطيرة النفوذ الأميركي لكن هذا ليس سبب أن يكونوا هم أعداء لأميركا بل سبب عداء أميركا لهم. نعود إلى أهمية الكتابة في كشف حقائق التفجير الأميركي أنه من فعل أصحاب القوة في الحكم الأميركي. أهميته ليس في تأثيره على أميركا الدولة وسياستها ولا على الدول التي تقف معها في قتل غيرهم. أهميته تكمن أن المجتمع يحتاج إلى مواضيع فكرية لتحريك عقله، وهذا الموضوع، خطة أميركا في مصادرة رأي وصوت وعقل كل مجتمع ودولة في العالم موضوع خطير جداً على كل شعب وكل أمة في العالم حتى ولو كانت قبيلة مثل روسيا وصريبا وإيطاليا. خطورة هذا الموضوع فيها زخم إحداث تحريك فكري في أي مجتمع ينام فيه العقل ويصحو. لذلك أهمية بحثه العلني في المجتمعات هي في تحريك العقل الفردي والجماعي العام وليس في تأثيره على القرار الأميركي أو على سلطات حكم البلد الذي يجري فيه البحث. أهمية هذا البحث تكمن أنه يشترط النزاهة المطلقة في ترتيب المعطيات والبرهان والنتائج. إذ هذه النزاهة هي التي تفتح آفاق العمق الفكري في البحث. فالبحث بدون نزاهة هو البحث لتركيب حقيقةٍ لا يمكن أن يؤدي إلى معرفة حقيقة، وهو طريقة المخادع لا طريقة إيقاظ العقل. النزاهة هنا تكون بالتزام قواعد طريقة العقل في الفهم لأنها وحدها تشترط النزاهة عنصراً في طبيعة إجرائها. وهي في إجرائها طبيعة حمايتها لعنصر النزاهة بدوام حاجتها لوجوده. أهمية هذا البحث أنه في موضوعه وطريقة بحثه إذا تيسر له المنبر العلني يمكنه أن يُحدث الحركة الفكرية التي يحتاجها كل مجتمع وأمة يتوق أن يصحو فيه العقل أكثر مما يغفو.
________________
(23)- قد يتساءل بعض القراء الذين بلغوا مستوى رفيعاً في النضج الفكري: هل هناك رأي عام أميركي أو دولي؟ في نضجهم الفكري يعرفون جيداً أن صانعي القرار السياسي الأميركي هم الذين يملكون وسائل تشكيل الرأي العام الأميركي. بسبب هذا يعتقدون أن الرأي العام الأميركي يصطنعونه اصطناعاً وليس فيه عناصر التكون الطبيعي، لذلك ينفون وجوده كما يجب أن يكون عليه. لكن وجوده أداة بيد صانعي القرار لا ينكره السؤال ولا ينكرونه هم.
(24)- لم نذكر اليونان لأن الرأي العام الأوروبي خصوصاً ثقافة الدول الأوروبية الكبرى تعتبر أن اليونان سقطت في سلة مهملات التاريخ. عندهم من يسقط في تلك السلة لا يستطيع الفكاك من حبالها ثانية.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 08:56 AM   #17
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 32 - 34

كتابنا أردناه بغير منبرٍ ليكون صالحاً لكل منبر في كل أمة أو دولة أو مجتمع. في المسلم منها يمكن أن يؤخذ وفي غير المسلم مثل الديمقراطي والمسيحي والبوذي والصيني وغيرهم مثل الإنكليز يمكن أن يؤخذ. فكر البحث فيه فكرٌ إنساني أي فكر عقل الإنسان الفرد وليس فكر نتاج عقل الفرد. فكر العقل في طبيعته قبل أن يُستـنتَـج لأنه يتعامل مع الفهم بحسب طريقة العقل الطبيعية في الفهم. لذلك طريقة تفكيره هي طريقة الإنسان في الفهم وفي أفكاره يكون طبيعياً أن تخالف أفكار ضد الإنسان أو أفكاراً تعادي طبيعة الإنسان. لهذا مخالفته في أفكاره لغيره من الأفكار مخالفةَ طبيعةٍ إلى شذوذ في الطبيعة. هكذا يمكن تصنيف أفكاره في رفض أفكار شذوذ العقل في السياسيين الأميركيين وأوروبا والعالم. واحتقاره شذوذ العقل في المثقفين بثقافة أولئك السياسيين. أساس بناء الاختلاف والافتراق الفكري يكمن في مصدر الفكر لا في حجة الفكر الذي ينتج عن المصدر. فكر المثقفين في تبرير قتل المسلمين يقوم في مصدره من فكرٍ يفترض أن المسلمين هم وراء حادث التفجير. دون البحث في صحة هذا الافتراض أو خطأه، عندنا جعل أي افتراضٍ أساسًا للتفكير خطأ جوهري. يؤدي إلى إنتاج فكرٍ فيه كل احتمالات ومبررات الخطا، الفساد، النفاق، الكذب، التآمر وغيره كثير من أجناس الجرائم الإنسانية. لكنه بحقيقة قاطعة لا يُـنتج فهماً سليماً، صحيحاً أو مفيداً. وهو سبب افتراقنا في فكرنا عن فكرهم وهو سبب خداعهم الدائم في فكرهم وسبب قبولهم الخداع الفكري أنه طريقة عيشٍ في دنيا ضلالهم وتضليلهم.
بحثنا هذا امتدادٌ لأبحاث غيرنا من دول أوروبا، أميركا وبلاد المسلمين. ليس فيه شيء حكر لنا أو ينطلق منا ابتداء. صحيح أنه ينفرد بتبويبه أو ترتيب مواضيعه، ويتميز بتمسكه بالفهم بطريقة ربط الفكر بمصدره لا بمنطلَـقِه وأن خصائص قوة الفكر في مصدره غير خصائص قوة قائل الفكر في فرضه. لكن هذا التفرد والتميز هو للوصول إلى العمق الفكري الذي يحتاجه أي بحث في طبيعته أنه ثقافة للإنسان أميركياً، فرنسياً، ألمانياً، وثقافةً للمسلم الذي يعلو على انحطاط ثقافة الحاضر في مجتمعه. العمقُ الفكري هو أيضًا ضرورةً للبعد الفكري، فالفهم بعمق دون بعدٍ لا يؤدي إلى فهم الحقيقة بل يؤدي فقط إلى الغوص في الحقيقة. لذلك هذا التفرد والتمايز ينتج من طبيعة البحث الفكري في طريقته وليس بقصدٍ أو علمٍ أو اصطناعٍ منا.
البحث عن الحقيقة في كل موضوع هو كالبحث عن كنز، هكذا هو عندنا ولن نناقش غيرنا في مخالفته. لأن الحياة يجب أن تكون بحقائق الحياة، وكل حقيقةٍ في الحياة هي كنز للفرد في حياته. سر الحقيقة ليس بمعرفتها بل في معرفة خصائصها. كل فيلسوف كل سياسي، كل فرد يمكنه أن يدعي أنه يعرف حقيقةً أو حقائقَ حياتيه، لكن هل هناك من يدعي أنه يعرف خصائص الحقيقة الحياتية؟ قلة من المفكرين والفلاسفة يدعون لكن أكثرهم ـ أكثر هؤلاء القلة ـ يتوهمون معرفة وضعوها هم في خصائص الحقيقة. معرفتهم خصائص الحقيقة وهماً لأنهم استنتجوها من حركة الحقيقة في انتشارها وانحباسها وقبولها ورفضها في أثرها وتأثيرها. لذلك فهمهم يزيد المثقفين بمعرفتهم جهلاً بحقيقة الحياة وحقائقها، ومن هنا أيضاً في الأساس يبدأ افتراقنا عن مثقفي أميركا والغرب ويستمر ما داموا هم من وهْمِ المعرفة يتثقفون. تمسكنا بمعرفة حقيقة الحياة الكبرى هو سبب حقدهم علينا. تمسكنا بمعرفة خصائص الحقيقة الحياتية هي سبب كراهيتهم لنا. جهلهم هو سبب خداعهم لنا في طمس الحقيقة في كل أمر. حقدهم، كراهيتهم وجهلهم هو سبب مشاريع قتل المسلمين في كل مكان. لا نبحث في نوع القتل أو سببه أو الذي يعيش عليه. لا فرق بين أن يكون القاتل إنكليزياً، فرنسياً، روسياً، صربياً، صينياً، أميركياً أو حتى مقدونياً، يونانياً أو غيره. سبب القتل واحد عداء من حقد وكراهية وجهل. حقدهم في قلبهم وكراهيتهم في قول لسانهم وجهلهم في عقلهم هو الذي يجعلهم يعيشون حياة أغبى من عيشة بهائم الأرض. الفرد الذي يكون في حياته أغبى من بهائم الأرض هو الذي يعيش بدون معرفة غاية الحياة أو الذي يعيش بدون العمل لتحقيق غاية الحياة. بهيمة الأرض تولَد وتعيش وتموت على تحقيق غاية الحياة. إنسان فكر المثقفين الغربيين، إنسانُ انحطاط الفكر المثقف بثقافة بدون غاية يعيش بدون غاية، ويموت وفي ظنه لإطعام ديدان الأرض!
مواضيع هذا البحث تكتمل مع مواضيع أبحاث غيرنا سبقتنا وأبحاثٍ تلحق بنا. مواضيعنا لا تحيط بالموضوع لأنه لا يمكن الإحاطة بهذا الموضوع في بحث واحد. نحن، اكتفينا في حصر بحثنا في مجالات خطة المؤامرة لا في كل المؤامرة لأنه ليس في قدرتنا ذلك. حصرنا البحث في أربع مجالات فقط لكنا لا ندعي أننا نجحنا في استيعاب جميع أبعاد المؤامرة. تحديد مجالات المؤامرة ليس تحديداً لموضوع المؤامرة بل تحديداً لموضوعٍ في المؤامرة وفي وجهٍ من أوجهها. وهو تركيزٌ لجهد البحث الفكري في موضوع معين حتى تتحقق الغاية الفكرية من البحث في تعميم فائدة المعرفة. لهذا بحثنا يخدم أبحاث غيرنا في غير هذا الوجه ويساعده على التشعب والتوسع والاستمرار. إذ ما نكتبه هو بقصد محدد يحدد إطاره المرئي، العملي أو الاستنتاجي. طريقة بحثنا في فكر الأعمال والظروف التي فرضتها خطة وغاية مؤامرة أميركا على العالم كان من الطبيعي أن تزيل حدود الموضوع وتجعله في موضوعيته مادة فكرية للجميع، فيلسوفاً، صحفياً، متعلماً أو غير متعلم أن يثرى بها أو يزيد في ثرائها.
تسمية الكتاب كان في بحثنا أن تكون "هزة العالم" قبل كتابته. لكنّا في سطور مراحله اكتشفنا أن هزة العالم التي قصدتها المؤامرة إنما قصدتها لتكون حالةً تسمح بتمرير المؤامرة. لم يكن إحداث الهزة المصطنعة هو خطة المؤامرة بل هو إيجاد الحالة التي تسمح بتحقيق غايات المؤامرة. في سطور فكرِ الكتاب سيكتشف القارئ أن فكر عنوان الكتاب "اختطاف العالم" هو تعبير من جنس فكر مؤامرة أميركا في محاولتها اختطاف العالم وفيه اختطاف عقل الكاتب والقارئ، أيُّ كاتب عن أسرار هذه المؤامرة، وأيُّ قارئ عن خداع هذه المؤامرة. لكن ليس اختطاف عقل المثقفين الأميركيين في بيانهم في تبرير قتل المسلمين. ليس لأنهم أثبتوا أنهم بدون عقل بل لأنهم أثبتوا أن عقولهم تعمل بطريقة الدراجة الهوائية لا تتحرك إلى الأمام إلا برفس أرجلٍ قوية، أو بالدفع الذاتي في انحدار مستمر!
يوسف بعدراني
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 09:10 AM   #18
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 35 - 37 المجال الأول

المجال الأول
ضوابط السياسة الدولية
أو
قواعد التآمر الدولي
خطةُ أميركا في مؤامرة خطف الطائرات تُشبِعُ طموحَ أميركا في الانفراد بالسيطرة على العالم في أربعة مجالات.
المجال الأول: ضوابط السياسة الدولية التي يلزم أن ترتبط بقواعد والتزامات وأعراف هيكل الشر الدولي "الأسرة الدولية" كما جرت الأمور بتسمية إطار المشاورات التي تجري قبل إعلان اتفاق في خطة عمل دولية. أميركا فرضت الأعراف التي تقضي بإنتاج خطط أو مشاريع في السياسات الدولية، وفرضت الأعراف التي تقضي باحترام هذه الخطط التي تنتج عما فرضت أميركا وجوده عُرفاً "الأسرة الدولية". لقد خدمت أعراف التشاور الدولي خطط أميركا في السيطرة على العالم جيداً في النصف الثاني من القرن الماضي على فترة خمسين عاماً تقريباً. لكن بعد حرب الخليج الثانية بدت وكأنها خرجت منها مترنحة أي فاقدة التوازن كما يكون حال الأرستقراطي بعد إفراطه في شرب بول الشيطان خمرة الأوروبيين. فاقدة التوازن ليس من خسارة أو بسبب انتصار بل بسبب انعدام رؤيةٍ لها في حرب الخليج فكان انتصارها منفصلاً عن رؤية أي لا يتكامل في مخطط، كأنه عمل مبتور. مثلها في ذلك كمثل المخمور. المخمور، أو أثر الخمرة، ليس في أنها تؤثر في البصر فتمنع المخمور أن يرى. أثرها في تغشية تقدير الأمور وحقيقة الأبعاد. فالمخمور يرى الكرسي ولكنه يرتطم به لأنه فقد حسه بأبعاد موقع الكرسي. كذلك المخمور يفقد القدرة على تقدير الأمور لأن مقاييس الضبط في الفهم والإرادة والعمل تنسل من عقله فلا يعود يستطيع التمييز بين حق وباطل ولا بين خير وشر ولا بين فعلٍ إنساني يرتقي به وفعلٍ شيطاني ينحط به.
هكذا خرجت أميركا مترنِّحة، لم تستطع أن تحدد قيمة فعلها في تلك الحرب، أو هكذا وجدت نفسها بعد فترة من دراسة تقويم فشلها أو نجاحها حتى جاءت الضربة التي قضت على البوش. إخراج أبيه بخسارته أمام فاتن النساء ـ البعض يقول زير النساء(1)ـ أكدت تغليب رأي فشل أميركا في حرب الخليج الثانية، حرب أميركا على العراق أو صدّامه كما يحبون أن يدّعوا. حيثياتهم في ذلك أن الشعب الأميركي لو كان اقتنع بانتصار بوش الهزيل في جسمه لأعاد حتماً انتخابه رغم الملايين من النساء التي اقترعت لخصمه.
خسارة بوش كان دليلا على خسارة أميركا غير المعلنة في حرب الخليج الثانية. إذاً سبب خسارة أميركا هو الذي يلزم القضاء عليه لأنه سيسبب خسارة أخرى في كل وقت في أمرٍ مشابهٍ آخر. في زهو انتصاره في حرب الخليج الثانية، منذ البداية، أعلن بوش فخره، كفردٍ بوشي، إنه أول وأكبر ائتلافٍ دولي في حربٍ من دون معركةٍ أو في معركةٍ بدون حرب. إذ لم يكن بين أميركا والعراق حرب، حتى أن الكونغرس الأميركي حقق(2)في تهمة أحرجت أميركا كثيراً وهي أن أميركا أغرت أو حثت صدام في غزو الكويت لتتدخل في إخراجه، وتبرر احتلالها العسكري لدول الخليج. وأنه بسبب هذه المؤامرة الأميركية اضطرت أميركا إلى بناء الائتلاف العسكري الدولي بما كانت تفرضه الأعراف الدولية من الخضوع للمساومات الدولية. شرط حرب الخليج للانتصار كان إخراج جيش صدام من الكويت، هذا في المساومة أو خارج المساومة الدولية. لأنه الانتصار الطبيعي في مثل هذه الحال. لكن الواقع الذي نتج يخالف طبيعة الانتصار الطبيعي على أي معتد. بعد فترة، بدأ الوسط السياسي ينتقد الفشل الأميركي في حربها ضد صدام لأنها لم تغز العراق لاحتلاله وقتل أبنائه وتدميره وجيشه من أجل قتل صدام وخدمه وحرسه! علماً أن هذا الأمر لم يطرحه بوش أبو الابن ولم يطرحه ديك تشيني وزير دفاعه ولا جيمي بيكر أعلى رجال السياسة الخارجية في زمنه وإن لم يكن أذكاهم. أما نائبه ـ نائب الرئيس في حينه ـ فلا أظن أحداً اليوم يتذكر اسمه إلا إذا اضطر إلى ذلك في مسابقة "المليون".
النقاد الأميركيون اصطنعوا تهمة الفشل لاصطناع قاعدة للتفكير والتخطيط. قاعدة منها ينطلقون لتغيير أحكام لعبة السياسة الدولية. في فهم الحاجة لتغيير الأحكام يجب أن تفهم ـ حضرة القارئ ـ أن أميركا في حرب الخليج الثانية قصرت الانتصار الذي تريده على إيجاد التحالف الدولي. وقد نجحت في هذا نجاحاً مذهلاً حتى اليوم الذي سبق الحادي عشر. أما موضوع غلبة صدام في شخصه وتصفيته في جسده فلم يكن هو موضوع انتصار أميركا أو الائتلاف على الإطلاق. لأن أحداً لم يشك في قدرة الذئب على مجابهة الأرنب. التشكيك في ذلك على أنه الانتصار الحاسم في حساب انتصار أو عدم انتصار أميركا في أفغانستان هو نفسه في الماضي القريب في إخراج صدام من الكويت، حساب دعائي لتبرير الفظاعة والمكر في الجريمة. الانتصار الثاني والحقيقي لأميركا في حرب الخليج هو احتلال مشيخات الخليج ـ بدأت بالتحول إلى ممالك ـ بحجة حماية أو تموين أو تدريب. أو حتى من أجل استمتاع البحرية الأميركية بخمر الخليج، وبيوته الحضارية ونسائه المستوردات بعناوين الانفتاح والحرية والعصر. حتى من أجل التفاعل مع إسلامٍ منفتحٍ ـ برأي "المثقفين" بفساد الفكر الإنساني ـ على زبالة الحضارات ومتفتحٍ أيضا بفساد الحضارات الأخرى أخصها الديمقراطية التي تقوم على ضد الإسلام في كل شيء. وقد تم الانتصار هذا على أكمل وجه دون اعتراض من الدكتور عالم الشريعة آكل السحت على فتات موائد اللئام.
________________________
(1)-نحن فضلنا لقب كلارك غيبل على ألفاظ السوقية وإن كانت تلك أكثر واقعية.
(2)- غني عن القول أن الكونغرس يحقق في مثل هذه الأمور ليس لأنه يجهل حقيقة تطورات الأحداث السياسية، أو لأنه لا يعلم بالأعمال السياسية التي تقوم بها الرئاسة الأميركية، بل لغرضٍ أسمى بعيد عن ذلك وهو فرض البرهان على الرأي العام المحلي والدولي أن في أميركا من يعبأ ويكترث بالحقائق ويحافظ على مصداقيته في تبرير قوله وعمله. فدور الكونغرس في مثل هذه التحقيقات ليس للبحث عن الحقيقة بل لطمس الحقيقة بمطالعة نهائية منه لا يكون لأحد بعده في التاريخ أن يكشف حقيقة الجريمة في عملٍ رئاسي، شهد عليه الكونغرس بالموافقة المباشرة أو بإقفال التحقيق في موضوعه راضياً عن خلاصته.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 09:17 AM   #19
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 37 - 39

انتصار مع انتصارٍ لم يشف غليل الساسة الذين يرفضون فرحةَ المذاق بعصير الورد ويفضلون مرارة المذاقِ في بول الشيطان، عصيرُ البصل يظنونه. إنهم يريدون انتصاراً دون توافقٍٍ مع "الأسرة الدولية" التي فرضوها لتكون عصا البطش بأيديهم. يريدون انتصاراً بدون مساومات دولية تراعي حاجة الأوروبيين إلى هواء يتنفسونه، خاصة أولئك أجداد بوش وكلينتون. انتصارُ أميركا بدون مساوماتٍ أو مراعاةِ خواطرِ الأسرة الدولية التي أصبحت دميةً أكثر تطلباً للاستمرار بعطاءات الخضوع للسياسات الأميركية أصبح ملحاً عندهم. فلو لم يكن ملزماً في حرب الخليج لاستطاعت أميركا احتلال العراق أبدياً كما تفعل في أفغانستان. بذلك كانت تستطيع إعادة تشكيل "الأمة" في العراق كما تحاول أن تفعل في أفغانستان إيجاد أمة بدون حضارة الإسلام وبدون حضارة الديمقراطية بالطبع ولو أصبح الحكم انتخابيا. بذلك تجعل من أهل أفغانستان كما تريد أن تفعل بأهل العراق زبالةً بشريةً بين شعوبِ الأرض مثالاً على جنس المسلمين في مستقبلهم.
في هذا المجال وجد الساسة الكبار فيها حاجة أميركا للانعتاق من الأعراف الدولية التي تضبط انحرافها الوحشي في استعمال قوتها. لقد استعملت "الأسرة الدولية" في بداية مخططها للسيطرة على العالم لأنها كانت هي خارج الأسرة الدولية التي تستعمر وتسيطر على سياسة الدول. الأسرة الدولية وأعرافها وقوانينها كانت كلها أوروبية على رأسها بريطانيا وفي وسطها فرنسا والباقي أيدٍ وأرجل وأصابع في اليدين والقدمين لكن بدون أذنين ولسان. أميركا نجحت بخطة مشاركة "الأسرة الدولية" أن تطرد بريطانيا وفرنسا من بلاد كثيرة لتنفرد ببسط سيطرتها المطلقة على أكثر دول الأرض. لكنها في كثير من الأحوال تضطر إلى خداع الدول الأوروبية والمناورة عليهم حتى التآمر عليهم وعلى مصالحهم. هذا كان يضطرها في كثير من الأحوال أن تكون متهمة في الأعمال التي تضرب مصالح شعب بريطانيا أو أمة فرنسا أو أوروبا مجتمعة. في أحوال كثيرة أيضا كانت تضطر لاصطناع خلافات مع حكومات أو منظمات عميلة لها لخداع الأوروبيين والظهور بمظهر البريء من التآمر عليهم. كما حصل في ثورة الضباط على الجيش الإنكليزي في مصر وثورة المشايخ على الشاه في إيران وثورة المليون شهيد لإخراج فرنسا من الجزائر، وغيرها لا يمكن حصره هنا. كل هذه الثورات كانت أميركا وراءها لضرب النفوذ الإنكليزي أو الفرنسي. لكن أميركا لم تستطع أن تظهر بوضوح أنها وراء هذه الثورات حرصا على مركز الزعامة للأسرة الدولية التي كانت تخونها في كل صباح ومساء. في أحيان كثيرة كانت أميركا تحرك هؤلاء العملاء ليجهروا بعدائهم لأميركا حتى يكون ذلك شهادة براءة من الواقع أنها لا تغدر بالأوروبيين.
محافظة أميركا على عفتها في العلن يضطرها إلى كثير من اللف والدوران الذي يستغرق وقتا ومجهوداً جبارا. ضرره أنه يمنعها من التقدم بما يتزامن مع طاقتها في التقدم. يجدون أن حال أميركا في كثير من الأمور الدولية أقل أو أضعف بكثير من حجم أو قدرة أميركا الدولية. مثلاً أطراف الصراع في موضوع قبرص هم الأتراك واليونان. مضى على أميركا عشرات السنين وهي تحاول تسوية قضية قبرص دون جدوى. أطراف النزاع على المسرح لا شيء ولا بأي نسبة في القياس يقاربون حجم أميركا الدولي في أي شيء. لكن حسابات العمل الدولي من ضمن مجموعة دولية متعددة المصالح يُبطِلُ هذا التمايز الأميركي عن بقية الدول خاصة أعضاء "الأسرة الدولية" وهم دول أوروبا الكبرى. مثل موضوع قبرص العشرات من القضايا الدولية العالقة التي لم تستطع أميركا التأثير في حلها. حتى تلك التي تدعي أنها كانت سيدة الأمر فيها خرج الأمر من يدها بعد أن رعت حلها مثل موضوع تفكيك يوغوسلافيا وحرب البوسنة. ومثل كامب ديفيد الذي أرادته بين العرب وإسرائيل فإذا به يتحول بين عميل لها ومتمردٍ عليها. ومثل موضوع ثورة الأكراد وما آلت إليه في مصير أوجلان وحزب العمال الكردستاني الذي كانت تموله وتزوده بالسلاح والمعلومات. ومثل ثورة السودان حتى اليوم، وكثير كثير غيرها. جميع هذه الأمور لم تنجح فيها أميركا لاضطرارها للتخفي في مساعدة عملائها خوفَ أن تكتشف شعوب أوروبا غدر أميركا بهم وبمصالحهم.
الأوروبيون كانوا يعرفون جيداً خيانة أميركا لهم وتآمرها عليهم منفردين ومجتمعين. لكنهم لم يجرؤوا على فضح أميركا أمام شعوبهم. هم أيضاً كانوا يخونون سيدتهم، خيانتهم كانت أقل خطراً من خيانة أميركا لهم. أميركا تستطيع سحقهم، هم يعلمون. هم في جمعهم أو تفرقهم لا يقدرون على أكثر من خدشِ أميركا في مصالحها مهما حاولوا، هذا أيضاً يعلمونه.
لذلك ارتضوا أن يخضعوا لأحكام دور الخيانة التي كانت تفرضها أميركا. مع مرور الزمن، نصف قرنٍ من السنين، وجدت أميركا أن أحكام التآمر التي فرضتها هي لن تسمح لها بالسيطرة المطلقة على دول الأرض إلا بعد مائة سنة على أقل تقدير. إذ لن تستطيع أميركا إخراج بريطانيا وفرنسا من الدول التي تحافظ فيها على المصالح الأوروبية بحسب معدلات النجاح في خمسين سنة مضت إلا بعد مائة سنة. بعض خبرائها يقولون أنها لن تستطيع ذلك حتى ولا بعد ألف عام.
هذا اضطر أميركا إلى التفكير بتغيير قواعد التآمر الدولي في تصفية النفوذ البريطاني والفرنسي لضرب المصالح الأوروبية في استقلاليتها أولاً. ثم للإمساك بخناق أوروبا مجتمعة ومنفردة حتى التحكم بمقدار الحاجة للهواء، حجم الغذاء ـ وهو المصالح ـ، وفاعلية الدواء ـ وهو حرية القرار ـ في أي موضوع سياسي، تجاري، مالي وأمني.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2016, 09:43 AM   #20
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,904
افتراضي 39 - 40

الأوروبيون في مجموعهم يفهمون هذا لكن هذا الفهم المنتشر بين أكثر الأشخاص عملت أجهزة الحكم الأوروبية، كل في نطاق شعبه، على حصره في صدر الفرد. أجهزة الحكم لم تمنع الفرد الأوروبي أن يفهم أن أميركا تريد تحويله إلى لا شيء في الوجود الحاضر. لكن منعته أن يبحث هذا الموضوع مع غيره. لم تتدخل في قناعة الفرد لكن منعت تفاعل هذه القناعة مع الآخر. نجحت في جعله موضوعاً يتعلق بالفرد لا بالمجتمع. منعته أن يكون موضوعاً عاماً. الموضوعُ العام هو الموضوع الذي يهم الرأي العام. من صفاته أنه موضوع يؤثر في حياة الفرد جماعياً. إذ الإنسانُ في طبيعة فرديته أنه كائن اجتماعي. اجتماعي تعني أنه يحب العيش مع غيره وليس منعزلاً أو منفرداً. هذه طبيعة فيه ما زالت حيةً حتى في إنسان حضارة الديمقراطية الأوروبية، خاصة الأميركية، التي تحاول أن تفرض عليه أن يتحول إلى ذئبٍ متفرِّدٍ في شراسته لا يختلط بغيره إلا بعد دراسة الذئب لقوة وحركة فريسته حتى ينقض عليها انقضاض الموت. وكلما ازداد شذوذُ فكر الفردية في الفرد الأوروبي وخاصة الأميركي نرى في المقابل تحركاً في عاطفة الاجتماع عند الفرد بسبب اضطرار الطبيعة للتوازن مع غيرها.
لذلك، المواضيع التي توصف أنها اجتماعية هي تلك المواضيع التي تؤثر في اجتماع الأفراد بداية. أما المواضيع التي تؤثر في تفريق أفراد الجماعة فهي يجب أن تكون مواضيع غير اجتماعية لأنها تفكك الجماعة بضرب المصالح التي يجتمع عليها الأفراد، وتهدم القناعات التي تفرض اجتماع الأفراد، وتقضي على الرغبة التي تولد مع الفرد في وجوب الائتلاف مع آخرين في الفكر والمصلحة والعلاقة. لكن، في خضم الفوضى الفكرية العارمة في أوروبا وأميركا خاصة، برَّر بعضُ المفكرين جعل موضوع تفريق المجتمع من مواضيع المجتمع. ليس من قبيل بيان خطر عوامل تفكيك المجتمع كما يمكن للبسطاء أن يحللوا بل من قبيل المساواة في قوة حجة الهدم وهو الفردية مع قوة حجة بناء المجتمع وهو التقاء الناس في رؤيةٍ للعلاقة والمصلحة والرغبة.
الفوضى الفكرية العارمة حالة يلزم بيان حجتها حتى يستمر القارئ الرصين في المحافظة على خيط الضوء الذي يلزمه لفهم ما نقول. الفوضى الفكرية لها شرط واحد حتى تتحقق بالفعل والواقع، لكن لها حالات متعددة. الفرق بين شرطها وحالتها أنه لا يمكن معالجتها بدون التعامل مع شرطها. معالجتها تعني القضاء عليها، أي لا يمكن الخروج منها إلا بمعالجة السبب الذي أوجدها والسبب هو واحد وليس عدة أسباب. الذي يقول أن هناك عدة أسباب للفوضى الفكرية هو ذلك الذي لا يفرق بين السبب والحالة. السبب هو شرط الوجود، الحالة هي مظهر الوجود. في توضيح ذلك نأخذ مثلاً التملك. حبُّ التملك في الفرد طبيعةً فيه، لا يوجدُ إنسان لا يوجد فيه حب للتملك. الزهدُ هو فعلُ كبتٍ وليس طبيعةً والكبت للطبيعة يحتاج إلى قوة خارقة من الذات أو من الغير. كلاهما قهر لطبيعةٍ في الفرد. الزاهد يكبت في نفسه الطاقة التي اختار عدم التجاوب معها أي إشباعها. إذا قرر كبتَ حب التملك تخلى عما يملك وعاش دون سعي للمزيد من التملك. لكن حتى هذا يبقى نجاحه نسبياً لا مطلقاً، لأن التملك طبيعة إنسانية وليس اكتساباً فردياً فلا بد من الإشباع ولو بأحطِّ مستوياته. الزهد لا يعني التخلي المطلق عن التملك بل يعني القناعة بالتملك القليل. لذلك نرى الزاهد يحتفظ بثوب يستر عورته ومكانٍ ينام فيه ووعاءٍ يأكل منه. حتى أكثر الزهاد شذوذاً تراه يحمل كوبه لا يشارك به غيره لكن إمعاناً في شذوذه قد يشارك فيه كلبه. مع هذا يبقى الزهدُ شذوذاً أو فضيلةً حالةً مكتسبةً لا طبيعة. لهذا نرى الرأي العام يحتقر من يدعو إلى كبت طبيعةٍ في الإنسان، ويزداد احتقاراً لمن يفرض كبت طبيعة في الإنسان بقوة القهر. مثلاً أكثر الناس المحتقرين في التاريخ الحديث هم لينين وستالين والشيوعيون الذين فرضوا كبتَ عاطفة الأمومة عند النساء. فالأمومة طبيعة في المرأة ليست نتيجة اكتساب معرفة. يليهم في المرتبة بين المحتقرين أولئك المفكرون ـ الفلاسفة ـ الذين دعوا أو يدعون إلى كبت هذه الطبيعة في أنثى الإنسان على رأسهم أفلاطون ومن اتبعه في شذوذ فكره. الطبيعةُ شرط الوجود، أي أن شرط الحياة أن تكون بقانون السعادة حتى تتحقق غاية الحياة(3)، فالتملك والأمومة والبنوة والأبوة وغيره كثير طبيعة وليس مظهراً لطبيعةٍ. الفرق بين الطبيعة والمظهر أن الطبيعة أصل لا يمكن التلاعب فيه، والمظهر حالة يمكن التلاعب فيه.
_____________________
(3)- قد يتوقف القارئ طويلاً عند هذا القول ويظن أننا نسطره دون إدراك معناه. الحقيقة أننا نقوله كما نقول أي كلمة أخرى بوضوح معناها وبقصد لكن الترجمة في بعض الأحيان واللغات التي نجهلها تضعف الوضوح والقصد. في هذا الموضوع نحن واعون أن الحياة وُجدت وفي شرطها السعادة. الذي يحيا بدون سعادة هو الذي يحيا بغير قانون الحياة. حتى يسعد الإنسان عليه معرفة قانون الحياة أولا. نحن لا نوافق المفكرين الأوروبيين وخاصة الأميركيين الذي يضللون شعوبهم في حقيقة السعادة، رغم إدراكنا أن تضليلهم ليس مؤامرة منهم على الرأي العام بل بسبب حقيقة جهلهم. المفكر الجاهل أخطر على مجتمعه من جيش العدو. لم يبتل الله أمةً بجهل مفكريها مثلما ابتلى أمة المسلمين بمفكريها اليوم. لكن رحمة الله بهم أنه بتراثهم إمكانية قيام مفكرين بحقائق الحياة تنقذهم من تضليل فساد المثقفين بزبالة الفكر الإنساني.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.