قديم 07-15-2012, 03:40 AM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي نشأة المتكلمين ومنهجهم


نشأة المتكلمين ومنهجهم
آمن المسلمون بالإسلام إيماناً لا يتطرق إليه ارتياب، وكان إيمانهم من القوة بحيث لا يثير فيهم أية أسئلة مما فيه شبهة التشكيك، ولم يبحثوا في آيات القرآن إلا بحثاً يدركون فيه معانيه إدراكاً واقعياً في الأفكار. ولم يتطرقوا إلى الفروض التي تترتب على ذلك، ولا النتائج المنطقية التي تستخلص منه. وقد خرجوا إلى العالم يحملون هذه الدعوة الإسلامية للناس كافة، ويقاتلون في سبيلها، وفتحوا البلدان، ودانت لهم الشعوب.
وقد انصرم القرن الأول للهجرة كله وتيار الدعوة الإسلامية يكتسح أمامه كل شيء، والأفكار الإسلامية تعطى للناس كما تلقاها المسلمون، في فهم مشرق، وإيمان قطعي ووعي مدهش. إلا أن حمل الدعوة الإسلامية في البلدان المفتوحة أدى إلى الاصطدام الفكري مع أصحاب الأديان الأخرى ممن لم يدخلوا الإسلام بعد، وممن دخلوا في حظيرته. وكان هذا الاصطدام الفكري عنيفاً. فقد كان أصحاب الأديان الأخرى يعرفون بعض الأفكار الفلسفية، وعندهم آراء أخذوها عن أديناهم، فكانوا يثيرون الشبهات، ويجادلون المسلمين في العقائد. لأن أساس الدعوة مبني على العقيدة والأفكار المتعلقة بها. فكان حرص المسلمين على الدعوة الإسلامية، وحاجتهم للرد على خصومهم، قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض الأفكار الفلسفية لتكون بيدهم سلاحاً ضد خصومهم. وقد برَّر لهم هذا التعلم ودفعهم إليه فوق حرصهم على حمل الدعوة والرد على مخالفيهم عاملان اثنان هما:
أولاً - أن القرآن الكريم بجانب دعوته إلى التوحيد والنبوة، عرض لأهم الفرق والأديان التي كانت منتشرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليهم ونقض قولهم. فقد عرض للشرك بجميع أنواعه ورد عليه. فمن المشركين من ألّه الكواكب واتخذها شريكة لله فردَّ عليهم، ومنهم من قالوا بعبادة الأوثان وأشركوها مع الله فردَّ عليهم. ومنهم من أنكر النبوات فردَّ عليهم، ومنهم من أنكر نبوة محمد فردَّ عليه، ومنهم من أنكر الحشر والنشر فردَّ عليه، ومنهم من ألّه عيسى عليه السلام أو جعله ابن الله فردَّ عليه. ولم يكتف بذلك بل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمجادلتهم قال تعالى" وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" "وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ". وقد كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلمحياة صراع فكري مع الكفار جميعاً من مشركين وأهل كتاب، ورويت عنه الحوادث الكثيرة في مكة والمدينة وهو يناقش الكفار ويجادلهم أفراداً وجماعات ووفوداً. فهذا الصراع الفكري البارز في آيات القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله يقرأه المسلمون ويسمعونه ولذلك كان طبيعياً أن يناقشوا أهل الأديان الأخرى، وأن يدخلوا معهم في صراع فكري، وأن يجادلوهم. فأحكام دينهم تدعوهم إلى هذا الجدال، وطبيعة الدعوة الإسلامية وهي تصطدم مع الكفر لا يمكن إلا أن يحصل بينها وبين الكفر صراع ونقاش وجدال. أما الذي جعل الصراع يأخذ ناحيته العقلية، فإن القرآن نفسه دعا إلى استعمال العقل، وجاء بالأدلة العقلية والبراهين الحسية، والدعوة إلى عقيدته إنما تعتمد على العقل لا على النقل، فكان من الحتمي أن يأخذ الجدال والصراع الناحية العقلية ويتسم بطابعها.
ثانياً - قد تسربت مسائل فلسفية لاهوتية من نصارى النساطرة وأمثالهم وعُرف منطق أرسطو بين المسلمين، واطلع بعض المسلمين على بعض كتب الفلسفة، وترجمت كتب كثيرة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية، ثم صارت الترجمة من اليونانية إلى العربية. فكان هذا مساعداً على وجود الأفكار الفلسفية. وكانت بعض الأديان الأخرى وخاصة اليهودية والنصرانية قد تسلحت بالفلسفة اليونانية، وأدخلت للبلاد الأفكار الفلسفية، فكان ذلك كله موجداً أفكاراً فلسفية حملت المسلمين على دراستها.
فهذان العاملان وهما: أحكام الإسلام وأفكاره في الجدال، ووجود أفكار فلسفية، هما اللذان دفعا المسلمين للانتقال إلى الأبحاث العقلية والأفكار الفلسفية يتعلمونها ويتخذونها مادة في مناقشاتهم ومجادلاتهم وبررا ذلك. إلا أن ذلك كله لم يكن دراسة فلسفية كاملة، وإنما دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود، لأنه ما كان يتسنى للمسلمين الرد إلا بعد الاطلاع على أقوال الفلاسفة اليونان. لا سيما ما يتعلق منها بالمنطق واللاهوت. ولذلك اندفعوا إلى الإحاطة بالفرق الأجنبية وأقوالها وحججها. وبذلك أصبحت البلاد الإسلامية ساحة تُعرض فيها كل الآراء وكل الديانات ويُتجادل فيها. ولا شك أن الجدل يستدعي النظر والتفكير ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل، وتحمل كل فريق على الأخذ بما صح عنده، فكان هذا الجدل والتفكير مؤثراً إلى حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجاً جديداً في البحث والجدل والنقاش. وقد أثَّرت عليهم الأفكار الفلسفية التي تعلموها تأثيراً كبيراً في طريقة استدلالهم، وفي بعض أفكارهم، فتكوَّن من جراء ذلك علم الكلام وصار فناً خاصاً، ونشأت في البلاد الإسلامية بين المسلمين جماعة المتكلمين.
ولما كان هؤلاء المتكلمون إنما يدافعون عن الإسلام ويشرحون أحكامه ويبينون أفكار القرآن، كان تأثرهم الأساسي بالقرآن، و أساسهم الذي يبنون عليه بحثهم هو القرآن. إلا أنهم وقد تعلموا الفلسفة للدفاع عن القرآن، وتسلحوا بها ضد خصومهم، صار لهم منهج خاص في البحث والتقرير والتدليل، يخالف منهج القرآن والحديث وأقوال الصحابة، ويخالف منهج الفلاسفة اليونان في بحثهم وتقريرهم وتدليلهم.
أما مخالفتهم لمنهج القرآن فذلك أن القرآن اعتمد في الدعوة على أساس فطري، فقد اعتمد على هذه الفطرة وخاطب الناس بما يتفق معها. واعتمد في نفس الوقت على الأساس العقلي. فقد اعتمد على العقل وخاطب العقول، قال تعالى " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ " وقال تعالى " فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ " وقال " فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً " . وقال " أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ "، وقال " وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ".وقال" أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ". وهكذا يسير منهج القرآن في إثبات قدرة الله وعلمه وإرادته على أساس الفطرة والعقل. وهذا المنهج يتفق مع الفطرة ويشعر كل إنسان بأعماق نفسه بالاستجابة له والإصغاء إليه، حتى الملحد يعقله ويعنو له. وهو منهج يوافق كل إنسان لا فرق بين الخاصة والعامة وبين المتعلم وغير المتعلم.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-15-2012, 03:42 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


نشأة المتكلمين ومنهجهم /2
ثم إن الآيات المتشابهة التي فيها إجمال، وفيها عدم وضوح للباحث، جاءت عامة دون تفصيل، وجاءت بشكل وصف إجمالي للأشياء أو تقريراً لوقائع يظهر فيها عدم البحث والاستفاضة والاستدلال. فلا ينفر منها القارئ ولا يدرك حقيقة ما ترمي إليه إلا بمقدار مدلولات ألفاظها. ولذلك كان من الطبيعي الوقوف منها موقف التسليم كما هي الحال في وصف أي واقع، وتقرير أي حقيقة، دون تعليل أو تدليل. فآيات تصف جانباً من أفعال الإنسان فتدل على الجبر، وآيات تصف جانباً آخر فتدل على الاختيار. يقول الله تعالى " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " ويقول " وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ " . ولكنه مع ذلك تجده يقول " فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ". وجاءت آيات تثبت لله تعالى وجهاً ويداً وتعبر عنه بأنه نور السماوات والأرض وتقول أنه في السماء " ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ "" وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً " " وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ " " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " وجاءت آيات تثبت له التنزيه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " " مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا " "سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " . وهكذا وردت في القرآن آيات في نواح يظهر فيها التناقض ، وقد سمَّاها القرآن بالمتشابهات ، قال تعالى "مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ" .
وحين نزلت هذه الآيات وبلَّغها الرسول صلى الله عليه وسلم للناس، وآمن بها المسلمون وحفظوها عن ظهر قلب، لم تثر فيهم أي بحث أو جدال، ولم يروا فيها أي تناقض يحتاج إلى التوفيق، بل فهموا كل آية في الجانب الذي جاءت تصفه أو تقرره، فكانت منسجمة في واقعها وفي نفوسهم، وقد آمنوا بها وصدقوها وفهموها فهماً مجملاً واكتفوا بهذا الفهم، واعتبروها وصفاً لواقع، أو تقريراً لحقائق. وكان كثير من ذوي العقول لا يستسيغ الدخول في تفصيل هذه المتشابهات والجدال فيها، ويرى أن ذلك ليس من مصلحة الإسلام. ففهم المعنى الإجمالي لكل من فهم بمقدار ما فهم يغنيه عن الدخول في التفصيلات والتفريعات. وهكذا أدرك المسلمون منهج القرآن وتلقوا آياته وساروا على ذلك في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم من بعدهم حتى انتهى القرن الأول بكامله.
وأما مخالفتهم لمنهج الفلاسفة، فلذلك أن الفلاسفة يعتمدون على البراهين وحدها، ويؤلفون البرهان تأليفاً منطقياً. من مقدمة صغرى وكبرى ونتيجة ويستعملون ألفاظاً واصطلاحات للأشياء من جوهر وعرض ونحوهما ويثيرون المشاكل العقلية ويبنون عليها بناءاً منطقياً لا بناء حسياً أو واقعياً.
أما منهج المتكلمين في البحث فيغاير ذلك. لأن المتكلمين آمنوا بالله ورسوله وما جاء به رسوله، ثم أرادوا أن يبرهنوا على ذلك بالأدلة العقلية المنطقية، ثم أخذوا يبحثون في حدوث العالم، وإقامة الدليل على حدوث الأشياء.
وأخذوا يتوسعون في ذلك، فَفُتحت أمامهم موضوعات جديدة ساروا في بحثها وبحث ما يتفرع منها إلى نهايته المنطقية. فهم لم يبحثوا في آيات لفهمها كما هو منهج المتقدمين وكما هو غرض القرآن، وإنما آمنوا بها وأخذوا يقيمون البراهين على ما يفهمونه هم منها. هذه ناحية من نواحي البحث وأما الناحية الأخرى من البحث، وهي النظرة إلى الآيات المتشابهة، فإن المتكلمين لم يقنعوا بالإيمان بالمتشابهات جملة من غير تفصيل، فجمعوا آيات التي قد يظهر بينها خلاف بعد تتبعهم لها جميعها كالجبر والاختيار وكالآيات التي قد يظهر منها جسمية الله تعالى. وسلطوا عليها عقولهم وجرءوا على ما لم يجرؤ عليه غيرهم، فأداهم النظر في كل مسألة إلى رأي، فإذا وصلوا إلى هذا الرأي عمدوا إلى الآيات التي يظهر أنها تخالف رأيهم فأولوها. فكان التأويل أول مظاهر المتكلمين، فإذا أداهم البحث إلى أن الله منزه عن الجهة والمكان أولوا الآيات التي تشعر بأنه تعالى في السماء وأولوا الاستواء على العرش. وإذا أداهم البحث إلى أن نفي الجهة عن الله يستلزم أنَّ أعْين الناس لا يمكن أن تراه، أولوا الأخبار الواردة في رؤية الناس لله، وهكذا كان التأويل عنصراً من عناصر المتكلمين وأكبر مميِّز لهم عن السلف.
فهذا المنهج من البحث في إعطاء العقل حرية البحث في كل شيء فيما يُدرك وفيما لا يُدرك، في الطبيعة وفيما وراء الطبيعة، فيما يقع عليه الحس وفيما لا يقع عليه الحس يؤدي حتماً إلى جعله الأساس للقرآن، لا جعل القرآن أساساً له، فكان طبيعياً أن يوجد هذا المنحى في التأويل، وكان طبيعياً أن يتجه هؤلاء إلى أية جهة يرونها على اعتبار أن العقل يراها في نظرهم. وهذا يستلزم اختلافاً كبيراً بينهم. فإن أدى النظر قوماً إلى الاختيار وتأويل الجبر، فإنه قد يؤدي النظر غيرهم إلى إثبات الجبر وتأويل آيات الاختيار، وقد يؤدي غيرهم إلى التوفيق بين رأي هؤلاء ورأي هؤلاء برأي جديد. وبرز على جميع المتكلمين أمران: أحدهما: الاعتماد في البراهين على المنطق وتأليف القضايا لا على المحسوسات، والثاني: الاعتماد على تأويل آيات التي تخالف النتائج التي توصلوا إليها.


منقول عن : الشخصبة الإسلامية - الجزء الأول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:08 AM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


خطأ منهج المتكلمين
يتبين من استعراض منهج المتكلمين أنه منهج غير صحيح وسلوكه لا يؤدي إلى إيجاد الإيمان ولا إلى تقوية الإيمان، بل إن سلوكه لا يؤدي إلى إيجاد التفكير ولا إلى تقوية التفكير، وإنما يوجد معرفة فحسب، والمعرفة غير الإيمان وغير التفكير. ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎ووجه الخطأ في هذا المنهج ظاهر في عدة وجوه:
أولاً - أن هذا المنهج يعتمدون فيه في إقامة البرهان على الأساس المنطقي وليس على الأساس الحسي وهذا خطأ من وجهين. أحدهما أنه يجعل المسلم في حاجة إلى أن يتعلم علم المنطق حتى يستطيع إقامة البرهان على وجود الله، ومعنى ذلك أن مَنْ لا يعرف المنطق يعجز عن البرهنة على صحة عقيدته، ومعناه أيضاً أن يصبح علم المنطق بالنسبة لعلم الكلام كالنحو بالنسبة لقراءة العربية بعد أن فسد اللسان، مع أن علم المنطق لا دخل له بالعقيدة الإسلامية ولا شأن له في البراهين. فقد جاء الإسلام ولم يكن المسلمون يعرفون علم المنطق وحملوا الرسالة وأقاموا الأدلة القاطعة على عقائدهم ولم يحتاجوا علم المنطق بشيء وهذا يدل على انتفاء وجود علم المنطق من الثقافة الإسلامية وعدم لزومه في شيء من البراهين على العقيدة الإسلامية، أمَّا الوجه الثاني فإن الأساس المنطقي مظنة للخطأ بخلاف الأساس الحسي فإنه من حيث وجود الشيء لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ مطلقاً، وما يمكن أن يتسرب إليه الخطأ لا يصح أن يُجعل أساساً في الإيمان.
فالمنطق عرضة لأن تحصل فيه المغالطة وعرضة لأن تكون نتائجه غير صحيحة لأنه وإن كان يشترط صحة القضايا وسلامة تركيبها إلا أنه في كونه بناء قضية على قضية يجعل صحة النتيجة مبنياً على صحة هذه القضايا، وصحة هذه القضايا غير مضمونة لأن النتيجة لا تستند إلى الحس مباشرة بل تستند إلى اقتران القضايا مع بعضها فتكون النتيجة غير مضمونة الصحة. وذلك أن الذي يحصل فيه هو أن اقتران القضايا مع بعضها يجري فيه ترتيب المعقولات على المعقولات واستنتاج معقولات منها، ويجري فيه ترتيب المحسوسات على المحسوسات واستنتاج محسوسات منها. أما ترتيب المعقولات على المعقولات فإنه يؤدي إلى الانزلاق في الخطأ ويؤدي إلى التناقض في النتائج ويؤدي إلى الاسترسال في سلاسل من القضايا والنتائج المعقولة من حيث الفرض والتقدير لا من حيث وجودها في الواقع، حتى كان آخر الطريق في كثير من هذه القضايا أوهاماً وأخاليط. ومن هنا كان الاستدلال بالقضايا التي يجري فيها ترتيب معقولات على معقولات عُرضة للانزلاق. فمثلاً يقال منطقياً: القرآن كلام الله وهو مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود وكل كلام مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود حادث، فالنتيجة القرآن حادث ومخلوق. فهذا الترتيب للقضايا أوصل إلى نتيجة ليست مما يقع تحت الحس فلا سبيل للعقل إلى بحثها أو الحكم عليها، ولذلك فهي حكم فرضي غير واقعي، فضلاً عن كونها من الأمور التي مُنعَ العقل من بحثها، لأن البحث في صفة الله بحث في ذاته ولا يجوز البحث في ذات الله ولا بوجه من الوجوه. على أنه يمكن بواسطة نفس المنطق أن نصل إلى نتيجة تناقض هذه النتيجة، فيقال القرآن كلام الله وهو صفة له، وكل ما هو صفة لله فهو قديم، فالنتيجة القرآن قديم غير مخلوق. وبذلك برز التناقض في المنطق في قضية واحدة، وهكذا في كثير من القضايا المترتبة على ترتيب معقولات على معقولات يصل المنطقي إلى نتائج في غاية التناقض وفي غاية الغرابة. أما ترتيب المحسوسات على المحسوسات فإنه إذا انتهى إلى الحس في القضايا انتهى إلى الحس في النتيجة تكون النتيجة صحيحة لأنها اعتمدت على الحس في القضايا والنتيجة لا على ترتيب القضايا فقط. ولكن الذي يحصل أن الاعتماد في الوصول إلى الحقيقة يكون على ترتيب القضايا، وملاحظة الحس إنما تكون فيما تنتهي إليه القضايا وقد يحصل أن القضية قد يتوهم أنها تصدق على شيء ويكون الواقع أنها لا تصدق على هذا الشيء، أو قد يحصل أن القضية المسوَّرة بالسور الكلي قد تصدق على بعض أجزائها دون البعض فيوهم صدقها على بعض أجزائها صدقها على الجميع أو قد يحصل أن يكون في القضية حكم ظاهره صحيح وواقعه خطأ فيتوهم صحة القضية، وقد يحصل أن تكون النتيجة صحيحة ولكن القضايا التي استنتجت منها خطأ فيتوهم من صحة النتيجة صحة القضايا .... وهكذا. فمثلاً قد يُقال: إسبانيا سكانها ليسوا مسلمين، وكل بلد سكانه ليسوا مسلمين ليس بلداً إسلامياً، فالنتيجة إسبانيا ليست بلداً إسلامياً. فهذه النتيجة خطأ، والخطأ آتٍ من أن القضية الثانية خطأ. فقوله كل بلد سكانه ليسوا مسلمين ليس بلداً إسلامياً خطأ لأن البلد يكون بلداً إسلامياً إذا حُكم بالإسلام أو إذا كان جمهرة سكانها مسلمين، ولهذا جاءت النتيجة خطأ، فإن إسبانيا بلاد إسلامية. ومثلاً قد يقال: معاوية بن أبي سفيان رأى الرسول صلى الله عليه وسلم واجتمع به، وكل من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم واجتمع به صحابي، فالنتيجة معاوية بن أبي سفيان صحابي، وهذه النتيجة خطأ. فليس كل مَنْ رأى الرسول صلى الله عليه وسلم واجتمع به صحابياً وإلا لكان أبو لهب صحابياً، بل الصحابي هو كل من تحقق فيه معنى الصحبة كأن غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة أو غزوتين أو صحبه سنة أو سنتين. ومثلاً قد يقال: أمريكا بلد ترتفع فيه الناحية الاقتصادية وكل بلد ترتفع فيه الناحية الاقتصادية بلد ناهض، فالنتيجة أمريكا بلد ناهض. فهذه النتيجة صحيحة بالنسبة لأمريكا. مع أن إحدى القضيتين فيها غير صحيحة. فليس كل بلد ترتفع فيه الناحية الاقتصادية بلداً ناهضاً، بل البلد الناهض هو البلد الذي ترتفع فيه الناحية الفكرية. فيترتب على هذه القضية التي صحَّت نتيجتها أن يتوهم أن القضايا التي أخذت منها هذه النتيجة صحيحة ويترتب على ذلك كله أن تكون الكويت وقطر والسعودية كل منها بلد ناهض لأن الناحية الاقتصادية فيها مرتفعة مع أن الحقيقة هي بلاد غير ناهضة. وهكذا جميع القضايا تستند صحة نتائجها إلى صحة القضايا، وصحة القضايا غير مضمونة لأنه قد تقع فيها المغالطة، ولذلك كان من الخطأ الاعتماد في إقامة البرهان على الأساس المنطقي. ولكن ليس معنى هذا أن الحقيقة التي يتوصل إليها عن طريق المنطق خطأ، أو أن إقامة البرهان بواسطة المنطق خطأ بل معناه أن الاعتماد في البرهان على الأساس المنطقي خطأ وجعل المنطق أساساً في إقامة الحجج خطأ فيجب أن يجعل الحس هو الأساس في الحجة والبرهان. أمَّا المنطق فإنه يجوز أن يقام به البرهان على صحة القضية وهو يكون صحيحاً إذا صحت قضاياه جميعها وانتهت هي والنتيجة معاً إلى الحس، وكانت صحة النتيجة آتية من الاستنتاج من القضايا لا من شيء آخر، إلا أن وجود إمكانية وقوع المغالطة فيه يوجب أن لا يُجعل أساساً في إقامة الحجة لأنه ككل أساس ظني فيه إمكانية الخطأ وإن كان يمكن أن يكون الاستدلال في بعض صوره يقينياً، ويجب أن يُجعل الأساس في البرهان هو الحس لأنه ككل أساس قطعي في وجود الشيء لا يمكن أن يتطرق إليه أي خطأ.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:10 AM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


خطأ منهج المتكلمين/2
ثانياً - أن المتكلمين خرجوا على الواقع المحسوس، وتجاوزوه إلى غير المحسوس فهم بحثوا فيما وراء الطبيعة، في ذات الله وفي صفاته، فيما لم يصل إليه الحس، وشبكوا ذلك مع الأبحاث المتعلقة بالمحسوس، وأفرطوا في قياس الغائب على الشاهد، أعني في قياس الله على الإنسان، فأوجبوا على الله العدل كما يتصوره الإنسان في الدنيا، وأوجبوا على الله أن يعمل ما فيه الصلاح بل أوجب بعضهم على الله أن يعمل ما هو الأصلح لأن الله حكيم ولا يفعل فعلاً إلا لغرض أو حكمة، والفعل من غير غرض سفه وعبث، والحكيم إما أن ينتفع هو وإما أن ينتفع غيره، ولما تقدس الله تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره ...
وهكذا مما جعلهم يخوضون في أبحاث ليست مما يقع عليه الحس وليست مما يمكن الحكم عليها بواسطة العقل، فوقعوا فيما وقعوا فيه. وفاتهم أن المحسوس مدرك وأن ذات الله غير مدركة فلا يمكن أن يقاس أحدهما على الآخر، ولم يفطنوا إلى أن عدل الله لا يصح أن يقاس على عدل الإنسان ولا يجوز إخضاع الله لقوانين هذا العالم وهو الذي خلق العالم، وهو الذي يُديره حسب هذه القوانين التي جعلها له. وإذا كنا نرى أن الإنسان إذا ضاق نظره يفهم العدل فهماً ضيقاً ويحكم على الأشياء حكماً معيناً فإذا اتسع نظره تغيرت نظرته إلى العدل وتغير حكمه فكيف نقيس رب العالمين الذي يحيط علمه بكل شيء فنعطي عدله المعنى الذي نراه نحن للعدل؟ أما الصلاح والأصلح فهو متفرع عن نظرتهم للعدل وما قيل في العدل يقال فيه، والمشاهد في ذلك أن الإنسان قد يرى شيئا فيه صلاح فإذا اتسعت نظرته تغير رأيه. فالعالم الإسلامي اليوم دار كفر ترك الحكم بالإسلام ولذلك يراه جميع المسلمين أنه عالم فاسد ويقول أكثرهم أنه في حاجة إلى إصلاح ولكن الواعين يرون أن الإصلاح يعني إزالة الفساد من الوضع الموجود، وهذا خطأ، بل العالم الإسلامي في حاجة إلى انقلاب شامل يزيل حكم الكفر ويعمل به في حكم الإسلام، وكل إصلاح فيه إطالة لعمر الفساد. وبهذا يظهر اختلاف نظرة الإنسان للصلاح فكيف يُراد إخضاع الله لنظرة الإنسان حتى نوجب عليه أن يفعل ما نراه نحن صلاحاً وأصلح؟ ولو حكّمنا عقلنا لرأينا أن الله فعل أشياء لا ترى عقولنا أن فيها أي صلاح، فأي صلاح في خلق إبليس والشياطين وإعطائهم القوة على إضلال الناس؟ ولِمَ أنظرَ الله إبليس إلى يوم القيامة وأمات سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ؟ فهل ذلك أصلح للخلق ؟ ولِمَ يزيل حكم الإسلام على الأرض ويُعلي حكم الكفر، ويذل المسلمين ويسلط عليهم أعداءهم الكافرين، هل ذلك أصلح للعباد؟ ولو سرنا في تعداد آلاف الأعمال وقسناها على عقلنا وعلى فهمنا لمعنى الصلاح والأصلح لما وجدناها صالحة. ولذلك لا يصح قياس الله على الإنسان ولا يجب على الله شيء ] لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ . وما أوقع المتكلمين في هذا إلا منهجهم في البحث وقياسهم الله على الإنسان.
ثالثاً - أن منهج المتكلمين يُعطي العقل حرية البحث في كل شيء، فيما يحس وفيما لا يحس، وهذا يؤدي حتماً إلى جعل العقل يبحث فيما لا يمكنه أن يحكم عليه، ويبحث في الفروض والتخيلات، ويقيم البرهان على مجرد التصور لأشياء قد تكون موجودة وقد لا تكون موجودة، وهذا يؤدي إلى إمكانية إنكار أشياء موجودة قطعاً إذا اخبَرَنا عنها من نَجزمُ بصدق إخباره ولكن العقل لا يُدركها، ويؤدي إلى إمكانية الإيمان بأمور وهمية لا وجود لها ولكن العقل تخيّل وجودها، فمثلاً بحثوا في ذات الله وصفاته فمنهم من قال الصفة عين الموصوف ومنهم من قال الصفة غير الموصوف وقالوا علم الله هو انكشاف المعلوم على ما هو عليه، والمعلوم يتغير من حين لآخر، فورقة الشجرة تسقط بعد أن كانت غير ساقطة والله يقول ] وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا [ .وعلم الله ينكشف به الشيء على ما هو عليه، فهو عالم بالشيء قبل أن يكون على أنه سيكون، وعالم بالشيء إذا كان على أنه كان، وعالم بالشيء إذا عدم على أنه عدم. فكيف يتغيّر علم الله بتغيُّر الموجودات؟ والعلم المتغيِّر بتغير الحوادث علم محدث والله لا يقوم به محدث، لأن ما يتعلق به المحدث محدث .. ومن المتكلمين مَنْ أجاب على هذا بقوله: إن من المسلَّم به أن عِلمنا بأن زيداً سيقدم علينا غير علمنا بأنه قدم فعلاً، وتلك التفرقة ترجع إلى تجدد العلم، ولكن ذلك في حق الإنسان فهو الذي يتجدد علمه لأن مصدر العلم وهو الإحساس والإدراك يتجدد. أما في حق الله فلا تفرقة عنده بين مُقَدَّر سيكون ومحقق كان ومُنجز حدث، ومتوقع سيحدث، بل المعلومات بالنسبة له على حال واحدة. وأجاب متكلمون آخرون: إن الله عالم بذاته بكل ما كان وما سيكون، وكل المعلومات معلومات عنده بعلم واحد، والاختلاف بين ما سيكون وما كان يرجع إلى الاختلاف في الأشياء لا في علم الله. فهذا البحث كله بحث في شيء لا يقع عليه الحس ولا يمكن للعقل أن يصدر حكماً عليه ولذلك لا يجوز للعقل أن يبحثه، ولكنهم بحثوه ووصلوا إلى هذه النتائج جرياً على طريقتهم في إعطاء العقل حرية البحث في كل شيء. وقد تصوروا أشياء فبحثوها، فمثلاً تصوروا أن إرادة الله لفعل العبد تعلقت به حين أراد العبد الفعل أي أن الله خلق الفعل عند وجود قدرة العبد وإرادته لا بقدرة العبد وإرادته.
فهذا الكلام تصوره الباحثون تصوراً وفرضوه فرضاً ولا واقع له حساً، ولكنهم أعطوا العقل حرية البحث فبحث هذا الأمر ووجد لديه هذا التصور فأوجبوا الإيمان بما تصوروه وأطلقوا عليه اسم الكسب والاختيار. ولو جعلوا العقل يبحث في المحسوسات وحدها لأدركوا أن خلق الفعل من حيث إيجاد جميع مواده إنما هو من الله لأن الخلق من العدم لا يتأتى إلا من الخالق، أما مباشرة هذه المواد وإيجاد الفعل منها فهو من العبد كأي صناعة يقوم بها، كصناعة الكرسي مثلاً. ولو جعلوا العقل يبحث في المحسوسات وحدها لما آمنوا بكثير من الوهميات والفروض النظرية.
رابعاً - أن منهج المتكلمين يجعل العقل أساس البحث في الإيمان كله، فترتب على ذلك أن جعلوا العقل أساساً للقرآن ولم يجعلوا القرآن أساساً للعقل. وقد بنوا تفسيرهم للقرآن بمقتضى ذلك على أسسهم من التنزيه المطلق وحرية الإرادة والعدل وفعل الأصلح إلى غير ذلك، وحكَّموا العقل بالآيات التي ظاهرها التعارض وجعلوه الفيصل بين المتشابهات وأولوا الآيات التي لا تتفق والرأي الذي يذهبون إليه حتى صار التأويل طريقة لهم لا فرق بين المعتزلة وأهل السنة والجبرية، لأن الأساس ليس الآية وإنما الأساس عندهم العقل، والآية يجب أن تؤول لتطابق العقل. وهكذا أدى جعل العقل أساساً للقرآن إلى خطأ في البحث، وخطأ فيما يبحث. ولو جعلوا القرآن أساساً للبحث والعقل مبنياً على القرآن لَما وقعوا فيما وقعوا فيه.
نعم إن الإيمان بكون القرآن كلام الله مبني على العقل فقط، ولكن القرآن نفسه بعد أن يتم الإيمان به يصبح هو الأساس للإيمان بما جاء به وليس العقل. ولهذا يجب إذا وردت آيات في القرآن أن لا يحكم العقل في صحة معناها أو عدم صحته وإنما تحكم الآيات نفسها، والعقل وظيفته في هذه الحالة الفهم فقط. ولكن المتكلمين لم يفعلوا ذلك، بل جعلوا العقل أساساً للقرآن، ومن أجل هذا حصل لديهم التأويل في آيات القرآن.
خامساً - أن المتكلمين جعلوا خصومة الفلاسفة أساساً لبحثهم. فالمعتزلة أخذوا من الفلاسفة وردوا عليهم، وأهل السنة والجبرية ردوا على المعتزلة، وأخذوا من الفلاسفة وردوا عليهم، في حين أن موضوع البحث هو الإسلام وليس الخصومة لا مع الفلاسفة ولامع غيرهم. وكان عليهم أن يبحثوا مادة الإسلام أي يبحثوا ما جاء به القرآن وما ورد في الحديث ويقفوا عند حده وعند حد بحثه بغض النظر عن أي إنسان. ولكنهم لم يفعلوا ذلك، وحولوا تبليغ الإسلام وشرح عقائده إلى مناظرات ومجادلات وأخرجوها من قوة دافعة في النفس، من حرارة العقيدة ووضوحها، إلى صفة جدلية ومهنة كلامية.
هذه أبرز وجوه الخطأ في منهج المتكلمين. وكان من أثر هذا المنهج أن تحوَّل البحث في العقيدة الإسلامية من جعله وسيلة الدعوة إلى الإسلام ولتفهيم الناس الإسلام إلى جعله علماً من العلوم يدرس كما يدرس علم النحو أو أي علم من العلوم التي حدثت بعد الفتوحات. مع أنه إذا جاز لأي معرفة من معارف الإسلام أن يوضع لها علم لتقريبها وتفهيمها فلا يجوز أن يكون ذلك بالنسبة للعقيدة الإسلامية لأنها هي مادة الدعوة وهي أساس الإسلام ويجب أن تُعطى للناس كما وردت في القرآن وأن تُتخذ طريقة القرآن في تبليغها للناس وشرحها لهم هي طريقة الدعوة للإسلام وشرح أفكاره. ومن هنا وجب العدول عن منهج المتكلمين والرجوع إلى منهج القرآن وحده، ألا وهو الاعتماد في الدعوة على الأساس الفطري مع الاعتماد على العقل في حدود البحث في المحسوسات.
منقول عن : الشخصبة الإسلامية - الجزء الأول

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:23 AM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


صفات الله

لم تعرف قبل ظهور المتكلمين مسألة صفات الله ، ولم تثر في أي بحث من الابحاث ، فلم يرد في القرآن الكريم ولا في الحديث الشريف كلمة صفات الله ، ولم يعرف عن احد من الصحابة انه ذكر كلمة صفات الله او تحدث عن صفات الله . وكل ماورد في القرآن مما قال عنه المتكلمون انه من صفات الله ، يجب ان يفهم على ضوء قوله تعالى (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) وقوله (ليس كمثله شيء) وقوله (لاتدركه الابصار) . ثم ان وصف الله انما يؤخذ من القرآن ، وكما ورد في القرآن فالعلم يؤخذ من مثل قوله تعالى (وعنده مفاتيح الغيب لايعلمها الا هو ، ويعلم مافي البر والبحر وماتسقط من ورقة الا يعلمها ولاحبة في ظلمات الارض ولارطب ولايابس الا في كتاب مبين). والحياة تؤخذ من مثل قوله تعالى (الله لااله الا هو الحي القيوم) (هو الحي لااله الا هو) . والقدره تؤخذ من مثل قوله تعالى (قل هو القادر على ان يبعث عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم او يلبسكم شيعا) (الم يروا ان الله الذي خلق السموات والارض قادر على ان يخلق مثلهم) . والسمع من مثل قوله تعالى (ان الله سميع عليم) (والله سميع عليم) ، والبصر من مثل قوله تعالى (وان الله سميع بصير) (وكان ربك بصيرا) (وان الله هو السميع البصير) . والكلام من مثل قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما) (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) . والارادة من مثل قوله تعالى (فعال لمايريد) (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) (ولكن الله يفعل مايريد) . والخالق من مثل قوله تعالى (الله خالق كل شيء) (وخلق كل شيء فقدره) . فهذه اوصاف وردت في القرآن الكريم كما وردت اوصاف غيرها مثل الوحدانية والقدم وغيرهما . ولم يكن هنالك خلاف بين المسلمين بان الله واحد أزلي حي قادر سميع بصير متكلم عالم مريد .
فلما جاء المتكلمون وتسربت الافكار الفلسفية دب الخلاف بين المتكلمين في صفات الله ، فقال المعتزلة : ان ذات الله وصفاته شيء واحد ، فالله حي عالم قادر بذاته ، لابعلم وقدرة وحياة زائدة على ذاته . لانه لو كان عالما بعلم زائد على ذاته ، وحيا بحياة زائدة على ذاته كما هو الحال في الانسان ، للزم ان يكون هناك صفة وموصوف وحامل ومحمول ، وهذه هي حالة الاجسام ، والله منزه عن الجسمية . ولو قلنا كل صفة قائمة بنفسها لتعددت القدماء ، وبعبارة اخرى لتعددت الآلهة . وقال اهل السنة: لله سبحانه وتعالى صفات ازلية قائمة بذاته وهي (لاهوولاغيره) . اما كونه له صفات ، فلما ثبت من انه عالم حي قادر الى غير ذلك ، ومعلوم ان كلا من العلم والحياة والقدرة وماشاكلها يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب الوجود ، وليس الكل الفاظا مترادفة ، فلايمكن ان يكون كما يقول المعتزلة من أنه عالم لاعلم له وقادر لاقدرة له الى غير ذلك ، فأنه محال ظاهر بمنزلة قولنا الاسود لاسواد له . وقد نطقت النصوص بثبوت علمه وقدرته وغيرهما ، ودل صدور الافعال المتقنه على وجود علمه وقدرته لاعلى مجرد تسميته عالما قدارا ، واما عن كون صفاته تعالى ازلية ، فلاستحالة قيام الحوادث بذاته تعالى . اذ القديم الازلي يستحيل ان يقوم به حادث . واما كونها قائمة بذاته تعالى ، فان ذلك من الضروريات للوجود استلزاما . لانه لامعنى لصفة الشيء الا مايقوم به ، فلامعنى لكونه عالما قيام الصفة بالمعلوم ، بل معنى كونه عالما قيام صفة العلم به ، واما كونها لاهو ولاغيره فان صفات الله ليست عين الذات ، لان العقل يحتم ان الصفة غير الموصوف ، فهي معنى زائد عن الذات ، ولانها صفة لله فليست هي غير الله ، اذ هي ليست شيئا ولاذاتا ولاعينا وانما هي وصف لذات ، فهي مع كونها ليست ذات الله فهي ليست غير الله بل هي صفة لله . واما قول المعتزلة ، لو جعلت كل صفة قائمة بنفسها لتعددت القدماء ، فان هذا فيما لوكانت الصفة ذاتا ، اما وهي وصف للذات القديمة فلايلزم من اتصاف الذات بها تعدد الذوات ، بل يلزم تعدد صفات الذات الواحدة ، وذلك لاينافي الوحدانية ولايقتضي تعدد الآلهة . وبذلك اثبت اهل السنة عقلا ان لله صفات هي غير ذاته وهي غير غيره ، لان الصفة غير الموصوف ولاتنفصل عن الموصوف . ثم بينوا معنى كل صفة من هذه الصفات الازلية ، فقالوا صفة العلم وهي صفة ازلية تنكشف المعلومات عند تعلقها بها ، والقدرة هي صفة ازلية تؤثر في المقدورات عند تعلقها بها ، والحياة هي صفة ازلية توجب صحة الحي ، والقدرة هي القوة والسمع هي صفة ازلية تتعللق بالمسموعات ، والبصر هي صفة ازلية تتعلق بالمبصرات فيدرك بها ادراكا تاما لاعلى سبيل التخيل او التوهم ولا على طريق تأثر حاسة ووصول هواء . والارادة والمشيئة وهما عبارتان عن صفة في الحي ، توجب تخصيص احد المقدورين في احد الاوقات بالوقوع مع استواء نسبة القدرة الى الكل ، والكلام هو صفة ازلية عبر عنه بالنظم المسمى بالقرآن ، والله تعالى متكلم بكلام هو صفة له ازلية ليس من جنس الحروف والاصوات ، وهو صفة منافية للسكوت والآفة ، والله تعالى متكلم بها آمر ، ناه ، مخبر ، وكل من يأمر وينهي ويخبر يجد من نفسه معنى ثم يدل عليه .
وهكذا بين اهل السنة ماتعنيه صفات الله بعد ان اثبتوا ان الله صفات ازلية ، الا ان المعتزلة نفوا ان تكون هذه المعاني لصفات الله ، اذ انهم نفوا ان تكون لله صفات زائده على ذاته ، وقالوا اذا ثبت ان الله قادر ، عالم ، محيط ، وان ذات الله وصفاته لايلحقها تغير ، لان التغير صفة المحدثات والله منزه عن ذلك ، فاذا كان الشيء يوجد وقد كان غير موجود ، ويعدم وقد كان موجودا ، وقدرة الله وارادته تولتا ذلك فاوجدتا الشيء بعد ان لم يكن ، واعدمتاه بعد ان كان ، فكيف تتعلق القدرة الالهية القديمة بالشيء الحادث فتوجده؟ ولم اوجدته في هذه اللحظة دون غيرها وليس زمن اولي من زمن؟ فمباشرة القدرة لشيء بعد ان كانت لاتباشرة ، تغير في القدرة . وقد ثبت ان الله لايلحقه تغير بلاشك ، شأن القديم الازلي ، وكذلك القول في الارادة ، ومثل ذلك يقال في العلم . فالعلم هو انكشاف المعلوم على ماهو عليه ، والمعلوم يتغير من حين لآخر ، فورقة الشجرة تسقط بعد ان كانت غير ساقطة ، والرطب يتحول يابسا ، والحي ميتا . وعلم الله ينكشف به الشيء على ماهو عليه ، فهو عالم بالشيء قبل ان يكون على انه سيكون ، وعالم بالشيء اذ كان على انه كان ، وعالم بالشيء اذا عدم على انه عدم ، فكيف يتغير علم الله بتغير الموجودات؟ والعلم المتغير بتغير الحوادث علم محدث ، والله تعالى لا يقوم به محدث ، لان مايتعلق به المحدث محدث . وقد رد عليهم اهل السنة فقالوا: ان للقدرة تعلقين ، ازلي لايترتب عليه وجود المقدور بالفعل ، وتعلق حادث يترتب عليه وجود المقدور بالفعل . فالقدرة تعلقت في الشيء فأوجدته وكانت موجودة قبل تعلقها به . فتعلقها بايجاده لايجعلها حادثة ، ومباشرتها للشيء بعد ان كانت لاتباشرة لايكون تغيرا في القدرة . فالقدرة هي هي دائما تعلقت في االشيء فاوجدته . فالمقدور هو الذي تغير اما القدرة فلم تتغير . واما العلم فان جميع مايمكن ان يعلق به العلم فهو معلوم بالفعل ، اذ المقتضى للعالمية ذاته تعالى ، والمعلومية ذوات الاشياء ، ونسبة الذات الى الجميع على السواء . والعلم لايتغير بحسب الذات وانما يتغير من حيث الاضافة ، وهذا جائز .وانما المستحيل هو تغير نفس العلم والصفات القديمة ، كالقدرة والعلم وغيرهما ، ولايلزم من قدمها قدم تعلقاتها . فتكون هي قديمة وتتعلق بالمحدثات .

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:25 AM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


صفات الله/2
وهكذا نشب الجدال بين المتكلمين المعتزلة من جانب والسنة من جانب آخر في صفات الله ، كما نشب في غيرها من مثل القضاء والقدر . والغريب ان نقاط الجدل التي اثارها المتكلمون كان قد اثارها نفسها الفلاسفة اليونان من قبل . فالفلاسفة اليونان كانوا قد اثاروا هذه النقاط بالنسبة لصفات الخالق ، فجاء المعتزلة يجيبون عليها ولكن جوابا في حدود ايمانهم بالله ، وفي حدود آرائهم بالتوحيد ، وتصدى لهم اهل السنة لتخفيف هذا الاندفاع وراء الفلسفة اليونانية ، ووراء ماتوصل اليه الفروض النظرية والقضايا المنطقية . ولكنهم وقعوا في نفس ماوقع به المعتزلة فردوا على الصعيد نفسه ، وهو جعل العقل اساسا للنقاش والجدال فيما يدركه ومالايدركه ، ومايحسه الانسان ومالايحسه ، وجعلوا آيات القرآن والاحاديث مؤيدة لاقوالهم ، وأولوا ماورد من آيات واحاديث تخالف آرائهم . وبذلك استوى المتكلمون جميعا من معتزلة وأهل سنة وغيرهم في جعل العقل هو الاساس ، وجعل آيات الله تؤيد مايرشد اليه العقل او تؤول لتفهم حسب مايرشد اليه عقل الفاهم منهم .
ويبدو ان الذي حمل المتكلمين على سلوك هذه الطريقة في البحث امران اثنان : احدهما انهم لم يكونوا يدركون تعريف العقل . والثاني انهم لم يميزوا بين طريقة القرآن في ادراك الحقائق وبين طريقة الفلاسفة في ادراك الحقائق ، اما مسألة عدم ادراكهم لتعريف العقل فظاهر من تعريفهم للعقل ، فانه يروى عنهم انهم كانوا يقولون : (ان العقل هو قوة للنفس والادراكات) وهو المعني بقولهم (غريزه يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الالات) . او يوقولون (ان العقل هو جوهر تدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة) او يوقولون (ان العقل هو النفس بعينها) ومن يكون فهمه للعقل هذا الفهم ليس غريبا ان يطلق لنفسه العنان فيرتب نظريا قضايا متعددة ويخرج منها بنتيجة لاوجود لها ، ويقول عن نفسه انه ادرك بالعقل هذه النتيجة ، ومن هنا لم يكن للبحث العقلي عندهم حد يقف عنده ، فكل بحث يمكنهم ان يخوضوا فيه ويصلون الى نتائج ويسمون ذلك بحثا عقليا ونتائج عقلية ، ولذلك ليس غريبا ان يقول المعتزلة : ان تعلق قدرة الله الازلية بالمقدور الحادث يجعل صفة القدرة حادثة ويعتبرون ذلك بحثا عقليا ونتيجة عقلية .. ويقول اهل السنة في نفس الوقت ان تعلق قدرة الله بالمقدور لايجعل القدرة تتغير ، ولايجعلها حادثة ، لان الذي يجعل القدرة حادثة هو تغير القدرة لاتغير المقدور . ويعتبرون ذلك بحثا عقليا ونتيجة عقلية .. لان العقل عند الجميع هو النفس او غريزه يتبعها العلم بالضروريات ، واذن هو يبحث في كل شيء . ولو ادركوا معنى العقل حقيقة لما تورطوا في هذه الابحاث الفرضية والنتائج المدرك انها غير واقعية ، بل مجرد اشياء ترتبت عليها اشياء اخرى فسميت حقائق عقلية .
والان وقد وضح عندنا في هذا العصر معنى العقل ، فانا ندرك انه مالم تتوفر الاشياء التي لابد منها ليبحث العقل ، لايمكن ان نسميه بحثا عقليا ولايجوز لنا ان نسمح لانفسنا ببحثها . فاننا نعرف ان العقل هو (نقل الواقع بواسطة الحواس للدماغ ومعلومات سابقة تفسر هذا الواقع) فلابد في كل بحث عقلي من توفر اربعة اشياء ، اولا دماغ ، وثانيا حواس ، وثالثا واقع ، ورابعا معلومات سابقة تتصل بهذا الواقع . فان فقد واحد من هذه الامور الاربعة لايمكن ان يكون هناك بحث عقلي مطلقا ، وان كان يمكن ان يكون هناك بحث منطقي ، ويمكن ان يكون هنالك تخيل وتوهم ، وهذا كله لاقيمة له لانه لم يقع تحت ادراك العقل له ، او ادراك العقل لمصدره . فعدم ادراك المتكلمين جميعا لمعنى العقل جعلهم يطلقون لانفسهم العنان في كثير من الابحاث التي لاتقع تحت الحس او ليس لديهم معلومات سابقة تتصل بها .
اما عدم تمميز المتكلمين لطريقة القرآن عن طريقة الفلاسفة في البحث العقلي ، فذلك ان القرآن بحث في الالهيات والفلاسفة بحثوا في الالهيات . اما بحث الفلاسفة في الالهيات فهو ان الفلاسفة نظروا في الوجود المطلق ومايقتضيه لذاته ، فهم لم يبحثوا في الكون وانما بحثوا ماوراء الكون واخذوا يرتبون البراهين بمقدماتها ، وتوصلوا من هذه البراهين الى نتائج ، ثم رتبوا على هذه النتائج نتائج اخرى ، وهكذا حتى توصلوا الى مااعتبروه حقيقة عن الذات وعن مقتضيات هذه الذات . وهم جميعا على اختلاف النتائج التي توصلوا اليها ، قد سلكوا في بحثهم طريقة واحدة هي بحث ماوراء الطبيعة أي ماوراء الكون واقامة البراهين المرتبة ، اما على فروض نظرية او على براهين اخرى والوصول الى نتائج يعتبرونها قطعية ويعتقدونها .
وهذه الطريقة في البحث تخالف طريقة القرآن لان القرآن انما يبحث في الكون نفسه ، في الموجودات: في الارض والشمس والقمر والنجوم والحيوان والانسان والدواب والابل والجبال وغير ذلك من المحسوسات ، ويتوصل منها الى ان يدرك السامع خالق الكون خالق الموجودات خالق الشمس والابل والجبال والانسان وغير ذلك ، من ادراكه لهذه الموجودات . وحين يبحث فيها وراء الكون مما لايقع تحت الحس ولايدرك من ادراك الموجودات ، فانه يصف واقعا او يقرر حقيقة ويأمر بالايمان بذلك امرا قاطعا ولايلفت نظر الانسان الى ادراكه ولاالى شيء ليدركه منه وذلك كصفات الله وكالجنة والنار والجن والشياطين وماشابه ذلك . وهذه الطريقة فهمها الصحابة وساروا عليها واندفعوا في البلاد يحملون للناس رسالة الاسلام ليسعدوهم بها كما سعدوا هم بهذه الرسالة . وظل الحال كذلك حتى انصرم القرن الاول كله وتسربت الافكار الفلسفية من الفلسفة اليونانية وغيرها ووجد المتكلمون فتغيرت طريقة البحث العقلي ، وصار هذا الجدال في ذات الله وفي صفات الله وهو فوق كونه جدلا عقيما فانه لايعتبر بحثا عقليا مطلقا ، لانه بحث في شيء لايقع عليه الحس ، وكل مالايقع عليه الحس لامجال للعقل في بحثه ولابوجه من الوجوه . على ان البحث في صفات الله هل هي عين الذات ام غير الذات ، هو بحث في الذات ، والبحث في الذات ممنوع اصلا ومستحيل . ولهذا كان بحث المتكلمين جميعا في صفات الله في غير محله وهو خطأ محض ، فصفات الله توقيفية ، فما ورد منها في النصوص القطعية ذكرناه بالقدر الذي ورد في النصوص ليس غير ، فلايجوز ان نزيد صفة لم ترد ولاان نشرح صفة بغير ماورد عنها بالنص القطعي .
منقول عن : الشخصبة الإسلامية - الجزء الأول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:32 AM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


كيف بحث المتكلمون مسألة القضاء والقدر

وأما مسألة القضاء والقدر فإنها لم تأت بمدلولها الاصطلاحي في الكتاب، ولا في السنة بهذين اللفظين مقرونين مع بعضهما، ولا نطق بها الصحابة، ولا التابعون، ولا كانت معروفة في أيامهم ، وإنما هي مسألة لا بد من أن يعرفوا رأي الإسلام فيها،ولا بد من أن يقولوا للناس الرأي في هذه المسألة، وتلك المسألة هي أفعال العباد، هل هم يخلفون
بعضهما، ولا نطق بها الصحابة، ولا التابعون، ولا كانت معروفة في أيامهم ، وإنما هي مسألة لا بد من أن يعرفوا رأي الإسلام فيها،ولا بد من أن يقولوا للناس الرأي في هذه المسألة، وتلك المسألة هي أفعال العباد، هل هم يخلفون أفعالهم أم الله يخلقها؟ وما تولد من هذه الأفعال من خاصيات هل العبد يخلقها، أم الله هو الذي يخلقها ؟ هذه هي المسألة التي عرضت وسميت بالقضاء والقدر، فحاول العلماء إعطاء رأيهم فيها،فكان ذلك الجدال، وكانت تلك المذاهب.


وهذه المسألة جاءت في الفلسفة اليونانية، وترجمت للعربية فيما ترجم من فلسفة اليونان، وبحثها العلماء فيها بحثوا من الفلسفة اليونانية مسألة " القضاء والقدر" بهذا الاسم بالذات، وبهذا المسمى وبعينه، وهو أفعال العباد، وما تولد منها،هل خلقها العبد أم خلقها الله ؟ هذه المسألة بعينها مسألة من مسائل الفلسفة اليونانية، فيسمونها " القضاء والقدر" ويسمونها "الجبر والاختيار"، ويسمونها " حرية الإرادة" ، وقد بحثها الفلاسفة اليونان قديما واختلفوا فيها،فالأبيقوريون أن الإرادة حرة في الاختيار، وإن الإنسان هو الذي يخلق أفعال نفسه وما تولد منها، والرواقيون يرون أن الإرادة مجبورة على السير في طريق لا يمكنها أن تتعداه،فأفعال الإنسان ، وما تولد منها، لا حرية للإنسان في القيام بها،بل يقوم بها مجبورا. وعلى هذا الوجه كان النقاش بين الفلاسفة اليونان. فلما اطلع المسلمون وسيما المعتزلة رأوا أن هذه المسألة لا بد من أن يبينوا رأي الإسلام فيها،فأخذوها كمسألة من مسائل العلم، لا كمسألة من مسائل الفلسفة اليونانية، فدرسها المعتزلة على طريقتهم ، وبحسب مناقشاتهم العقلية، وطبقوا عليها نظريتهم في العدل، وبحثوها بحثا منطقيا، واعتمدوا على الأدلة العقلية والقضايا المنطقية، ثم جعلوا الآيات تسند أدلتهم العقلية، لا أدلة على المسألة، فقالوا: لقد وجدنا من أفعال الإنسان المشاهدة أعماله أن من فعل الجور كان جائرا، ومن فعل الظلم كان ظالما، ومن أعان فاعلا على فعله ثم عاقبه على فعله كان جائرا عابثا،والعدل من صفات الله، والظلم، والجور منفيان عنه، وتوصلوا من ذلك أن الله لا يريد الشر، ولا يأمر به، وإلى أن الله لم يخلق أفعال العباد لا خيرا لا شرا، وأن إرادة الإنسان حرة ، والإنسان خالق أفعاله، ومن أجل هذا كان مثابا على الخير معاقبا على الشر. فقالوا بالنسبة لإرادة الله تتعلق بكل ما في العالم من خير وشر لكان الخير والشر مرادين لله تعالى ، فيكون المريد موصوفا بالخيرية،والشرية، والعدل، والظلم، وذلك محال على الله تعالى.فالله تعالى أراد ما كان من الأعمال خيرا أن يكون، وأراد ما كان شرا ألا يكون، وما لم يكن خيرا ولا شرا فهو تعالى لا يريده ولا يكرهه، فالله تعالى مريد لما أمر به من الطاعات أن يكون، فهو يريد منا أن نأتي بالصلاة، والجهاد، والزكاة، وأن نوحد الله ، وأن نؤمن برسله، ولا يريد منا المعاصي، فلا يريد الفسوق، والعصيان، ولا يريد منا الكفر، أما المباحات كالبيع، والإجارة، والأكل، والشرب، وما شابه ذلك فإنه لا يريدها منا، ولا يكرهها .


ويستدل المعتزلة على ذلك بأن الله لو كان مريد لكفر الكافر، ومعاصي العاصي، ما نهاه عن الكفر والعصيان،وكيف يتصور أن يريد الله من أبي لهب أن يكفر ثم يأمره بالإيمان، وينهاه عن الكفر، ولو فعل هذا أحد من الخلق لكان سفيها،تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولو كان كفر الكافر، وعصيان العاصي مرادين لله تعالى لما استحقا العقوبة، ولكان عملهما ليس إطاعته لإرادته ، ولكن الله يعذبهما على المعصية والكفر، فدل علة أنه لم يردهما، وعلى أن عملهما ليس إطاعة لإرادته، فتكون الإرداة إرادتها لا إرادة الله .

هذا بالنسبة للإرادة. أم بالنسبة لخلق الأفعال، فالمعتزلة يقولون: أن أفعال العباد مخلوقة لهم، ومن عملهم، لا من عمل الله، وباختيارهم المحض، ففي قدرتهم أن يفعلوها، وأن يتركوها، من غير دخل لإرداة الله، وقدرته، ودليل ذلك ما يشعر به الإنسان من التفرقة بين الحركة الاختيارية، والاضطرارية كحركة من أراد أن يحرك يده،وحركة المرتعش، وكالفرق بين الصاعد إلى منارة ، والساقط منها، فالحركة الاختيارية مرادة من الإنسان،مقدورة له،بخلاف الحركة الاضطرارية،فلا دخل له فيها، وأيضا لو لم يكن الإنسان خالق أفعاله لبطل التكليف،إذ لو لم يكن فادرا على أن يفعل، أو لا يفعل،ما صح عقلا أن يقال له افعل ولا تفعل، ولما كان هناك محل للمدح والذم، والثواب والعقاب، وقالوا: إن كان الله خلق أعمال الإنسان فهو إذا لا يرض عما فعل، ويغضب مما خلق، ويكره ما دبر.


__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:33 AM   #8
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


كيف بحث المتكلمون مسألة القضاء والقدر /2

هذه خلاصة أدلة المعتزلة، وهي كلها أدلة منطقية، ويظهر أنهم تبنوا رأي الأبقوريين، وساروا عليه، وأخذوا يقيمون الأدلة المنطقية على صحته، وقد اتبعوا هذه الأدلة المنطقية بأدلة لتأييد رأيهم،وليست أدلة على رأيهم، لأن أدلتهم على رأيهم أدلة منطقية، فقالوا أن الله نفى الظلم عن نفسه فقال: ﴿وما ربك بظلم للعبيد﴾ (فصلت)وقال: ﴿وما ظلمنهم ولكن أنفسهم يظلمون ﴾(النحل) وقال: ﴿فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (التوبة) وقال: ﴿لا ظلم اليوم﴾ (غافر 17) وقال: ﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾ (غافر) فنفي الظلم ونفي إرادة الظلم ، ثم إن الله لا يريد ما نهى عنه، وقد صرح بذلك في آيات كثيرة قال تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾(الأنعام 148) وقال تعالى: ﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾(الأنعام) وقال تعالى: ﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾ (غافر) وقال تعالى : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة 185) وقالوا إن هناك آيات تضيف الفعل إلى الناس، قال تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ (البقرة 79) وقال: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد 11) وقال: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ (النساء123) وهناك آيات تمدح المؤمن على الإيمان، وتذم الكافر على الكفر،قال تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس ما كسبت ﴾(غافر 17) وقال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾(الرحمن) وهناك آيات تدل على أن أفعال الله ليست كأفعال المخلوقين، من التفاوت، والاختلاف،قال تعالى : ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا﴾ (النساء) وعناك آيات فيها إنكار وتوبيخ على الكفر، والعصيان قال تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى﴾ (الإسراء94) وقال: ﴿فما لهم لا يؤمنون ﴾(الانشقاق) وقال﴿: فما لهم عن التذكرة معرضين ﴾(المدثر) وهناك تثبت المشيئة للعبد، قال تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾(الكهف 29) وهناك آيات أمر الله بها العباد بالإسراع إلى الطاعة قبل فواتها، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾(آل عمران 133) وهناك آيات حكى الله فيها التحسر يوم القيامة على الكفر، والمعصية، قال تعالى: ﴿قال رب ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت ﴾(المؤمنون) وقال تعالى: ﴿أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾(الزمر). فهذه الآيات كلها تدل على أن إرادة الإنسان حرة، يفعل ما يريد،فالظلم والشر والمعصية هي من إرادة الإنسان ،والإنسان هو الذي يخلق أفعاله ،قادر على أن يفعل الفعل، ويتركه . فالآيات تؤيد ما نقول. وعلى هذا الوجه سار المعتزلة، وأقاموا أدلتهم على مسألة حادثة عرضت للعلماء، وبدأ المعتزلة ببحثها،فبينوا رأيهم فيها،وأقاموا عليها الدليل العقلي لا النقلي، وجاء الدليل النقلي لتأييد رأيهم لا دليلا عليها. إذ مضوا في الدليل بقضايا منطقية، وترتيب نتائج على مقدمات، ثم عقبوا على ذلك بأدلة نقلية من القرآن الكريم، وخلصوا من ذلك كله إلى الرأي الذي اعتنقوه في حرية الإرادة وخلق الأفعال، وهو أن الإنسان حر الإرادة وأنه يخلق أفعال نفسه،وأنه قادر على أن يفعل الشيء وقادر على أن لا يفعله . وجريا وراء منهج المتكلمين في بحث المسألة وما يتفرع عنها ترع لديهم عن مسألة خلق الأفعال مسألة التولد، فإن المعتزلة لما قرروا أن أفعال الإنسان مخلوقة له،تفرع عن ذلك سؤال وهو : ما الرأي في الأعمال التي تتولد عن عمله؟ أهي كذلك من خلقه ؟ أم من خلق الله؟ فإذا ضرب إنسان آخر فالضرب لا شك من خلق الضارب، ولكن ما القول في الألم الذي يحسه المضروب وهو المتولد من الضرب؟ أهو كذلك من خلقه؟ وإذا رمى الإنسان سهما فقتل المرمي، فما القول في القتل ؟ أهو من خلق الرامي وهكذا تساءلوا في كل المتولدات؟ فإذا أضفنا نشا وسكرا وأنجناهما تولد من ذلك فالوذج،فهل لون الفالوذج ولونه من خلقنا؟ وهل خروج الروح عند الذبح ، وذهاب الحجر عند الدفعة الأولى ،الإدراك الحسي إذا فتحنا أبصارنا ، وكسر الرجل عند السقوط، وصحتها إذا جبرت، ونحو ذلك ، من خلقنا أم من خلق الله ،وهل الألم الذي يحسه المضروب والطعم الذي يحصل للشيء من فع الإنسان، والقطع الذي يحصل من السكين، وتحرك الرتاج من حركة المفتاح، واللذة، والصحة، والشهوة ، والحرارة، والبرودة، والرطوبة واليبوسة ،والجبن ، والشجاعة ، والجوع، والشبع، وما شبه ذلك من خواص الأفعال ، وخواص الأشياء،تساءلوا هل هي من خلق الإنسان،أم هي من خلق الله؟ ثم قرروا إنها كلها من فعل الإنسان،،لأن الإنسان هو الذي أحدثها حين فعل الفعل، فهي متولدة من فعل الإنسان فهي مخلوقة له.صحيح أن بعضهم فصل بين ما يتولد من الفعل فقال عن أشياء أنها من فعل الإنسان، وقال عن أشياء إنها من الله ، ولكن المعتزلة في جملتهم جعلوها من فعل الإنسان، فمثلا بشر بن المعتمر رئيس معتزلة بغداد يقول : كل ما تولد من فعلنا مخلوق لنا، فإذا فتحب عين إنسان فأدرك الشيء فإدراكه فعله ، وإدراك جميع الحواس فعل الإنسان، ومن فعله أيضا لون ما يصنع من المأكولات وطعومها ورائحتها، ومن فعله الألم واللذة والصحة والزمانة والشهوة إلخ. ولكن أبا هذيل العلاف (أحد شيوخ المعتزلة) فرق بين المتولدات، فقال : إن كل ما تولد من فعل الإنسان مما يعلم كيفيته فهو من فعله، وما لا فلا،فالألم الحادث عن الضرب ، وذهاب الحجر صعدا إذا ما رماه إلى أعلى،وسفلا إذا رماه إلى أسفل، ونحو ذلك فعله. أما الألوان، والطعوم، والحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والجبن، والشجاعة والجوع، والشبع فكلها من فعل الله. وأما النظام، وهو من رؤوس المعتزلة الكبار فإنه يرى أن الإنسان لا يفعل إلا الحركة، فما ليس بحركة فليس من صنعه، ولا يفعل الإنسان الحركة إلا في نفسه، فأما في غيره فلا . فإذا حرك يده فذلك فعله، فأما إذا رمى حجرا فتحرك الحجر إلى فوق،أو إلى تحت،فتحرك الحجر ليس من فعل الإنسان، وإنما هو من فعل الله، بمعنى أن الله طبع الحجر أن يتحرك إذا دفعه دافع، وهكذا. فصلاة الإنسان وصيامه، وحبه وكرهه،وعلمه وجهله، وصدقه وكذبه، كلها حركاته، وكلها أفعاله،بل سكونه كذلك فعله،لأن السكون حركة، فمعنى سكون الإنسان في المكان أنه كائن فيه وقتين، أي تحرك فيه وقتين، وعلى هذا فإن الألوان، والطعوم، والأراييح ، والآلام واللذائذ، ليست من فعله لأنها ليست حركات.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:38 AM   #9
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


الفلاسفة المسلمون
حين تسربت للمسلمين مسائل فلسفية تتعلق بابحاث في الالهيات ، صار بعض العلماء في اواخر العصر الاموي واوائل العصر العباسي كالحسن البصري ، وغيلان الدمشقي ، وجهم بن صفوان يتعرضون لمسائل كلامية متفرقة ومعدودة . ثم جاء بعدهم علماء عرفوا منطق ارسطوا واطلعوا بانفسهم على بعض كتب الفلسفة بعد ان ترجمت ، فتوسع البحث في المسائل الكلامية وصاروا يبحثون علم الكلام المعروف ، وهؤلاء مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وابي هذيل العلاف والنظام . الا ان دراسة هؤلاء لم تكن دراسة فلسفية كاملة وانما دراسة افكار فلسفية بتوسع ، حتى احاطوا بالآراء المختلفة في الفلسفة وبرأي كل فريق من الفلاسفة احاطة في بعض المسائل بتتبعها لافي جميع المسائل ، وكانوا فوق اقتصارهم على بعض الابحاث الفلسفية يقيدون انفسهم بايمانهم بالقرآن . ولهذا لم يخرجوا عن اهل الاسلام ، وانما توسعوا في الاستدلال واطلقوا لانفسهم العنان في البراهين ، ولكن لاثبات مايقوي الايمان ، وللحرص على تنزيه الله ولهذا لم يحصل منهم أي انحراف في العقائد على اختلاف معتقداتهم ، فكلهم مسلمون مدافعون عن الاسلام .
ثم جاء بعد المتكلمين افراد لم يبلغوا ان يكونوا جماعات او مذاهب ولم يتبعهم احد من المسلمين جماهيريا ، وان استحسن بحثهم افراد . هؤلاء الذين جاؤا بعد المتكلمين في الزمن وجودا بين المسلمين في البلاد الاسلامية هم الفلاسفة المسلمون . ويبدو ان الذي اتاح لهؤلاء ان يوجدوا بين المسلمين ، هو ان الاطلاع على الافكار الفلسفية وعلى كتب الفلسفة قد حبب هذه الابحاث للناس في ذلك العصر ، فحمل ذلك بعض الاشخاص على التوسع في هذه الافكار ، فدرسها دراسة عميقة واسعة ودراسة كلية مطلقة في كل شيء وفي كل فكر وفي كل اتجاه واتجه اليها بكليته ، وهضم قدرا صالحا من الفلسفة يؤهله لان يفكر تفكيرا فلسفيا وينتج انتاجا فلسفيا . فكان من جراء هذه الدراسات الواسعة العميقة للفلسفة ولاسيما الفلسفة اليونانية بنوع خاص ان وجد بين المسلمين فلاسفة ، وكان اول فيلسوف مسلم ظهر للوجود هو يعقوب الكندي المتوفي سنة 260هـ ثم تتابع ظهور الفلاسفة المسلمين . وعلى هذا لم يظهر الفلاسفة المسلمون في البلاد الاسلامية الا بعد ان وجد المتكلمون وبعد ان اصبحت طريقة هؤلاء المتكلين هي السائدة ، وهي موضوع البحث والمناظرة والجدل ، وكبرت الفلسفة في اعين الكثيرين من المتكلمين والعلماء . اما قبل ذلك فلم يكن احد من المسلمين فيلسوفا ، وبذلك وجد في البلاد الاسلامية بين العلماء متكلمون وفلاسفة . الا ان هنالك فرقا بين المتكلمين والفلاسفة ، فالمتكلمون كانوا ملمين ببعض الافكار الفلسفية . اما الفلاسفة فهم علما بالفلسفة ، ولذلك كان الفلاسفة ينظرون الى المتكلمين نظرة تجهيل ويرى الفلاسفة ان المتكلمين هم اهل سفسطه وجدل .
وانهم هم أي الفلاسفة الذين يبحثون عقليا في المعقولات البحث الفلسفي الصحيح
.
وقد بحث كل من المتكلمين والفلاسفة في الالهيات ، الا ان هنالك خلافا بين منهج االمتكلمين ومنهج الفلاسفة ، ويمكن تلخيص الفرق بينهما فيما يلي :


__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-25-2013, 10:40 AM   #10
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,982
افتراضي


الفلاسفة المسلمون/2
ونظرتهم في الالهيات انما هي نظرة في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته . وهم يبدأون النظر منتظرين مايؤدي اليه البرهان ، سائرين خطوة خطوة حتى يصلوا الى النتيجة كائنة ماكانت فيعتقدونها . هذا هو الغرض من الفلسفة والعمدة فيها ، وبحثهم بحث فلسفي محض لاعلاقة له بالاسلام من حيث البحث ، وان كانت تشاهد له علاقة من حيث بعض المواضيع ، فانهم كثيرا مايسلمون في بحثهم بأشياء سمعية لايمكن اقامة البرهان العقلي على صحتها او على بطلانها ، كالبعث والنشور والمعاد الجسماني ، وكثيرا ماكانوا يبدون بعض الآراء في الفلسفة اليونانية متأثرين بعقيدتهم الاسلامية ، ومصدرين الحكم في المسألة على اساسها . وكثيرا ماكانوا يحاولون التوفيق بين بعض قضايا الفلسفة والقضايا الاسلامية ، ولكن هذا كان جانبيا وناتجا عن كونهم مسلمين يتأثرون بالاسلام ، ولكن ليس تأثرا فكريا يجعله اساسا كما هي الحال عند المتكلمين ، بل تأثرا يشبه الى حد بعيد تأثر الفلاسفة المسيحيين بالمسيحية ، والفلاسفة اليهود باليهودية ، باعتبار انه لابد ان تظل مفاهيم الاعماق رواسب تقفز اثناء البحث او تؤثر فيه بعض التأثير . اما الاساس الذي يسيرون عليه فهو الوجود المطلق ومايقتضيه لذاته ، وتأثرهم الحقيقي انما هو بالفلسفة اليونانية ، وعقليتهم انما تكونت على الفلسفة اليونانية ، فكتبوا افكارهم الفلسفية بعد نضجهم في الفلسفة اليونانية ولاتوجد أية صلة بالاسلام لفلسفتهم .
2- ان الفلاسفة المسلمون لايقفون دفاعا عن الاسلام ، وانما يقفون عند تقرير الحقائق ويبرهنون عليها ولايدخلون في حكاية الاقوال المخالفة والرد عليها دفاعا عن الاسلام ، وان كان قد يكون تأثرا به ، فالبحث العقلي هو الاصل وهو الموضوع ولايوجد غيره في بحثهم .
3- ان ابحاث الفلاسفة المسلمين ابحاث غير اسلامية ، بل هي ابحاث فلسفية محضة ولاعلاقة للاسلام بها ولامحل للاسلام في بحثها ، فلاتعتبر آراء اسلامية وليست هي من الثقافة الاسلامية .

هذا هو الفرق بين منهج المتكلمين ومنهج الفلاسفة المسلمين ، وهذه هي حقيقة الفلاسفة المسلمين . ومن الظلم وخلاف الواقع والدس على الاسلام ان تسمى الفلسفة التي اشتغل فيها امثال الكندي والفارابي وابن سيناء وغيرهم من الفلاسفة المسلمين فلسفة اسلامية ، لانها لاتمت للاسلام بصلة ، بل هي تتناقض مع الاسلام تناقضا تاما سواء من حيث الاساس او من حيث كثير من التفاصيل . اما من حيث الاساس فان هذه الفلسفة تبحث في ماوراء الكون أي في الوجود المطلق ، بخلاف الاسلام فانه انما يبحث في الكون وفي المحسوسات فحسب ، ويمنع البحث في ذات الله وفيما وراء الكون ، ويأمر بالتسليم به تسليما مطلقا ، والوقوف عند حد مايأمر بالايمان به منه دون زيادة ، ودون ان يسمح للعقل في محاولة بحثه . واما من حيث التفاصيل فان في هذه الفلسفة ابحاثا كثيره يعتبرها الاسلام كفرا ، ففيها ابحاث تقول بقدم العالم وانه ازلي ، وابحاث تقول ان نعيم الجنة روحاني وليس ماديا ، وابحاث تقول ان الله يجهل الجزئيات ، وغير ذلك مما هو كفر صراح قطعا في نظر الاسلام . فكيف يقال عن هذه الفلسفة انها فلسفة اسلامية مع هذا التناقض البين ؟ على انه لاتوجد في الاسلام فلسفة مطلقا ، لان حصره للبحث العقلي في المحسوسات ومنعه العقل من ان يبحث فيما وراء الكون يجعل كافة ابحاثه بعيدة عن الفلسفة ، سائرة في غير طريقها ، ولايجعل فيه أي احتمال لان توجد فيه ابحاث فلسفية ، ولذلك لاتوجد فلسفة اسلامية . وانما يوجد في الاسلام بحث القرآن الكريم والسنة النبوية ، فهما وحدهما اصل الاسلام عقيدة واحكاما ، امرا ونهيا واخبارا .

منقول عن : الشخصبة الإسلامية - الجزء الأول
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:06 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.