قديم 12-07-2015, 04:07 PM   #21
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي الاستعانة بالكفار في القتال(2)

الاستعانة بالكفار في القتال(2)
وحديث أبي حميد هذا يتضمن علة شرعية إذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت عدم الحكم. والعلة في الحديث ظاهرة في نص الحديث فإنه يقول: (إذا كتيبة. قال: من هؤلاء؟ قالوا: بو قينقاع رهط عبدالله بن سلام)، فإن معنى كونهم كتيبة أي جيش مستقل له راية مستقلة، لأن لكل كتيبة راية. فصار كونهم كتيبة كافرة لها راية مستقلة ومن بني قينقاع اليهود الذين هم بمقام دولة بينهم وبين الرسول معاهدات هو علة ردهم، لا كونهم كفارا فقط، بدليل أنه أمرهم أن يرجعوا بناء على ذلك وعلى رفضهم الإسلام، لا على رفضهم الإسلام فقط. ويؤيد هذا حديث أنس (لا تستضيئوا بنار المشركين) فإنه مسلط على الكيان كما يؤكده قبول الرسول الاستعانة بقزمان في نفس موقعة أحد مع أنه مشرك، فإن معنى ذلك هو رفض الاستعانة بالكافر بوصفه كيانا، وقبول الاستعانة به بوصفه فردا. وعلى هذا تكون الاستعانة بالكفار كطائفة كافرة أو قبيلة كافرة أو دولة كافرة وتحت رايتهم وكجزء من دولتهم لا تجوز ولا بوجه من الوجوه.

وأما كون خزاعة خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم على قريش عام الفتح وهي قبيلة مستقلة، فإنه لا يدل على جواز الاستعانة بطائفة لها كيان مستقل، وذلك أن خزاعة في عام الحديبية كانت حاضرة حين كتبت معاهدة الصلح بين قريش وبين المسلمين، فحين ورد في المعاهدة نص (وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه). وبناء على هذا النص تواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فصارت خزاعة مع المسلمين في هذه المعاهدة التي بين قريش والمسلمين، وأدخلها الرسول في حمايته كجماعة من دولته بحسب المعاهدة. ولذلك تكون حاربت كقبيلة تحت راية المسلمين وكجزء من الدولة الإسلامية لا كطائفة مستقلة، فيكونون كالأفراد لا كالكيان.
وأما ما يتوهم من أن خزاعة كان بينها وبين الرسول حلف أو معاهدة فغير صحيح. فإن المعاهدة كانت بين الرسول وبين قريش لا بين الرسول وبين خزاعة. وبناء على هذه المعاهدة دخلت قبيلة بني بكر مع قريش كجزء منها، ودخلت قبيلة خزاعة مع المسلمين كجزء من كيانهم. وعليه لا تكون حرب خزاعة مع الرسول حرب طائفة كافرة مع المسلمين، بل حرب أفراد كفار في قبيلة كافرة مع المسلمين تحت راية المسلمين، وهذا جائز لا شيء فيه.
…وأما ما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستصالحون الروم صلحا تغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم)، فإنه يحمل قوله: (تغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم) على أفراد الروم لا على دولتهم، وذلك لأنه قال: (ستصالحون الروم صلحا تغزون)، والصلح بين المسلمين والكفار إنما يكون عند قبولهم الجزية ودخولهم تحت حكم المسلمين، لأن الإسلام قد أمر المسلمين أن يخيروا الكفار الذين يحاربونهم بين ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب، فإذا حصل الصلح وهم كفار لا يكون إلا في حال دفع الجزية ودخولهم تحت الراية الإسلامية، فقوله: (ستصالحون) قرينة على أنهم تحت راية المسلمين، فهم حينئذ أفراد، ويؤيد هذا واقع ما حصل مع الروم. فإن المسلمين حاربوهم وهزموهم واحتلوا بلادهم، وقد حارب الروم مع المسلمين أفرادا ولم يقع قط أن حارب الروم بوصفهم دولة مع الدولة الإسلامية عدوا من ورائهم، ولم يحصل ذلك في يوم من الأيام، مما يؤكد أن المراد بالحديث الروم أفرادا لا كدولة، ويوجب حمله على هذا. وبذلك يتبين أنه لا يوجد دليل يدل على جواز الاستعانة بالمشركين كدولة، بل الأدلة صريحة في عدم جواز ذلك مطلقا.
هذا كله بالنسبة للاستعانة بالكافر أن يقاتل بنفسه مع المسلمين. أما الاستعانة بالكافر بأخذ السلاح منه، فإنه يجوز سواء أكان السلاح من فرد أو من دولة، على أن يكون ذلك إعارة مضمونة، لما روي أنه لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: (يا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا. فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: بل إعارة مضمونة حتى نؤديها لك. فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفيهم حملها ففعل). فهذا واضح فيه أن الرسول استعان بكافر بأخذ السلاح منه، وهو وإن كان فردا إلا أنه رئيس قبيلة. على أن مجرد أخذ السلاح من كافر دليل على جواز الاستعانة بالكافر بأخذ السلاح منه مطلقا ما لم يرد دليل يخصص عدم الاستعانة به كدولة كما هي الاستعانة بالقتال. ولكنه لم يرد دليل يمنع أخذ السلاح من دولة، فيظل على إطلاقه من جواز أخذه من الكافر مطلقا إعارة أو شراء. على أن أخذ الدولة السلاح إنما يحصل غالبا من دولة. وعليه يجوز الاستعانة بأخذ السلاح من دولة كافرة.
منقول
[/quote]
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-07-2015, 04:17 PM   #22
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي تجهيز الجيش الإسلامي ////الألوية والرايات

تجهيز الجيش الإسلامي
…يجري تجهيز الجيش الإسلامي من بيت المال. لأن مال بيت المال معد لمصالح المسلمين، ومما هو معد له تجهيز الغازين. ولهذا لا بد من تنظيم المقاتلين في جيس إسلامي واحد تحت قيادة الخليفة مهما تعددت تقسيمات الجيش ونواحي تنظيماته، وأن يكون كله تحت لواء واحد مهما تعددت راياته . ويكون التجهيز كله للجيش من بيت المال لا من غيره، وإذا أراد أحد أن يجهز أحدا من المجاهدين مع وجود بيت المال فإنه يدفع ذلك لبيت المال ويجري التجهيز منه لكل صغيرة وكبيرة من أجل الجيش. فإن لم يكن في بيت المال مال ومست الحاجة إلى تجهيز الجيش ليذبوا عن المسلمين فللخليفة أن يحكم على المسلمين بقدر ما يحتاج ذلك لأن هذا مما هو واجب على كافة المسلمين. فإذا وجد في بيت المال له مال من موارد بيت المال الدائمية كان بها، وإلا فيصبح وجوبه على الأمة، وخليفة المسلمين يحصله من الأمة ليقوم بصرفه على الجيش وتجهيزه، وما ينفق في تجهيز الجيش هو من المال الذي ينفق في سبيل الله، سواء أكان الجيش في حالة حرب أم لم يكن، لأن الجهاد ماض إلى يوم القيام وتجهيز الجيش ماض إلى يوم القيامة بكل ما يلزم للقتال.

الألوية والرايات
…لا بد أن يكون للجيش ألوية ورايات. والفرق بين اللواء والراية هو أن اللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه ويقال له العلم. قيل: سمي لواء لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلا عند الحاجة. وهو علم ضخم وعلامة لمحل أمير الجيش يدور معه حيث دار. أما الراية فهي علم الجيش وتكنى "أم الحرب"، وتكون أكبر من اللواء، جمعها رايات، وهي -أي الراية- ما يعقد في الرمح ويترك حتى تصفقه الرياح. والراية يتولاها صاحب الحرب فيجعل في الجيش لكل أمير من أمراء الجيوش لواء وتجعل لكل جيش من الجيوش راية. وقد كانت للجيش الإسلامي في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم راياته وألويته. فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ودعا أسامة فقال: (سر إلى موقع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، واغز صباحا على إبنى وحرق عليهم وأسرع المسير تسبق الخير، فإن ظفرك الله بهم فأقل اللبث). فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده فأخذ أسامة فدفعه إلى بريده وعسكر بالجرف. مما يدل على الراية كانت تستعمل أثناء الحرب ومع قائد المعركة، وأن اللواء كان يوضع فوق معسكر الجيش علامة عليه. وعن ابن عباس قال: كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض. وعن الحارث بن حسان البكري قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وبلال قائم بين يديه متقلد بالسيف وإذا رايات سود، فسألت: ما هذه الرايات؟ فقالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة). وعن البراء بن عازب أنه سئل عن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت؟ قال: كانت سوداء مربعة من نمرة، ومعنى من نمرة أي ثوب حبرة، أي بردة من صوف. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأعطاها عليا). وعن يزيد بن جابر الغفري قال: (عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم رايات للأنصار وجعلهن صفرا). وعن أنس عند النسائي (أن ابن مكتوم كانت معه رايات سوداء في بعض مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم). ومن ذلك كله يتبين أنه لا بد أن تكون للجيش الإسلامي ألوية ورايات. إلا أنه لا يلتزم فيها شكل معين ولا لون معين بل الأصل وجود اللواء والراية، أيا كان شكلها وأيا كان لونها، وإن كان روي عن ابن عباس عند أبي الشيخ بلفظ (كان مكتوبا على راية النبي صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله محمد رسول الله)، إلا أن ذلك ليس بلازم لأن للرسول رايات لم يكتب عليها ذلك. ولا بأس بأن يجعل لكل جيش راية خاصة به بالشكل أو اللون، وأن يعقد لكل أمير جيش لواء هو علم الدولة.
منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-07-2015, 04:24 PM   #23
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي الأسرى (1)

الأسرى
إذا أسر المسلمون من عدوهم أسرى، كان أمر هؤلاء الأسرى موكولا لأمر الخليفة مباشرة، وليس لمن أسروهم أو لقائد المعركة أو أمير الجيش في ذلك أي رأي. لأنه إذا صار المحارب أسيرا فالأمر فيه لرأي الخليفة، والخليفة يتبع في ذلك الحكم الشرعي في الأسرى. وحكم الأسرى الثابت بنص القرآن القطعي هو أن الخليفة مخير بين أن يمن عليهم أو يفاديهم. فحكم الأسرى هو المن أو الفداء، لقوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها)، وهذا صريح في حكم الأسرى وهو الحكم المتعين لعدة وجوه، منها أن هذا النص الصريح ورد في سورة محمد وهي أول سورة نزلت في شأن القتال، وكان نزولها بعد وصول الرسول إلى المدينة من مكة، وقد سميت سورة القتال، وقد نزلت بعد سورة الحديد وقبل معركة بدر، فهي قد بينت حكم الأسرى قبل أن تحصل أي معركة ويحدث أسرى. فإذا أضيف ذلك إلى أنها الآية الوحيدة التي بينت صراحة ماذا يفعل بالأسرى، تبين أنها نص في حكم الأسرى، وأنها الأصل في ذلك، وإليها يرجع كل نص آخر في الأسرى. ومن الوجوه التي تعين هذا الحكم في الأسرى أن الآية قد ورد فيها حكم الأسرى بصيغة "إما" الدالة على التخيير بين شيئين لا ثالث لهما، فقالت: (فإما منا بعد وإما فداء)، و"إما" إذا وردت بين شيئين حصرت التخيير فيهما ومنعت أن يكون غيرهما أو أن لا يكون واحدا منهما، فتعين من حصر التخيير في "إما" بين شيئين عدم جواز أن يكون غير ما خير القرآن فيه من حكم الأسرى. ويؤيد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وأبي عزة الشاعر، وأبي العاص بن الربيع. وقال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء لأطلقتهم له). وفادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا، وفادى يوم بدر رجلا برجلين. وروي عن عائشة أنها قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال وبعثت بقلادة كانت لها عند خديجة أدخلتها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة فقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها الذي لها. قالوا: نعم). وعن عمران بن حصين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل)، وعن ابن عباس قال: (كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة). فهذه الأحاديث مع الآية تدل دلالة صريحة أن حكم الأسرى هو المن أو الفداء. وحكي عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى، وقالوا: لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسرى بدر، ولأن الله تعالى قال: (فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء)، فخير بين هذين بعد الأسر لا غير. فهذا كله صريح في أن الخليفة مخير في الأسرى بين أمرين اثنين ليس غير، وهما إما المن أو الفداء.

وأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة، فإن ذلك كان بناء على حكم المحكم في التحكيم، لا على أنهم أسرى حرب. وما روي من أنه عليه السلام قتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا، وقتل أبا عزة يوم أحد، فإن ذلك لا يدل على أن هذا حكم الأسرى، لأنه لم يفعله في جميع الأسرى ولم يفعله في كل معركة، وإنما فعله في بعض المعارك مع بعض الأشخاص، بخلاف المن والفداء فإنه فعله بالأسرى كلها في كل معركة. والذي سبب قتل هؤلاء الأشخاص خاصة هو أن الرسول يرى فيهم بأشخاصهم الخطر المحقق للمسلمين، فهو قتل لأشخاص معينين لسبب خاص بهم، وليس قتلا للأسرى. وقتل أشخاص معينين يعينهم الخليفة أمر جائز شرعا. فقد روى أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين فاحرقوهما بالنار، ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما). وبذلك يتبين أن القتل ليس من أحكام الشرع في الأسير، وإنما القتل حكم الشرع في أشخاص معينين يرى الخليفة الخطر منهم فيأمر بقتلهم ولو كانوا أسرى.

وأما ما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استرق بعد نزول هذه الآية، فإنه كان يسترق السبي لا الأسرى، أي كان يسترق النساء والأطفال الذين مع الجيش في المعركة لا الرجال المحاربين. ولو ثبت الاسترقاق للرجال المحاربين لوقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم، ولم يرد في وقوعه شيء على كثرة أسرى العرب في زمانه صلى الله عليه وسلم. وأما ما روته بعض كتب التاريخ من أن الرسول صلى الله عليه وسلم استرق بني ناجية من قريش، ذكورهم وإناثهم، وباعهم، فإنه لم تروه كتب الحديث حتى ولا بعض كتب السيرة كسيرة ابن هشام، فلا يحتج به. على أنه لو صح ذلك فإن الرواية تنص على لفظ (وقد استرق بني ناجية ذكورهم وإناثهم) فذكرت الذكور والإناث ولم تقل الرواية على رجالهم ونسائهم، فيحمل على السبي أي الأطفال ذكورا وإناثا، وهذا جائز. وعليه فإن الرسول لم يسترق رجلا أسيرا، وإنما استرق السبي ذكورا وإناثا. والوقائع الثابتة في الأحاديث التي تعتبر حجة تؤيد ذلك. فإن المتتبع لأعمال الرسول يجد أنه لم يسترق رجلا أسيرا مطلقا لا من العرب ولا من غيرهم، بل المروي عنه أنه استرق السبي. ففي معركة بدر لم يكن مع العدو نساء ولذلك لم يحصل سبي فيها وإنما حصل أسر، فحكم الرسول عليهم بالفداء، وفي معركة حنين خرجت هوازن تحارب الرسول وخرج معهم النساء، ولما انتصر المسلمون وفرت هوازن خلفت النساء وراءها فحصل السبي ووضع مع الأموال غنائم. وفي بني المصطلق خلف العدو وراءه النساء فحصل السبي. وفي خيبر قتلوا وفتحت الحصون وأخذت النساء التي كانت مع المحاربين سبيا وترك باقي الناس كما ترك الرجال
يتبع
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-07-2015, 04:26 PM   #24
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي الأسرى (2)

2
فهذه الحوادث كلها تدل على أن الرسول كان يأسر الرجال المحاربين ويسبي النساء
اللواتي مع المحاربين وكذلك الأطفال، أما غيرهم من الرجال والنساء ممن لم يكونوا في المعركة فلم يكن يقع عليهم لا أسر ولا سبي. وهذا يدل على أن الرسول لم يسترق الأسرى. وبهذا تبين أن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة للأسرى قد جرى حسب منطوق الآية. فهو قد من في بعض الأحيان وأخذ الفداء في بعض الأحيان، وأنه لم يسترق الأسرى ولم يقتلهم وإنما سبى النساء والأطفال، وقتل أشخاصا مخصوصين بأعيانهم، لما لهم من خطر على المسلمين.
…أما مسألة السبي التي تشتبه على الناس بالأسرى فإن الناس في ذلك العصر يعتبرون النساء اللواتي يخرجن مع المحاربين والأولاد كاعتبار الأموال في اصطلاح الحرب، لا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، فالاصطلاح الحربي كان يعتبر الغنائم أموالا وسبايا، فجاء الرسول وأقر ذلك الاصطلاح فاعتبر النساء اللواتي يخرجن مع المحاربين والأولاد كالأموال غنيمة من الغنائم فتسترق ويجري عليها حكم الغنائم لا حكم الأسرى. ولذا لا يكون استرقاق السبايا استرقاقا للأسرى بل يكون غنيمة للمسلمين من غنائم المعركة. ويبقى حكم الأسرى هو تخيير الخليفة فيهم بين المن والفداء ليس غير. وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة، فإذا حاربت الدولة الإسلامية أعداءها تعامل الأسرى بالتخيير بين المن والفداء، وإذا أخرجوا معهم نساء للمعارك فإنه عند انجلاء المعركة تؤخذ النساء سبايا وتسترق وتكون مثل الأموال غنيمة من الغنائم.

وهذا الحكم في الأسرى والسبي عام لجميع الناس لا فرق بين العرب وغيرهم وليس هو خاصا بالعرب. وذلك لأن الآية والأحاديث عامة ولم يرد ما يخصصها بغير العرب أو يستثني منها العرب فتبقى على عمومها تشمل العرب وغيرهم.

وأما حديث معاذ الذي أخرجه الشافعي والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: (لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم). فإنه حديث ضعيف، ففي إسناده الواقدي وهو ضعيف جدا، ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي. ومثل هذا الحديث لا تقوم به حجة فلا يجوز أن يكون دليلا شرعيا. وأما ما روي أن الرسول استرق نساء العرب وأطفالهم ولم يسترق رجالهم فإنه صحيح ولكنه لا يدل على عدم جواز استرقاق رجال العرب وجواز استرقاق غيرهم بل هو عام يشمل العرب وغيرهم. أما كون الحادثة حصلت مع العرب فإنها واقعة حال ولا مفهوم لها، أي أن الوضع الذي حصل كان مع العرب فلا يعني ذلك أنه خاص بهم ولا يكون لغيرهم. على أن القاعدة الشرعية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحادثة وإن حصلت مع شخص أو جماعة فإنها لا تختص بالشخص أو الجماعة بل يكون حكمها عاما. وكذلك عدم استرقاق الرجال حصل مع العرب لأن الواقع الذي كان أن الرسول كان يحارب العرب فلا يكون الحكم خاصا بهم بل يكون عاما لجميع الناس، كما لو كان يحارب قبيلة معينة كقريش مثلا فلا يكون الحكم خاصا بها.

إلا أن هذا كله أي حكم الأسرى والسبي عام في حق جميع الناس ما عدا مشركي العرب، ويستثنى منه مشركو العرب ابتداء من بعد أربعة أشهر من يوم التاسع من ذي الحجة سنة تسع للهجرة إلى يوم القيامة، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال ولا يؤخذ منهم أسرى ولا سبي. أما مشركو العرب قبل هذا التاريخ فيشملهم هذا الحكم، وكذلك غير مشركي العرب من اليهود والنصارى فإنه يشملهم هذا الحكم منذ نزول الآية إلى يوم القيامة، إذ الاستثناء خاص بمشركي العرب من يوم تبليغ علي الآيات للمشركين من العرب وهو التاسع من ذي الحجة وبعدها أربعة أشهر، ولا يدخل فيه غيرهم من العرب ولا يدخل المشركون قبل هذا التاريخ. أما استثناء هؤلاء المشركين من العرب ابتداء من التاريخ المذكور فثابت بنص القرآن، قال تعالى: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون)، وقال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة فخلوا سبيلهم)، وقال: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله)، فهذا صريح بأنه استثناء لمشركي العرب من عموم الآيات، فإن مشركي العرب بعد نزول هذه الآيات وانقضاء مهلة الأربعة أشهر لا يقبل منهم إلا الإسلام أو الحرب. وأما ما روي من أن الرسول استرق من العرب فهو استرقاق من اليهود والنصارى واسترقاق من مشركي العرب قبل نزول هذه الآيات، أما بعدها فإنه لم يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتال.

منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2015, 02:14 AM   #25
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي الرباط

الرباط
من توابع الجهاد الرباط، وهو الإقامة في الثغر مقويا للمسلمين. والثغر كل مكان على حدود العدو يخيف أهله العدو ويخيفهم. وبعبارة أخرى هو المكان الذي ليس وراءه إسلام. والمراد من الرباط هو المقام في الثغور لإعزاز الدين ودفع شر الكفار عن المسلمين. والإقامة في أي مكان يتوقع هجوم العدو فيه بقصد دفعه يعتبر رباطا، لأن أصل الرباط من رباط الخيل الوارد في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه، فسمي المقام بالثغر، أي السكنى فيه رباطا، وإن لم يكن فيه خيل. وعلى هذا فمن أقام بالثغور بنية دفع العدو يعتبر مرابطا، سواء أكان المكان وطنه أي مسكنه الذي يسكنه عادة أم لم يكن، لأن العبرة ليس بكون المكان وطنه أم لا، بل بنية دفع العدو وإخافته. وفضل الرباط عظيم وأجره كبير، لأن الرباط دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو. والرباط أصل الجهاد وفرعه، وقد وردت في فضل الرباط عدة نصوص، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث سلمان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان وبعث يوم القيامة شهيدا)، وروى الطبراني بسند ثقات في حديث مرفوع (من مات مرابطا أمن الفزع الأكبر)، وعن أبي أمامة عنه عليه الصلاة والسلام قال: (إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ونفقته الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار نفقة غيره)، وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة).

والرباط يقل ويكثر، فكل مدة أقامها بنية الرباط فهو رباط قل أو كثر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم)، (رباط ليلة). والأفضل أن يرحل المسلم إلى الثغور ليسكنها حتى يكون مرابطا. ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور ليكونوا مرابطين. ويعتبر أهل الثغر وحدهم مرابطين إذا كانت نيتهم من السكنى دفع العدو وإخافته وإذا كانت تحصل بهم وحدهم كفاية الدفع، وإذا كانت لا تحصل إلا بالثغر الذي وراءه أيضا فهما رباط. ويعتبر سكنى المسلمين في بلادهم التي يحصل بها دفع العدو وإخافته رباطا ويكونون مرابطين.
…ومثل المرابطة في سبيل الله الحرس في سبيل الله، فإن فيها فضلا كبيرا. عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها).

منقول

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2015, 02:41 AM   #26
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي السياسة الحربية (_1)

السياسة الحربية
السياسة الحربية هي رعاية شؤون الحرب على وضع من شأنه أن يجعل النصر للمسلمين والخذلان لأعدائهم، وتبرز فيها الناحية العملية الآنية. وقد أجاز فيها الشرع أشياء حرمها في غيرها، وحرم فيها أشياء أجازها في غيرها. فقد أجاز فيها الكذب مع العدو مع أنه حرام معه في غير الحرب، وحرم اللين مع الجيش مع أنه مندوب في غير الحرب. وهكذا جعلت السياسة الحربية للأحكام اعتبارا خاصا في الحرب. وهذه الاعتبارات منها ما يتعلق بمعاملة العدو، ومنها ما يتعلق بالأعمال الحربية نفسها، ومنها ما يتعلق بالجيش الإسلامي، ومنها ما يتعلق بغير ذلك.
فمما يتعلق بمعاملة العدو، جعل الإسلام للخليفة وللمسلمين أن يفعلوا بالعدو مثل ما من شأنه أن يفعله العدو بهم، وأن يستبيح من العدو مثل ما يستبيحه العدو من المسلمين، ولو كان من المحرمات، قال الله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين). وقد روي أن سبب نزول هذه الآية أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم وشرموا آنافهم، ما تركوا أحدا إلا مثلوا به، إلا حنظلة بن الراهب. فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به، فرأى منظرا أساءه وقد شق بطنه واصطلم أنفه، فقال: (أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك)، فنزلت هذه الآية. فالآية نزلت في الحرب، وهي وإن كانت نهت عن الزيادة عن المثل ولكنها صريحة في إباحة أن يعمل المسلمون مثل ما يعمله الكفار بهم، حتى أن الآية يفهم منها إباحة التمثيل بقتلى الكفار الذين مثلوا بقتلى المسلمين على أن لا يزيد على مثل ما فعلوا، مع أن التمثيل حرام، ووردت الأخبار بالنهي عنه، إلا أن هذا النهي إنما يكون إذا لم يمثل العدو بقتلى المسلمين وإلا فإن للمسلمين أن يفعلوه إذا كان العدو يمثل في قتلى المسلمين. ومثل ذلك الغدر ونقض العهد فإنه إن فعله العدو أو خيف منه أن يفعله جاز لنا أن نفعله، وإلا فلا يجوز أن نفعله. وإنما جاز أن نفعله مع أنه ورد النهي عنه، عملا بالسياسة الحربية، إذ أن النهي عنه إنما يكون إذا لم يفعله العدو، فإن فعله جاز للمسلمين أن يفعلوه، قال تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء). وعلى هذا فإن الأسلحة النووية يجوز للمسلمين أن يستعلموها في حربهم مع العدو، ولو كان ذلك قبل أن يستعملها العدو معهم، لأن الدول كلها تستبيح استعمال الأسلحة النووية في الحرب، فيجوز استعمالها، مع أن الأسلحة النووية يحرم استعمالها لأنها تهلك البشر، والجهاد هو لإحياء البشر بالإسلام لا لإفناء الإنسانية.

ومما يتعلق بالأعمال الحربية أن للمسلمين تحريق أشجار الكفار وأطعمتهم وزرعهم ودورهم وهدمها، قال الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). وقد أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير مع تحققه بأنه سيؤول له. أما ما روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لأمير جيش بعثه إلى الشام: (لا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه) وقد أقره الصحابة جميعا ولا مخالف له، فإن ذلك هو الأصل في الحرب وهو عدم تخريب العامر وعدم قطع الشجر، ولكن إذا رأى الخليفة أو قائد الجيش أن كسب المعركة لا بد له من تخريب العامر وقطع الشجر، أو أن الإسراع في كسب المعركة يقضي بذلك، جاز في السياسة الحربية أن يقطع الشجر وأن يخرب العامر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل ذلك قتل البهائم وحرقها وكل ما يملكه العدو، فإنه إذا اقتضته السياسة الحربية جاز فعله، ولو كان محرما، قال الله تعالى: (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح). وهذا الكلام عام في كل شيء، ولم يرد ما يخصص هذه الآية بالذات لا آية أخرى ولا حديث، فتبقى على عمومها، وقد وردت أحاديث صحيحة في جواز حرق البيوت وحرق الشجر وقطعه. عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق)، وبها يقول حسان:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت (ما قطعتم من لينة أو تركتموها) الآية. وعن جرير بن عبدالله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تريحني من ذي الخلصة)؟ قال: فانطلقت في خمسين ومائة فارس من احمس، وكانوا أصحاب خيل، وكان ذو الخلصة بيتا في اليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب بعيد يقال له كعبة اليمانية، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها، ثم بعث رجلا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، فلما أتاه قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبرك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات، وبرك أي دعا لهم بالبركة. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرية يقال لها أبنى، فقال: ائتها ثم حرق)، وأبنى هذه هي يبنا فلسطين. ويظهر من وصية عمر التي رواها مالك في الموطأ ومن مقارنتها بهذه الأحاديث، أن حرق الشجر وقطعه وهدم البيوت إنما يكون إذا اقتضاه كسب المعركة أو كسب الحرب، فهو داخل في السياسة الحربية.

ومما يتعلق بالجيش الإسلامي أن للإمام أو لأمير الجيش أن يمنع من الذهاب للمعركة المنافقين أو الفساق أو المخذلين والمرجفين ومن شاكلهم لقوله تعالى: (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)، مع أن الجيش الإسلامي لا يمنع من الاشتراك به فاسق ولا منافق ولكن إذا اقتضت السياسة الحربية منعه من الذهاب للمعركة أو من القيام بعمل معين أو من تولي أمر معين، فإنه يجوز للخليفة ولأمير الجيش أن يفعل ذلك.

يتبع

__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2015, 02:44 AM   #27
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي السياسة الحربية(2)

السياسة الحربية(2)
ومما يتعلق في غير معاملة العدو، وغير أعمال الحرب، وغير الجيش الإسلامي، ما حصل مع الرسول في رجوعه من غزوة بني المصطلق، فإنه رجع بالمسلمين بسرعة فائقة وكان يمشي ليل نهار على أكثر قوة يستطيعها حتى وصل المدينة وقد أنهك التعب الجيش مع أن الحكم هو الرفق بالجيش. فعن جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم). إلا أن السياسة الحربية بالنسبة لما كان من عبدالله بن أبي بن سلول من إيقاع الفتنة بين المسلمين المهاجرين والأنصار اقتضت عدم السير بسير أضعف الجيش والسير بسير أقواهم، حتى لا يترك مجال للحديث أو المناقشة.
…وهكذا تقضي السياسة الحربية أن يقوم الإمام بأعمال تقتضيها رعاية شؤون الحرب لكسب المعركة أو لكسب الحرب وخذلان العدو والانتصار عليه. إلا أن هذا كله مقيد بما إذا لم يرد نص على عمل معين، فإذا ورد نص خاص فإنه لا يجوز أن يفعل ذلك العمل بحجة السياسة الحربية، بل يجب أن يتقيد بالنص سحب الوضع الذي ورد فيه، فإن كان النص ورد قاطعا غير معلل فلا يجوز حينئذ القيام بالعمل، وإذا ورد النص معللا بعلة فإنه يتبع فيه الحكم حسب العلة، وإن ورد النص بالمنع وورد عن الرسول فعله في حالات معينة فإنه لا يقام بالعمل إلا في تلك الحالات.
وقد وردت نصوص في أفعال منع الشرع منها فيتبع المنع حسب ما وردت. ولا يقال فيها سياسة حربية، لأن السياسة الحربية عامة إلا أن يرد نص في أمر يستثنيه من العموم فيتبع النص فيما خصص به. روى أحمد عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: (سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا). وروى البخاري عن ابن عمر قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان). وروى أحمد عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتلوا الذرية في الحرب. فقالوا: يا رسول الله أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين). وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضعوا غنائمكم وأصلحوا إن الله يحب المحسنين)، فهذه الأحاديث نهت عن أفعال معينة في الحرب فلا يصح أن تفعل في الحرب بحجة السياسة الحربية، وإنما تفعل على الوجه الذي وردت به النصوص. وقد وردت النصوص على أنه يجوز أن تفعل هذه الأمور جميعها بضرب المدافع والقنابل وكل ما يضرب من بعيد بشيء ثقيل، وأن يقتل الصبيان والنساء إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بقتلهم لاختلاطهم بهم. فقد روى البخاري عن الصعب بن جثامة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، ثم قال: هم منهم)، وفي صحيح ابن حبان عن الصعب قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: نعم)، وأخرج الترمذي عن ثور بن يزيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف) والمنجنيق حين يضرب به لا يميز بين امرأة وطفل وشجر إلى غير ذلك، فدل على أن الأسلحة الثقيلة كالمدافع والقنابل إذا استعملت في الحرب يجوز بها قتل وهدم وتخريب كل شيء، وكذلك إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بوطء الذرية والنساء، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم. أما فعل كل أمر من هذه الأمور وحده في غير المنجنيق وفي غير حالة عدم إمكانية التمييز بينها وبين الكفار الذين نحاربهم، ففيه تفصيل حسب ما ورد في النصوص.

أما الصبيان فيحرم قتلهم مطلقا في غير الحالتين السابقتين، وكذلك العسيف أي الأجير الذي يكون مع القوم مجبرا لأنه من المستضعفين، وذلك لورود النهي عن قتلهما بشكل قاطع ولم يعلل بأية علة.

وأما النساء فإنه ينظر فيها، فإن كانت تحارب جاز قتلها، وإن لم تكن تحارب لم يجز قتلها، وذلك لما رواه أحمد وأبو داود عن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني وهم يتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فأفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما كانت هذه لتقاتل. فقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا). فقول الرسول: (ما كانت هذه لتقاتل) يدل على أنها لو كانت تقاتل جاز قتلها، فيكون الحديث قد جعل علة النهي عن قتلها كونها لا تقاتل. ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود عن عكرمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم). وبذلك يتبين أن المرأة إذا قاتلت جاز قتلها وإذا لم تقاتل لا يجوز قتلها.
وأما الشيخ الفاني، فإنه إن كان فانيا لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين، فلا يجوز قتله للنهي عن قتله. وأما إن كان فيه نفع للكفار أو مضرة على المسلمين فيجوز قتله، وذلك لما روى أحمد والترمذي عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا شيوخ المشركين)، ولما روى البخاري من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيف على المائة وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب، فقتله أبو عامر ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه. وعلى ذلك يحمل حديث أنس على الشيخ الذي لا نفع فيه ولا ضرر منه وهو الفاني كما ورد في نفس الحديث.
…فهذه الأمور التي ورد النص عن فعلها ألا تفعل إلا حسب ما ورد به النص، وما عدا ذلك فإنه يجوز، ولا يستفظع أي عمل يفعله المسلمون بعدوهم الكافر ما دام هذا العمل حصل في حالة الحرب، سواء أكان هذا العمل حلالا أم حراما في غير الحرب. ولا يستثنى من ذلك إلا الفعل الذي ورد النص في النهي عنه في الحرب صراحة.
منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2015, 02:49 AM   #28
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي الكذب في الحرب

الكذب في الحرب
…الكذب كله حرام قطعا بنص القرآن القطعي، وتحريمه من الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة، لا فرق بين أن يكون لمنفعة المسلمين أو لمصلحة الدين، وبين أن يكون عكس ذلك. فقد جاءت النصوص في تحريمه عامة ومطلقة وباتة غير معللة، قال تعالى: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله)، وقال تعالى: (لعنة الله على الكاذبين). وهذا البت والإطلاق والعموم لا يعلله ولا يقيده ولا يخصصه إلا نص واحد، ولا دخل للعقل في ذلك إلا في فهم النص ليس يغر. ولم يرد في الصحيح أي نص يفيد أي تعليل أو أي تقييد لا في الكتاب ولا في السنة. وأما تخصيص النص فقد ورد فيه نص استثنى من تحريم الكذب أشياء معينة حصرها وحددها فلا يجوز تعديها بحال من الأحوال، فلا يستثنى من تحريم الكذب شيء إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في الأحاديث وهي: حالة الحرب، وعلى المرأة، ولإصلاح ذات البين، لورود النص عليها. فقد روى أحمد ومسلم وابو داود عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: (لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها)، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس ما يجعلكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب كله على ابن آدم حرام، إلا في ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما).
فهذه الثلاث من المستثنيات من تحريم الكذب بنص صريح، فلا يحل أن يقع الكذب في غيرها، إذ لا يستثنى من عموم النص إلا ما خصه الدليل فحسب. وكلمة (في الحرب) الواردة في الحديث ليس لها إلا معنى واحد ليس غير، وهو حالة الحرب الفعلية في شأن الحرب، فلا يجوز الكذب في غير حالة الحرب مطلقا، ولا في حالة الحرب في غير شأن الحرب. وأما ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره، كأن يريد أن يغزو جهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة المغرب ويتجهز للسفر، فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة المغرب. وأما أنه يصرح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلم يحصل، فلا يكون على هذا إخبارا بخلاف الواقع وإنما هو من قبيل التورية، علاوة على أنه داخل في حالة الحرب الفعلية وفي شأن الحرب، لأنه ذهاب للمعركة لمحاربة العدو فعلا، وهو من الخدعة الواردة في قوله عليه الصلاة والسلام: (الحرب خدعة).
…وأما ما روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله قال: نعم. قال: فائذن لي فأقول. قال: قد فعلت. قال: فأتاه فقال: إن هذا –يعني النبي صلى الله عليه وسلم- قد عنانا وسألنا الصدقة. قال: وأيضا والله قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره. قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله)، فإنه أيضا في حالة الحرب. وإنه وإن كانت ألفاظ الحديث نصت على أن الألفاظ التي قالها محمد بن مسلمة صدق وليس بكذب وإنما هو تعريض، ولكن محمد بن مسلمة استأذن أن يقول كل شيء فأذن له في كل شيء، ويدخل فيه الإذن في الكذب صريحا وتلويحا، وهو داخل في حالة الحرب.
وأما ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، فإنه يدخل كذلك في حالة الحرب، لأن أهل مكة كانوا في حالة حرب فعلية مع المسلمين، والحجاج بن علاط من المسلمين وهو ذاهب عند الكفار الأعداء وهم في حالة حرب فعلية، فيجوز الكذب عليهم، إذ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين بل يجوز للمسلمين أن يكذبوا على الكفار أعدائهم إذا كانوا في حالة حرب فعلية معهم.

وأما ما أخرجه الطبراني في الأوسط (الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين)، وهو عند البزار بلفظ (الكذب مكتوب إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عنه)، قال في مجمع الزوائد: وفي سنده رشدين وغيره من الضعفاء، وعليه فهو حديث ضعيف فيرد ولا يحتج به فلا يصلح دليلا.

وعلى ذلك فإن الكذب كله حرام ولا يحل إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، وما عداها حرام قطعا، لأن تحريم الكذب جاء في القرآن عاما يشمل كل كذب، فجاء الحديث وخصصه في غير الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، واستثنى هذه الثلاث من الحرمة، فكانت هي وحدها حلالا وما عداها حرام، لا سيما أن الحديث حصر الحل في ثلاث فقال: (الكذب كله على ابن آدم حرام، إلا في ثلاث خصال)، وقال: (لم أسمع النبي يرخص في شيء من الكذب إلا في الحرب..) الخ. وهذا الحصر يعني أن غيرها حرام. والأحاديث التي وردت كلها في حالة الحرب الفعلية وما عداها فهي أحاديث ضعيفة ترد ولا يحتج بها.
وأما التورية في غير الحرب، فإنها إن فهم منها السامع خلاف الواقع، بأن كان اللفظ لا يدل على الواقع وغيره لغة واصطلاحا عاما عند المتكلم والسامع فهي كذب لا يحل، كأن يصطلح جماعة مخصوصون على كلمة فيقولونها لمن لم يعرف هذا الاصطلاح، أو كأن كان اصطلاحا للمتكلم ولا يعرفه السامع، فإن ذلك كله كذب لا يحل. وهو وإن كان تورية عند المتكلم ولكن السامع فهم من اللفظ خلاف الواقع، فلا يعتبر من قبيل التورية ولا يحل. وأما إن كان اللفظ يفهم منه الواقع وغيره فهي من أنواع البلاغة وهي صدق وليست بالكذب، كقولهم للأعور "ليت عينيه سواء" يصح دعاء له وعليه. والتورية هي أن يكون للكلام معنيان أحدهما قريب والآخر بعيد، فيريد المتكلم المعنى البعيد ويفهم السامع المعنى القريب، ففي مثل هذه الحال وإن فهم السامع خلاف ما أراد المتكلم، ولكن لم يفهم خلاف الواقع الذي تدل عليه الجملة. وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التورية، ففي صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا رجل يهديني السبيل. فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2015, 02:53 AM   #29
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي التجسس (1)

التجسس
التجسس هو تفحص الأخبار، يقال في الغلة: جس الأخبار وتجسسها تفحص عنها، ومنه الجاسوس. فإذا تفحص الشخص الأخبار فقد تجسسها وهو جاسوس، سواء تفحص الأخبار الظاهرة أو المخفية، لا يشترط في تفحص الأخبار أن تكون مخفية أي أسرارا حتى يكون تجسسا، بل التجسس هو تفحص الأخبار ما يخفى منها وما يظهر، أي الأسرار وغير الأسرار. أما إذا رأى أشياء طبيعيا دون تفحص ودون أن يكون عمله تفحص الأخبار، أو جمع أخبار لنشرها، أو اهتم بالأخبار، فإن كل ذلك لا يكون تجسسا ما دام لم يتفحص الأخبار ولم يكن من عمله تفحص الأخبار، حتى لو تتبع الأخبار في مثل هذه الحالات لا يكون تجسسا، لأن تفحص الأخبار الذي هو التجسس إنما يكون بتتبعها والتدقيق فيها لغرض الاطلاع عليها. أما من يتتبع الأخبار ليجمعها فهو لا يدققها لغرض الاطلاع عليها بل يجمعها لينشرها على الناس. وعلى ذلك لا يقال لمن يتتبع الأخبار ويجمعها كمراسلي الجرائد والوكالات الأنباء جاسوسا، إلا أن يكون عمله التجسس واتخذ مراسلة الجرائد والوكالات وسيلة، ففيه هذه الحال يكون جاسوسا لا لكونه مراسلا يتتبع الأخبار بل لكون عمله هو التجسس، واتخذ المراسلة وسيلة للتغطية كما هي الحال مع كثير من المراسلين، ولا سيما الكفار الحربيين منهم. وأما موظفو دائرة التحري والمكتب الثاني ومن شاكلهم ممن يتفحصون الأخبار فإنهم جواسيس لأن عملهم تجسس.
هذا هو واقع التجسس وواقع الجاسوس. أما حكم التجسس فإنه يختلف باختلاف من يتجسس عليهم، فإن كان التجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين، فحرام ولا يجوز، وإن كان التجسس على الكفار الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكما فإنه جائز للمسلمين وواجب على الخليفة. أما كون التجسس على المسلمين وعلى رعايا الدولة الإسلامية حراما فثابت بصريح القرآن، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعد الظن إثم ولا تجسسوا)، فنهى الله في الآية عن التجسس. وهذا النهي عام فيشمل كل تجسس، سواء أكان تجسسا لنفسه أو لغيره، وسواء أكان تجسسا للدولة أم للأفراد أم للتكتلات، وسواء أكان الذي يقوم به أي بالتجسس، الحاكم أو المحكوم، فالكلام عام يشمل كل شيء ينطبق عليه أنه تجسس، فكله حرام.
وهنا يرد سؤال وهو: هل يجوز للمسلم أن يشتغل موظفا في دائرة التحري أو دائرة المباحث أو غيرها من الدوائر التي يكون عملها أو من عملها التجسس؟ والجواب على ذلك: ينظر، فإن كانت الوظيفة للتجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين فلا يجوز، إذ هو حرام بصريح القرآن ويمنع منه الذمي كما يمنع المسلم، لأن الذمي في دار الإسلام مخاطب بتطبيق أحكام الإسلام على نفسه إلا ما يتعلق منها بالعقائد والعبادات، وهذا ليس منها. وأما إن كانت الوظيفة للتجسس على الكفار الحربيين الذين يدخلون بلادنا من مستأمنين ومعاهدين فإنه يجوز، إذ يجوز التجسس على الكفار الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكما، وسواء أكان ذلك في بلادهم أم في بلادنا. وعلى ذلك فإن وجود دائرة التحري أو المباحث أو ما شاكلها ليس بحرام بل هو واجب، والحرام فيها هو التجسس على المسلمين وعلى الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين. فلا يجوز للدولة أن توجد دائرة للتجسس على المسلمين وعلى سائر الرعايا بل يحرم عليها ذلك. ولا يقال: إن مصلحة الدولة تقتضي أن تعرف أخبار الرعية حتى تكشف المؤامرات وتهتدي إلى المجرمين، لأن على الدولة أن تعرف ذلك عن طريق الشرطة والعسس، وليس عن طريق التجسس. على أن كون العقل يرى أن ذلك الشيء مصلحة أو ليس بمصلحة لا يكون علة للتحريم أو الإباحة، وإنما ما يراه الشرع مصلحة فهو المصلحة.
…على أن آيات القرآن حين تأتي صريحة في تحريم شيء لا يبقى مكان للحديث عما فيه مصلحة لتعليل جعله حلالا، إذ لا قيمة لذلك إماما نص القرآن الصريح، والقرآن يقول: (ولا تجسسوا) يعني النهي عن التجسس، ولا سبيل إلى فهم غير ما تدل عليه الآية، وما هو صريح في لفظها. ولم يرد أي دليل يخصص عموم هذه الآية أو يستثني منها شيئا فتبقى على عمومها تشمل كل تجسس، فيكون التجسس على الرعايا كله حرام.
هذا بالنسبة للتجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين. أما تجسس المسلمين والذميين على الكفار الحربيين، سواء أكانوا حربيين حقيقة أم حربيين حكما، فهو مستثنى من عموم الآية لورود أحاديث خصصت تحريم التجسس بغير الكفار الحربيين. أما الكفار الحربيون فإن التجسس عليهم جائز للمسلمين وواجب على خليفة المسلمين أي على الدولة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن جحش وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا. فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم)، ففي هذا الكتاب يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بالتجسس له على قريش وبأن يعلمه من أخبارها، ولكنه يجعل التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا، أما هو فإنه يعزم عليه أن يمضي، فيكون الرسول قد طلب القيام بالتجسس من الجميع ولكنه عزم على عبدالله وخير الباقين، وهذا دليل على أن الطلب بالنسبة لأمير الجماعة طلب جازم وبالنسبة لغيره ممن معه طلب غير جازم، فكان ذلك دليلا على أن تجسس المسلمين على العدو جائز وليس بحرام، ودليلا على أن التجسس واجب على الدولة. على أن التجسس على العدو من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين، فلا يتم تكوين جيش للحرب دون أن تكون معه جاسوسية له على عدوه، فصار وجود الجاسوسية في الجيش واجبا على الدولة من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" .
يتبع
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2015, 02:55 AM   #30
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,905
افتراضي التجسس (2)

التجسس (2)
هذا حكم التجسس من حيث كونه حراما أو جائزا أو واجبا. أما حكم عقوبة الجاسوس الذي يتجس للكفار الحربيين فتختلف باختلاف تابعية الجاسوس وباختلاف دينه. أما الكافر الحربي حين يكون جاسوسا فإن حكمه القتل قولا واحدا ولا حكم له غير ذلك، ويقتل بمجرد معرفة أنه جاسوس أي بمجرد ثبوت كونه جاسوسا، وذلك لما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم انسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اطلبوه. فاقتلوه فسبقتهم إليه فقتلته فنفلني سلبه)، وعند مسلم من رواية عكرمة بلفظ (فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد)، وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس (أدركوه فإنه عين)، فهذا صريح بأن الرسول بمجرد أن ثبت عنه أنه جاسوس قال: (اطلبوه فاقتلوه)، مما يكون قرينة على أن الطلب طلب جازم، فيكون حكمه القتل قولا واحدا، وهو عام في كل كافر حربي، سواء أكان معاهدا أو مستأمنا، أم غير معاهد ولا مستأمن، فكله كافر حربي حكمه القتل إذا كان جاسوسا.
أما الكافر الذمي حين يكون جاسوسا فإنه ينظر فيه، فإن كان قد شرط حين دخوله في الذمة أن لا يتجسس وإن تجسس يقتل فإنه يعمل بالشرط، فإذا صار جاسوسا يقتل حسب الشرط. وأما إن لم يشرط عليه ذلك فإن يجوز للخليفة أن يجعل عقوبته القتل فيقتل إذا صار جاسوسا، لما رواه أحمد عن فرات بن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله وكان ذميا وكان عينا لأبي سفيان وحليفا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنه مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان)، فهذا صريح في أن الرسول أمر بقتل الذمي الجاسوس. إلا أن ذلك جائز للإمام وليس واجبا عليه كما هي الحال في الجاسوس حين يكون كافرا حربيا. والدليل على أن قتل الجاسوس الذمي من قبل الدولة جائز وليس بواجب هو أن الحديث لم يقترن بقرينة تدل على الجزم فيكون الطلب غير جازم. وهناك قرينة تدل على عدم الجزم في الطلب وهي أن نص الحديث يدل على أن الرسول لم يبادر بقتل فرات هذا بمجرد أن عرف أنه جاسوس مع أن الكافر الحربي الذي ورد ذكره في حديث سلمة بن الأكوع قد أمر النبي بقتله بمجرد أن ثبت لديه أنه جاسوس، وقال للمسلمين: (اطلبوه فاقتلوه). والدليل على أنه لم يبادر بقتله أن الرسول كان يعرفه، ويظهر ذلك من قول الحديث: (وكان ذميا عينا)، أي أنه كان معروفا، وقول الرسول: (منهم فرات بن حبان). ويضاف إلى ذلك أن الرسول قال في شأن الكافر الحربي: (اطلبوه فاقتلوه)، أما في شأن فرات بن حبان فقد أمر بقتله ولم يطلب من المسلمين أن يقتلوه. وظاهر في ذلك الفرق بينهما بأن الحربي طلب قتله طلبا جازما، والذمي طلب قتله طلبا غير جازم، مما يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي، وجواز عدم قتله.
وأما الجاسوس المسلم الذي يتجسس للعدو على المسلمين والذميين فإنه لا يقتل، لما روى مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). فهذا الحديث حصر القتل في هذه الثلاث وما عداها من الذنوب لا يجوز أن تكون عقوبتها القتل بالنسبة للمسلم، فالمسلم لا يقتل إلا بهذه الذنوب الثلاثة. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل ذمي، فلما ثبت له أنه أسلم وصار مسلما كف عنه، إذ أمر بقتل فرات بن حبان وكان ذميا وكان عينا، فلما قال له رجل من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنه مسلم، قال الرسول: (إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان)، فعلة الكف عن قتله كونه صار مسلما. وروى البخاري عن علي رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءا ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). فهذا الحديث قد ثبت فيه على حاطب أنه تجسس على المسلمين، ولم يقتله الرسول. فدل ذلك على أن الجاسوس المسلم لا يقتل. ولا يقال: إن ذلك خاص بأهل بدر لأن الحديث معلل بكونه من أهل بدر. لا يقال ذلك لأنه وإن كان النص ورد بما يفيد التعليل وسيق على وجه تفهم منه العلية، إلا أن حديث مسلم في حصر قتل المسلم في ثلاث، وحديث أحمد عن فرات بن حبان قد رفع عنه القتل لأنه صار مسلما بعد أن كان ذميا، ينفي العلية من هذا الحديث ويجعله وصف واقع لأن فرات بن حباس ليس من أهل بدر. ولا يقال: حديث فرات بن حبان في إسناده أبو همام الدلال محمد بن محبب ولا يحتج بحديثه وهو يرويه عن سفيان الثوري. لا يقال ذلك لأنه قد روي هذا الحديث عن سفيان بشر بن السري البصري وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه ورواه عن الثوري أيضا عباد بن موسى الأزرق العباداني وكان ثقة. فالحديث ثابت ويحتج به وهو دليل على أن الجاسوس المسلم لا يقتل، وإنما يعاقب بالحبس وغيره، حسب ما يراه القاضي أو الخليفة.
…وهذا كله في التجسس على المسلمين والذميين للعدو الكافر الحربي. أما التجسس على المسلمين لا للعدو، أي ليس للكافر الحربي، بل لمجرد الجاسوسية، أو لمسلمين، أو للدولة، فإنه مع كونه حراما لم يرتب الشرع لهذا الذنب عقوبة معينة، فتكون عقوبته التعزير.
منقول
__________________
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:10 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.