قديم 02-22-2016, 03:43 AM   #11
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 23 - 24

القرآن أصدق مرجع
ولقد تبّينت أن أصدق مرجع للسيرة إنما هو القرآن الكريم فإن فيه إشارة إلى كل حادث من حياة النبيّ العربي يتخذها الباحث منارا يهتدي به في بحثه، ويمحص على ضيائه ما ورد في كتب السنّة وما جاء في كتب السيرة المختلفة. وأردت جاهدا أن أقف على ما ورد في القرآن متصلا بحياة النبي، فإذا معونة صادقة في هذا الباب يقدّمها إليّ الأستاذ أحمد لطفي السيّد الموظف بدار الكتب المصرية، هي مجموعة وافية مبوّبة لآيات القرآن المتصلة بحياة من أوحى الكتاب الكريم إليه. وأخذت أدقق في هذه الآيات، فرأيت أن لا بدّ من الوقوف على أسباب نزولها وأوقات هذا النزول ومناسباته. وأعترف بأني، على ما بذلت في ذلك من جهد، لم أوفق لكل ما أردت منه. فكتب التفسير تشير أحيانا إليه وتهمل هذه الإشارة في أكثر الأحايين. ثم إن كتاب «أسباب النزول» للواحدي، وكتاب «الناسخ والمنسوخ» لإبن سلامة، إنما تناولا هذا الموضوع الجليل الجدير بكل تدقيق واستيفاء تناولا موجزا. على أنني وقفت فيهما وفيما رجعت إليه من كتب التفسير على مسائل عدّة استطعت أن أمحص بها ما ورد في كتب السيرة، ووجدت فيهما وفي كتب التفسير نفسها أشياء جديرة بمراجعة العلماء المتبحّرين في علوم الكتاب والسنّة وتحقيقهم إياها من جديد تحقيقا دقيقا.

المشورة الصادقة
ولما تقدم بي البحث بعض الشيء ألفيت المشورة الصادقة تصل إليّ من كل صوب، ومن ناحية الشيوخ أكثر من كل ناحية أخرى بطبيعة الحال. وكانت المعونة الكبرى معونة دار الكتب ورجالها الذين أمدّوني من ألوان المعونة بما لا يفي الشكر بحسن تقديره. ويكفي أن أذكر أن الأستاذ عبد الرحيم محمود المصحح بالقسم الأدبي بدار الكتب كان يكفيني مؤونة الذهاب إلى الدار في كثير من الأحيان ويستعير لي ما أريد استعارته من الكتب مشمولا بعطف مدير الدار وكبار القائمين بالأمر فيها، وأن أذكر أني في كل مرة ذهبت إلى الدار كنت أجد أجمل العون في البحث عما أريد البحث فيه من موظّفي الدار كبارا وصغارا، من عرفت منهم ومن لم أعرف.
ثم إنه كانت تستغلق عليّ بعض المسائل أحيانا فأفضي إلى من آنس فيه المعرفة من أصدقائي بما استغلق عليّ فأجد في كثير من الأحيان خير العون. وجدت ذلك غير مرّة عند الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، ووجدته عند صديقي الضليع جعفر (باشا) وهو الذي أعارني عدّة كتب كصحيح مسلم وتواريخ مكة، ودلنيّ على غير مسألة من المسائل وهداني إلى موضعها، وقد أعارني صديقي الأستاذ مكرم عبيد (باشا) كتاب المستشرق السير وليم موير «حياة محمد» وكتاب الأب لامنس «الإسلام» . هذا إلى ما وجدت من عون في مؤلّفات المعاصرين القيامة ككتاب «فجر الإسلام» للأستاذ أحمد أمين، و «قصص الأنبياء» للأستاذ عبد الوهاب النّجار، و «في الأدب الجاهلي» للدكتور طه حسين، و «اليهود في بلاد العرب» لإسرائيل ولفنسن، وغير هذه من كتب المعاصرين كثير ذكرته في بيان المراجع القديمة والحديثة التي استعنت بها على وضع هذا الكتاب.
ولقد كنت كلما أزددت توسعا في البحث أرى مسائل تنجم أمامي وتستدعي التفكير ومزيدا من البحث لحلها. وكما عاونتني كتب السيرة وكتب التفسير في الاهتداء إلى غاية من تفكيري أطمئن اليها، عاونتني كذلك كتب المستشرقين في الاهتداء إلى غاية أطمئن إليها. على أنني رأيتني مضطرّا في كل المواقف لأقصر بحثي في حدود حياة محمد نفسه ما لم أضطرّ إلى تناول مسائل أخرى متصلة بهذا البحث اضطرارا. ولو أنني أردت أن أبحث كل ما اتصل بهذه الحياة الفيّاضة العظيمة، لاحتاج الأمر إلى وضع مجلّدات عدّة في حجم هذا الكتاب.
ويحسن أن أذكر أن كوسّان دبرسفال وضع ثلاثة مجلّدات بعنوان «رسالة في تاريخ العرب» ، جعل المجلّدين الأوّلين منها في تاريخ قبائل العرب وحياتها، وجعل الثالث عن محمد وخليفتيه الأوّلين أبي بكر وعمر. وطبقات ابن سعد تقع في مجلّدات كثيرة يتناول جزؤها الأوّل حياة محمد، وسائر أجزائها حياة أصحابه. ولم يكن غرضي أوّل ما بدأت البحث ليتجاوز حياة محمد. فلم أرد في أثنائه أن أتركه يتشعّب فيحول ذلك بيني وبين الغاية التي إليها قصدت.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 03:52 AM   #12
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 24 - 26

في حدود السيرة لا أتعداها
وشيء آخر كان يمسكني في حدود هذه الحياة؛ ذلك روعة جلالها وباهر ضيائها جلالا وضياء يتوارى دونهما كل ما سواهما. فما كان أعظم أبا بكر! وما كان أعظم عمر إذ كان كل منهما في خلافته علما يحجب سواه! وما أشدّ ما كان للسابقين الأوّلين إلى صحبة محمد من عظمة ثبتت على الأجيال وهي بعد مما تفاخر به الأجيال.
لكن هؤلاء جميعا كانوا يستظلّون أثناء حياة النبي بجلال عظمته وبستضيئون بباهر لألائه. فليس من اليسير على من يبحث في سيرة الرسول أن يدعها لشيء سواها. وهو أشد شعورا بذلك إذا تناول البحث على الطريقة العلمية الحديثة على نحو ما حاولت أن أفعل، هذه الطريقة التي تجلو عظمة محمد على نحو يبهر العقل والقلب والعاطفة جميعا، ويغرس فيها من الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها ما لا يختلف فيه المسلم وغير المسلم.
وأنت إذا طرحت جانبا أولئك المتعصّبين الحمقى الذين جعلوا النيل من محمد دأبهم كالمبشرين وأشباههم، فإنك واجد هذا الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها في كتب العلماء المستشرقين واضحين جليين. عقد كارليل في كتابه «الأبطال» فصلا عن محمد صوّر فيه الجذوة الإلهية المقدّسة التي أوحت إلى محمد ما أوحت فصوّر العظمة في جلال قوّتها. وموير، وإرفنج، وسبرنجر، وفيل، وغيرهم من المستشرقين والعلماء قد صوّر كل واحد منهم عظمة محمد تصويرا قويا وإن وقف هذا أو ذاك منهم عند مسائل اعتبرها ماخذ على صاحب الرسالة الإسلامية، لغير شيء إلا أنه لم يمتحنها ولم يمحصها التمحيص العلميّ الدقيق، ولأنه اعتمد فيها على ما ورد في بعض كتب السيرة أو كتب التفسير من الروايات المضطربة، متناسيا أن أوّل كتب السيرة إنما كتب بعد قرنين من عصر محمد دسّت أثناءهما في سيرته وفي تعاليمه إسرائيليات كثيرة، ووضعت أثناءهما ألوف الأحاديث المكذوبة. ومع أن المستشرقين يقرّرون هذه الحقيقة، تراهم لا يأبون مع ذلك تناسيها ليقرّروا أمورا يعتبرونها صحيحة مع أن أقل التمحيص ينفها. من ذلك مسألة الغرانيق، ومسألة زيد وزينب، ومسألة أزواج النبيّ، مما أتيح لي امتحانه وتمحيصه في هذا الكتاب.

الكتاب بداءة البحث
لست مع ذلك أحسبني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد. بل لعلي أكون أدنى إلى الحق إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة العلمية الحديثة، وأن ما بذلت في هذه السبيل من مجهود لا يخرج هذا الكتاب عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في هذا الموضوع الجليل. وإذا كان جماعة من العلماء والمؤرخين قد انقطعوا لبحث عصر من العصور، كما انقطع أولار في فرنسا لبحث عصر الثورة الفرنسية، وكما انقطع غيره من العلماء لبحث عصر أو عصور معيّنة من التاريخ في مختلف الأمم، فحياة محمد جديرة بأن ينقطع لبحثها على طريقة علمية جامعية أكثر من أستاذ يتخصص فيها ويتوافر عليها. وليس يساورني شك في أن الانقطاع والبحث العلميّ، في هذه الفترة القصيرة من حياة بلاد العرب واتصالها بحياة الأمم المختلفة في ذلك العصر، تؤتي نتائجه العالم كله، لا الإسلام والمسلمين وحدهم، خير الثمرات. فهي تجلو أمام العلم كثيرا من المسائل النفسية والروحية فضلا عما تفيض عليه من ضياء في نواحي الحياة الاجتماعية والخلقية والتشريعية لا يزال العلم يتردد أمامها متأثرا بهذا النزاع الديني بين الإسلام والنصرانية، وبهذه المحاولات العقيمة التي يقصد منها إلى «تغريب» الشرقيين أو تنصير المسلمين، مما ثبت على الأجيال إخفاقه واستحالته وسوء أثره في علاقات أجزاء الإنسانية بعضها ببعض.
وأذهب إلى أبعد مما تقدّم فأقول: إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تتلمّسها. وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في الإسلام ورسوله وتشيم هذا النور في ثيوزوفية الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى فإن رجال هذا الشرق من المسلمين واليهود والنصارى جميعا خليقون أن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق.
فالتفكير الإسلامي- على أنه تفكير علمي الأساس على الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة به، وهو من هذه الناحية واقعي بحت- ينقلب تفكيرا ذاتيا حين يتصل الأمر بعلاقة الإنسان بالكون وخالق الكون، ويبدع لذلك في النواحي النفسية والنواحي الروحية آثارا يقف العلم بوسائله حائرا أمامها، لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها، وهو لا يعتبرها حقائق علمية. ثم هي تظل مع ذلك قوام سعادة الإنسان في الحياة ومقوّمة سلوكه فيها. فما الحياة؟ وما صلة الإنسان بهذا الكون؟ وما حرصه على الحياة؟ وما هي العقائد المشتركة التي تبعث في الجماعات القوّة المعنوية التي تضمحل بضعف هذه العقائد المشتركة؟ وما الوجود؟ وما وحدة الوجود؟ وما مكان الإنسان من الوجود ووحدته؟ هذه مسائل خضعت للمنطق التجريدي ووجدت منه أدبا مترامي الأطراف. لكنك تجد حلّها في حياة محمد وتعليمه أدنى لتبلغ الناس سعادتهم من هذا المنطق التجريديّ الذي أفني فيه المسلمون قرونا منذ العهد العباسي، وأقنى فيه الغربيون ثلاثة قرون منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر مما انتهى بالغرب إلى العلم الحديث على نحو ما انتهى بالمسلمين فيما مضى، ثم وقف العلم في الماضي كما أنه مهدّد اليوم بالوقوف دون إسعاد الإنسانية. ولا سبيل إلى درك هذه السعادة إلا العود إلى حسن إدراك هذه الصلة الذاتية بالوجود وخالق الوجود في وحدته التي لا تتغيّر سننها ولا يعتبر للزمان أو المكان فيها إلا وجود نسبي لحياتنا القصيرة. وحياة محمد هي لا ريب خير مثل لدراسة هذه الصلة الذاتية دراسة علمية لمن أراد، ودراسة عملية لمن تؤهله مواهبه أن يحاول هذا الاتصال في مراتب أوّلية لبعد ما بينه وبين الصلة الإلهية التي أفاء الله على رسوله. وأكبر ظني أن هاتين الدراستين خليقتان، يوم يتاح لهما التوفيق، أن تنقذا عالمنا الحاضر من وثنية تورّط فيها على اختلاف عقائده الدينية أو العلمية؛ وثنيّة جعلت المال وحده معبودا، وسخّرت كل ما في الوجود من علم وفن وخلق ومواهب لعبادته والتسبيح بحمده. قد يكون هذا التوفيق ما يزال بعيدا.
لكن طلائع القضاء على هذه الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر، وتوجه الحضارة الحاكمة فيه، واضحة لكل من تتبّع سيرة العالم وأحداثه. فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العلم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد النبي وتعاليمه وعصره والثورة الروحية التي انتشرت في العالم أثرا من آثاره. وإذا أتاحت الدراسة العلمية والدراسة الذاتية لقوى الإنسانية الكمينة مزيدا من اتصال بني الإنسان بحقيقة الكون العليا، كان ذلك الحجر الأوّل في أساس الحضارة الجديدة.
وهذا الكتاب ليس إلا محاولة بدائية في هذه السبيل كما قدّمت. وبحسبي أن يقنع هذا الكتاب الناس بما فيه، وأن يقنع العلماء والباحثين بضرورة الانقطاع والتخصص لبلوغ الغاية من بحث موضوعه. ولو أنه أثمر أيّا من هذين الأثرين أو كليهما، لكان ذلك أكبر جزاء أرجو عن المجهود الذي بذلت فيه. والله يجزي المحسنين.
محمد حسين هيكل
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 03:59 AM   #13
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 27 - 29

تقديم الطبعة الثانية

نفذت طبعة هذا الكتاب الأولى بأسرع من كل ما قدّر لها. فقد صدر منها عشرة آلاف نسخة نفد ثلثها بالاشتراك في الكتاب أثناء طبعه، ونفد سائرها خلال ثلاثة أشهر من صدوره. ولقد دل الإقبال على اقتناء هذا الكتاب على عناية القرّاء بالبحث الذي يحتويه. لذلك لم يكن بد من التفكير في إعادة طبعه، وفي إعادة النظر فيه.
وموضوع الكتاب هو السبب الأوّل في الإقبال عليه لا ريب. ولعل الطريقة التي عولج بها كانت ذات أثر في الإقبال عليه كذلك. وأيّا كان السبب فقد سألت نفسي حين فكّرت في أمر الطبعة الثانية: أفأعيدها صورة من الطبعة الأولى لا أزيد فيها ولا أنقص منها، أم أرجع إليها بالتنقيح والزيادة والتصحيح فيما تتّضح لي ضرورة تصحيحه أو تنقيحه أو الزيادة عليه؟ ولقد أشار عليّ بعض من أقدر مشورتهم أن أجعل الثانية صورة من الطبعة الأولى كيما تتحقق المساواة بين الذين يقتنون أيّا من الطبعتين، ولكي يتسع لي زمن المراجعة والتنقيح فيما بعد هذه الطبعة الثانية. وكدت آخذ بهذا الرأي. ولو أنني فعلت لكانت هذه الطبعة في أيدي القرّاء منذ أشهر. غير أني تردّدت في الأخذ بهذه المشورة، ثم انتهيت إلى ضرورة التنقيح والزيادة لاعتبارات شتّى. وكان أوّل هذه الاعتبارات بعض ملاحظات تفضّل الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي بإبدائها لي حين أطلعته على ما تم طبعه من الكتاب قبل ظهور طبعته الأولى فتفضّل بوضع التعريف الذي صدّرت به. فلما ظهر الكتاب تفضّل بعض الكتاب والعلماء بالتنويه به في الصحف والمجلات وعن طريق الإذاعة، وأبدوا ما عنّ لهم من الملاحظات عليه. وقد أبديت هذه الملاحظات جميعا بعد الثناء الجم على مجهود بذلته لست أحسبه جديرا بكل هذا التقدير، وأبديت حرصا على ألّا تشوب كتابا عن النبيّ العربي هنة من الهنات ما دام مؤلفه قد وفّق في وضعه توفيقا أرضاهم ونال تقديرهم. لذلك لم يكن بدّ من أن أعير هذه الملاحظات ما هي جديرة به من عظيم العناية.
ولعل هذا الرضا والتقدير هما اللذان جعلا طائفة من هذه الملاحظات ترد على مسائل كمالية لا تتصل بجوهر الكتاب ولا بما ورد من الروايات فيه. فمنها ما يرجو أصحابه إيضاح بعض أمور رأوها في حاجة إلى الإيضاح. ومنها ما يرمي إلى مزيد من التدقيق في استعمال حروف الجرّ، أو إلى اقتراح بعض ألفاظ بدل أخرى يعتقد الذين اقترحوها أنها أدق تعبيرا عن المعنى المقصود. على أن طائفة من الملاحظات انصبّت على بعض مباحث الكتاب فدفعتني إلى مزيد من التفكير والمراجعة. ولشدّ ما أحرص على أن تكون هذه الطبعة الثانية أدنى إلى إرضاء هؤلاء العلماء جميعا، وإن كنت لا أرى في البحث كله، كما ذكرت في تقديم الكتاب، إلا أنه بداءة بحث في موضوعه باللغة العربية وضع على الطريقة العلمية الحديثة.
ومما أدىّ بي كذلك إلى تناول الطبعة الأولى بالتنقيح والزيادة، أنني عدت إلى تلاوة الكتاب بعدها. بعد أن وقفت على ما أبدي عليه من ملاحظات لم يغب أكثرها عني أثناء وضع الكتاب، فاقتنعت بضرورة الإفاضة في تمحيص بعض ما وردت الملاحظات عليه لإقناع أصحاب هذه الملاحظات بوجهة نظري وصواب حجتي.
وقد هدتني مراجعاتي التي قمت بها لهذه الغاية إلى مواضع للتأمل جديرة بأن يتناولها كل كاتب سيرة النبي العربي. ولئن اغتبطت لأنني تناولت في الطبعة الأولى كل ما أشارت الملاحظات إليه، لأنا اليوم أشد اغتباطا بأن أفيض في المباحث إفاضة أعتبرها ضرورية في هذه الدراسة التمهيدية لحياة أعظم إنسان عرفه التاريخ، خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام.
وقد حاولت في هذا التقديم لطبعة الكتاب الثانية تمحيص طائفة من الملاحظات التي أبديت على طريقة البحث في الطبعة الأولى. وأضفت في آخر الكتاب فصلين تناولت فيهما أمورا مررت بموضوعها لماما في خاتمة الطبعة الأولى، كما أني نقحت وأضفت في تضاعيف الكتاب ما رأيت تنقيحه أو إضافته بعد الذي هدتني إليه مراجعاتي وتأمّلاتي، إتماما للبحث وإجابة لأصحاب الملاحظات عن ملاحظاتهم.
أنصار المستشرقين والرد عليهم
وفي مقدّمة ما أتناوله بالتفنيد رسالة وردت إليّ من كاتب مصري ذكر أنها ترجمة عربية لمقال بعث به إلى مجلة المستشرقين الألمانية نقدا لهذا الكتاب. ولم أنشر هذه الرسالة في الصحف العربية لأن بها مطاعن لا سند لها؛ ولذلك تركت لصاحبها أن يتحمل تبعة نشرها إن شاء. ولم أر أن أذكر اسمه في هذا التقديم اقتناعا مني بأنه سيعدل عن نسبتها إليه بعد أن يقرأ تفنيدها. وخلاصة هذه الرسالة أن البحث الذي قمت به في «حياة محمد» ليس بحثا علميّا بالمعنى الحديث؛ لأنني اعتمدت فيه على المصادر العربية وحدها، ولم أرجع إلى مباحث المستشرقين الألمان من أمثال «فيل» و «جولدزهر» و «نولدكي» وغيرهم ولم آخذ بنتائج هذه البحوث، ولأني اعتبرت القرآن وثيقة تاريخية لا محل لريبة فيها، مع أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أنه حرّف وبدّل بعد وفاة النبي وفي الصدر الأول للإسلام، واسم النبي بعض ما بدّل فيه؛ فقد كان اسمه «قثم» أو «قثامة» ثم أبدل من بعد وصار «محمدا» ليتسنّى وضع الآية: «ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» إشارة إلى ما جاء في الإنجيل عن النبي الذي يجيء بعد عيسى. ويضيف الكاتب إلى أقواله هذه أن بحوث المستشرقين دلّت كذلك على أن النبي كان يصاب بالصّرع، وأن ما كان يسميه الوحي ينزل عليه إنما كان أثرا لنوبات الصرع كانت تعتريه، وأن أعراض الصرع كانت تبدو على محمد فكان يغيب عن صوابه، ويسيل منه العرق، وتعتريه التشنجات، وتخرج من فيه الرغوة، فإذا أفاق من نوبته ذكر أنه إليه وتلا على المؤمنين به ما يزعم أنه من وحي ربه.
لم أكن لأعنى بهذه الرسالة ولا بتفنيد ما فيها لولا أن كاتبها مصري مسلم ولو أنه كان مستشرقا أو مبشرا لتركته ملقى حبله على غاربه، يقول ما تمليه عليه أهواؤه وما تنضح به شهواته. وحسبي ما ذكرت في تقديم الكتاب وفي تضاعيفه إدحاضا لأقوال هؤلاء وأولئك. لكن كاتب هذه الرسالة إنما هو مثل لطائفة من شباننا ورجالنا المسلمين الذين يتلقّون كل ما يقوله المستشرقون بقبول حسن، ويعتبرونه العلم الصحيح المعبّر عن الحقيقة الخالصة- وإلى هؤلاء أوجّه القول هنا لأحذّرهم ما يقع المستشرقون فيه من خطأ. وبعض هؤلاء المستشرقين مخلص في بحثه على رغم خطئه. لكن الخطأ يتسرّب إلى بحثه لعدم دقته في إدراك أسرار اللغة العربية تارة، ولما يشوب نفوس طائفة من هؤلاء العلماء من الحرص على هدم مقرّرات دين من الأديان، أو على هدم مقرّرات الأديان جميعا، تارة أخرى. وهذا وذاك إسراف كان يجمل بالعلماء أن يجتنبوه. ولقد رأينا مسيحيين دفعهم هذا الإسراف إلى إنكار عيسى وجد على التاريخ، ورأينا آخرين تخطوا حدود الإسراف فكتبوا عن جنون عيسى. وإنما دعا إلى هذه النزعة في أوروبا ما بين الكنيسة والدولة من نزاع أدّى برجال العلم وبرجال الدين، كلّ من ناحيته، إلى الحرص على الغلب لاقتناص السلطان والحكم. أما والإسلام. بريء من هذا النزاع فليتّق الباحثون من أبنائه سلطان هذه الشهوة التي يخضع لها رجال الغرب، والتي تفسد على العلماء بحوثهم أكثر الأمر، ويجب عليهم لذلك أن يأخذوا حذرهم حين يطّلعون على ما يصدر عن الغرب من مباحث دينية، وأن يمحصوا كل ما يصوّره العلماء على أنه حق. فالكثير منه يتأثر بمقدار غير قليل بهذا الماضي الذي جعل الخصومة متصلة بين رجال الدين ورجال العلم قرونا متوالية.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:03 AM   #14
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 29 - 30

الاعتماد على كتاب السيرة من المسلمين
وما ورد في رسالة هذا المصري المسلم مما لخصته هنا بالغ الدلالة على وجوب هذا الحذر. فأوّل ما يأخذه عليّ أنني اعتمدت على المراجع العربية والإسلامية واتخذتها أساسا لبحثي. ولست أنكر ذلك. على أنني قد رجعت إلى كتب المستشرقين ممن ذكرت في سجل المراجع، لكن المصادر العربية كانت دائما الأساس الأوّل لهذا البحث الذي قمت به. وهذه المصادر العربية كانت الأساس الأوّل كذلك لمباحث المستشرقين جميعا. وهذا طبيعيّ؛ فهذه المصادر، وفي مقدّمتها القرآن، هي أوّل من تحدّث عن حياة النبي العربي. فلا جرم أن تكون العمدة والأساس لكل من يريد أن يكتب سيرته بأسلوب العصر وطريقته. و «نولدكي» و «حولدزهر» و «فيل» و «سپرنجر» و «موير» وغيرهم من المستشرقين قد جعلوها عمدتهم في بحثهم كما جعلتها عمدتي في بحثي. وقد أبحث لنفسي في تمحيصها ونقدها ما أباحوه لأنفسهم من حرية، كما أنني لم أغفل بعض ما اعتمدوا عليه من كتب المسيحيين الأقدمين وإن أملاها التعصب الديني للمسيحية ولم يملها النقد العلمي بحال، فإذا لامني لائم لأنني لم أتقيد بالنتائج التي وصل المستشرقين إليها؛ أو لأنني أبحث لنفسي مخالفتهم ونقدهم، فتلك دعوة إلى الجمود العلمي لا تقل رجعية ولا تأخرا عن أية دعوة إلى الجمود في الميادين العقلية والروحية جميعا. وما أحسب أحدا من المستشرقين أنفسهم يوافق على هذه الدعوة إلى الجمود العلمي، ولو أن أحدهم أقرّها لجاز إقرار الدعوة إلى الجمود الديني. وهذا وذاك مالا أرضاه لنفسي ولا أرضاه لأحد ممن يريدون الاشتغال بالبحوث التاريخية على وجه علمي صحيح. إنما أعمل وأطالب غيري أن يعمل على تمحيص ما يقع عليه من مباحث غيره فإن اقتنع بها عن بينة وبعد أن يقوم لديه الدليل القاطع عليها فذاك، وإلا فليعمل من ناحيته للوصول إلى الحقيقة حتى يقتنع بأنه وصل إليها. هذا ما أدعو إليه شبابنا ورجالنا المعجبين ببحوث المستشرقين، وهذا ما فعلت؛ ولي أجر المصيب على ما أصبت فيه، ولي عذر الباحث عن الحقيقة مع صدق القصد في توخّي السبيل إليها إن أخطأني التوفيق في شيء منه.

المستشرقون والمقررات الدينية
ومن الأدلة على تأثر بعض المستشرقين بحرصهم على هدم المقررات الدينية وإسرافهم في ذلك ما ذهب إليه كاتب الرسالة المصري المسلم من أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أن القرآن ليس وثيقة تاريخية لا محل لريبة فيها، وأنه حرّف بعد وفاة النبي وفي صدر الإسلام، وأضيفت إليه أثناء ذلك آيات لأغراض دينية أو سياسية. ولست أناقش صاحب الرسالة من ناحية إسلامية فأحاجّه، وهو مسلم، بما يقرره الإسلام من أن القرآن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو يذهب مذهب المستشرقين من أن القرآن كتاب وضعه محمد، عن إيمان منه بأن هذا الكتاب وحي الله في رأي طائفة من هؤلاء المستشرقين، وحرصا منه على إثبات رسالته بما يذكر من أن هذا القرآن وحي الله إليه في رأي الآخرين. فلأخاطبه إذا بلغته على أنه من أحرار الفكر الذين لا يريدون أن يتقيدوا إلا بما يثبته العلم إثباتا يقينيّا.
فرية تحريف القرآن
هو يعتمد على المستشرقين وما يقولونه. ومن المستشرقين طائفة تزعم بالفعل في أمر القرآن ما نقله عنهم.
لكن زعمهم هذا يدلّ على أنهم إنما تدفعهم إليه أغراض يبرأ منها العلم ولا تخفى على أحد. وحسبك دليلا على ذلك قولهم: إن عبارة «ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» ، التي وردت في الآية السادسة من سورة الصف، إنما أضيفت بعد وفاة النبي لالتماس الدليل على نبوّة محمد ورسالته من الكتب المقدّسة السابقة للقرآن. فلو أن الذين قالوا هذا القول من المستشرقين كانوا يخلصون للعلم حقّا لما لجأوا إلى مثل هذا التدليل القائم عندهم على أن التوراة والإنجيل كتابان مقدّسان بالفعل. فلو أنهم كانوا يريدون العلم للعلم لسوّوا بين القرآن والكتب المقدّسة التي سبقته؛ فإمّا اعتبروه مقدّسا مثلها، فذكره الكتب المقدّسة التي عرفها الناس قبله طبيعي لا محل لرفضه. وإمّا اعتبروا هذه الكتب كما اعتبروا القرآن وقالوا في شأنها ما قالوه في شأنه، وقرّروا أن أصحابها وضعوها لأغراض دينية أو سياسية خاصة. ولو أنهم قالوا مثل هذا القول لقضى المنطق بفساد ما ذهبوا إليه من تحريف القرآن لأغراض سياسية أو دينية، فما كان للمسلمين أن يلتمسوا الحجة من هذه الكتب بعد أن اطمأن ملكهم ودانت لهم الإمبراطورية المسيحية كما دان لهم غيرها من أمم الأرض، وبعد أن دخل المسيحيون في الإسلام أفواجا بل أمما كاملة. هذا هو المنطق الذي يقتضيه البحث العلمي النزيه. أمّا اعتبار التوراة والإنجيل مقدّسين، ونفي هذه الصفة عن القرآن فأمر لا يسوّغه العلم. وأمّا القول بتحريفه التماسا للحجة من التوراة والإنجيل فهراء لا يقره التاريخ ولا يرضاه المنطق.
والذين زعموا هذا الزعم الفاسد من المستشرقين هم قلة بين أشدّ المستشرقين تعصّبا. أما كثرتهم فيقرون بأن القرآن الذي نتلوه اليوم هو بعينه القرآن الذي تلاه محمد على المسلمين أثناء حياته، لم يحرّف ولم يبدّل.
وهم يحرصون على أن يذكروا هذا وإن أضافوا إليه من عبارات النقد للنظام الذي جمع القرآن به ولترتيب السور فيه ما لا يدخل تمحيصه في نطاق هذا البحث. وقد تناول المشتغلون بعلوم القرآن من المسلمين أوجه النقد هذه ودفعوها. أما ما نحن الآن في صدده فحسبنا فيه أن نقتطف بعض ما ذكره المستشرقين عنه، لعله يقنع المصري المسلم الذي نناقش هاهنا رسالته، ولعله يقنع الدين يفكرون على شاكلته.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:10 AM   #15
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 30 - 32

موير ينكر هذه الفرية
وما أورده المستشرقون من ذلك كثير، نختار منه بعض ما كتبه السير وليم موير في كتابه «حياة محمد» . ليرى هؤلاء الذين أسرفوا على التاريخ وعلى أنفسهم شدّة ما أسرفوا حين اطمأنوا إلى ما قيل عن تحريف القرآن وتبديله. وموير مسيحي شديد الحرص على مسيحيته والدعوة إليها، شديد الحرص لذلك على ألا يدع موضعا لنقد نبي الإسلام وكتابه دون الوقوف عنده ومحاولة دعمه.
يقول سيروليم موير، عند كلامه عن القرآن ودقة وصوله إلينا، ما ترجمته: «كان الوحي المقدس أساس أركان الإسلام فكانت تلاوة ما تيسر منه جزآ جوهريّا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزي من يؤديهما جزاء دينيا صالحا. ذلك كان جماع الرأي في السّنة الأولى، وهو ما يستفاد كذلك من الوحي نفسه. لذلك وعت القرآن ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وكان مبلغ ما يستطيع أحدهم تلاوته بعض المميزات الجوهرية في العهد الأول للإمبراطورية الإسلامية. وقد يسّرت عادات العرب هذا العمل؛ فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم. ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتأدوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم. بذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو، ثم تناولت القرآن بكل ما أدّت إليه يقظة الروح إذ ذاك من حرص وإقبال. ولقد بلغ بعض أصحاب النبيّ من قوة الذاكرة ودقتها ومن التعلق بحفظ القرآن واستذكاره حدّا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه.
تحرير القرآن في عهد النبي
على الرغم من هذه القوة التي امتازت بها الذاكرة العربية فقد كنا في حل من ألّا نولي ثقتنا مجموعة ذلك كل مصدرها. لكن لدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد أن أصحاب النبي دوّنوا أثناء حياته نسخا شتى لأجزاء مختلفة من القرآن، وأن هذه النسخ سجّلت القرآن، سجلته كله تقريبا. فقد كانت الكتابة معروفة على وجه عام بمكة قبل نبوّة محمد بزمن غير قليل. وكان النبي قد استعمل على تحرير الكتب والرسائل أكثر من واحد من أصحابه بالمدينة. وقد فكّ إسار الفقراء من أسرى بدر مقابل قيامهم بتعليم أنصار المدينة الكتابة. ومع أن أهل المدينة لم يكونوا مثقفين ثقافة أهل مكة، فقد عرفت مقدرة الكثيرين منهم على الكتابة قبل الإسلام. ومن اليسير مع ثبوت هذه للقدرة على الكتابة، أن نستنبط غير مخطئين أن الآيات التي وعتها الذاكرة بدقة قد سجلتها الكتابة بمثل هذه الدقة.
«ثم إنا نعرف أن محمدا كان يبعث إلى القبائل التي تدخل في الإسلام واحدا أو أكثر من أصحابه لتعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين، وكثيرا ما نقرأ أن هؤلاء المبعوثين كانوا يحملون معهم أوامر مكتوبة في شأن الدين. ولقد كانوا يحملون ما نزل به الوحي بطبيعة الحال، وخاصة ما اتصل منه بشائر الإسلام وقواعده، وما يتلى منه أثناء العبادة. والقرآن نفسه ينص على وجوده مكتوبا. وتنص كتب السيرة، حين تذكر إسلام عمر، على وجود نسخة من السورة المتمة للعشرين (سورة طه) في حيازة أخته وأسرتها.
وكان إسلام عمر قبل الهجرة بثلاث سنوات أو أربع. فإذا كان الوحي يدوّن ويتبادل في العصر الأول، حين كان المسلمون قليلين وحين كانوا يسامون العذاب، فمن المقطوع به أن النسخ المكتوبة كثر عددها وتداولها حين بلغ النبي أوج السلطة وحين صار كتابه قانون العرب جميعا.

الرجوع إلى النبي عند الخلاف
«كذلك كان شأن القرآن أثناء حياة النبيّ، وكذلك كان شأنه إلى عام بعد وفاته: بقي مسطورا في قلوب الذين آمنوا به مسجّلة أجزاؤه المختلفة في نسخ كانت تزداد كل يوم عددا. وكان لزاما أن يتطابق هذان المصدران تمام التطابق. فقد كان القرآن منظورا إليه، حتى في حياة النبي، برهبة اليقين بأنه كلام الله ذاته لذلك كان كل خلاف على نصه يرجع فيه إلى النبيّ نفسه كي يزيله. ولدينا أمثلة من ذلك؛ إذ رجع إلى النبي عمرو بن مسعود وأبي بن كعب. فلما قبض النبي كان يرجع عند الخلاف إلى النصوص المكتوبة، وإلى ذاكرة أصحاب النبي الأقربين وكتّاب وحيه.
«فلمّا فرغ من أمر مسيلمة، في حروب الردّة، كانت مذبحة اليمامة قد أتت على كثير من المسلمين ومن بينهم عدد كبير من خير حفّاظ القرآن، هنالك ساورت عمر المخاوف في أمر الكتاب ونصوصه وما ربما يعلق بها من ريبة إذا أصاب المقدور من اختزنوه في ذاكرتهم فماتوا جميعا. إذ ذاك توجه إلى الخليفة أبي بكر بقوله:
«أخشى أن يستحرّ القتل كرّة أخرى بين حفّاظ القرآن في غير اليمامة من المغازي وأن يضيع لذلك كثير منه.
والرأي عندي أن تسارع فتأمر بجمع القرآن» . وأقرّ أبو بكر هذا الرأي، وأفضى برغبته في إنفاذه إلى زيد بن ثابت كبير كتّاب النبي وقال: «إنك رجل شابّ عاقل ولا نتّهمك. كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فتتّبع القرآن فاجمعه» . وإذ كان هذا العمل حدثا غير متوقع فقد اضطرب زيد بادئ الرأي، وخامره الريب في صلاحية الإقدام عليه، بل في مشروعيته. فلم يقم به محمد نفسه ولم يأمر أحدا بالقيام به. على أنه انتهى إلى النزول على ما أبدى أبو بكر وعمر من رغبة ملحّة. وجهد في جمع السور وأجزائها من كل جانب، وحتى لقد جمع ما كان منها على ورق الشجر وعلى الحجر الأبيض وفي صدور الرجال. ويضيف بعضهم أنه جمع كذلك منها ما كان على الورق وعلى الجلد وعلى عظام الكتف والضلع من الإبل والماعز. وظفرت جهود زيد المتصلة خلال سنتين أو ثلاث بجمع هذه المادة كلها وترتيبها على النحو الذي هي عليه اليوم، وعلى النحو الذي كان زيد يتلو عليه القرآن في حضرة محمد فيما يقولون. فلما كملت النسخة الأولى عهد بها عمر إلى صيانة حفصة ابنته وزوج النبي. وظل هذا الكتاب الذي جمعه زيد قائما طيلة خلافة عمر على أنه النص الصادق الصحيح.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:13 AM   #16
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 32 - 33

«على أن الخلاف لم يلبث أن بدأ في طريقة التلاوة، ناشئا إما عن الخلاف السابق لنسخة زيد، وإما عن تحريف تسرّب إلى النسخ التي نقلت عن نسخته. وفزع العالم الإسلامي لذلك أيّما فزع. فالوحي الذي نزل من السماء «واحد» فأين الآن وحدته؟ ولقد حارب حذيفة في إرمينية وفي أذربيجان ولاحظ اختلاف القرآن عند السوريين عنه عند أهل العراق، فجزع لتعدّد ذلك ولمبلغ ما بينه من خلاف، إذ ذاك فزع إلى عثمان كما يتدخل «ليقف الناس حتى لا يختلفوا على كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى» . واقتنع الخليفة.
وليدفع الضرّ لجأكرّة أخرى إلى زيد بن ثابت وعزّوة بثلاثة من قريش. وجيء بالنسخة الأولى من حيازة حفصة، وعرضت القراآت المختلفة من أنحاء الإمبراطورية، وروجعت كلها بأتم عناية للمرة الأخيرة. ولقد كان زيد إذا اختلف مع زملائه القرشيين رجح صوت هؤلاء أن كان التنزيل بلسان قريش، وإن قيل إن الوحي على سبع لهجات مختلفة من لهجات العرب. وأرسلت نسخ من هذا المصحف بعد تمام جمعه إلى جميع الأمصار في الإمبراطورية، وجمع ما بها من سائر النسخ بأمر الخليفة وأحرق. وردّت النسخة الأولى إلى حيازة حفصة.
«ووصل إلينا مصحف عثمان. وقد بلغت العناية بالمحافظة عليه أنّا لا نكاد نجد- بل لا نجد- أي خلاف بين النسخ التي لا عداد لها، والمنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي الفسيحة. ومع ما أدى إليه مقتل عثمان نفسه بعد ربع قرن من وفاة محمد، من قيام شيع مغضبة ثائرة زعزعت ولا تزال تزعزع وحدة العالم الإسلامي، فإن قرآنا واحدا قد ظل دائما قرآنها جميعا. وهذا الإسلام منها جميعا لكتاب واحد على اختلاف العصور حجة قاطعة، على أن ما أمامنا اليوم إنما هو النص الذي جمع بأمر الخليفة السيء الحظ. والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل ثلاثة عشر قرنا كاملا بنصّ هذا مبلغ صفائه ودقّته. والقراآت المختلفة قليلة إلى حدّ يثير الدهشة. وهذا الاختلاف محصور أكثر أمره في نطق الحروف المتحركة أو في مواضع الوقف، وهذه مسائل أبدعت في تاريخ متأخر، فلا مساس لها بمصحف عثمان.
وحدة الإسلام في عهد عثمان
«والآن، وقد تبين أن القرآن الذي نتلو هو نص مصحف عثمان لم يتغير، فعلينا أن نبحث: أهذا النص هو صورة مضبوطة لما جمع زيد بعد الاتفاق على إزالة ما كان في التلاوة من أوجه خلاف قليلة العدد قليلة الخطر؟ وكل ما لدينا مقنع تمام الإقناع بأن الأمر كذلك. فليس في الأنباء القديمة أو الجديرة بالتصديق ما يلقي على عثمان أية شبهة بأنه قصد إلى تحريف القرآن لتأييد أغراضه. صحيح أن الشيعة أدّعوا من بعد أنه أغفل بعض آيات تزكي عليّا. لكن العقل لا يسوغ هذا الزعم، فلم يكن قد نجم أي خلاف بين الأمريين والعلويين حين أقرّ مصحف عثمان، بل كانت وحدة الإسلام قائمة حينذاك لا يهدّدها شيء. ثم إن عليّا لم يكن قد صوّر مطالبه في صورتها الكاملة؛ فلم يكن غرض من الأغراض إذا ليدفع عثمان إلى ارتكاب إثم ينظر إليه المسلمون بعين المقت غاية المقت. ولقد كان عدد كبير ممن وعت قلوبهم القرآن كما سمعوه حين تلاه النبي أحياء حين جمع عثمان المصحف. فلو أن آيات تزكي عليّا كانت قد نزلت لوجدت نصوصها بين يدي أنصاره الكثيرين. وهذان السببان كانا كفيلين بالقضاء على كل محاولة لإغفال هذه الآيات. يضاف إلى ذلك أن شيعة علي استقلّوا بأمرهم بعد وفاة عثمان وبايعوا عليّا بالخلافة. أفيقبل العقل أنهم، وقد وصلوا إلى السلطة، يرضون عن قرآن مبتور، ومبتور قصدا للقضاء على أغراض زعيمهم!؟ مع ذلك ظلّوا يتلون القرآن الذي يتلوه خصومهم، ولم يثيروا أي ظل من الاعتراض عليه؟ بل إن عليّا أمر بأن تنشر نسخ كثيرة منه، ويقال إنه كتب بخط يده عددا منها. صحيح إن الثائرين قد جعلوا من أسباب انتقاضهم أن عثمان جمع القرآن وأمر بإهلاك ما سوى مصحفه من المصاحف. واعتراضهم إنما ينصب على إجراآت عثمان لذاتها ويعتبرونها محرّمة لا تجوز، لكن لم يشر أحد فيما وراء ذلك إلى تحريف في المصحف أو إبدال؛ فمثل هذا الزعم كان ظاهر الفساد يومئذ؛ وإنما أبدعه الشيعة من بعد لأغراضهم.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:17 AM   #17
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 33 - 35

دقة مصحف عثمان وكماله
نستطيع أن نستنبط إذا مطمئنين أنّ مصحف عثمان كان وما زال صورة مضبوطة لما جمعه زيد بن ثابت، مع مزيد في التوفيق بين الروايات السابقة له وبين لهجة قريش، ثم استبعاد سائر القراآت التي كانت منتشرة في أنحاء المملكة. مع ذلك لا تزال أهمّ مسألة قائمة أمامنا، هذه المسألة هي: هل كان ما جمعه زيد صورة صادقة كاملة لما أوحي إلى محمد؟ والاعتبارات الآتية تبعث اليقين بأنه كان مجموعة صادقة بلغت من حيث إنها كاملة كل ما يمكن بلوغه يومئذ:
«أوّلا- تمّ الجمع الأول برعاية أبي بكر. وكان أبو بكر تابعا صادق الإخلاص لمحمد كما كان مؤمنا كامل الإيمان بالمصدر القدسي للقرآن؛ وكان اتصاله الحميم بالنبي خلال السنوات العشرين الأخيرة من حياته، ومظهره الخلافة مظهر البساطة والحكمة والتنزه عن المطامع، بحيث لا تدع موضعا لأي فرض آخر. وكان إيمانه بأن ما يوحى إلى صاحبه إنما يوحى إليه من الله ذاته، مما يجعل أول أغراضه أن يكفل جمع هذا الوحي كله مطهرا كاملا. ومثل هذا القول يصدق علي عمر، وقد تمّ الجمع في خلافته. وهذا القول يصدق كذلك على المسلمين يومئذ جميعا، لا تفاوت لديهم فيه بين الكاتبين الذين عاونوا على هذا الجمع وبين المؤمن الرقيق الحال الذي يحمل إلى زيد ما عنده من الوحي المكتوب على العظام أو على أوراق الشجر؛ فقد كانوا جميعا تتساوى رغبتهم الصادقة في استظهار العبارات والألفاظ التي تلاها عليهم نبيهم على أنها رسالة من عند الله. وقد كان الحرص على الدقة قائما بشعور الناس جميعا؛ لأنه لم ينغرس في نفوسهم شيء ما أنغرس هذا التقديس المرهب لما يعتقدونه كلمة الله. وفي القرآن نذر للذين يفترون على الله الكذب أو يخفون شيئا من وحيه. ولسنا نستطيع أن نصدّق أن يجرؤ المسلمون الأوّلون، في حماستهم الأولى لدينهم وتقديسهم إياه، على التفكير في أمر ذلك مبلغة من مجافاة الإيمان.
«ثانيا- تمّ الجمع خلال سنتين أو ثلاث سنين بعد وفاة محمد؛ وقد رأينا طائفة من أتباعه يحفظون الوحي كله عن ظهر قلب، وأن كل واحد من المسلمين كان يحفظ طائفة منه، وأن جماعة من القراء كانت تعيّنهم الدولة وتبعث بهم إلى أنحاء المملكة الإسلامية لإقامة الشعائر ولتفقيه الناس في الدين. من هؤلاء جميعا تكوّنت حلقة اتّصال بين ما تلا محمد من الوحي يوم تلاه وبين ما جمعه زيد. فالمسلمون لم يكونوا صادقي القصد في جمع القرآن كله في مصحف واحد فحسب، بل كانت لديهم كذلك كل الوسائل التي تكفل تحقيق هذا الغرض، وتكفل تحقيق ما اجتمع في الكتاب الذي وضع بين أيديهم بعد جمعه من دقّة وكمال.
«ثالثا- ولدينا ضمان أوفى للدقة والكمال. ذلك ما كان موجودا منذ حياة محمد من أجزاء القرآن المكتوبة، والتي كثر لا شك عدد نسخها قبل جمع القرآن. وأكثر الأمر أن هذه النسخ كانت موجودة في حيازة جميع الذين يستطيعون القراءة. أما ونحن نعرف أن ما جمعه زيد قد تداوله الناس وتلوه بعد جمعه مباشرة.
فمن المعقول أن نستنبط أنه تناول ما احتوته هذه الأجزاء المكتوبة جميعا واتفق معها؛ لذلك حلّ محلّها بإقرارهم جميعا. فلم يتصل بنا أن الجامعين أغفلوا أجزاء أو آيات أو ألفاظا، أو أن شيئا مما كان موجودا من هذه اختلف عما حواه المصحف الذي جمع. ولو أن شيئا من ذلك كان، للوحظ بلا ريب ولدوّن في هذه المساند القديمة التي احتوت أدقّ أعمال محمد وأقواله، والتي لم تغافل منها حتى ما كان قليل الخطر.
«رابعا- محتويات القرآن ونظامه تنطق في قوة بدقة جمعه؛ فقد ضمّت الأجزاء المختلفة بعضها إلى بعض ببساطة تامة لا تعمّل ولا فنّ فيها. وهذا الجمع لا أثر فيه ليد تحاول المهارة أو التنسيق. وهو يشهد بإيمان الجامع وإخلاصه لما يجمع، فهو لم يجرؤ على أكثر من تناول هذه الآيات المقدسة ووضع بعضها إلى جانب بعض.
«والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي أن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقا فحسب، بل كان، كما تدلّ الوقائع عليه، كاملا، وأن جامعيه لم يتعمدوا إغفال أيّ من الوحي. ونستطيع كذلك أن نؤكد، استنادا إلى أقوى الأدلّة، أن كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها محمد» .
أطلنا في اقتطاف عبارات «سيروليم موير» كما وردت في مقدمة كتابه «حياة محمد» «1» . على أن ما اقتطفناه يغنينا عن ذكر ما كتبه «الأب لامنس» و «هون هامر» ومن يرون هذا الرأي من المستشرقين. هؤلاء جميعا يقطعون بدقة القرآن الذي نتلوه اليوم، وبأنه يحتوي كل ما تلاه محمد على أنه الوحي الذي تلقاه من ربه صادقا كاملا. فإذا ذهبت بعد ذلك قلة من المستشرقين غير مذهبهم وزعموا القرآن حرّف، غير آبهين لهذه الأدلة العقلية التي ساقها «موير» وكثرة المستشرقين، والتي أخذوها عن التاريخ الإسلامي والعلماء المسلمين كان ذلك تجنيا على الإسلام لم يمله غير الحقد على الإسلام وعلى صاحب الرسالة الإسلامية. ومهما يبلغ المتجنون من البراعة في صياغة تجنّيهم فلن يستطيعوا أن يخلعوا عليه ثوب البحث العلمي النزيه، ولن يستطيعوا أن يخلعوا به من المسلمين أحدا، اللهم إلا الشبان الذين يتوهمون أن البحث الحرّ يقتضيهم أن ينكروا ماضيهم، وأن يفتنوا عن الحق بما يزيّن لهم من الأباطيل وأن يؤمنوا بكل مطعن على هذا الماضي، ولو لم يكن لهذا الطعن ما يسوّغه من حقائق العلم والتاريخ.
كنا نستطيع أن نسوق هذه الحجج التي ساقها «السير موير» وغيره من المستشرقين، وأن نأتي بها من التاريخ الإسلامي ومما كتب علماء المسلمين، وأن نردها إلى مراجعها فيها. لكنا آثرنا نقلها عن أحد المستشرقين لنظهر شبابنا المولع بكل آثار الغرب، من غير تمحيص لها، على أن الدقّة في البحث العلمي وحسن القصد إلى الحق وحده جديران بهداية من يسلك سبيلهما مخلصا للحقيقة المجرّدة من كل زيف، وندلّه على أن واجب المحقق أن يدقق في بحثه حتى يصل من الحقيقة إلى غايته دون تأثر بهوى أو شهوة، ومن غير أن يقف به التقليد أو القصور عن بلوغ هذه الغاية. وقد وفّق المستشرقون للحق في بعض الأحيان، وقصر همهم دونه في أحيان أخرى. وكذلك كان أكثرهم في مسائل متصلة بحياة النبي العربي أتيح لنا تمحيصها في هذا الكتاب.
_______________________________
(1) راجع موير «حياة محمد» ص vix الى.xxix


__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:19 AM   #18
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 35 - 36

الطريقة الصحيحة في البحث
ويجمل بنا في هذا المقام أن نذكر أن واجب الباحث ألّا يثبت مسألة من المسائل وألّا ينفيها، قبل أن يصل من تمحيصه وبحثه إلى الاقتناع الذاتي الصحيح بأنه اطمان كل الطمأنينة إلى الوقوف فيها على الحقيقة كاملة غير مشوبة بشائبة. وشأن المؤرخ في ذلك شأن العالم في الأمور الطبيعية وفي غيرها من العلوم جميعا، وهذا واجبه، تناول كتب المستشرقين أو تناول كتب العلماء المسلمين. وإذا أوجب قصد الحق والمعرفة علينا أن ننقد وأن نمحّص ما خلّف كتّاب العرب والكتّاب المسلمون في الطب والفلك والكيمياء وغيرها من العلوم، فننفي منها ما لا يثبت أمام النقد العلمي ونثبت ما تقرّه قواعد هذا النقد، فقصد الحق والمعرفة يوجب علينا مثل هذه الدقة في أمر التاريخ وإن تعلّق بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام. فالمؤرخ ليس ناقلا فحسب، بل هو أيضا ناقد لما ينقل، ممحّص إياه لمعرفة ما ينطوي عليه من الحق. والنقد سبيل التمحيص والعلم والمعرفة أساس هذا النقد والتمحيص.
أحسبنا، بعد هذا التمحيص الذي نقلناه في شأن القرآن ودقته، في حلّ من إغفال ما جاء في رسالة ذلك المصري المسلم، المؤمن بكل ما يكتب المستشرقون، عن آيات يزعمون أنها أضيفت إلى القرآن أو عن اسم النبيّ وأنه لم يكن قثم، فهذا كلام لم يمله الحق بل أملاه الهوى الذي أملى دعوى تحريف القرآن.
ونعود إلى تفنيد النقطة الأخيرة من رسالة ذلك المصري المسلم. فهو يذكر أن مباحث المستشرقين دلّتهم على أن النبيّ كان يصاب بالصّرع وأن أعراضه كانت تبدو عليه؛ إذ كان يغيب عن صوابه، ويسيل منه العرق، وتعتريه التشنجات وتخرج من فمه الرّغوة، حتى إذا أفاق من نوبته تلا على المؤمنين به ما يقول إنه وحي الله إليه، في حين لم يكن هذا الوحي إلا أثرا من نوبات الصرع.

فرية الصرع
وتصوير ما كان يبدو على محمد في ساعات الوحي على هذا النحو خاطئ من الناحية العلمية أفحش الخطأ فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مرّ به أثناءها؛ ولا يذكر شيئا مما صنع أو حلّ به خلالها؛ ذلك لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطل. وهذه أعراض الصرع، كما يثبتها العلم، ولم يكن ذلك ما يصيب النبي العربي أثناء الوحي، بل كانت تتنبه حواسه المدركة في تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به، وكان يذكر بدقة غاية الدقة ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه. هذا، ثم إن نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الجسمية مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه، بل كان كثيرا ما يحدث والنبيّ في تمام يقظته العادية، وحسبنا أن نشير إلى ما أوردنا في هذا الكتاب عن نزول سورة الفتح عند قفول المسلمين من مكة إلى يثرب بعد عهد الحديبية.
ينفي العلم إذا أن الصرع كان يعتري محمدا؛ ولذلك لم يقل به إلا الأقلون من المستشرقين الذين افتروا على القرآن أنه حرف. وهم لم يقولوا به حرصا على حقيقة يتلمسونها، وإنما قالوا به ظنّا منهم أنهم يحطّون من قدر النبي العربي في نظر طائفة من المسلمين. أم حسبوا أنهم يلقون بأقوالهم هذه ظلا من الريبة على الوحي الذي نزل عليه، لأنه نزل عليه فيما يزعمون أثناء هذه النوبات؟ إن يكن ذلك فهو الخطأ البين، كما قدمنا، وهو ما ينكره العلم عليهم أشد الإنكار.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:21 AM   #19
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 36 - 37

الرجوع إلى العلم
ولو أن نزاهة القصد كانت رائد هؤلاء المستشرقين لما حمّلوا العلم ما ينكره. وهم إنما فعلوا ذلك ليخدعوا به أولئك الذين لا يهداهم علمهم إلى معرفة أعراض الصرع، والذين تمسكهم طمأنينتهم الساذجة إلى أقوال هؤلاء المستشرقين عن سؤال أهل العلم من رجال الطب وعن الرجوع إلى كتبه. ولو أنهم فعلوا لما تعذر عليهم أن يكشفوا عن خطأ هؤلاء المستشرقين خطأ مقصودا أو غير مقصود، ولتبينوا أن النشاط الروحي والعقليّ للإنسان يختفي تمام الاختفاء أثناء نوبات الصرع، ويذر صاحبه في حالة آلية محضة يتحرّك مثل حركته قبل نوبته، أو يثور إذا اشتدت به النوبة فيصيب غيره بالأذى، وهو أثناء ذلك غائب عن صوابه، لا يدرك ما يصدر عنه ولا ما يحلّ به، شأنه شأن النائم الذي لا يشعر بحركاته أثناء نومه؛ فإذا انقضى ما به لم يذكر منه شيئا. وشتان ما بين هذا وبين نشاط روحيّ قوي قاهر يصل صاحبه بالملأ الأعلى عن شعور تام وإدراك يقيني، ليبلغ من بعد ما أوحي إليه. فالصرع يعطل الإدراك الإنساني وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس. أما الوحي فسموّ روحيّ اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغوها للناس. وقد يصل العلم إلى إدراك بعض الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي مع ذلك حقائق يقينية تهتدي قلوب المؤمنين الصادقين إلى حقيقتها، على حين تظل قلوب عليها أقفالها جاهلة إياها لغافلتها عنها.

قصور العلم أحيانا
كنا نفهم أن يقول هؤلاء المستشرقون. إن الوحي ظاهرة نفسية شاذة في تقدير علمنا وما وصل إليه حتى اليوم؛ فمن المتعذر إذا تفسيرها على طريقته. لكن هذا القول إنما يدل على أن علمنا- على ما انفسح مداه واتسع أفقه- لا يزال قاصرا عن تفسير كثير من الظاهرات الروحية والنفسية. ولا عيب على العلم في هذا ولا عجب منه؛ فعلمنا ما يزال قاصرا عن تفسير بعض الظاهرات الكونية القريبة منا، وطبيعة الشمس والقمر وغيرهما من الأفلاك والكواكب لا يزال أمر العلم فيها عند الفروض والاستنباطات؛ وهذه الأفلاك جميعا بعض ما تشهده العين المجردة، وما تكشف الآلات المقرّبة لنا عن كثير من خفاياها. وإلى قرن مضى كانت مخترعات كثيرة تعتبر بعض إبداع الخيال فلا سبيل إلى أن تتجسّد أمامنا، وها هي ذي تجسدت وصرنا نحسبها من البسائط. والظاهرات الروحية والنفسية هي اليوم موضع ملاحظة العلماء، لكنها لم تخضع بعد لسلطان العلم كي يستنبط قوانينها الثابتة. وكثيرا ما نقرأ عن أمور شهدها العلماء وأثبتوها ثم أثبتوا معها أنهم لا يجدون لها في السنن الكونية التي استنبطها العلم تأويلا تطمئن إليه قواعده. فعلم النفس ما يزال بوجه عام، غير ثابت السنن في كثير من الشئون التي تعرض له. فإذا كان هذا واقعا في الحياة العادية، كان البدار إلى محاولة تفسير ظاهرات الحياة جميعها على الطريقة العلمية محاولة عقيمة وإسرافا معيبا.
ولقد كان الوحي بعض ما شهد المسلمون أثناء حياة محمد، وكان القرآن كلما ذكره لهم زادهم به إيمانا.
وكان منهم أذكياء غاية الذكاء، وكان منهم يهود ونصارى طال الجدال بينهم وبين النبي العربي، ثم آمنوا برسالته ولم ينكروا عليه من أمر الوحي شيئا. ولقد حاول قوم من قريش أن يتهموه بالسحر والجنون ثم أقروا أنه ليس بساحر ولا بمجنون وتابعوه وآمنوا بما جاء به. أما وذلك ثابت يقينا، فما يأباه العلم وتتنزه عنه قواعده إنما هو إنكار حدوث الوحي، والحط من قدر صاحبه ونعته بأوصاف ينكرها العلم ولا يقرها. والعالم النزيه القصد إلى الحق لا يستطيع أكثر من أن يقرّر أن ما وصل إليه العلم حتى هذا الزمان يقصر دون تفسير الوحي على الطريقة العلمية، ولكنه لا يمكنه أن ينكر بحال من الأحوال حدوث ظاهرات هذا الوحي مما وصف أصحاب النبي وكتّاب الصدر الأول للإسلام، فإن أنكرها وحاول تأويلها واتخذ العلم باطلا وسيلة إلى ذلك كان مبطلا متعنتا. والتعنت والعلم لا يتّفقان.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2016, 04:25 AM   #20
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,993
افتراضي 37 - 39

الطعن في محمد عجز عن الطعن في رسالته
ولئن دلّ هذا العنت على شيء لعلى شدة حرص أصحابه على التشكيك في الإسلام، وهم لم يستطيعوا الطعن على هذا الدين وقد رأوه دينا بلغ غاية السموّ مع بساطة ويسرهما مصدر قوّته؛ لذلك لجأوا إلى حجة العاجز حين يدع الأثر العظيم لا يعرض له بمطعن لأن المطاعن لا ترقى إليه، فهو يتناول من صدر هذا الأثر عنه أو كان وسيلته إلى الناس فيجعله هدف مطاعنه، وهذا عجز لا يلجأ إليه عالم، وهو بعد مناقض لقانون الطبيعة الإنسانية. ففي طبيعة الناس أن يعنوا بالآثار لذاتها، وأن يستمتعوا بثمراتها دون بحث لا طائل تحته في مصدرها ووسيلة حدوثها ونموها. وهم لذلك لا يعنّون أنفسهم بالبحث في أصل الشجرة التي أنبتت الثمرة التي تعجبهم، ولا في السماد الذي أدّى إلى ازدهارها، ما داموا لا يفكرون في غرس شجرة مثلها أو شجرة أشهى منها ثمرا. وهم حين يبحثون في فلسفة «أفلاطون» أو مسرحيات «شكسبير» أو عن «رفائيل» لا يتلمّسون المطاعن في حياة هؤلاء العظماء عنوان مجد الإنسانية وفخارها حين لا يجدون على هذه الآثار مطعنا، فإذا تلمّسوا المطاعن التي لا سند لها من الحق، لم يبلغوا من ذلك غايتهم وإن كشفوا عن سوء رأي وحقد يسقط حجتهم ويحول دون الاستماع لهم. ولن يغيّر من ذلك أن يفرغ هذا الحقد في قالب العلم؛ فالحقد لا يعرف الحقيقة. وكبرت الحقيقة أن يكون الحقد لها مصدرا. وهذا شأن مطاعن أولئك المستشرقين على النبي العربي خاتم المرسلين؛ ولذلك هوت مطاعنهم إلى الحضيض.
فرغت الآن من تفنيد رأي أولئك المستشرقين الذين استندت إليهم رسالة ذلك المصري المسلم، وأقمت الدليل على فساده، فلأنتقل إلى طائفة أخرى من الملاحظات التي أبداها بعض المشتغلين بالعلوم الدينية من المسلمين بعد ظهور الطبعة الأولى.
وأكبر ظني ألا تتكرر أمثال هذه المطاعن الوضيعة التي يأباها العلم وينكرها. فربما كان لهؤلاء المستشرقين من العذر عن إسرافهم من قبل أنهم كانوا يحسبون أنهم يكتبون للأوروبيين المسيحيين، وأنهم كانوا يقومون لذلك بواجب قومي أو بواجب ديني تمليه عليهم عقيدتهم وتدفعهم إلى اتخاذ العلم بغيا وسيلتهم إلى أدائه. أمّا اليوم، وقد توثّقت أسباب الاتصال بالبرق والإذاعة، وبعد أن وثقت الصحافة والطباعة بين أجزاء العالم، فقد
أصبح ما ينشر وما يقال في أوروبا أو في أمريكا يعرف ليومه أو لساعته في بلاد الشرق جميعا. فواجب على الذين يريدون الاضطلاع برسالة المعرفة والحقيقة أن ينزعوا عن عيونهم وعن قلوبهم غشاوة الحواجز القومية أو الجنسية أو الدينية، وأن يقدّروا أن ما يقولونه أو يكتبونه سرعان ما يصل علمه إلى الناس جميعا فيتناولونه في مختلف بلاد الأرض بالنقد والتمحيص. فلتكن الحقيقة غير المقيّدة بأي قيد هي رائدنا جميعا، ولنوجه كل همنا إلى أن نربط ما بين ماضي الإنسانية ومستقبلها، على أنها وحدة كبرى لا تفرّق بينها القوميات ولا الجنسيات ولا الأديان برابطة ترمي إلى تحقيق أسمى غاية تطلعت إليها الإنسانية منذ نشأتها، رابطة الإخاء الحرّ في ظل الحق والجمال؛ فتلك وحدها هي الرابطة التي تكفل هداية الإنسانية في سيرها الحثيث نحو السعادة والكمال.
بينما يأخذ علينا غلاة المصدّقين لما أسرف فيه المستشرقون أنا نعتمد على المصادر العربية ونستند إلى ما ورد فيها، إذا بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية يأخذون علينا أننا نرجع إلى أقوال المستشرقين ولا نأخذ بكل ما سجّلته كتب السيرة وما روته كتب الحديث متصلا بسيرة النبي العربي، وأننا لا ننهج نهج هذه الكتب.
وعلى هذا الأساس أبدى بعضهم ملاحظات في أكثرها رفق ومجادلة بالتي هي أحسن ابتغاء الوصول إلى الحق، وفي بعضها عنت أو جهل لا يرضي أيهما لنفسه من أوتي حظّا من العلم. أما الذين جادلوا في رفق فتنصرف أكثر ملاحظاتهم إلى أننا لم نذكر ما ورد في كتب السيرة والحديث من المعجزات، بل قلنا في خاتمة الطبعة الأولى:
«فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع إنسان أن يبلغ. ولقد كان صلى الله عليه وسلّم حريصا على أن يقدّر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك» وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر: «إنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحادث أن حياة محمد كانت كلها حياة إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق. وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربي كلها ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله وأن سنّة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تغيير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون؛ أن ليست لهم قلوب يعقلون بها. ومن هؤلاء المجادلين في رفق من يأخذ علينا أننا أوردنا مطاعن المستشرقين على النبي مقدمة للرد عليها؛ وإيراد هذه المطاعن لا يتفق مع ما يجب في نظرهم، للنبي عليه السلام من إكبار وإكرام. أما الذين لجأوا إلى العنت فقد ظهروا قبل أن تظهر طبعة الكتاب الأولى، وقبل أن يجمع هذا البحث في كتاب، وأشد ما استطاعوا أن يأخذوه عليّ أنني جعلت عنوان بحثي «حياة محمد» ، من غير أن أردف هذا العنوان بالصلاة والسلام على رسول الله، وإن ذكرتها غير مرة في غضون البحث. وكنت أحسبهم يرجعون عن عنتهم بعد أن زيّنت عنوان الطبعة الأولى بالآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) «1» وبعد أن تناول الكتاب السيرة على الطريقة التي تناولها بها. لكنهم أصرّوا على ملاحظتهم، فدلوا بذلك على تعنتهم وعلى جهلهم مع ذلك بحقائق الإسلام اكتفاء منهم باتباع ما وجدوا عليه آباءهم.
ونبدأ بدفع هذه الملاحظة الخاطئة آملين ألّا يعود أصحابها وألّا يعود غيرهم إلى إبدائها على أي كتاب يظهر وإنما ندفعها بالرجوع إلى كتب الأئمة من علماء المسلمين حتى يعرف الناس جميعا سموّ الإسلام فوق القيود اللفظية ويقدروا قيمة الحديث: «إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . فقد ذكر أبو البقاء في «كليّاته» أن «كتابة الصلاة في أوائل. الكتب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية، ولهذا وقع كتاب البخاريّ وغيره عاريا عنها» . وكثرة الأئمة على أن الصلاة على النبي يكفي أن يذكرها المرء مرة واحدة في حياته. قال ابن نجيم في «البحر الرائق» : وأما موجب الأمر في قوله تعالى:
(صَلُّوا عَلَيْهِ) فهو افتراضها في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وهذا بلا خلاف» . والخلاف بين الشافعي وغيره على وجوب الصلاة على النبي أثناء الصلاة لا خارجها. والصلاة هي الدعاء: ومعناها في الآية أن يترحم الله على النبي ويسلّم» . هذا ما أورده علماء المسلمين وأئمتهم في هذا الموضوع. وهو يدلّ على إسراف الذين يزعمون وجوب الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه وكلما كتب، وعلى خطئهم خطأ ما كانوا يقعون فيه إذا عرفوا ما قدمنا وأن كبار المحدثين لم يكونوا يكتبون الصلاة في أوائل الكتب.
___________________
(1) سورة الأحزاب آية 56.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.