قديم 03-16-2020, 11:16 AM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي معالم في تاريخ فلسطين الجديث

فهرس
[01]- الفهرس
[02]-الإخوان المسلمون الفلسطينيون ونشأة فتح (1)
[03]-حركة فتح على مفترق طرق تاريخي
[04]- المقاومة الفلسطينية 1949-1956: صفحات مطوية… الإخوان المسلمون (1)
[05]- المقاومة الفلسطينية 1949-1956: صفحات مطوية… الإخوان المسلمون (2)
[06]- المقاومة الفلسطينية من النكبة إلى انطلاقة فتح: عملية الباص "معاليه أكربيم" (4)
[07]- معركة الكرامة 21 مارس 1968 كما تعكسها الوثائق البريطانية …
[08]-
[09]-
[10]-

______________________________________
● ماورد في هذا الباب لا يمثل بالضرورة رأي أصحاب: منتدى الزاهد
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2020, 11:26 AM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي الإخوان المسلمون الفلسطينيون ونشأة فتح (1)

الإخوان المسلمون الفلسطينيون ونشأة فتح (1)
بقلم: أ. د. محسن محمد صالح،
مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

تشير الدلائل إلى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت الحاضنة الأولى لنشأة حركة فتح، وخصوصاً بين أفرادها من أبناء قطاع غزة. ويظهر أن عامة الإخوان كانوا يعدُّونها في البداية جزءاً منهم، أو على الأقل رصيداً لهم، غير أن الطرفين اتخذا خط الانفصال والتمايز عن بعضهما منذ صيف 1962.
اطلعنا في مقال سابق على التنظيم العسكري السري، الذي أنشأه الإخوان في القطاع. والدارس لنشأة حركة فتح في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين يلاحظ، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن كثيراً من قادة هذا التنظيم وأعضائه، أصبحوا من الجيل المؤسس لحركة فتح. ويظهر أن عدداً كبيراً من هؤلاء قد أصابهم الإحباط نتيجة قيام عبد الناصر بضرب جماعة الإخوان سنة 1954، وتحَوُّلها إلى حركة مطاردة محظورة، وبعد أن تم تشويه صورتها وشيطنتها في الإعلام المصري. وبالتالي فالصورة المتميزة للإخوان كجماعة أدت أدواراً بطولية في حرب 1948، وكقوة شعبية كبيرة لها احترامها ونفوذها الواسع في قطاع غزة، وكحاضنة للعمل المقاوم، تضررت بدرجات مختلفة في أوساط الناس. بينما لم يعد كوادر الحركة أو “التنظيم الخاص” يجدون بيئة مناسبة للتجنيد ولا للعمل المقاوم، بعد أن أصبح اسم الإخوان مدعاة للخوف، إن لم يكن مدعاة للنفور. وبالتالي، لم يكن أمام هؤلاء الشباب الذين تملؤهم الحماسة للعمل لفلسطين ولمشروع المقاومة؛ إلا أن يحاولوا إيجاد مسارات أخرى مناسبة، حتى وإن ظلّ كثير منهم على حبه واحترامه للإخوان.
ويظهر أن النقاشات التي تلت تعطُّل العمل المقاوم للإخوان الفلسطينيين، أوصلتهم إلى قناعة بضرورة إنشاء ما عرف لاحقاً بفتح. غير أن بؤرة هذا النقاش تركزت على ما يبدو وسط طلاب الإخوان في الجامعات المصرية سنة 1956 وبدرجة أقل في قطاع غزة، حيث نجد هناك أسماء أعضاء من الإخوان أصبحوا قيادات بارزة في فتح، أمثال خليل الوزير وسليم الزعنون ورياض الزعنون وغالب الوزير وسعيد المزين وعبد الفتاح حمود ومحمد يوسف النجار وكمال عدوان وفتحي بلعاوي وأسعد الصفطاوي وصلاح خلف.
● ● ●
المؤسسان أبو جهاد وأبو عمار:
حسب خالد الحسن، أحد أبرز قادة فتح، فإن أبا جهاد خليل الوزير هو الذي بدأ حركة فتح، وهو رأي يؤكده عدد من رموز وقيادات الإخوان الفلسطينيين، ممن كانوا على احتكاك ومعرفة بأبي جهاد في تلك الفترة، أمثال محمد الخضري، وخيري الأغا، وسليمان حمد. وكان أبو جهاد من قادة التنظيم الإخواني السري العسكري الذي نظم عدداً من العمليات الفدائية في النصف الأول من الخمسينيات. وبحسب خليل الوزير، ففي هذه الأجواء بدأ التفكير بحركة “فتح” في منتصف الخمسينيات، وممن شاركه هذا التفكير كمال عدوان، الذي كان معه في الإخوان وفي العمل العسكري الخاص. وفي العام الذي قضاه خليل الوزير في مصر (الفترة 1955/1956) بقي على صلته بجماعة الإخوان الفلسطينيين في مصر، واحتفظ بموقع قيادي حسبما يشير الإخوان الذين عايشوه؛ لكنه على ما يبدو كان يُنضج مع زملائه فكرة فتح، كما توطدت علاقته بياسر عرفات (بعد العدوان الإسرائيلي على القطاع في أواخر شباط/ فبراير 1955)، الذي أخذ يشاركه الأفكار والتوجهات نفسها، في ضرورة إطلاق عمل فلسطيني مقاوم يأخذ صبغة وطنية.
أما ياسر عرفات، فثمة شبه إجماع بين الإخوان الذين التقينا بهم على أنه لم يكن عضواً في جماعة الإخوان، ولكنه كان قريباً منها. وتلقى تدريباً عسكرياً في معسكرات الإخوان ضمن طلبة الجامعات في فترة المقاومة المصرية للإنجليز في قناة السويس 1951-1954، وفاز على قائمة الإخوان برئاسة رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر أكثر من مرة. أما الشخصان اللذان خالفا هذا الإجماع فهما منير عجور، وخيري الأغا. إذ يذكر خيري الأغا أن عرفات انضم لفترة محدودة للإخوان، وأن كمال السنانيري (من قيادات الإخوان المصريين) عينه مسؤولاً عن متابعة الإخوان الفلسطينيين، وأن نائبه كان قنديل شاكر (من قيادات الإخوان في الأردن لاحقاً)، وكان ذلك سنة 1952. غير أن الأغا نفسه، يشير إلى أن عرفات لم يستمر في الإخوان. وإذا ما صحت هذه الرواية، فلعل نفي الآخرين لانتظامه السابق بالإخوان يعود سببه إلى أنه انتظم لفترة قصيرة، وأنه لم يستمر بعد الضربة التي تلقاها الإخوان سنة 1954؛ وبالتالي فكل من التقاه بعد ذلك لم يجد له ارتباطاً بالإخوان. كما أنه لم يكن من مصلحته في تلك الفترة كشف أي علاقة سابقة له بالإخوان.
إرهاصات فتح:
أعاد الإخوان في قطاع غزة تنظيم أنفسهم أثناء الاحتلال الإسرائيلي للقطاع (31 تشرين الأول/ أكتوبر 1956-6 آذار/ مارس 1957) باتجاه العمل المقاوم. وبالنسبة لأبي جهاد، فقد عَدّ العدوان الثلاثي مرحلة جديدة في النضال، فبدأ التفكير بالحاجة إلى التنظيم والقيادة، والتوسع في النشاطات “والتوجه نحو تنظيم أوسع”. وهي عقلية تميل إلى تجاوز القيود الحزبية إلى أطر وطنية أوسع؛ بما يشير إلى بدايات تَشكُّل القاعدة النظرية لفكرة فتح. ومما يدل على ذلك أنه في أثناء الاحتلال الإسرائيلي للقطاع قدَّم ثلاثة من الإخوان، هم كمال عدوان وغالب الوزير وسعيد المزين (وثلاثتهم صاروا لاحقاً من قيادات حركة فتح) مقترحاً إلى قيادة الإخوان من عشرين صفحة، للتعاون مع القوميين واليساريين في العمل الشعبي وفي المجالات السياسية والإعلامية والعسكرية. غير أن قيادة الإخوان قررت عدم التعاون مع الشيوعيين (لرغبة الشيوعيين بالاقتصار على المقاومة المدنية فقط)، والعمل بشكل منفصل، والتجهيز للعمل العسكري ضد الاحتلال.
وبعد ذلك ببضعة أشهر، وتحديداً في صيف 1957، قدَّم أبو جهاد تصوراً إلى قيادة الإخوان المسلمين في قطاع غزة؛ يقضي بإنشاء تنظيم لا يحمل لوناً إسلامياً في مظهره، وإنما يحمل شعار تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح، ويقوم بالإعداد لذلك. ونوَّه أبو جهاد في مذكرته إلى أن هذا التنظيم سيفتح الأبواب المغلقة بين الإخوان والجماهير، وسوف يفكُّ حصار نظام عبد الناصر للإخوان، وسوف يُبقي قضية فلسطين حية، ويجبر الدول العربية على خوض الحرب.
ويبدو أن قيادة الإخوان في غزة لم تأخذ المذكرة مأخذ الجد، فأهملتها ولم تردَّ عليها. وعلى ما يظهر فإن التوجه العام للقيادة كان يميل نحو التريث، والسلوك الأمني الحذر، والتركيز على التربية، والمحافظة على الذات، في أجواء ملاحقة النظام المصري (بعد عودته لإدارة القطاع). وربما انعكست طبيعة القيادة والتي تميل لعدم الدخول في مغامرات تراها غير محسوبة، في بيئة غير مواتية، على النظرة السلبية للمشروع. وعزز ذلك، أن أبا جهاد ورفاقه المتحمسين للفكرة كانوا يتصرفون بشيء من عدم الانضباط في نظرها، حسب معايير الترتيبات السرية الجديدة التي اتخذتها قيادة إخوان غزة.
ولعل سبب هذه النظرة الحذرة من القيادة أن المجموعة الإخوانية التي مالت لإنشاء فتح، كان لديها استعدادات كبيرة للانفتاح الشعبي والسياسي والحركي، والتعبير عن نفسها من خلال لافتة وطنية، وبالتالي كانت أكثر جرأة وأكثر قدرة على التواصل مع البيئة الخارجية، بأسلوب “عملي” فعال؛ مقابل القيادة التي ركّزت على لملمة الصف، والحفاظ على الذات، والتركيز على التربية والإعداد المُتأنِّي، بانتظار فرصة أفضل لإطلاق “المشروع الإسلامي لفلسطين”.

التأسيس في الكويت:
عندما قدم ياسر عرفات إلى الكويت سنة 1957، عمل مهندساً في دائرة الأشغال العامة، ثم لحقه خليل الوزير الذي عمل مدرساَ في إحدى مدارس وزارة التربية، حيث أخذا ينشران فكرة فتح في الوسط الإخواني (وهو وسطهما الطبيعي). وكانا على معرفة بمعظم الخريجين من شباب الإخوان الذين وفدوا إلى الكويت.
وكان لوجود اثنين من قيادة التنظيم الإخواني الخاص (هما يوسف عميرة ومحمد أبو سيدو) ممن سبقا خليل الوزير في القدوم للكويت، أثر كبير في تهيئة الظروف المناسبة لنشأة فتح في الوسط الإخواني الفلسطيني في الكويت. فقد كان يوسف عميرة يدير أسرة مجموعة قدماء الإخوان في الكويت، وكان ممثّل الفلسطينيين لدى الجهات الإخوانية في الكويت، وهو الذي عَرَّف سليمان حمد بياسر عرفات وبخليل الوزير سنة 1957. أما محمد أبو سيدو فكان على علاقة قوية بخليل الوزير، من خلال الدور القيادي الذي لعبه في التنظيم الخاص. وهؤلاء الثلاثة انضموا لفتح منذ تأسيسها. وقد أسهم ذلك في إيجاد بيئة إخوانية مناسبة للتجاوب مع حركة فتح، ولذلك نلاحظ أن معظم الإخوان الفلسطينيين البارزين الذين جاؤوا للكويت في تلك الفترة انضموا لحركة فتح، أمثال موسى نصار، وأبو أيمن حسن المدهون، وأبو عودة حسين الثوابتة، ومنير عجور.
ومن الشخصيات التي أشار يزيد صايغ، في دراسته، إلى انتمائها السابق للإخوان؛ عادل عبد الكريم، وهو ممن قدم مبكرا ً للعمل في الكويت. وبالتالي فإن ثلاثة من الخمسة الذين حضروا اللقاء التأسيسي لفتح، حسبما ذكر خليل الوزير (الوزير وعميرة وعادل عبد الكريم)، كانوا ذوي خلفية إخوانية إضافة إلى عرفات وتوفيق شديد. وبعد اعتذار شديد منذ اللقاء التالي، تابع قيادة فتح هؤلاء الثلاثة الذين اختاروا عرفات المقرّب من الإخوان رئيساً لهم.
في قطاع غزة:
يبدو أن قيادة الإخوان في قطاع غزة، التي تمكنت من إعادة ترتيب التنظيم بعد ضربة عبد الناصر للإخوان كانت أكثر صرامة في ضبط عناصرها ومعايير التزامهم. فقد تعاملت مع العديد من العناصر التي أسست فتح في القطاع كعناصر غير منضبطة، ولم تُدخلها في بُنية التنظيم، باعتبار أن انضمامها كعناصر مكشوفة يمثل خطراً على “سرية” التنظيم؛ ولكنها أبقت على التعامل معها كإخوان في الإطار “الأخوي” الاجتماعي العام. ويبدو أن هذا السلوك القيادي، أدى ضمناً وعملياً، إلى اندفاع هذه العناصر بشكل أكبر تجاه المضي بإنشاء فتح.
ويعترف أبو عزة الذي كان في قيادة إخوان غزة، أن طرح عناصر فتح كان “منطقياً، وتتولاه عناصر قيادية إخوانية موثوقة”. وأنه خلال ثلاث سنوات (1957-1960)، وقبل أن تتوصل قيادة إخوان غزة إلى إجابات وتصورات واضحة، في مقابل طرح فتح، كان الإخوان قد فقدوا أفراداً من أفضل عناصرهم؛ وإن “موثوقية وقيادية دعاة فتح في الإخوان، سهَّلت عليهم اقتناص أفراد كثيرين وممتازين من الإخوان”.
ومن أبرز الشباب ذوي الخلفية الإخوانية الذين أسسوا فتح في قطاع غزة؛ سليم الزعنون الذي عَمِل وكيل نيابة بعد تخرجه وعودته للقطاع، وصلاح خلف وأسعد الصفطاوي اللذان عملا بعد تخرجهما في مدرسة خالد بن الوليد قرب مخيم النصيرات، وكذلك سعيد المزيَّن (أبو هشام)، وغالب الوزير، وفتحي بلعاوي. كما كان معهم في التأسيس الشيخ هاشم الخزندار، الذي كان نائباً لرئيس المكتب الإداري لإخوان غزة، ورئيساً لشعبة الرمال، قبل قيام عبد الناصر بحل جماعة الإخوان. كما انضم رياض الزعنون لقيادة فتح في غزة، بعد تخرجه من كلية الطب في القاهرة.
____________________
●يتبع المقال القادم حول:
بدايات فتح في مصر والضفة الغربية والأردن وقطر ولبنان وسوريا.
●المصدر: موقع عربي21، 15/3/2020
●منقول عن: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2020, 04:11 PM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي حركة فتح على مفترق طرق تاريخي

حركة فتح على مفترق طرق تاريخي
بقلم: أ. د. محسن محمد صالح،
مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

بعد أكثر من خمسين عاماً على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني ومؤسساته الرسمية، تجد حركة فتح نفسها أمام استحقاق تاريخي ومفترق طرق، يفرض عليها حسم مساراتها وخياراتها المستقبلية.
تميزت حركة فتح عند انطلاقتها بدينامية عالية وقدرات تعبوية واسعة واستعدادات تضحية كبيرة، فكان بروزها سنة 1965 مفترق طرقٍ، أسهم بشكل أساس في إطلاق روح العمل الوطني الفلسطيني، والمقاومة المسلحة، وفي صناعة القرار الوطني المستقل بعيداً عن هيمنة الأنظمة.
ثم تولت فتح، في مفترق طرق تاريخي آخر، قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1968، لتقوم بـ”تثوير” المنظمة، وتطبيق رؤيتها في العمل الوطني والتحرير. ومنذ ذلك الوقت، وفتح تمر بمفترقات طرق، سواء في تموضع المقاومة الجغرافي في الأردن، أم في انتقالها لتتمركز في لبنان، أم تشتتها القسري إلى تونس وغيرها؛ أم في تموضعها السياسي بين مشروع التحرير الشامل، وبين الدولة الديموقراطية الواحدة، وبرنامج النقاط العشر، ومشروع الدولتين، واتفاق أوسلو.
في هذه الأيام، وبعد الإعلان رسمياً عن “صفقة ترامب”، وبعد الفشل المدوي لـ 26 عاماً من مسار أوسلو وانهيار مشروع حل الدولتين، بعد ذلك كله تقف حركة فتح أمام استحقاق تاريخي كبير، قد يسهم في إنقاذ المشروع الوطني، إذا ما تعاملت معه بجرأة ومسؤولية.
هذا المفترق تحتاج فيه حركة فتح إلى وقفة مراجعة جادة، لضبط البوصلة، قبل أن تطحنها الأحداث، وتتلاشى في زحمة التاريخ.
هناك ثلاثة استحقاقات على حركة فتح أن تحسم موقفها منها، وهي تقف على مفترق الطرق:
الاستحقاق الأول: التعامل مع مسار التسوية السلمية: بعد نحو ثلاثين سنة من التجربة، ومن مطاردة “سراب” الدولة الفلسطينية؛ لم يعد ثمة مجال للتأجيل أو الهروب من الاستحقاق. فالأمريكان حسموا أمرهم بالتماهي مع المشروع الصهيوني الليكودي، والمجتمع الصهيوني ازداد عنصرية وتطرفاً، والبيئة العربية المُتبنية لمسار التسوية عاجزة وضعيفة ومفككة، والبيئة الدولية أعجز من أن تفرض قراراً واحداً على الكيان الصهيوني.
وثلاثون عاماً من “السلام” و”نبذ الإرهاب” و”مطاردة قوى المقاومة” و”الاستجداء” في ممرات وزواريب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية لم تقنع الصهاينة وحلفاؤهم أننا شعب يستحق الحياة. وبعد كل ما قدمته فتح… لم يعودوا يرون فيها سوى “أداة وظيفية” لشرعنة الاحتلال وتهويد الأرض والمقدسات وقمع المقاومة. لقد آن لحركة فتح أن ترفع الغطاء وتسحب البساط.
الاستحقاق الثاني: الموقف من السلطة الفلسطينية: فحركة فتح التي تولت عبء إنشاء السلطة الفلسطينية، سعياً لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة سنة 1967؛ تجد نفسها الآن تدير سلطة حكم ذاتي، دونما أفق إلا لـقيام “بانتوستانات” ومعازل تحت الهيمنة الصهيونية. وهي سلطة تم تكريس دورها في “خدمة الاحتلال” أكثر من خدمة أهداف الشعب الفلسطيني.
ولم يعد ثمة مبرر أن تقوم حركة مناضلة وحركة “تحرير” كفتح بهكذا دور؛ وهو دور لم يُبقِ منه الطرف الإسرائيلي سوى “المهام القذرة” المتعلقة بالتنسيق الأمني، وما يريد أن يريح نفسه منه كإدارة الحياة اليومية للسكان. والجميع يدرك أن 26 عاماً من الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية، التي تقودها فتح، لم تؤد إلا لتعزيز المشروع الصهيوني، وتوفير الغطاء لمشاريعه الاستيطانية والتهويدية، وضرب قوى المقاومة، وتوفير مبررات التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني عربياً وإسلامياً ودولياً.
ثمة صعوبة بالغة تواجه فتح عند التعامل مع استحقاق السلطة، هي أن عشرات الآلاف من كوادر فتح مرتبطة وظيفياً ومعيشياً بالسلطة ومؤسساتها، وقد كيفوا أنماط حياتهم بناء على ذلك. وأي قرار سواء في “إسقاط السلطة” أو في إعادة تعريفها كـ”سلطة مقاومة”، يمثل استحقاقاً تاريخياً مفصلياً، له أثمانه وتضحياته الكبيرة.
لكن فتح أحبت أم كرهت، قد وصلت أو اقتربت من هذا الاستحقاق؛ وعليها أن تختار بين دفع الأثمان المترتبة على خياراتها الوطنية بالتنسيق مع باقي قوى المقاومة، وبين أن تجد نفسها تَفرُغ تدريجياً من محتواها الوطني والنضالي، لتنتهي محصلة “الماكينة” التي تديرها في الطاحونة الإسرائيلية.
الاستحقاق الثالث: استحقاق البنية الرسمية للمشروع الوطني الفلسطيني: تقود فتح منظمة التحرير الفلسطينية منذ أكثر من خمسين عاماً، كما تقود السلطة الفلسطينية منذ نحو 26 عاماً.
وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى هيمنتها كفصيل على المنظمة، والاحتجاج برفض البيئة العربية والدولية لخط المقاومة أو لـ”الإسلام السياسي”…، فإن الوضع الفلسطيني وصل إلى “نقطة حرجة” لم يعد يحتمل ثمة تأجيل، لمواجهة استحقاقات كبرى على رأسها “صفقة ترامب” وتصفية قضية فلسطين. ولم يعد ثمة “ترف” في الوقت للمناورات والمناكفات السياسية وللمحاصصات الفصائلية.
يعرف جميع المتابعين، كما تعرف فتح، ما تعاني منه منظمة التحرير الفلسطينية من ضعف وتردّ وانهيار مؤسسات. ويرى الجميع ذلك الإصرار الغريب لدى قيادتها على الاستمرار بطريقة القيادة نفسها، وعلى الاستئثار بقيادة المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية وأذرعها التنفيذية، والهيمنة على السلطة الفلسطينية بحكومتها ووزاراتها وأجهزتها.
ويرى الجميع كيف يتم تجاهل دعوة الإطار القيادي المؤقت، ويتم حل المجلس التشريعي، كما يتم تشكيل حكومة فتحاوية، ونحن في ظرف أحوج ما نكون فيه لوحدة وطنية وبرنامج وطني شامل.
أما وأن كل الاستحقاقات التي قامت بها فتح “للتأهل” لتكون مقبولة في البيئة العربية والدولية، أو حسب المعايير الأمريكية، أو حتى وفق الكثير من الاشتراطات الإسرائيلية، لم تؤدّ إلا لتفريغ فتح من محتواها النضالي، في الوقت الذي تم فيه تكريس الاحتلال وطمس قضية فلسطين، فلا بد أن تقف فتح أمام الاستحقاق التاريخي، بالمبادرة الجادة لترميم البيت الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير، على أسس الثوابت والشراكة الوطنية الحقيقية.
لعلنا نكتفي في هذا المقال بهذه الاستحقاقات المفصلية الثلاث باعتبارها تضع حركة فتح أمام مفترق طرق تاريخي، لم يعد بالإمكان تأجيله أو تجاهله، لأن الخاسر الأكبر نتيجة ذلك هو فلسطين، وهو بالتأكيد فتح نفسها.
وهناك استحقاقات تشغل فتح أيضاً مثل الاستحقاق المرتبط بخلافة محمود عباس، وشكل قيادة فتح المستقبلي. وثمة استحقاقات ستنشأ عن حسم فتح لمساراتها تجاه التسوية والسلطة، وتحديد تموضعها في العمل الفلسطيني المقاوم المسلح، وإنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفتح المجال للانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية، وإعادة تفعيل دور فلسطينيي الخارج. وكلها أسئلة ذات طبيعة حيوية ومؤثرة على طبيعة وبنية المشروع الوطني الفلسطيني. لكنها في جوهرها تظل مرتبطة بالاستحقاقات الثلاث.
إن مزيداً من التأخير والتسويف في حسم فتح لقراراتها، لن يعني سوى مزيد من تراجع فتح، وتراجع دورها وتأثيرها، وفقدان هويتها وبوصلتها، خصوصاً بوجود احتلال لم يعد يقبل بها إلا كأداة وغطاء لاحتلاله.
____________________

●المصدر: موقع ”trt“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 2020/3/6
●منقول عن: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2020, 04:18 PM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي المقاومة الفلسطينية 1949-1956: صفحات مطوية… الإخوان المسلمون (1)

المقاومة الفلسطينية 1949-1956:
صفحات مطوية… الإخوان المسلمون (1)
بقلم: أ. د. محسن محمد صالح،
مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

بعيداً عن الانطباعات المسبقة، وحملات الدعاية ضد الإخوان المسلمين المنتشرة في هذه الأيام، فإنه من المعروف، وسط الباحثين، أن إخوان فلسطين والبلاد العربية شاركوا في حرب 1948 بفعالية كبيرة، مقارنة بغيرهم، ووفق إمكاناتهم المتاحة. وهي مشاركة جعلتهم موضع احترام وتقدير شعب فلسطين والعرب والمسلمين بشكل عام، في ذلك الوقت.
في أواخر حرب 1948 قامت الحكومة المصرية بحظر جماعة الإخوان المسلمين (في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1948)، كما قامت مخابراتها باغتيال الشيخ حسن البنا رحمه الله في 11 شباط/ فبراير 1949، واعتقلت الآلاف من أعضاء الجماعة ومؤيديها، وكان مصير الكثير من مقاتلي الجماعة في حرب فلسطين الاعتقال والسجن، حتى وهم عائدين من جبهات القتال.
لم يكن من المستغرب أن تكون فكرة استئناف العمل العسكري بعد النكبة، حاضرة في نفوس الإخوان المسلمين. وثمة ما يشير إلى أن بدايات عمل المقاومة المنظمة من قطاع غزة ومن الحدود المصرية، تعود إلى جهود كامل الشريف. فقد كان الشريف أحد قادة الإخوان المسلمين المصريين، من أبناء سيناء، الذين شاركوا في حرب 1948 في يافا وفي جنوب فلسطين. وقد تمرَّد كامل ورفاقه من الإخوان ومؤيديهم، على الهدنة بين مصر و”إسرائيل”، والتي عُقدت في آذار/ مارس 1949، وتابعوا القتال، بالرغم من وجود بيئة سياسية وأمنية مصرية تحارب الإخوان وتطاردهم (بعد حظر جماعتهم واغتيال مرشدهم). وكان الشريف ورفاقه يرون أنه إذا ما توقفت الحرب بين الجيوش النظامية، فإن حرب العصابات يجب أن تستمر، حتى تكون الجيوش العربية جاهزة لحرب جديدة. غير أن السلطات المصرية قامت باعتقاله ورفاقه في رفح، ثم أفرجت عنهم في أوائل 1950، واضطر للعودة إلى العريش.
ظلّ الشريف “مسكوناً” بفكرة الجهاد ضدّ الصهاينة، حيث أقام في مدينة العريش، وأخذ يعيد ترتيب شبكة للمقاومة المسلحة في قطاع غزة ومن الحدود المصرية، تحت المظلة الواسعة للإخوان. ومن الواضح أن كامل الشريف، ابن صحراء سيناء، وبما لديه من خبرة عسكرية ناجحة، قد فاز بثقة قيادة الإخوان في القاهرة، لتكليفه بمهام قتال الإسرائيليين، والتي أضيف إليها مهام قتال الإنجليز في قناة السويس (بعد أن قام رئيس الوزراء المصري النحاس باشا بإلغاء معاهدتي 1899 و1936 مع بريطانيا، في أواخر سنة 1951). وكان يتابعه تنظيمياً عضو مكتب الإرشاد الشيخ محمد فرغلي، والذي كان القائد العام لحملة الإخوان العسكرية في حرب فلسطين 1948.
وكانت إحدى العلامات المشجعة أن هناك المئات من الشباب الفلسطيني ممن تدرب في معسكرات الإخوان، في حرب 1948. وكان من أقرب المساعدين له الشيخ فريح المصدّر، ويوسف عميرة، والشيخ حسن الإفرنجي، وعبد الله أبو ستة (شيخ قبيلة الترابين)، ورمضان البنا، وصدقي العبادلة. ولم يكن كل مساعديه بالضرورة من الإخوان، وإنما كان العديد منهم شخصيات وطنية مستعدة للعمل تحت المظلة التي يوفرها الإخوان. وكان من بين “الإخوان” الذين نشطوا تحت إمرة الشريف في قطاع غزة خليل الوزير (أبو جهاد)، وعدد من رفاقه الذين سيصبحون من مؤسسي حركة فتح لاحقاً.
وفَّر كامل الشريف ورفاقه دعماً لوجستياً للعمل المقاوم، من خلال إنشاء معسكر للتدريب في القصيمة في سيناء (على بعد نحو 86 كيلومتراً جنوب شرقي العريش، قرب الحدود مع فلسطين المحتلة). وكان محمود الشريف (شقيق كامل) مشرفاً إدارياً ومسؤولاً عن التدريب والاتصال في المعسكر؛ حيث تمّ تدريب المئات من شباب البدو.
كما تلقى عدد من الفلسطينيين تدريباً عسكرياً في المعسكرات التي أقامتها الجامعات المصرية بعد تصاعد الأزمة مع الإنجليز في قناة السويس، منذ أواخر 1951 وحتى 1954. وكان ياسر عرفات أحد الفلسطينيين الذين تلقوا التدريب على يد مدربي الإخوان في جامعة فؤاد الأول (القاهرة) في تلك الفترة.
وكان معظم السلاح المتوفر سلاحاً خفيفاً يتناسب مع عمليات مقاومة محدودة، وزرع ألغام، ولكن لا يسمح بمواجهات واسعة مباشرة أو طويلة. وقد تواصل الضباط الأحرار مع كامل الشريف قبل ثورة يوليو 1952 (بمن فيهم جمال عبد الناصر، وصلاح سالم، وعبد الحكيم عامر)، على خلفية العلاقة معهم، والتي تعود إلى حرب فلسطين 1948، وزودوا الشريف بالسلاح. وقد قام الضابط محمود رياض مسؤول الاستخبارات العسكرية في الجيش المصري في قطاع غزة (أصبح لاحقاً الأمين العام لجامعة الدول العربية) بالمساعدة في تهريب هذه الأسلحة لاستخدامها ضدّ البريطانيين.
من جهة أخرى، فبالإضافة إلى الدعم المالي الذي يوفره الإخوان المصريون عن طريق الشيخ محمد فرغلي؛ فإن صادق المزيني (أحد قادة الإخوان في قطاع غزة) مسؤولاً أيضاً من جهة الإخوان الفلسطينيين، عن توفير الدعم المالي. كما كان الشيخ فريح المصدّر أحد أبرز مصادر هذا الدعم.
وقد تمّ تنفيذ الكثير من العمليات المسلحة تحت إشراف كامل الشريف في النصف الأول من الخمسينيات ضدّ الإسرائيليين. وتعاون معه في ذلك عدد من الشخصيات البدوية، وعلى رأسهم عبد الله أبو ستة، وعيّاد أبو درنة، وحسن الإفرنجي. وقد ذكر الشريف أنه وزّع الأسلحة على مجموعات منتخبة من البدو، وتحديداً قبيلة العزازمة، الذين نفذوا عمليات واسعة ضدّ الإسرائيليين في صحراء النقب، وحققت ارتباكاً كبيراً وذعراً في وسط اليهود الصهاينة أكثر مما توقع الشريف ورفاقه.
وكان عبده أبو مريحيل ومحمد حسن الإفرنجي، وكلاهما من البدو الأعضاء في جماعة الإخوان، يشكلان صلة الوصل بين الإخوان والبدو في القطاع؛ وقد عملا مباشرة تحت توجيه خليل الوزير. وكان يتم إخفاء المواد المتفجرة في بعض الأماكن، مثل مزرعة موسى سبيتة (أبو يوسف)؛ وبناء على تعليمات كامل الشريف، كانت المتفجرات تُؤخذ إلى نقاط محددة، حيث يقوم البدو بجمعها لاحقاً.
أما عياد أبو درنة ومجموعته من البدو من منطقة بير السبع، فقد انضموا للمقاومة تحت إشراف كامل الشريف. وقد استشهد في هجوم على مستعمرة نتزانا (Nitzana) في منطقة عوجة الحفير. وكان عياد من أبرز العاملين في الجانب العسكري، وقد أقلقت عملياته الصهاينة كثيراً.
وكانت المخابرات العسكرية المصرية تعتقل أحياناً، ولوقت محدود، بعضاً من رفاق كامل الشريف. ومع ذلك، فقد كان هناك مجموعة من الضباط (مرتبطون بشكل عام بالإخوان المسلمين وبالضباط الأحرار) يدعمون هذه العمليات، ويشاركون فيها. وهو ما كان يُسهل عمل المقاومة، ويوفر لها بيئة عمل أفضل.
●●●
مع أواخر سنة 1953 انتقل كامل الشريف إلى الأردن، حيث انتخب نائباً للأمين العام للمؤتمر الإسلامي الذي عُقد في القدس. ويبدو أن الإخوان أرادوا من نقله الاستفادة من موقعه في المؤتمر كغطاء لمتابعة عمله العسكري الجهادي عبر الضفة الغربية. إذ أشرف بنفسه على تحصين الحدود، ودعم حرس الحدود على خطوط الهدنة في الضفة الغربية. وقد تمّ جمع أموال كثيرة تحت غطاء المؤتمر لتسليح حرس الحدود (وهي قوة رسمية لكنها كانت ضعيفة التسليح والتدريب)، وكان جزء كبير من المال يذهب للعمل الفدائي السري الذي يشرف عليه الشريف. وقد أحضر الشريف أحد أبرز مدربي الإخوان العسكريين ممن شاركوا في حرب 1948، وهو عبد العزيز علي، وطلب منه تدريب العناصر الفدائية سراً. وقد تركز العمل من منطقتي القدس والخليل. وممن ساعد في العمل العسكري أبناء عبد النبي النتشة في الخليل، وكذلك عبد الرحيم الشريف الذي كان يعمل قاضياً في غزة، وكان له بيت في الخليل، حيث كانت تُرتب عن طريقهم العمليات. غير أن العمليات من سيناء والقطاع كانت أكثر من الضفة الغربية.
ويبدو أن ما ذكره خليل الوزير (في ذكرياته عن بدايات العمل المقاوم) حول تفعيل خط المقاومة الواصل بين غزة والخليل في الضفة الغربية، بعد هرب حمد العايدي إلى هناك سنة 1954، هو أمر متصل بنشاط كامل الشريف نفسه، نظراً للعلاقة القوية بينهما. غير أن السلطات الأردنية قامت بطرد كامل الشريف وكذلك عبد العزيز علي، بعد أن انزعج (رئيس أركان الجيش الأردني في تلك الفترة) جلوب باشا من نشاطهما، غير أنهما عادا للأردن، بعد طرد الملك حسين لجلوب في آذار/ مارس 1956، ولكن العمل العسكري كان قد توقف.

●●●يتبع●●●
____________________

●ملاحظة: هذا المقال مستخلص من دراسة للكاتب، ويعتمد بشكل أساسي على مقابلات مع شخصيات شاركت في تلك المرحلة، بمن فيهم كامل الشريف نفسه؛ كما يستفيد من الوثائق والمراجع المتعلقة بتلك المرحلة.
●نظراً لعدم توفر صورة مناسبة تعكس مشاركة الإخوان في المقاومة في الفترة التي يغطيها المقال، فقد تم الإكتفاء بالصورة المرفقة.
●تم نشر أصل هذا المقال في موقع عربي21، 17/1/2020
● ماورد في المقال لا يمثل بالصرورة رأي: منتدى الزاهد
●المصدر: موقع ”trt“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 2020/3/6
●منقول عن: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2020, 08:38 PM   #5
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي المقاومة الفلسطينية 1949-1956: صفحات مطوية… الإخوان المسلمون (2)

المقاومة الفلسطينية 1949-1956:
صفحات مطوية… الإخوان المسلمون (2)
بقلم: أ. د. محسن محمد صالح،
مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

أشرنا في المقال السابق إلى أن كامل الشريف استمر في العمل المقاوم بعد حرب 1948، عبر قطاع غزة وسيناء. ويظهر لنا، من خلال مجموعة من المصادر والمقابلات مع مشاركين في تلك الحداث، أن الشريف ورفاقه كانوا يتابعون خطين للعمل العسكري “الإخواني” المقاوم: الأول مرتبط بإنشاء وتطوير عمل “النظام الخاص” في القطاع من خلال شباب الإخوان المسلمين، ليأخذ شكلاً صلباً مستقراً، وإن كان يحتاج وقتاً حتى تظهر ثماره، والثاني متابعة العمل العسكري من خلال شبكة المجاهدين والعلاقات التي كَوَّنها الشريف في حرب 1948، والتي تعتمد أساساً على عناصر من الإخوان الأكبر سناً، وعناصر من غير الإخوان، المستعدين للعمل تحت إشرافهم أو بالتعاون معهم. وهذه العناصر كانت في غالبها من البدو الجاهزين للقتال، والخبراء بمناطق جنوب فلسطين ذات الطبيعة الصحراوية. ونركز في هذا المقال على “النظام الخاص”الذي أنشأه الإخوان في القطاع.
●“النظام الخاص” في القطاع:
يذكر أعضاء هذا التنظيم العسكري الخاص الذين قابلهم الباحث (محمد الخضري، وفوزي جبر، وخيري الأغا، ومحمد صيام) أن هذا العمل كان عملاً سرياً منظماً جداً. ولضمان نجاح العمل، لم يكن هذا النشاط موضوعاً تحت إشراف القيادة الرسمية “التقليدية” للإخوان في غزة. ولكن كانت له صلة وصل بكامل الشريف في العريش، الذي كانت تتم متابعته تنظيمياً من عضو مكتب الإرشاد الشيخ محمد فرغلي.
وكان من بين “الإخوان” الذين نشطوا تحت إمرة الشريف في قطاع غزة خليل الوزير (أبو جهاد)، حيث أسهمت سمعة الإخوان الطيبة في حرب 1948 في انضمامه للإخوان سنة 1951. ويذكر الوزير (في المقابلة التي أجرتها معه سلوى العمد، ونشرتها جريدة السفير، 25/4/1988) أنهم في سنة 1949 عندما كانوا يَسألون الناس، كان أغلبهم يقولون لهم إنهم قاتلوا في صفوف الإخوان المسلمين. وهذا مما قوى علاقة الإخوان بالشباب في قطاع غزة. ويضيف: “لقد استهوتنا تجربة “الإخوان” كمجموعة شباب، خاصة وأنه لم تكن في القطاع قوى سياسية سوى “الإخوان المسلمين” والشيوعيين. الشيوعيون كانوا قلة، وكانت لهم نظرة خاصة للأمور، لا تلتقي ومشاعر الناس… أما الكثرة المنفتحة فكانت تنسق مع شباب الإخوان”.
وفي مقابلة مع كاتب هذه السطور، أكد كامل الشريف وجود هذا العمل المسلح المنظم، وأنه كان له نقباؤه في كافة مناطق القطاع. وأن الأشخاص المعنيين بهذا العمل في القطاع، مثل محمد أبو سيدو وخليل الوزير (أبو جهاد) كانوا يزورونه بشكل منتظم، لاستلام الأوامر ولمتابعة العمل. وقد أشار عدد من أعضاء هذا الجهاز الذين قابلهم الكاتب، أن الأوامر كانت تأتي بالفعل من كامل الشريف، وكذلك من أخيه محمود الشريف، بالإضافة إلى عباس السيسي (من الإخوان المصريين) الذي كان يقيم أيضاً في العريش.
وكان أبو سيدو صلة وصلٍ رئيسية بين الشريف وبين القيادات في القطاع، فقد كان يعمل سباكاً في الجيش المصري في العريش، وكان معتاداً على العودة إلى غزة في عطلة نهاية الأسبوع. وقد وفر له ذلك غطاء مناسباً لتوصيل المعلومات والتعليمات، ابتداء من رفح مروراً، بخان يونس، ووصولاً إلى مكان إقامته في غزة.
●من ناحية تنظيمية، تمّ تقسيم قطاع غزة إلى ثلاث مناطق:
(1)- غزة: ويتولى قيادتها خليل الوزير (أبو جهاد)، وكان من بين مساعديه فوزي جبر، ومحمد الخضري، ومعاذ عابد، وعبده أبو مريحيل، وحمد العايدي.
(2)- الوسطى (خان يونس): ويتولى قيادتها خيري الأغا.
(3)- الجنوب (رفح): ويتولى قيادتها محمد يوسف النجار؛ وكان يساعده موسى نصار، وتولى إبراهيم عاشور في وقت لاحق القيادة مكان النجار.
ومن بين أعداد كبيرة من الطلاب الإخوان، كان يتم انتقاء دقيق للأفراد بناء على مواصفات محددة، خصوصاً أولئك الملتزمين، النشطين، الكتومين، الذين لا يواجهون مشاكل اجتماعية. وكان عباس السيسي وأبو سيدو يتنقلان بين شُعب الإخوان لتجنيد الأعضاء، ولعب أبو جهاد دوراً نشطاً في تجنيد عدة مجموعات من الإخوان.
وكان رياض الزعنون عضواً نشطاً في “الجهاز الخاص”، وكان مسؤولاً عن قسم الطلاب في المدارس المتوسطة والثانوية؛ وكان طالباً في مدرسة فلسطين الثانوية، وكان من الأعضاء الناشطين ابراهيم عاشور،ومحمد الإفرنجي، وعبد الله صيام.
●أُسرة الحق:
وكانت هناك مجموعة يُنظر إليها كمجموعة غير منضبطة، وكان في عضويتها سليم الزعنون وصلاح خلف (أبو إياد) وسعيد المزين (أبو هشام). وكانت تطلق على نفسها اسم “أُسرة الحق” أو “كتيبة الحق”. غير أن خليل الوزير تمكن من استيعابها في التنظيم العسكري الخاص..وقد استخدم القسم العسكري اسم “شباب الثأر الأحرار” لإصدار بيانات وتصريحات في الفترة 1953-1956. وقد أشار الباحث زياد أبو عمرو إلى هاتين المجموعتين في دراسته حول الإخوان المسلمين في قطاع غزة، غير أنه قدمهما على أنهما مجموعتان تخططان لأعمال عسكرية؛ ولم يُشر إلى أنهما كانتا ضمن التنظيم الإخواني العسكري في القطاع. وقد ذكر أبو عمرو أسماء أخرى ضمن هاتين المجموعتين، مثل أسعد الصفطاوي، وعمر أبو الخير، وإسماعيل سويرجو، ومحمد النونو، وحسن عبد الماجد.
●عمليات مقاومة:
كانت عملية التدريب متناسبة مع الإمكانات المحدودة للتنظيم، ومع البيئة السريّة للعمل. غير أنها استفادت من إمكانات الإخوان المصريين، ومن الضباط الإخوان في الجيش المصري، والمتعاطفين مع الإخوان والمقاومة. كما استفادت من غطاء المخيمات الكشفية في التدريب الخشن وشبه العسكري، لتوفير حدٍّ أدنى مرتبط باللياقة البدنية والانضباط والاستعداد الرجولي للتضحية.
ويذكر أبو عزة أن الاهتمام بالتدريب العسكري كان أمراً طبيعياً في الوسط الإخواني الفلسطيني في قطاع غزة، باعتبار أن حركة الإخوان هي حركة جهادية.
ويشير أبو جهاد (في المقابلة التي أجرتها معه سلوى العمد) إلى قيامه وإخوانه بعمليات زراعة ألغام، في المناطق المقابلة لمنطقة المنطار في غزة، وعلى طريق غزة- بئر السبع، وفي مكان متقدم من الطريق إلى المجدل، ومن المجدل إلى الفالوجة، كما كان يتم نسف أنابيب المياه في المستعمرات. وبحسب الوزير، فإن العمليات تعددت وتوسعت تدريجياً حتى وصلت إلى منطقة يازور قرب يافا.
أما العملية الأبرز التي تحدث عنها أبو جهاد فهي عملية تفجير خزان زوهر، وهو سدّ مياه قرب منطقة الفالوجة، وهو جزء من مشروع المياه القُطري الإسرائيلي. وبحسب أبي جهاد، فقد قامت إحدى المجموعات بزرع عدد من “التنكات” المليئة بمادة “تي.إن.تي” (TNT) في 25 شباط/ فبراير 1955، فانفجر الخزان بشكل هائل، وتدفقت المياه وغطت مساحات واسعة من الأرض إلى أن وصلت إلى منطقة “بيت لاهيا”، لتصبُّ بعد ذلك في البحر المتوسط. وهي حسب رأي الوزير العمليةُ التي استدعت العدوان الانتقامي الإسرائيلي الكبير في 28 شباط/ فبراير 1955؛ والتي شكلت نقطة تحول في السياسة المصرية. فتحت ضغط المظاهرات الواسعة في القطاع المطالبة بتسليح أهله وتجنيدهم للقتال، والمطالبة بإسقاط مشروع التوطين في سيناء، قام عبد الناصر بتكليف مصطفى حافظ بتنفيذ حرب عصابات ضدّ الكيان الإسرائيلي، كما تمّ إلغاء مشروع التوطين في سيناء.
لم نجد في دراسة بني موريس الشاملة، حول الاشتباكات الحدودية ومحاولات اختراق الحدود بين البلدان العربية و”إسرائيل” في الفترة 1949-1956، ما يشير إلى عملية خزان زوهر التي تحدث عنها الوزير؛ كما لم نجد في الوثائق البريطانية ما يشير لذلك في تلك الفترة. ولم يجد الباحث يزيد صايغ أيضاً ما يؤكدها، حسبما أشار في كتابه “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة”، وإن كان ذلك لا ينفي أن العملية قد وقعت. وثمة إشارات في الوثائق البريطانية إلى عملية وقعت في ليل 23 شباط/ فبراير 1955 في ريشونلازيون جنوب تل أبيب، وإلى عملية أخرى أدت لقتل إسرائيلي في منطقة القبيبة بعد ذلك بيومين (25 شباط/ فبراير 1955) على بعد 15 كيلومتراً جنوب شرق تل أبيب (35 كيلو متراً شمال قطاع غزة).
نفذ عبد الله صيام عمليات من شمال غزة، بينما نفذ حمد العايدي عمليات من الوسط، ونفذ إبراهيم عاشور عمليات من الجنوب. وكان محمد صيام من بين أولئك الأعضاء المسؤولين عن تزويد عبد الله صيام بالسلاح والذخيرة، وكان من بين هجماتهم الهجوم على محطة القطارات في المجدل. وقد ركز عبد الله صيام على منطقة المجدل، حيث نفّذ عمليتين أو ثلاثة. وقد قبضت السلطات المصرية على عبد الله صيام عندما كان يحاول اجتياز الحدود لتنفيذ إحدى العمليات، كما اعتقل خليل الوزير على خلفية اتهامه بإعداد لُغم، غير أنه تمّ “لفلفة” القضية من خلال بعض “الواسطات” والاتصالات، وأفرج عنه بكفالة مالية بعد أسبوع من اعتقاله.
وأشار موريس، بناء على تقارير المخابرات الإسرائيلية، إلى أن مجموعة من “الإخوان المسلمين” كانت نشيطة على طول خطوط قطاع غزة في النصف الثاني من سنة 1954؛ وأنها كانت تقوم بشكل متكرر بتدمير خطوط المياه المؤدية إلى مستعمرات النقب. وقد لاحظت مخابرات الجيش الإسرائيلي أنه في النصف الثاني من 1954 وبداية 1955 خفَّت حوادث اختراق الحدود بعد الإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية، لمنع التسلل، وبعد توجيهها ضربة قاسية لجماعة الإخوان المسلمين.
● خلاصة:
وعلى أي حال، فإن هذا “النظام الخاص” وإن كان بذل جهداً مقدراً في تجنيد الأفراد وتدريبهم، إلا أن أداءه كان متواضعاً على مستوى تنفيذ العمليات. إذ إن فترته الذهبية (1952-1954) لم تكن كافية لإطلاق عمل مسلح مقاوم فعال. وأياً تكن النتيجة، فإن هذا العمل عكس حرص وتوق شباب الإخوان للمقاومة المسلحة. ونحن عندما نقرأ هذه التجربة، في ضوء أحداث وظروف تلك المرحلة، فلعلنا نجد أنفسنا أمام عمل جاد منظم، وأداء عسكري أخذ قصب السبق والمبادرة مقارنة بكافة الاتجاهات السياسية والحزبية الفلسطينية. هذه التجربة لم تتمكن من النمو، خصوصاً لأسباب متعلقة بالصراع بين نظام عبد الناصر والإخوان، لكنها على الأقل وفّرت “الحاضنة” الأساسية لولادة حركة فتح لاحقاً.
____________________

●●●يتبع●●●
●ملاحظة: هذا المقال مستخلص من دراسة للكاتب، ويعتمد بشكل أساسي على مقابلات مع شخصيات شاركت في تلك المرحلة، بمن فيهم كامل الشريف نفسه؛ كما يستفيد من الوثائق والمراجع المتعلقة بتلك المرحلة.
●نظراً لعدم توفر صورة مناسبة تعكس مشاركة الإخوان في المقاومة في الفترة التي يغطيها المقال، فقد تم الإكتفاء بالصورة المرفقة.
●تم نشر أصل هذا المقال في موقع عربي21، 17/1/2020
● ماورد في المقال لا يمثل بالصرورة رأي: منتدى الزاهد
●المصدر: موقع ”trt“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 2020/3/6
●منقول عن: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-17-2020, 02:33 PM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي المقاومة الفلسطينية من النكبة إلى انطلاقة فتح: عملية الباص "معاليه أكربيم" (4)

المقاومة الفلسطينية من النكبة إلى انطلاقة فتح:
عملية الباص "معاليه أكربيم" (4)
بقلم: أ. د. محسن محمد صالح،
مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

تعد عملية الباص (معاليه أكربيم أو ممر العقرب) من أكبر عمليات المقاومة الفلسطينية، من ناحية الخسائر البشرية، التي يعترف بها الإسرائيليون في خمسينيات القرن العشرين. وهي عملية لم تلحظها الكثير من كتابات الباحثين والمؤرخين لقضية فلسطين، كما لم تشر إليها معظم أدبيات المقاومة الفلسطينية المعاصرة.
وتتحدث الوثائق البريطانية بالتفصيل حول هذه العملية التي وقعت على بُعد50 كيلومتراً جنوب شرقي بير السبع (على مسافة 20-30 كيلومتراً من الحدود الأردنية) بتاريخ 17 آذار/ مارس 1954(1)، حيث قامت مجموعة من رجال المقاومة بمهاجمة باص إسرائيلي قادم من إيلات (أم الرشراش) باتجاه بئر السبع، فقتلت 11 إسرائيلياً وجرحت ثلاثة آخرين. وتسبب الحادث بموجة غضب واسعة في الكيان الصهيوني.
وقد حمَّل الإسرائيليون السلطات الأردنية المسؤولية عن الحادث، حيث قادت آثار المهاجمين إلى الحدود الأردنية. غير أن السلطات الأردنية رفضت هذه الاتهامات، وتعاونت بشكل كامل مع لجنة الهدنة المشتركة، وزودتها بأفضل خبرائها للوصول للمتهمين. ولم تتهم لجنة الهدنة الأردنيين، ولكنها على العكس، عبَّرت عن تقديرها لتعاونهم. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه شاريت رأى أن هذه العملية قد أُعدَّت ونُفذت بدقة، وأَصرَّ على ضرورة تحمُّل الأردن المسؤولية. وادعى الإسرائيليون أن المهاجمين مُدرّبين عسكرياً بشكل جيد، وأنهم حسب التعبير الإسرائيلي ليسوا "عصابة قتلة" من البدو، وليسوا كذلك مدفوعين للعمل من المفتي الحاج أمين الحسيني. وقدم الإسرائيليون أسماء ثلاثة من البدو، هم محمد القصقاص، وسليمان السعيدي، وصراص (Saras) أبو كريشان، وينتمون إلى قبيلة السعيديين، وقالوا إنهم قدموا من منطقة الصافي جنوبي البحر الميت. (ملاحظة: الأسماء الثلاثة مكتوبة بالأحرف الإنجليزية، ولم يتم التأكد تماماً من دقة الكتابة بالأحرف العربية، لعدم وجود مصادر عربية مقابلة).
سعى جلوب باشا قائد الجيش الأردني للدفاع بقوة عن الموقف الأردني؛ وأرسل عدة تقارير للخارجية البريطانية في لندن. وذكر أنه بناء على التحقيقات المكثفة التي قام بها ومساعدوه، وصل إلى نتيجة أن العملية تمّ تنفيذها على يد مجموعة بدوية منظمة. وكان أحد أبرز الاحتمالات التي ركز عليها هي أن المهاجمين جاؤوا من الجانب المصري (إما من قطاع غزة أو من سيناء)، وأن "العصابة" مركزها "القصيمة"، وأنها موجهة من الحاج أمين الحسيني، مع غض السلطات المصرية النظر عنها.
بعد عدة أشهر، وتحديداً في تشرين الأول/ أكتوبر 1954، تلقى البريطانيون تقريراً يشير إلى أن "شخصية قيادية في جماعة الإخوان المسلمين، بالاشتراك مع قليل من ضباط الجيش المصري من الإخوان، ممن يعسكرون في غزة؛ قاموا بإعداد الخطط لمهاجمة الباص الإسرائيلي، على خط مساره الروتيني في النقب، وأنهم رتَّبوا مع بعض أفراد البدو من قبيلة العزازمة بمنطقة بير السبع تنفيذ خطة الهجوم".
فإذا ما وضعنا في أذهاننا، ما أشرنا له سابقاً من أن كامل الشريف اتخذ من القصيمة مركزاً للتدريب العسكري، وأنه كان يقوم بتسليح العزازمة، بالإضافة إلى دور عدد من ضباط الإخوان مثل عبد المنعم عبد الرؤوف، ومن يتعاون معهم من الضباط الأحرار، فإننا يمكن أن نستنتج أن هذا التقرير البريطاني قريب للحقيقة؛ وأن احتمال أن العملية تمّ تنفيذها بإشراف الإخوان هو احتمال كبير.
عندما التقى كاتب هذه السطور مع كامل الشريف بعد 52 عاماً من العملية (عمَّان، 3 آب/ أغسطس 2006)، لم يتذكرها الشريف على وجه الدقة، لكنه لم ينفِ احتمال أن تكون من تنفيذ بدو تحت إشرافه. أما هاشم عزام (وهو من الإخوان المسلمين الفلسطينيين، منذ سنة 1952، من مخيم عقبة جبر في الضفة الغربية، ومن رواد حركة فتح في الضفة الغربية) فيرى في مقابلة مع الكاتب (عمَّان، 14 آب/ أغسطس 1998) أن هذه العملية تمت بإشراف الإخوان؛ ويضيف "لقد أُخبرت أن اثنين نفذا هذه العملية... وكلاهما مسلمَيْن ملتزمَيْن؛ وكانا يقولان إنهما كانا مع أبي جهاد وكامل الشريف".
من جهة أخرى، يذكر المؤرخ الإسرائيلي بني موريس في كتبه "حروب إسرائيل الحدودية"، أنه قد ورد إلى المخابرات الإسرائيلية تقرير من صحفي باكستاني، قامت بتجنيده عميلاً لها؛ حيث قدم معلومات بعد أن ذهب إلى غزة في نيسان/ أبريل 1954، بأن العملية تمّ إعدادها وتنفيذها عبر مسؤولين عسكريين مصريين في القطاع بالاستعانة بالفلسطينيين، وأن الأمر تمّ باجتهادهم ولم يصدر أمر بها من القاهرة.
وليس من الواضح إن كانت السلطات الإسرائيلية أخذت تقرير عميلها مأخذ الجد؛ غير أنها بعد أكثر من سنتين ونصف، وفي أثناء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة ظهر مؤشر أن العملية نُفّذت من جهة القطاع ومصر. فحسب جريدة جيروزاليم بوست في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1956، وُجدت بطاقات الهوية لبعض من قتلوا من اليهود في العملية؛ في أيدي سكان من رفح. وأصبح من الواضح أن المنفذين جاؤوا من منطقة النفوذ المصري.
____________________

(1) يتحدث عدد من ملفات الخارجية البريطانية المحفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني عن هذه العملية، وأهمها ملف FO371/111077 الذي يحوي نحو 200 صفحة. وكذلك ملفات FO371/111098، و FO733/111099، و FO733/111100، و FO371/111101.
●ملاحظة: هذا المقال مستخلص من دراسة للكاتب، ويعتمد بشكل أساسي على مقابلات مع شخصيات شاركت في تلك المرحلة، بمن فيهم كامل الشريف نفسه؛ كما يستفيد من الوثائق والمراجع المتعلقة بتلك المرحلة.
●منقول عن: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2020, 11:59 AM   #7
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 14,907
افتراضي معركة الكرامة 21 مارس 1968 كما تعكسها الوثائق البريطانية …

معركة الكرامة 21 مارس 1968 كما تعكسها الوثائق البريطانية …
[/center]
بقلم: أ. د. محسن محمد صالح،
مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

في الذكرى الثانية والخمسين لمعركة الكرامة، يسرنا أن نضع بين يدي القارئ الكريم هذه الدراسة العلميَّة المحكَّمة، التي أعدها أ. د. محسن محمد صالح.
وتعد معركة الكرامة (21 آذار/ مارس 1968) أحد المفاصل التاريخية لحركة المقاومة الفلسطينية وللتاريخ المعاصر. إذ شكلت نقلة نوعية للعمل الفدائي الفلسطيني، الذي بدأ يعيش عصره الذهبي في الأردن. كما كانت إيذاناً بسيطرة حركة فتح على العمل الوطني الفلسطيني، وعلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
وتحاول هذه الدراسة إلقاء أضواء جديدة على هذه المعركة من خلال دراسة الوثائق البريطانية غير المنشورة المتعلقة بالمعركة، التي سُمح بالاطلاع عليها بعد ثلاثين عاماً من وقوعها، والمحفوظة في مركز السجل العام Public Record Office، أو ما صار يعرف لاحقاً بالأرشيف الوطني National Archives The في لندن.
وقد كان من الواضح أن تصاعد العمل الفدائي، المنطلق من قواعد له في غور الأردن قد دفع الكيان الإسرائيلي إلى القيام بهجوم واسع لتدميرها، خصوصاً في منطقة الكرامة. غير أن صمود الفدائيين والجيش الأردني وما بذلوه من تضحيات، قد أدى إلى نتائج معاكسة تماماً لخطط الإسرائيليين. إذ وقعت خسائر كبيرة نسبياً في القوات الإسرائيلية، وانكسرت أسطورتها بأنها تملك جيشاً لا يقهر. كما أدت إلى تصاعد شعبية العمل الفدائي ونفوذه خصوصاً في الأردن. وجعلت الكيان الإسرائيلي في حالة من الحيرة، إذ إن هجماته تزيد العمل الفدائي قوة وشعبية، كما أن سكوته يعطي هذا العمل فرصة للتوسع والتمدد.
ويتقدم مركز الزيتونة بالشكر الجزيل للمجلة العربية للعلوم الإنسانية في جامعة الكويت، التي نشرت هذه الدراسة سابقا، بالسماح للمركز بإعادة نشرها تعميما للفائدة.
ملخص:
تعدُّ معركة الكرامة (21 آذار/ مارس 1968) أحد المفاصل التاريخية لحركة المقاومة الفلسطينية وللتاريخ الفلسطيني المعاصر. إذ شكلت نقلة نوعية للعمل الفدائي الفلسطيني الذي بدأ يعيش عصره الذهبي في الأردن. كما كانت إيذاناً بسيطرة حركة فتح على العمل الوطني الفلسطيني، وعلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
ويحاول هذا المقال إلقاء أضواء جديدة على هذه المعركة من خلال دراسة الوثائق البريطانية غير المنشورة المتعلقة بالمعركة، التي سُمح بالاطلاع عليها منذ سنة 1998، والمحفوظة في مركز السجل العام Public Record Office، أو ما صار يعرف لاحقاً بالأرشيف الوطني National Archives The في لندن.
وقد كان من الواضح أن تصاعد العمل الفدائي المنطلق من قواعد له في غور الأردن قد دفع الكيان الإسرائيلي إلى القيام بهجوم واسع لتدميرها خصوصاً في منطقة الكرامة. غير أن صمود الفدائيين والجيش الأردني وما بذلوه من تضحيات، قد أدى إلى نتائج معاكسة تماماً لخطط الإسرائيليين. إذ وقعت خسائر كبيرة نسبياً في القوات الإسرائيلية، وانكسرت أسطورتها بأنها تملك جيشاً لا يقهر. كما أدت إلى تصاعد شعبية العمل الفدائي ونفوذه خصوصاً في الأردن. وجعلت الكيان الإسرائيلي في حالة من الحيرة، إذ إن هجماته تزيد العمل الفدائي قوة وشعبية، كما أن سكوته يعطي هذا العمل فرصة للتوسع والتمدد.
مقدمة:
تكتسب معركة الكرامة التي وقعت في 21 آذار/ مارس 1968 أهمية كبيرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر. إذ تعدُّ نقطة تحوّل باتجاه سيطرة العمل الفدائي الفلسطيني—وخصوصاً حركة فتح—على الساحة السياسية الفلسطينية وعلى منظمة التحرير الفلسطينية. وقد أدت إلى ترسيخ الوجود الفدائي شرقي الأردن وأعطته زخماً شعبياً كبيراً فلسطينياً وعربياً. كما أسهمت في تكريس خيار “حرب العصابات” و”حرب التحرير الشعبية” ضدّ الكيان الصهيوني، بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران/ يونيو 1967 واحتلال الصهاينة للضفة العربية وقطاع غزة والجولان وسيناء.
ويحاول هذا المقال دراسة معركة الكرامة كما تعكسها الوثائق البريطانية غير المنشورة المحفوظة في “مركز السجل العام البريطاني Public Record Office” أو ما صار يعرف لاحقاً بالأرشيف الوطني National Archives The في لندن؛ والتي سُمح بالاطلاع عليها منذ سنة 1998. ويُدرك كاتب هذه السطور كثرة ما كتب عن هذه المعركة في المصادر العربية وغيرها، غير أنه يحاول أن يلقي أضواء جديدة من خلال دراسة تلك الوثائق، وهو بُعد يراه مهماً في استكمال الصورة المتعلقة بتلك المعركة ونتائجها. ولذلك فإن محور الدراسة والمعلومات هنا هي الوثائق البريطانية، ويتم اللجوء إلى المصادر الأخرى على سبيل التوضيح أو المقارنة، واستكمالاً للبنية العامة للمقال. وستستفيد هذه الدراسة بالذات من تقارير وبرقيات ورسائل سفراء بريطانيا في عمَّان وتل أبيب إلى الخارجية البريطانية، بالإضافة إلى تقريري الملحقيْن العسكريين البريطانيين في البلدين، فضلاً عن مراسلات أخرى من بيروت وواشنطن، وردود الخارجية البريطانية وتوجيهاتها لسفرائها.
●أولاً: الظروف التي أدت إلى المعركة:
أدت حرب الأيام الستة في حزيران/ يونيو 1967 بين العرب والكيان الإسرائيلي إلى كارثة كبيرة. فقد مُنيت الجيوش العربية المصرية والأردنية والسورية بهزيمة ثقيلة، واحتل الكيان الإسرائيلي بسرعة خاطفة الضفة الغربية التي كانت تحكمها الأردن (5878 كم2)، وقطاع غزة الواقع تحت الإدارة المصرية (363 كم2)، وبذلك استكمل احتلال باقي فلسطين وفق حدودها الحديثة التي وضعت في أثناء الاستعمار البريطاني. كما احتلت شبه جزيرة سيناء المصرية (61198 كم2)، والجولان السورية (1150 كم2). كما أدت الحرب إلى تشريد 330 ألف فلسطيني انتقل أغلبهم إلى شرقي الأردن. [1]
لقد كانت حرب 1967 صدمة كبيرة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية التي انتظرت بفارغ الصبر طوال 19 عاماً (منذ 1948) ما كانت تَعِدُ به الأنظمة العربية من القضاء على الكيان الإسرائيلي. ولذلك أضعفت هذه الحرب الثقة بالأنظمة وجيوشها، وسعى الفلسطينيون إلى أخذ زمام المبادرة بأيديهم، وعدم انتظار تحقّق شعارات “الوحدة طريق التحرير” و”قومية المعركة” التي كانت سائدة من قبل، فضلاً عن انحسار الآمال تجاه جمال عبد الناصر لتحقيق الوحدة والتحرير. وتكرست بشكل أكبر الهوية الوطنية الفلسطينية، وتطلعت الأنظار إلى المنظمات الفدائية الفلسطينية كبديل أفضل.
وقد قامت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” بإعادة ترتيب صفوفها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعلنت انطلاقتها الثانية في 28 آب/ أغسطس 1967 في بيانها الخامس والسبعين. [2] وحسب مصادر فتح نفسها قام مقاتلوها خلال الفترة المتبقية من عام 1967 بـ 79 عملية عسكرية، أدت إلى قتل وجرح 218 صهيونياً. [3] وقد أصبحت فتح—في تلك الفترة—العمود الفقري للمقاومة في الوقت الذي أخذت تتشكل فيه منظمات فدائية أخرى شاركت بدرجات متفاوتة في عمليات المقاومة.
ويظهر أن رؤية الفدائيين في الأشهر الأولى التي تلت الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع كانت مبنية على إمكانية إنشاء “القواعد الارتكازية” الثابتة والمتحركة في الأرض المحتلة سعياً إلى إيجاد مناطق محررة تكون منطلقاً لإزالة الوجود الإسرائيلي، وهي رؤية حاولت أن تستفيد من تجربة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 التي نجحت في السيطرة على الريف الفلسطيني والمناطق الجبلية فترة من الزمن. وقد دفع الفدائيون بنحو ألفٍ من عناصرهم إلى الضفة والقطاع ليقوموا ببناء التنظيم السري والقواعد الارتكازية، وكان على رأسهم زعيم فتح ياسر عرفات الذي تولى إعادة تنظيم المقاومة في الضفة الغربية بنفسه. [4] ولكن يبدو أن هذه المحاولة لم تنجح في إنشاء أيٍّ من القواعد الثابتة، بالرغم من الجهود المضنية التي بذلها الفدائيون، إذ إن الإجراءات العسكرية والأمنية الصهيونية العنيفة أدت إلى مطاردة مئات الفدائيين، واستشهد ما يزيد عن ستين فدائياً، واعتقل ألفٌ آخرون. وقد أدى هذا إلى توجه الفدائيين إلى إقامة القواعد الثابتة في الضفة الشرقية لنهر الأردن. [5] وأخذت القواعد السرية القليلة التي كانت موجودة شرقي غور الأردن تبرز إلى العلن في مطلع 1968، في الوقت الذي أخذ فيه كثير من الفدائيين المطاردين في الضفة الغربية بالانتقال إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. وقد أدخل ذلك العلاقة بين الأردن والفدائيين في مرحلة جديدة، كما لفت أنظار الكيان الإسرائيلي لضرب القواعد الفدائية في شرقي الأردن مما صعَّد من احتمالات المواجهة مع الجيش الأردني، والقيام بهجمات انتقامية ضدّ مدن الأردن وقراه، وضدّ بنيته التحتية والاقتصادية.
وقد لاحظ تقريرٌ للمخابرات العسكرية البريطانية في الشرق الأدنى أنه منذ حرب 1967 حدثت زيادة كبيرة في أنشطة الفدائيين وفي عدد منظماتهم. وأشار إلى أن معظم العمليات الفدائية كانت تتم قبل الحرب من قطاع غزة وسورية، ويمرُّ الفدائيون أحياناً من لبنان أو الأردن، ولكن كل العمليات ضدّ “إسرائيل” بعد الحرب تمت عبر الأردن، ونتيجة لذلك كانت معظم انتقامات الإسرائيليين موجهة ضدّ الأردن. [6]
ويؤكد تقرير السفير البريطاني في تل أبيب هادو R.M. Hadow الذي بعثه إلى الخارجية البريطانية حول معركة الكرامة، أن مجموعات فتح حصرت عملها—في الثلاثة أو أربعة أشهر الأولى التي تلت حرب حزيران/ يونيو 1967—إلى حدّ كبير في الضفة الغربية. حيث سعى الفدائيون (وهو عادة يستخدم لفظة إرهابيين أو مخربين في الإشارة إلى الفدائيين) لتطوير مقاومة فلسطينية تربك بشكل جاد الحكومة الإسرائيلية. وقال إنهم لم ينجحوا في جهودهم، ورأى أن سبب ذلك يعود بشكل جزئي للإجراءات الإسرائيلية المضادة الفعالة، أما السبب الأكبر فيعود—حسب رأيه—إلى أن الفدائيين فشلوا في اجتذاب الدعم الشعبي الذي أَمِلُوا في تحقيقه. وأضاف أنه مع نهاية عام 1967 “قَبِلَ الإرهابيون بالهزيمة في الضفة الغربية، ورجعوا إلى شرق الأردن، حيث يقومون بأعمال تخريب ضدّ إسرائيل… خصوصاً في منطقة بيسان، ثم وبشكل أقل في مناطق وادي عربة بين البحر الميت وإيلات”. [7] ولسنا بصدد مناقشة رأي هادو في أن الفدائيين فشلوا في اجتذاب الدعم الشعبي، وافتقار رأيه هذا إلى الموضوعية؛ ولكننا نلاحظ أن كلا المصادر العربية والبريطانية تتفق على أن محور تركيز العمل الفدائي في الأشهر الأولى التي تلت حرب 1967 كان الضفة الغربية والقطاع، وأن هذا المحور قد اتخذ من الأردن قاعدة ارتكاز علنية منذ مطلع 1968، وأن الأردن كانت—في كلا الفترتين—مركز العبور الأساسي للداخل الفلسطيني.
وبينما كان الكيان الإسرائيلي يطارد العمل الفدائي في الضفة الغربية والقطاع فإنه كان ينظر بقلق إلى نمو وتجذّر قواعد الفدائيين في شرقي الأردن، وإلى الدعم الشعبي الذي يلقاه، بل وتغاضي أو دعم عناصر من الجيش الأردني للفدائيين، فضلاً عن دعم وحدات الجيش العراقي المتمركزة في الأردن. وقد أشار هادو في تقريره إلى أنه قد تجمعت لدى الإسرائيليين معلومات عن “إنشاء قوة إرهابية كبيرة في شرق الأردن، وعن تواطئ سريٍّ فعال معها، من قِبَل الجيش الأردني، على الأقل على مستوى الرتب الأدنى”. [8] وقد أشارت برقيتان من السفارة البريطانية في تل أبيب إلى الخارجية البريطانية في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1967 إلى سعادة الإسرائيليين بالقضاء على ما أسموه “عصابة فتح في القدس” حيث تم القبض على 24 فدائياً، وأن التحقيقات معهم تُظهر أنهم تلقوا مساعدات من الجيش الأردني في أخذ معداتهم إلى نهر الأردن إعداداً لاجتيازه نحو الضفة الغربية. وتضيف أن الإسرائيليين يزعمون أن الفدائيين الذين نفذوا عملية 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1967 استفادوا من غطاء ناري أردني في أثناء انسحابهم إلى شرق الأردن. [9] كما أشارت برقية أخرى في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 إلى تمكّن السلطات الإسرائيلية من القبض على “قائد فتح” فيصل الحسيني الذي كان قد تسلّل قبل ثلاثة أسابيع إلى القدس. [10] كما ذكرت إحدى الوثائق نقلاً عن “راديو إسرائيل” أن موشيه كشتى Moshe Kashti، مدير وزارة الدفاع الإسرائيلية، أعلن في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1967 أنه منذ حرب الأيام الستة (حزيران/ يونيو 1967) فإن قوات الأمن الإسرائيلية قبضت على 300 فدائي وقتلت 60 آخرين. [11]
وأضاف هادو في تقريره أن صفوف ما أسماه “الإرهابيين” استوعبت أعداداً كبيرة من الشباب الفلسطيني من البلاد العربية الذين تدربوا في سورية ومصر والجزائر، وممن تلقوا تعليماً عالياً، ودوافعهم أيديولوجية بشكل أكبر مما أسماه “طراز المرتزقة القديم”. وقال إنَّ الإسرائيليين يدّعون أن هؤلاء مسلحون تسليحاً جيداً، ويلبسون ملابس التمويه الحربية، ويظهرون بشكل علني في عمَّان وغيرها. وأنهم لم يعودوا يستخدمون الأردن فقط كممر للهجوم على “إسرائيل” أو كملجأ أو مكان للراحة بعد العمليات. فلقد نقلوا ثقل منظمتهم الرئيسي إلى وادي الأردن، وأنشأوا قواعد ومراكز للتدريب، كما يُعتقد أن قيادتهم موجودة هناك. وقال إن الجيش الأردني لم يقنع بتوفير تغطية نارية للفدائيين ليساعدهم على العودة بعد اكتمال مهامهم، وإنما ظهر أنه يقصف المستعمرات الحدودية وخصوصاً منطقة بيسان. [12]
ويحاول السفير البريطاني في عمّان توضيح مسألة التعاون بين الفدائيين والجيش الأردني في تلك الفترة، فيؤكد أن دعم الجيش الأردني للفدائيين هو أقل بكثير من ذلك الذي تزودهم به وحدات الجيش العراقي المتواجدة في الأردن، وأنه يُعتقد بشكل عام أنه غير مقبول وسط الضباط من رتبة عقيد فأعلى، وأنه في كل الأحوال مخالف لأوامر الملك حسين والقيادة العامة. ولكن الضباط الصغار عُرفوا بتقديمهم المساعدة على شكل استخدام سيارات الإسعاف ووسائل المواصلات باتجاه طريق الشمال – الجنوب في وادي الأردن، وعلى شكل مرافقة الفدائيين. أما ما وراء هذا الطريق (غرباً) فإن الفدائيين يعملون بأنفسهم، ويوفر الجيش الأردني أحياناً مواصلات وسيارات إسعاف لاستقبال الفدائيين العائدين، كما يوفر عادة تغطية نارية للمجموعة المنسحبة.[13] وقد أكد مشهور حديثة الجازي، قائد الفرقة الأردنية التي كانت ترابط في منطقة الغور، أنه كان من سياسته دعم العناصر الفدائية، بل والمبادرة أحياناً بقصف المواقع الإسرائيلية في الضفة الأخرى من النهر [14]…..

_________________

●منقول عن: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:41 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.