قديم 06-28-2014, 01:40 AM   #1
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,887
افتراضي كيف نتصور قداسة الحكم الشرعي


كيف نتصور قداسة الحكم الشرعي
"أو كيف تكون الخشية من الله"

بقلم : عثمان بن رزق - تونس

إن تصور الحكم الشرعي أمر حتمي يوجبه التصديق الجازم العقائدي، و أمر ضروري حتى يتلبّس المسلم به و يجســـــده تجسيـــدا فيصهر بــــه سلوكـــه إنصهــــارا، و يعبــــقبـــه ثبــــاته و عــــــزمه و إصرارهو تضحيته، لينال أعلى الدرجات...
و لبحث واقع التصور الفكري و تفصيله العملي لابد من بحث العملية الفكرية بدقة مرهفة تتجاوز تعريف العملية العقليــة (مـــن كونها نقل الإحساس بالواقع عبر الحواس إلــى الدماغ - مركز الإحساس - ، و بالربط بالمعلومة السابقة ، ينتج الفكر). فالأمر لايقتصر على معرفة الفهم الفكري ، بل يمتد إلى ما هو أبعد ، وهو بلوغ الإحساس الفكري..
و الإحساس الفكري يقارب الفهم الفكري لكنه أعمق منه ، وهو أهم مرحلة عملية في تصور معاني الأفكارحينربطها بالسلوك. و إن كان الإحساس الفكري يتضمن تصديق صحة الفكرة و لكنه لا يقف عند التصديق بصحة الفكرة فحسب، فحتى يكتمل لابد من ملامسة الحس بالفكرة،أي لابد من ظهور التفاعل و الإنفعال الفكري، حينها يكون قد حصل الإحساس. و حصول التفعل الذهني ينتج حرارة فكرية فاعلة لتصور ذهني للفكرة أي جاعلة للفكرة ذوق خاص ، و ذلك الذوق هو المعنى الفكري فـــي الذهــــن و هو التصور الفكري الذهني.
و بمعنى آخر فإن التصور الذهني هو وجود صورة في الذهــــن لمعاني الأفكــــار. و هو ليس بالعملية الأتوماتيكية تحصل في الذهن آليا أي بمجرد حصول فهم الفكرة ، كما يحصل الأمر حين تتم العملية الفكرية فحين يتوفر الواقع الواضح و الأعصاب السليمة و الدماغ السليــــم و المعلومات السابقة الصحيحة ، يَنْتج الفكر حتما. على غــــرار التصـــور الذهني لا يحصل ضرورةً بحصول الفهم، فيمكن أن يحصل و يمكن أن لا يحصل، فهو أمر آخر غير الفهم، و إن كان الفهم شرطا لحصوله، فهو تذوق لمعنى الفكرة في الذهن.
و التصور الذهني يحصل ضمن الدائرة التـــي يسيطر عليهــــا الإنسان، فيمكنه أن يتصـــور و يمكنه أن لا يتصور، بل يمكنه أن يتصور تصورا ضعيفــا أو تصورا قويا. و التصور الذهني وليد للإحساس الفكري الناجم عن فهم معين، و بعبارة أخرى فإن التصور الذهني هـــــو الإشعاعالذهنـــي للفكـــــرة ، و هولمعان المساحةالمنيرة للإحساس الفكري ، فيتولد عنه مباشـرة الميل ، و بمعنى آخر فإن التصور الذهني هو إدراك واقع معنى الفكر في الذهن أي حصول المفهوم المنتج.
و لمزيد التعمق في بحث التصور الذهني لابد من بحث عاملان إثنان : العامل الأول يتعلق بمقتضيات التصور الفكري لإيجاد مفهوم منتج، و العامل الثاني يتعلق بعملية ربط المفاهيم المنتجة بالسلوك، أي العملية التكييفية أو الصهرية، بهدف إيجاد ميول.
- أولا التصور الفكري حتي يوجد المفهوم المنتج :
إن التصور الفكري أعمق من الفهم و التصديق بصحة الفكرة ، وهو تصور لمعاني الأفكار (فهــــو إحساس فكري يتولد عنــه شعور فكري) وهـــو ملامسة عملية للفكـــرة فــــي الذهـــن ، يتولد عنها تفاعل و تذوق خاص في المساحة الذهنية.
و التصور الذهني يمكن أن يحصل في لحظة زمنيةكمــــا يمكن أن يحصل بعد أمـــــد بعيد. و عوامل تركزه المهمة ثلاثة:
أ)-القدرة الذهنية في إستعاب الفكرة :
يوجد من الناس من حباه الله بقدرة ذهنية جيدة وبرهافة حس ممتازة، كما يوجد من لديه فهم متبلد ، أو من طرأ عليه طارئ ككبر السن، أو مرضعصبي أو ذهني... و لكن القدرة الذهنية ليست العامل الوحيد لوجود التصور فيمكن أن يوجد تصور ذهني في حالة ضعف القدرة الذهنية و لكنه يكون تصورا فاقدا لبعض التفصيـــلات ، و عليـــه فالقــــدرة الذهنيــــة متفاوتــــة بيـــن البشر، و يمكن تنميتها بالتدريب الفكري(فالقدرة الذهنية بمثابة عضلة ذهنية يمكن تقويتها بالتدريب)...
ب)- كيفية تقبـــل الفكرة:
من الناس من تُجدى معه الأساليب العملية لإيجــــاد تصــــور عنــــده، و منهـــم مــــن تناسبــــه الأساليـــب النظريـــة و غـــيـــر ذلــــك...فالكيفيـــــة تتعــلـــــق بالأســــاليـــــــب و الحـــالات المكــــانيــة و الزمنيـــةالمتخذة.
ج) - الجديـــة في الأخــذ :
إن غياب الجدية يعني غياب التصور.كما أن الجديّة متفاوتة القوة، سواء في إحداث التصور الذهني، و المحافظة عليه، و مزيد تقويته.و الجدية هي الرقيّ الفكري الطبيعي و البديهــــي و هو تعبير فكري عن الإقرار بتثوب القناعة الذاتية. و ينمو و يكبر و يقوى إشعاع التصور الذهني فيوجد التنبه الفكري (أو اللمعان الفكري).
و التنبه الفكري بدوره يمكن أن يقوى أو يضعف و من أهم عوامل قوته مزيد نمو و دقة التصور الفكري مع مُدامة تكرار التصور الدقيق حتى يصبح ذلك التنبه الفكري سجية من السجايا الفكرية. و التنبه الفكري هو تفعل فكري في الذهن ينعت بالشعور الفكري. و عليه لابد مــــن المحافظة على التصــــور و الإرتقاء به إلى المرتقى السامي من عالٍ إلى أعلى لبلوغ السجية الفكرية و منطق الإحساسلإدراك الشعور الفكري.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2014, 01:42 AM   #2
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,887
افتراضي كيف نتصور قداسة الحكم الشرعي 2

لقد أمر الله بلزوم التصور الفكري. ناهيك أنه من مقتضيات العقيدة الإسلامية تصور قداسة الحكم الشرعي. فالحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد. و معنى تعلق الحكم الشرعي بالأفعال أي أن العلاقة مكمنها فهم تصوري للحكم الشرعي و هذا الفهم التصوري يعني تصور قداسة الحُكم. و تصور القداسة يعني معنى معين وهو تذوق خاص متميز يتولد عنه شعور فكري بالمهابة و التقدير و التعظيم و الإجلال و القداسة، قوامه الطاعة و الإمتثال. أي قوامه التنزيل العملي الفعلي الحيني. فواقع التقديس كونه مظهر من مظاهر غريزة التدين وهذا المظهر الأصل فيه أن يشبعه الإنسان بنـــــاء على تصور فكــــري ، لذا كان التصور التقديسيضبطا للإطار العملي للإشباع و به تحددت طريقة الإشباع فتولد شعور فكري تعلقي، أي ربطت به علاقة بين جهتين (جهة مقدَسة و جهة مقدِسة) ، و بحسب الإطار الضابط للعلاقة الإشباعية للطاقة الحيوية تحققت في الذهن رابطة تقديسية قوية متينة، و عبقت بمحبة فكرية نبيلة مقدسة ، فكان التعلق بالقدوس لا يضاهيه أي تعلق،قال تعالــــى : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُـــــوا حَتَّـــى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْــــدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبــــة : 24 ).و روى البخاريومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث مـــــن كن فيه وجـــد بهــــن حلاوة الإيمان : - وذكر منها - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) .و عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به). نعم إنه منتهى السمو الفكري التنبهي،المسمى "بالإلف" الفكري، فقوة التصور العملي و مداومةالربط بالسلوك تنتج إلفا و تقاربـــا و علاقـة حميمية وثيقة متينة. و يقـــــــوى و يشتد ذلك الإلف (و ما لف لفه مــــــن راحـــــة و إطمئنان و تعلق فكري عقائديّ) بناء على إستمرارية التصور المفعّل (أي بناء على مغناطيس الفكر).
إن واقع التصور الفكري ليس بتخيل و تهيأ و إفتراضات وهمية، بل التصور يعني حصول التطابق بين الفكرة في صحتها و مدى تنزيلها الواقعي، فهو تصور عملي. لذا كان من البداهة أن يؤدي التصور إلى الربط بالسلوك ، و عـــدم إتصال التصـــــور بالسلوك يعني ضعــــفالتصــــور أو إضمحـــلاله أو غيابــــه. و في هذه الحالة يمكن أن يطفو تصور آخر كان غائبا على السطح الذهني فيرتبط بالسلوك (ما يسمى بمفاهيم الأعماق، و حينها يمكن القول أن ذلك المفهوم الراسب في عمق الذهن هو بمثابة تنبه فكـــــري خفي)، و لقلـــع و إجتثاث ذلك التنبه لابد من بيان الخطأ الكامن فيه و بيان زيفه ثم تركيز تصور واضح لمفهوم عملي آخر ليحل محله، بناء على سجية البداهة المفاهمية (أي التنبه المفاهيمي).
إن حصول العملية الفكرية و ما يصحبها من فهم و تصديق و إحساس فكري متولد عنه شعور فكري ، تتم بسرعة فائقة في الذهن، و إنما كان التفصيل في واقعها يستوجب إعادة قراءة هذه العملية بعواملها تلك ببطءشديد حتى تترائ تلك العوامل بوضوح.
إن الإيمان بالله الخالق المدبر يوجب الإقرار بطبيعة العلاقة التقديسية، و يظهر التقديس في تصور الحكم الشرعي عمليا بحيث لاتغيب الناحية العملية فيه أبدًا، لأنه بتغييب الناحية العملية و لو جزئيا يعتبر الحكم الشرعي المقدس قد غُيب ، و معنى ذلك هو جحود أي إنكار التدبير الرباني و لو في جزئياته. فالذي يعرف حكم الصيام و يفطر في رمضان يكون قد ضعف عنده تصور قداسة حكم الصيام، و الذي يعرف حكم الزنى و يزني يكـــون قد إضمحلعنده تصور قداسة حكـــــم الزنـــى، و الذي يعرف حكم العمــــل لإستئناف الحياة الإسلاميــــة و يقعد يكون قــــد غَــيّـبَ عنــــه تصور قداسة حكم العمل لإستئناف الحياة الإسلاميــــة، أي أن مفهومه لم يكن منتجا، أي فاقدا لإشعاعه و فاعليته.
عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا رُؤوسَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ).فالمسلم مادام رابط صلته بالله عز و جلأي متصورا فـــي ذهنــــه لقداســــة الحكم الشرعــــي فإنه يتلبس به، أي يصهر سلوكــــه بحسبه. و لا يحيد عنــــه إلا في حالة قطــــع الصلة أي تغييب تصور قداســــة الحكم الشرعي في ذهنه، أو تضعيف ذلك التصور فيضعف تنبهــــه الفكري و يهتز شعوره و يقع في الإثم (لحنثه العظيم)و العياذ بالله...
لقد أمر الله تبارك و تعالى بتقوية ربط الصلة بهجل جلاله أي تقوية التصور الفكري بقداسة الحكم الشرعي قال تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّـــا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).(النساء : 65). فكــــان التسليم بحكم الله مــــن مقتضيات الإيمان به سبحانه، لأن ثبوت الإيمان (أي التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل) كان بناء على دليل المسلمات العقلية. و التسليم هنا هو ثبوت التصور الحقيقي لقداسة الحكم الشرعيالمتلبس بالجوارح. و هو الإقرار التام، و تماميةالإقرارية تعني ملاحقة المتم للتتمة ففي الملاحة حرص و مثابرة و إصرار و مكابدة، أي العمل الجاد المجد على مزيـــــد التقويــــة و توثيق وثاق ربط الصلة بالله سبحانه و تعالى. حتى يصبح التوثيق للصلة سجية عند المسلم فيزيد في كبر مساحة التصور لقداسة الحكم الشرعي عنده، و يزداد لديه الشعور بالخشية من الله و تقوىفيه رغبة طلب رضوانه، و هذا ما يسمى بالجو الإيماني التصوّري الحي والمُعاش ذهنيا.
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة طالب عوض الله ; 06-28-2014 الساعة 01:54 AM
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2014, 01:45 AM   #3
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,887
افتراضي كيف نتصور قداسة الحكم الشرعي 4 - 6

إن تصــور قداسة الحكم الشرعي هو تحليق فكري إيماني رفيع راق يلامس العظمـــة الإلاهية ، وهو تحسسفكري، و تدبر تقديسي ملهم القوة و الحرص و مُفْعَم بإخلاص خالص. قال تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).(آل عمران: 190-191).و كـــــان رســــول الله ص يتلو هــــذه الآيات، ويقول: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل ما فيها». ولقد روي أن بلالاً رضي الله عنه جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر فوجده يبكي، فقال: (يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟) فقال النبي ص: «ويحك يا بلال ومـــــا يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).ثم قال: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها). عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/409) إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه، والأصفهاني في الترغيب، وابن عساكر.
وعـن إبـــن مسعود قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنــــه قاعــــد تحت جبل يخاف أن يقـــــع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه).
و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد. ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد). متفق عليه
و عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثــل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطــــن واد فجاء ذا بعــــود وجاء ذا بعود حتى جملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه). رواه أحمد وصححه الألباني.
لقد وصف الله عز و جلالعذاب في كتابه؛ لكي يتحقق التصور الذهني التقديسي لعظمة الله رب العالمين، أي يتحقق المعنىالتقديسي اليقيني المقطوع بصحته في الذهن. فيكون موقنا بشدة عذاب الله و بنعيم رحمته، دائم التفكر و التدبر و الذكر العملي الفعــال ، لا ذكــــر الدراويش و البُهَـل.قــــال تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ). (الزمر: 16)، و قــــــــال تعالـــــــــى : (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا). (الإسـراء: 59)،و ذلك ليتحقق في ذهن المسلم تنبه فكري تقديسي طبيعي قوي.

- ثانيــــا قـــوة الربـــط بالسـلـــوك :
وهو نتاج حرارة المفهوم، وقوة التصور و توقده إلى حد إحتـــراق المفهــــوم بالسلــــوك . و الربط (أي ربط المفهوم بالسلوك) هو عملية تسليط الضوء أو شعاع التصور على السلوك، و هي العملية الصهرية ، وهي تطويع السلوك و تلونه تبعا للمفهوم . فالعملية الصهرية مع حرارة المفهوم توجد تآلفا و تزاوجا و توحد السلوك بالمفهوم، وهي عملية في بدايتها توحي بالصعوبة و المشقة غير أن حقيقة الأمر خلاف ذلك فمادة الحديد حين تصهر بالنار تصبح طيعة ولا يوجد أثر سلبي نتاج الحرارة المتصعدة و المتأججة بل أجيج النار هو العامل الرئيسي لحصول التطويع، وهو (أي الصهر) مشابه للتكييف، فالمكيف في البيت يحدث راحة و إنسجاما ، و السلوك المكيف بالمفهوم يشير لوجود إنسجام و تناغم. غير أنه مع وجود التناغم و الإنسجام الفعلي تبقـــــى العمليــــة الصهريـــة تستوجـــــب حــــرصــاو إصرارا و هذا الحرص و الإصرار و الإخلاص و الصدق، كلها مـــن مقتضيات التصور الفكري و بدونها ينعدم وجود تصور واضح نقي مبلور . و صهر السلوك بالمفهوم المنتج كحقن الجسم بالدواء الناجع،فسرعان ما ينسجم الجسم مع الدواء و لا عبرة لوخز الإبرة في الجلد، كما لا عبرة للجهد المبذول لحصول تكييف السلوك بالمفهوم. و تَحمّل وجع وخز الإبرة في الجلد هو مشابه للصبر و المكابدة في تحمل الصعاب حين الصهر. فالعملية الصهرية هـــي عملية تمييلية للسلوك و بهــــا تكون الميول ، فهي أرقى ما يصل إليــــه السلوك الإنساني ، فتصبح ميوله (كونها دوافع مرتبطة بالمفاهيم) دوافع مفاهمية حيّة. تدفع للربط بالسلوك ولا تدفع لمزيد التفكير و التأمــــل و البحث الجاف و الرتيب ، لأن الدافــــع الفكري قـــد تعلق حينها بالفعـــل و محاولة تحيده و الحياد به نحو قوقعة فكرية جامدة سقيمة هـــــو من قبيل التلكىء في إتخاذ القرار الناجز الفعلي، بل هـــو مــــن قبيل التسويف و التنطــــع و التملص مـــن الإنضباط و الإنتظام بمفهوم تحقق تصوره العملي، فعملية إرجاء وصل و إتصال التصور بالسلوك هو تكاســـل و إهمــــال و تقاعس يفيد ضعف جدية صاحبه أو إنتفـــــاء جديتــه أصلا، و يوصف صاحبه بالتمـــــاوج و عــــدم ثبات الحــال ، و كونـــه مهـــزوز و يطوقه الضعف و الفشــــل النفســــيو السلبية من جوانب عدة. حيث أن هذا الأمر (أي التصور الفكري) قد قام به بنـــاء على تفكير و بحث و عمق و لــــم يُجبــــر على تبنيه، بل أصبــــح قناعـــة ذاتيــــة (لــــم يقم بتركيــــزهاتركزا منتـــجا) فأخــــذه كــان مـن قبيـل التـرف الفكـري أو البهــــرج أو التمظهــــر و التفاضـــل و التميــــز و المباهــــاة و التفاخــــر، أو الخديعــــة و المغالطــــة و النفاق...
و التملق من تنزيل التصور الفكري في البداية يكون علاجه سهلا، و ذلك بمزيـــد البحـــث و التعمق الفكري و إثارة حرارة الفكرة حتى يوجد التنبه الطبيعي. و لا بـــد مــــن الصبـــر و إتخاذ عدة أساليب لإبراز قوة الإشعاع الفكري في الذهن و إيجاد شعور فكـري واضـــح نقــيّ و مبلور.
أما العلاج في حالة متأخرةيكون أشد صعوبة لإستفحالالإنكماش الفكري (و الدغمائية) بل و إصابة جزء من المساحة الذهنية بالشلل، و يصعب جر أصحاب هذه الحالة إلى النقاش العميق و البحث المفصل (فهم مكهربون بالجدل العقيمالإستعلائي).و يكون حال حامل الفكر إليهمكمن ينحت في الصخر. و عليه، لابد من المداومة العملية في إثـــارة النقـــــاش و القيام بعمليات إستفزازية فكرية لإثارة النقاش العميق معهم.حتىيتجلى التصور الفكري عندهم،و يظهر كتباشير الأشجار المثمرةحين تتفتح زهورها. فإن تجليالتصور بداية لبلوغ الإشعاع التصويري، و تركز المفهوم المنتج.
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2014, 01:46 AM   #4
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,887
افتراضي افتراضي كيف نتصور قداسة الحكم الشرعي 6 - 8

و عملية تنزيل التصور الفكري دلالة على (الإنبات الفكري)، فالأفكار التي تحققإنباتها، تتجسد مباشرة في السلوك. و بالإنبات الفكري يحصل الإنتــــاج الفكــــري (أي الإنصهار). و لحصول عملية الإنبات لابد من تهيئة التربة حين غرس الفكرة، أي تهيئة مساحة التصور الذهني. و تهيئة تلك المساحة تستدعي السرعة في إحداث الإنبات الفكري، و ذلك بالإثارةالفكرية، و هي حالة شبيهة بوضع الأسمدة لتسريع الإنبات، حتى تمتد العروق و تتجذر في التربة الفكرية. و حدوث الإثارة الصهرية تحصل بديمومة التنزيل الفكري الحي. و ذلك التنزيل المتواصل يحدث تواصلا و تفعلا، و معايشة، و إلفافكريا، و به يكون بزوغالعروق،و سريعا ما تزهر البذرة الفكرية فتثمربالحياة السلوكية(أي ولادة مغناطيس الإنصهار) وهو سجية التنزيل القوي.

نعم، يمكن أن تُسند تقوية مفهـــوم لمفهوم آخر تكون له فاعلية أكبر و إشعاع تصوري أقــــوى و حرارة تنبهية أشد ، و لما كانت الأفكار الأساسية هي المحرك الرئيسي كانت العناية منصبة على الفكر الأساسي العقائدي وبه تكون الحركة "المتروية" التصورية في الذهـــن. و تفعيل الحركة المتورية الفكرية هو عينه صهر الفكر بالسلوك و إلا لما سميت حركة متورية فكرية، فقوامها الحركة، و إنعدام الحركة هو نعت المفهوم بالتجمد و الموت، فحياة الفكر هي حركته أي إرتباطه بالسلوك . و ربط الفكر بالسلوك هو بمثابة التنفس الفكري أي الحياة الفكرية. و الفكر الأساسي هو مركز الضوء المشــــع على بقية الأفكــــار و هو إنارة فكرية. و حامله قد إستنارذهنه بهذا الفكر المستنير المشرق، فكان فكرا ضديدا للعتمة مصارعا للظلمة متحررا من قيود الكسل و الجبن و الجهل و الجمود.و لا يستقيم الحال أن يكون الفكر حبيسا،بل ينطلق بقوة في إنسياب و تناسق رفيع بالسلوك . لأن الصهر هو تمثيل عملي للتصور الذهني.
و الفكر الأساسي هو الدافع الرئيسي في حصول الحركة المتورية الفكرية، و بذلك الدفع العقائدي تتفعل سائر الأفكار الأخرى لأنها فروع عن الفكرة الأساسية ، و لأن الفكرة الأساسية هـــي القاعدة الفكرية أي أنها أساس كل الأفكار، و هي قيادة فكرية في الآن نفسه.
و التصور الفكري له ثلاثة عوامل مهمة :
أ)- المسارعة في الصهـر:
إن المسارعة شرط حتى تتم العملية الصهريّة، فالتصور الفكري يتضمن حرارة متوهجة توجب التنزيل الحار. و حرارة التنزيل هي إمتدادلحرارة التصور. و حين تحصل برودة فـــي التنزيل يخيم على الإنسان الضمور الباهت و الكسل المقيت فيتباطأ و يتقاعس ويتقاعــــد. فيفتر و تبـــرد همتـــه و يتلاشى عزمه. و عليه لابد مـــــن تسريــــع السرعـــــة الصهريّة. قـــال تعالــــى : (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِــــبُّ الْمُحْسِنِينَ).(آل عمران: (134*133، و المسارعة تفيد الجدية و الحزم و القوة، قال تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ). (مريم: 12)، فالأخذ القويّ هو التنزيل العملي للتصور الفكـــري (و هو الإثارة الصهرية أو أثر التنزيل)، و لا يكون إلا بقوة عزم و مسارعة...
ب)-الملامسة الفكرية للإطمئنانالقلبي :
إن تفعيل التصور الذهني من خلال الربط بالسلوك يعني أن هذا التفعيل قوامه رسوخ الإطمئنان، و هو تنزيل عملي صادقيقيني،قــــال تعالى والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). (البقرة 4). و قال تعالى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).(المائدة :50) .فاليقينهو ملامسة فكرية عملية مطمئنة، وهو تعلق عملي عقائدي بناء على "إلف" تنبهي فكري، له إشعاع مغناطيسي قوي و متين، و ثمرته محبة الله و رسوله.
ج)- عملية التوكل على الله :
و من تمام التنزيل العملي للتصور الفكري حدوث عمليّة التوكل.فهيالإطارالعمليّ السلوكي، و تعني حدوث الفاعلية الصهرية أي الصهر الفعال.قال تعالى: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَــــــدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).(إبراهيم:12) .فتفعيل التوكل على الله هو الإعتماد الكلي على الله و الإستعانة العمليــة بـــــه وحـــده بكل صـــدق و إخلاص، مع الأخذ بالأسباب المنصوص عليها شرعا...
إن الإنسان حين يعتزم القيام بعمل ما تكون لديه نسبة توقع حصول العمل و تمامه كبيرة، فإذا ما كانت نسبة التوقع ضعيفة سيكون عمله بطيء يعتريه التلكىء و التململ و أحيانا التقاعس و التقصير، و يمكن أن يخيم عليه الفتور. و حين تكون نسبة التوقع ضعيفة جدااايكبله اليأس و القنوط، فيقعد و ربما عمل على تقعيد غيره...
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2014, 01:48 AM   #5
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,887
افتراضي كيف نتصور قداسة الحكم الشرعي 8 - 10

و تكون نسبة توقع حصول العمل كبيرة أو ضعيفة بناء على سرعة إحتراق المفهوم بالسلوك أي بناء على التسليط العملي لشعاع التصور الفكري على السلوك، أي القوة "العملية التوكلية".و قوة "العملية التوكلية" لها عوامل عدة منها العزم المتوقد و البالغة درجة توقده منتهى الإستعانة بقوة لا مناهية يتحقق بها نفاذ العمل المزمع القيام به، و تلك الإستعانة التامة هي التوكل العملي، فهو لا يكون وليداأتوماتيكيا لعملية التصور بل هو عملية تابعة للتصور و متممة له و هي إرادية فيمكن أن تحصل أو لا تحصل، و ذلك حســــب الإرادة الذاتيــــة، و عليه كان التوكل ضمن الدائرة التي يسيطر عليها الإنســــان، و كان حسابه عسيرا يوم القيامة، إن كانت إستعانته (توكله) بغير الجهة الكاملة القوة ألا وهي الله سبحانه و تعالى. فالتوكل فعل مقره القلب أي مقره ذلك التصور الفكري المقطوع بصحته، و الجازم بتمام صفاة الكمال للكامل جل جلاله، و من تمام صفات الكمال أن القوة لله جميعا، فهـــو المهيمن والقهــــار و الفتاح و الرافـــع و المعـــز و المـــــذل و العظيــــم و العلي و الكبيــــر و الحفيظ و الرقيب و الوالـــي و المقتـــدر و المنتقم و العفو و المانــــع و الضار و النافع و الباقي... يقول عز و جل: (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلً). (الإسراء2) .فهو نهيٌّ عن القيام بفعل التوكل على غير الله.
و التوكل "الحق" (أي الفعلي) على الله لا يصحأن يكون إلا توكلا قويا مستمدا قوته الفعلية من نقاوة تصور الفكرة. فإذا ما كان التوكل ضعيفامتتعتعا متململا فهو لا يعكس حقيقة التوكل (التقديسي)، و هو كالجسد بلا روح، أي أنه شبيه (التوكل)...
و المتوكــــل على الله على يقين شديـــــد مـــــن توفيــــق الله و نصره و صــــدق وعــــده. و المتبصر بسلوك المتوكل على الله، يلاحظ إستمرارية توكله. فالسلـــوك و التوكــل صنــوان لا يفترقان.
و المتوكل على الله يلامس الرعاية الربانية حين قيامه بالفعل، فإذا تحقــــق ما يريـــد فرح و شكر الله، و إذا حصل خلاف ما رنا رضي بأمر الله و إستغفر... وهو يتحسس دائما قدرة الله في مادة الحيــاة و الكــــون و الإنســــان، فيتأمــــل قولــــه تعالي : (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ)(الأنبياء‏:69). و يتأمل قوله تعالى فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَـــدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَــــا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْــــزِي الْمُحْسِنِينَ). (الصافات:103- 105). و بتأملهيتحقق اليقين العملي بأن الذي سلب خاصية الإحراق في النار و خاصية القطع في السكين قـادر على إيداع مـــــادة الحيـــاة و الكــــون و الإنســــان ما شاء مــــن خواص أو سلبهــــا أو تبديلهــــا... فهــــو خالــــق الأشيـــاء و خـــواصــــها ، و هــــو خالـــــق الإطمئنان و النكـــد، و الألـــــم و اللـــذة، و السكينة و الشقاء، و كل شيء بأمره سبحانه و تعالى، و عليه يتجلى التوكل الواقعي (بمفهوم الواقعية الصحيح) و تتحقق القناعة بما قسم الله. و إن القسمــــة عنــــد المسلم جــــزاء و كــــرم رباني، و عناية إلاهية تامــــة، و أن الله أرحم بنا من أنفسنا. فيزمجر المسلم بكل كيانه توكلا في أبهى حلته العملية، و يُفَعِل النضالية الفكرية في سلوكه.
و التنزيل العملي لفعل التوكل من كونه فكرة عملية و ليست معرفة جافة (أي فهم في مهب الريح)،بل فكرة توجب العمل الجاد المجد و المتواصل حتى يستمر التوكل في توقده، و هذا التنزيل العملي المفعل يتمثل في مداومةملاحظةالتوكل في كل فعل. فالمتوكل الصادق المخلص لا يأبه بالمشاق و الصعوبات التي تعترضه (أي يُـفَعِل نضالية الفكرة)، و يمضي فـــي ما أقــــدم عليه و كله ثقة و يقين في وعد الله و توفيقه، سافرا متحديا كل من خالفه،يقول تعالىالَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُــــــوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ ) (آل عمران : 173 – 174) .
قال تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِــــنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَــــــنْ كَفَرَ بَعْــــدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .(النور : 55). و تصور الوعد الإلاهي هو تصور تقديسي عملي. أما من حيث أنه "تصور تقديسي" فهو من ناحية عدم إهتزاز التصور أو ضعفه لثبوت قدرة الجهة الواعدة على الوفاء بالوعد، و أما من حيث أنه "التقديس العملي" فهو مـــــــن ناحية ثبوت صدق قول الجهة الواعدة و عدم إخلافها الوعـــــد. و كلاهمامنمعين واحد وهو الخشية من الله، فالخشية من الله هي صهر السلوك بحكم مفعم بتصور القداسة الشرعية.
و قد يتبادر لذهن البعض أن الخشية هي نفسها الخوف، غير أن الوصف الدقيق للخوف مجانب لمفهوم الخشية، فالخوف مكمنه غريزة حب البقاء أما الخشية فمكمنها غريزة التدين، و إن وَقَعَ نعت الخشية بالخوف الرباني فهو نعت لغوي، لأن الخشية هي منتهـــىالإحتـــرام و الإجلال، أما الخوف الصرف فهو من نوع الهلع و الفزع، و شتان بين الأمران، فالأول يفيد الإطمئنان و التسليم و الخضــــوع، و الثانــــــي يفيــــد القلــــق و الرعـــب. و يمكن القول أن الخشية هي خوف من نوع خاص، أي أنها خوف جوهره التقديس..
و أخلص للقول أن تقوية التصور الفكري للحكم الشرعي يكون بغزارة التثقف بالثقافة الإسلامية النقية و التعمق فيها، و البحث و خاصة في أجزاء العقيدة، و معرفة الأحكام الشرعية العمليّة... حتى لا يجد الشيطان مدخلا ليزين الخبائث.
أما تقوية حرارة الربط فتكون بمزيد القيام بأعمال الطاعات و التقرب إلى الله،و الأخذ الإيجابي للتكليف الشرعية. فيتعلق المسلم بأسمى أعمال التضحية لينال رضوان الله، بذلك تكون لديه و بالأخص حامل الدعوة، طريقة تفكير خاصة وخاصة جدا، و تكتسب خصوصياتها من خصوصية الفكرة المبدعة التي وقع رسم مخطوتها الهندسي في الذهــــــن، و التي سطعت بنور أنار الأفكار المنبثقة أو المبنية عنها. فزاوجت السلوك و أثمرت أفعالا، عبقت هذه الأخيرة بتضحيات قوامها قوله تعالى : (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).(التوبة : 111).

و الســـــــلام
أخوكم عثمان بن رزق
22/6/2014

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:44 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.