قديم 03-23-2016, 09:14 AM   #11
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 12 - 13

باب: ما أراه في الآية الكريمة:
أقول وبالله المستعان؛ منطلقًا من أن المصطلحات القرآنية منضبطة بشكل دقيق لا تختلط؛ وبناء على ما تقرر من حقيقة الشك والظن والعلم واليقين أرى تفسير الآية كالآتي:
أولا: علينا أن نقرر أن الآيات تتناول بشكل رئيس قضية قتل عيسى وصلبه وأنه شبه لهم، فمن هذا المحور نجد أن التأويلات التي تشعبت في الهاءات الواردة يجب أن تُحصر فيما يخدم السياق وواقعة القتل والصلب وبما يناسب ذلك من اعتقاد نشأ عن ذلك. الأمر الثاني: نستبعد الرأي القاضي بشكهم على أساس أن الجسد ليس بجسده، لأنهم ما كانوا يعرفونه ودلهم عليه الذي شُبه لهم وهم يقولون أنه يهوذا الإسخريوطي! والشك نشأ لدى اختفاء المسيح عليه السلام وبقاء المشبه وهو يرى عزمهم على القتل فيقول لهم أنا لست هو، فاحتاروا إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وإن كان عيسى فأين صاحبنا؟
والأمر الآخر هو الربط بما سبق من آيات، فقد قال الله تعالى قبلها بآيتين: "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ ... "155 فدأبهم هو قتل الأنبياء وهنا حاولوا قتله، ولكن الله ينفي يقيناً أنهم قتلوه عليه السلام، ونلاحظ تكرار قول الحق "وما قتلوه" فقد قال "وما قتلوه وما صلبوه" وقال "وما قتلوه يقيناً" فكأن في الكلام جملتين منقطعتين تؤكدان حقيقة عدم قتله: الأولى تصف الحادثة، والثانية تربط بالآية 155 أي أنهم قتلوا الأنبياء قبله لكنهم يقيناً لم يقتلوه هو "وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ" هنا يبدأ تفنيد مزاعمهم من قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله؛ ثم يخبر بعد أن شبه الله لهم غيره كيف أنهم شكوا فيه أهو المسيح أم لا، فقد اختفى الذي دلهم عليه؛ فقد كانوا اثنين المسيح والمشبه، ثم لما قبضوا على المشتبه به لم يجدوا إلا واحداً، يقول لهم أنا لست عيسى وهو يرى عزمهم على قتله، فوقع الشك هنا إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، وهنا استوى احتمال النقيضين لديهم وهو ما عبر عنه القران بالشك "وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ" أهو عيسى أم صاحبنا "لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ" والفرق بين (منه وفيه) هنا، هو أنه لو قال: لفي شك فيه، لكان في طبيعته أهو إله مثلا، ولكن "لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ" أي من شخصه هل هو عيسى أم صاحبهم.
لاحظ كذلك أولا أن الحق سبحانه بدأ بذكر القتل قبل الصلب وبدأ بذكر الشك قبل العلم الذي صفته أنه ظن. نلاحظ من قوله تعالى: "وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ" أنها تشمل الفئات التالية: اليهود، وهم المتهمون بالجريمة، والمدّعون بأنهم قتلوا، فهؤلاء اختلفوا فيه أهو عيسى أم أنه شبه لهم، وشكّوا، وقتلوا، ولم يقم لهم اعتقاد بناء على ذلك، ونفى الله تعالى يقيناً أن يكونوا قد قتلوا عيسى عليه السلام.
والفئة الثانية: النصارى من المعاصرين أو المشاهدين، وهم أيضاً شكّوا، ووقتها لم يقم اعتقاد لهم على أنه إله، أو بما قالت به النصارى بعد ذلك، وبعض الروايات تبين أنه أخبرهم عليه السلام بأن شبهه سيلقى على غيره، والفئة الثالثة: هي النصارى المتأخرون؛ وهؤلاء لم يشاهدوا ولم يصدقوا أن المقتول كان غير عيسى، بل كان عندهم اعتقاد بأن عيسى عليه سلام الله قتل وصلب، (على خلاف بينهم) ووصف الله اعتقادهم هذا بأنه ظن لا يغني من الحق شيئاً، وإن كان في نظرهم علماً.
لذلك عندما أخبر الحق سبحانه أنهم اختلفوا فيه بدأ بيان اختلافهم بشكهم منه، أهو عيسى أم صاحبهم.
الأمر الثاني هو ذكر (فيه) مقرونة بالاختلاف، والتي ناسبت الموضوع إذ أنه يتعلق بشكهم في شخصه وفي طبيعته ويدخل أيضاً هنا اعتقادهم، وهو الأهم لأن ذكر الصلب مقروناً بعيسى وبالنصارى لم يرد في القران إلا هنا، فمن الطبيعي إبراز علاقة الآية بالعقيدة التي يحملها النصارى، (ونلاحظ أن ذكر نفي الصلب بعد نفي القتل له أهميته، فكونه لم يُقتل يعني بالضرورة أنه لم يُصلب، ولكن تكرار النفي يبين ما لدور الاعتقاد من أهمية، فالآية تتحدث عن القتل والصلب، أي عن القتل والاعتقاد الذي بُنـي عليه.)، لذلك كان ذكر العلم الذي وصفه الحق بأنه الظن تالياً بعد ذكر الشك المتعلق بالشك منه، فهو وصف للاعتقاد الناشئ بعد ذلك لديهم فيه عليه السلام.
إذن فاختلاف اليهود داخل في (فيه) فطبيعة اختلافهم فيه هل هو هو أم غيره، وخصهم الله ببيان (شكهم منه)، لأنهم هم الذين قاموا بالجريمة، ولا بد من إبراز أهم عنصر في هذه العملية، وهو الشك، وأما النصارى فقد بنوا على هذه الحادثة عقيدة ادعوا أنها العلم، وبين الله لهم أن هذا العلم ما هو إلا ظن، فلا علاقة بين الظن والشك، كما قال بعض المفسرين من أن شكهم ارتقى ليصير ظناً، فعلماً، بل الناظر الممعن يرى أن الظن ذُكِـرَ صفةً لطبيعة العلم الذي عندهم، أي الاعتقاد، وهو أن هذا العلم ما هو إلا ظن، ليس بميزان الحق علماً أبداً.
من هنا كان هذا الوجه لتفسير الآية –وهو الذي أراه- أن الشك متعلق بشخصه أهو هو أم غيره، وهو خاص باليهود وبالحادثة نفسها، أي بالتحقق منه أهو هو أم غيره، وأما العلم الذي صفته في ميزان العلم أنه "ظن" فهو خاص بالاعتقاد الذي بنى عليه النصارى إلى يوم الدين عقيدتهم من قولهم بالقتل والصلب. والله أعلم.
"وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ " لاحظ أنه ذكر القتل أولا وعلق عليه بالشك، ثم الصلب وهو الذي قامت عليه عقائد النصارى ثانياً، وعلق عليه بالظن الذي كان في نظرهم علماً بين أنه في ميزان الحق ظن لا يغني من الحق شيئاً.
ولا بد من ملاحظة مدى أهمية ذكر شكهم فيما يخص شخص المقتول أهو عيسى أم صاحبهم، فقد ابتدأ ب "وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ" فذكر "فيه" في مجال خلافهم، ليدخل الخلاف والشك في طبيعته كما في شخصه، كما ذكر "منه" فيما يتعلق بالشك، لبيان مقدار توغل الشك في أساس عقيدتهم، وذلك لأنه في معرض إقامة الحجة على النصارى نبين أن هذا (العلم) بالقتل والصلب، ما كان مبنياً على يقين ولا حتى على ظن، لكيلا يُتَوهم أن هذا الظن غالب قد يصل إلى اليقين، فكونه ابتداء قام على الشك، كان حتى الظن بالقتل من أنه تم على عيسى ما هو إلا ظن قريب من الشك.
والآية أساساً تتحدث عن القتل، وكان ذكر الشك لهذا الغرض والله أعلم .
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 09:16 AM   #12
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 14 - 15

الوجه الثاني –وله علاقة وثيقة بالأول-: ثم تستأنف الآية ما ابتدأت به من قول الحق سبحانه "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ" فيقول "مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ" أي ما لهم بقتل عيسى وصلبه من علم إلا اتباع الظن، (وهذا أساس عقيدتهم في الصلب، فهي عقيدة مبنية على الظن)، وهذا يتضح من استخدام "به" في "مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ" فالباء تعود على: بقتله وصلبه أو على المقتول والمصلوب، فتخص القتل في الحالتين، وبالتالي الاعتقاد بالصلب -وهو كما أسلفنا محور الآيات- فهم (خاصة متأخروا النصارى) رجحوا أن من قُتل وصلب هو عيسى، فكان مبلغهم من العلم بالقتل والصلب هو اتباع الظن، فقالوا بالقتل بناء على اعتقاد أن عيسى قُتل ، وهنا الفرق الدقيق بين ذكر الشك وذكر الظن، فالظن هنا متعلق بالاعتقاد الناتج بعد عملية القتل والصلب نفسها، والتي قامت على شكهم، وعليها قام اعتقادهم، وكونه ارتبط بعقيدة كان لا بد أن يترجح في نظرهم أنه ظن بل يقين، وصفه الله بالظن، أي أن يقينهم هذا لا يعدو كونه ظناً في أرقى الحالات، وذلك لأن متأخري النصارى بنوا أساس عقيدتهم على هذا الوهم، فكان الذي عند أصحاب الجريمة شكاً وعند بعضهم ظناً، كان عند متأخريهم يقيناً، لكنه في نظر الحق ظن لا يغني من الحق شيئاً، ولا مجال للحديث عن شك بالنسبة لهم بل هو اعتقاد، لكنه من نوع الخرص لأن اعتقادهم الظن، كما أن تحية البعض الضرب! من هنا كان استعمال العلم الذي صفته الظن أولى، خاصة وأن الحديث عن متأخري النصارى هو المهم، بالنسبة للمسلم الذي يخاطبه القران مبيناً ما الذي حدث، فالشك خاص بالشخص الذي أمامهم: هل هو عيسى أم صاحبهم، فحادثة الشك كانت لدى قبضهم على المُشَـبَّهِ لهم، والقتل والصلب قاما على الشك، ولا نقول بما فسرها البعض من أنهم ما كانوا ليقتلوه إلا بعد أن رجحوا أنه عيسى، ما صدقوا بإمكانية حدوث خوارق، فحصل لهم الظن بعد أن كان الشك هو العنصر الغالب، لأن الحق سبحانه لم يربط بين الظن والشك في الآية، بل جعل الشك طرفاً خاصاً بالقتل (هل قتلوه هو أم غيره) والتحقق من المقتول، وجعل العلم الذي صفته في ميزان الحق ظن لا يغني من الحق شيئاً طرفاً آخر خاصاً بالعقيدة التي نشأت عنه، فقال: "ما لهم به من علم إلا اتباع الظن" فلم يجعل الظن حالة نتجت بعد الشك، بل جعل الشك في حد والعلم الذي صفته أنه الظن في حد.
(أي هنالك موضوعان حدثا متتابعين كان العنصر الغالب في الأول الشك (وهو التحقق من شخص عيسى وكذلك القتل والصلب) وفي الثاني العلم الذي صفته الظن، (وهو الاعتقاد بالقتل والصلب) هذا من باب، ومن باب آخر كان الحديث المتعلق بالاعتقاد أساسه ادعاء بأنه علم، بين الحق أساسه البالي وأن هذا النوع من الخرص لا يعدو أن يكون ظناً لا يسمن من جوع) سواء أكان الاستثناء منقطعاً على أساس "مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ" نفي وجود العلم كلية "إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ" أي إلا أنهم يتبعون الظن؛ أو كان الاستثناء متصلا على أساس أن علمهم مبني على الظن فهم يحسبون هذا الذي اعتقدوه علماً لكنه مبنيّ على الظن وأصلا ابتدأ بالشك، فلا يمكن أن يعتبر في ميزان الحق علماً؛ كما يعتقد أي غوي يتبع الظن أن ما عنده من خرص مبني على الظن ما هو إلا علم، فإن الميزان الحق العلمي الذي وضعه الله لوزن الأفكار والدعاوى لا يقيم وزناً لمثل هذه التراهات المبنية على الظن، فما بني على الظن لا يسمى علماً أبداً؛ وإن ادعى صاحبه أنه العلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!
وهنا الفرق بين العلم والظن، فلو كان العلم والظن مستويان في هذه الآية لكان اعتقادهم مقبولا، ولما كان موضع سخرية، باعتبار أن علمهم الظن، فالمقبول هو العلم العلم!
من هنا نرى أن الألفاظ كلها مجتمعة في آية واحدة فصلت بين الشك والظن والعلم واليقين فصلا تاماً فليست من الأضداد.
والتضاد: "وهو أن يُطلق اللفظ الواحد على المعنى وضده وهو فرع من المشترك اللفظي ولكنه مُيِّز عنه لأن المعنيين اللذين يحملهما اللفظ الواحد متقابلان، فسمي التضاد، وقد اختلف العلماء في وقوعه في اللغة؛ فقال قوم بعدم وروده في اللغة العربية وعملوا على تأويل أمثلته تأويلا يخرجها من هذا الباب، ومن أشهر هؤلاء "ابن دستويه" الذي جحد الأضداد جميعها، وكتب في ذلك تأليفاً خاصًا سماه"إبطال الأضداد"، وروى ابن سيده في كتابه "المخصص" أن أحد شيوخه كان ينكر الأضداد التي حكاها أهل اللغة وأن تكون لفظة واحدة لشيء وضده. وذهب فريق آخر إلى كثرة وروده وضرب له عددًا كبيرًا من الأمثلة، ومن هؤلاء الخليل وسيبويه وأبو عبيدة وأبو زيد الأنصاري وابن فارس وابن سيده وابن دريد والثعالبي والمبرد والسيوطي" (1) ولنتابع بعض آراء علماء اللغة في لفظة من المتضاد وهي السُّدْفَة مثلا: "يقول أبو جعفر: إن العرب قد تسمي اليقين ظنًا والشك ظنًا نظير تسميتهم الظلمة سُدفة والضياء سُدفة" (2) ويقول الثعالبي: "السُّدفة: ما بين المغرب والشفق، وما بين الفجر والصلاة (عن عمارة بن عقيل عن بلال بن جرير)" (3) وفي نفس الكتاب يقول الثعالبي: "ساعات الليل: الشفق ثم الغسق ثم العتمة ثم السدفة ثم الفحمة ثم الزُّلّـة ثم الزُّلْـفة ثم البهرة ثم السحر ثم الفـجر ثم الصـبح ثم الصباح" (4) ويـقول السمرقندي: "من المتضادين من قول العرب: الصبح صريم والليل صريم لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه (قال ابن منظور: الصرم: القطع البائن والصريم: الصبح لانقطاعه عن الليل والصريم: الليل لانقطاعه عن النهار ويتابع السمرقندي: وللضوء سدفة وللظلمة سدفة (قال الصغاني نقلا عن الأصمعي : السَّدفة والسُّدفة في لغة أهل نجد: الظلمة، وفي لغة غيرهم: الضوء وهما من الأضداد، وقال أبو عبيد: بعضهم يجعل السدفة اختلاط الضوء والظلمة معًا كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار –(العـُباب /سَدَفَ) قال الخليل: السدفة وقت انفجار الصبح لأنه جمع بين ظلمة الليل وضوء النهار" (5)
وقد توافقني الرأي أن ثمة بعد عن الدقة في المفاهيم والمصطلحات وإنزالها على الواقع.
فقولهم: الليل صريم والصبح صريم لا يدل على أن صريم من الأضداد ففي القران وصف لجنة الذين تنادوا مصبحين بأنها أصبحت كالصريم، فهو وصف لحالها، لا دليل على أن صريم من الأضداد؛ فقد جاء في تفسيرها أن صريم: الرماد الأسود أو البستان منزوع الثمار أو الليل …الخ فلو قلت رجل قوي وامرأة قوية هل يدل ذلك على أن قوي من الأضداد؟ فوصف الصريم جاء وصفاً لحالة انصرام الليل عن النهار والنهار عن الليل، كما وصف به البستان إذ طاف عليه طائف من ربك فبادت ثماره وانقطع منها، كذلك السدفة وقت جمع بين ظلمة الليل وضوء النهار وهذا يحدث وقت الغروب ووقت الشروق فأين التضاد؟ على كل ليس موضوعنا التحقق من وجود أو عدم وجود التضاد في اللغة، ولكن نلاحظ هنا ملاحظة هامة جدا تتصل بموضوعنا، وهي أن الحق سبحانه بين في كتابه أنه لا يقبل الظن في البعث، وبين مصير الظانين بالبعث في غير موضع من كتابه العزيز، فلو جاز أن يكون من معاني الظن في لغة العرب اليقين، وكان كلام علماء اللغة القائلين بهذا القول صحيحاً، فإن إنزال هذا المعنى على واقع الآيات التي سنناقشها ولا شك كان خاطئاً، فليس موضوع واحدة منها الظن بمعنى اليقين، ولا الظن بالبعث بمعنى احتمال عدم وجوده، بل كان الظن مقصوداً بعينه، وموضوعه ليس البعث، فنحن نقول بأن إنزالهم لمعنى الظن على أنه اليقين عليها خطأ محض والله أعلم.
___________________________________
(1) التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القران.عودة خليل أبو عودة ص60
(2) جامع البيان في تفسير القران .الطبري1/206
(3) فقه اللغة وسر العربية.الثعالبي ص86 (4) نفس المرجع ص337
(5) المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى.لأبي النصر الحدادي ص197

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 09:26 AM   #13
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 16 - 17فصل :علاقة الظن باليقين

فصل :علاقة الظن باليقين:
ولا بد لنا من وقفة نقاش مع آراء القائلين بان الظن قد يكون يقينًا أو شكًا لنوافق على بعض ما جاء فيها ونعترض على ما لا نوافق عليه:
فمثلا تفريقهم بين يقين التدبر ويقين العيان بقولهم: الظن يقين تدبر لا يقين عيان، وقولهم: ولا يوقع الظن موقع اليقين فيما قد خرج إلى الحس وقول أبي العباس: إنما جاز أن يقع الظن واليقين لأنه قول بالقلب، فهذا كله وأمثاله نوافق عليه لكن بطريقة أخرى في الطرح:
وذلك بنفي أن يكون المقصود من الظن هنا هو اليقين ولكنه _أي الظن_ وصف لأحوال لا يمكن الوصول بها إلى الكمال في الأداء فيما يختص بالأفعال، وإن كان المطلوب محاولة الوصول لهذه المنزلة، أي ممارسة الظن محاولة للوصول إلى اليقين، كأداء الصلاة بتمام كمالها؛ لوجود وساوس الشيطان وخطرات النفس وغيرها، فناسب المعنى المقصود استعمال لفظ الظن، كذا الظن بأمر سيحدث في المستقبل لا ينبغي وصف المتحدث لعلمه به باليقين، كقول يوسف عليه السلام: "وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا" 42يوسف، إلى غير ذلك مما بسطت الحديث فيه في ثنايا البحث، فالظن مقصود لذاته، وعدم استعمال لفظ اليقين ودلالته أيضاً مقصود بدليل أنك لا تستطيع استبدال علم ب"ظن" دون إخلال بالمعنى، بل أحياناً ينقلب المعنى كلية؛ لذا قالوا يقين تدبر، ولا أجد مسوغاً لإحلال اليقين مكان الظن هنا، والله أعلم!
الأمر الثاني الذي نتفق معهم فيه بفهمنا المتمايز عن فهمهم هو قولهم: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكًا وكذبًا، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك: فالظن شك وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين؛ فالظن كذب، وقول الأصفهاني: الظن اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم ومتى ضعفت جداً لم يتجاوز حد التوهم، وقول أبي العباس ( إنـما جاز أن يقع الظن واليقين لأنه قول بالقلب فإذا صحت دلائل الحق وقامت أماراته كان يقيناً، وإذا قامت دلائل الشك وبطلت دلائل اليقين كان كذبًا وإذا اعتدلت دلائل اليقين والشك كان على بابه لا يقينًا ولا كذبًا)؛ فنتفق أولا على أن الدليل هو الذي يفرق بين اليقين والظن والشك والتوهم والتكذيب، فإذا كان الدليل قاطعًا؛ أقول يفضي إلى اليقين، وإذا كان غير قاطع ولكنه يدفع بأحد النقيضين إلى جانب يترجح فيه على نقيضه فانه الظن، وإذا اعتدل النقيضان ولم يستطع الدليل ترجيح أحدهما على الآخر فالشك، وإذا رجّـح الدليل نقيض التكذيب أو السلب على دليل التصديق أو الإيجاب يحصل التوهم، وأما إذا قام الدليل القاطع على السلب أي على التكذيب؛ أوصل إلى اليقين بأن الأمر كذب أي إلى التكذيب، فهذا هو ما ترجح لدي من الفهم.
أي أننا نملك خمس حالات محتملة للخبر أو لما يطلب الإيمان به: اليقين فالظن فالشك فالتوهم فالتكذيب، ولا تتقاطع مع بعضها أبدًا ولا يدل أحدها على الآخر أو يحل محله أبدًا.
هذا هو فهمي والذي أخذته عن جمهور العلماء، أما فهم علماء اللغة والقائلين بهذا القول من علماء الكلام، فهم لا يوضحون أبداً كيف يمكن وصف حال من وصله دليل غير قطعي جعله يميل إلى التصديق، أي تجاوز مرحلة الشك والتي فيها اعتدال النقيضين بلا ترجيح لأحدهما، أقول تجاوز الشك ولم يصل به الدليل إلى نفي النقيض نفياً تاماً، أي لم يصل به إلى الاعتقاد الجازم، هم يقولون أن الظن من الأضداد فإما أن يأتي بمعنى الشك أو اليقين؟.
فهذه الحالة هي التي وصفناها بالظن، كما قيل في تعريفه: الظن هو أحد طرفي الشك بصفة الرجحان أو الاعتقاد (التصديق) الراجح مع احتمال النقيض .
إذن فنحن لا نوافق على جعل الظن لفظاً من المتضاد فهو لا يكون يقينًا ولا يكون شكًا، بل هو مرحلة ما بين الشك واليقين.
كذلك لا نوافق على شواهدهم اللغوية الشعرية من قول العرب، وقد ناقشت هذه الأبيات في موضع لاحق من البحث وبينت أنها لا تصلح شواهد على أن الظن يكون بمعنى اليقين، بل على العكس لو فُهمت كذلك لضعف معنى البيت وأحيانًا لانقلب إلى عكس ما يريده قائله.
وأخيرًا فإن أكثر الآيات التي فسروا فيها الظن باليقين ما ناسبت أجواء السور التي هي فيها أو ما حولها من الآيات إذا ما أبدلنا اليقين بالظن .
على أنهم لا يملكون صارفاً يصرف معنى الظن إلى اليقين –إلا تفسيرهم الخاطئ –فيما نظن- بأن تفسير "الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" 46البقرة على أنه يتيقنون- ونحن نقول بأن الظن يبقى على معناه الحقيقي اللغوي ما لم تأت قرينة أو صارف يصرفه عن هذا المعنى إلى غيره .
يقول العلامة ابن قيم الجوزية في صواعقه المرسلة: "فعلى المُتَأوِّل أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا، ويبين تعيين ذلك المعنى ثانياً، فإنه إذا خرج عن حقيقته، قد يكون له عدة معاني، فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل .
الثاني: إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره. فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم، فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه." (1)
على أن الظن أيضاً يفترق عن الشك بأمور منها أن الظن غالباً ما يميل إلى جانب اليقين بالشيء أي إلى جانب التصديق؛ فإذا قلت: أظنه صادقًا فلا يعني ذلك أنه يستوي عندي صدقه وكذبه، بل معناه أنني أميل إلى جانب التصديق، لكن أُبقي احتمال الكذب وارداً وإن كان ضعيفًا، فالظن يسيطر أحيانًا على هواجس النفس وقد يستمر بصاحبه إذا كان عاقلا ليصل به إلى اليقين عن طريق التثبت من الأدلة، أما الشك فانه لا يحدث إلا الأثر السلبي في النظر إلى الأمور، فانه إذا استوت لدى الشاك أمارات الصدق والكذب فإنه على الغالب ينصرف عن التفكير بالموضوع.
وقد اقترن الشك باللعب كقول الحق سبحانه "بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ 9الدخان، كما اقترن الشك بالريب أي الاتهام، وبالتالي التكبر على الحق "وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَـيْهِ مُرِيبٍ" 9 إبراهيم "وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ" 62 هود، وهذا ما يؤدي إلى الانصراف عن التفكير وبالتالي: إلى العمى عن إبصار الحق: "بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ" 66 النمل "بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ" 8 ص أي أنهم انصرفوا عن التفكر وانشغلوا باللعب واللهو حتى جاءهم العذاب، فعرفوا أنهم خسروا خسرانًا مبينًا والعياذ بالله ،فالفرق واضح بين الظن والشك.
________________________________
(1) مختصر الصواعق المرسلة .ابن القيم اختصار الشيخ الموصلي ص32
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 09:35 AM   #14
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 17 - 19

وأما سبب حرصنا الكبير على عدم خلط مفهوم الظن بمفهوم اليقين خاصة، فذلك يرجع إلى أن موضوع الاعتقاد هو أساس الإسلام، فإذا كان الإسلام قد نهانا عن استعمال لفظ "راعنا" حتى لا تختلط بمعنى آخر لها في لغة يهود قصدوه عندما استعملوها في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، جاء في فتح القدير للإمام الشوكاني رحمه الله في تفسير الآية
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ" 104البقرة ما نصه:
"قوله "راعنا" أي راقبنا واحفظنا وصيغة المفاعلة تدل على أن معنى (راعنا) ونرعاك واحفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك ،ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك أي فرغه لكلامنا ،وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًا، قيل أنه بلغتهم بمعنى اسمع لا سمعت وقيل غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا؛ طلبًا منهم أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك، مظهرين أنهم يريدون المعنى، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى اللفظ في لغتهم، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم، سدًا للذريعة ودفعًا للوسيلة وقطعًا لمادة المفسدة والتطرق إليها، ثم أمرهم أن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض، فقال "وَقُولُواْ انظُرْنَا" أي أقبل علينا وانظر إلينا فهو من باب الحذف والإيصال …وجاء في الصفحة نفسها: لأنها كلمة كرهها الله أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَا تَقُولُوا الْكَرْمُ وَلَكِنْ قُولُوا الْحَبْلَةُ يَعْنِي الْعِنَبَ" رواه مسلم، والدارمي؛ "حَدِّثَ أَبَو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي" رواه البخاري وما أشبه ذلك" (1)
أقول إذا كان الإسلام قد حرص على دقة استعمال المصطلح في كل الأحوال حتى في الأمور التي قد تبدوا عادية كقولك للعنب الكرم، فمن باب أولى يجب الحرص على استعمال الدقة الشديدة في المصطلحات الخاصة بالاعتقاد، فلا يُتَصور أن يستعمل الظن في مكان اليقين خاصة وقد سبق بيان الأدلة الجازمة المستفيضة في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في بيان أن الظن لا يغني من الحق شيئاً (في كتابنا الأول عن الايمان)، وحيث أن كلمة الظن هنا هي اسم جنس محلى بالألف واللام فإنها تعني بتاتاً أن أي ظن لا يغني من الحق شيئاً، سواء أطلقنا عليه اسم العلم الباطن، أو يقين التدبر، أو اليقين فيما لم يخرج إلى الحس، أو غير ذلك فالظن أكذب الحديث ولا يصلح صفة للإيمان أو الاعتقاد أو العلم بحال من الأحوال.
ولذلك كان هذا البحث، جهد المقل، والذي أرجو الله أن يتقبله وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريـم، صائبًا وأن يجعله في مـيزان حسناتنا يـوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم تنشر للبعض صحائف شهرة مد البصر لا تغني عنه من الله شيئًا والعياذ بالله.
ولا بد من الإشارة إلى أنني ارتأيت خلال تفسير بعض الآيات المتعلقة بنواح مهمة من حياة الداعية مثلا أن أتوسع في الموضوع إثراء له لا خروجاً عن الموضوع، وارتأيت في معرض تفسير الآيات المتعلقة برسول الله يونس عليه سلام الله أن أدافع عنه، فكان بحثاً موسعًا أسأل الله لي القبول، ولذلك فما خرج عن صلب موضوع الظن كان متعلقاً دائماً بآيات في موضوعه، إثراء للموضوع وتذكرة للمتقين، ولأن الأفكار الجديدة التي جئت بها يمكن أن تطرح في هذه الأجواء نفعنا الله والمسلمين أجمعين بفضله من فضله إنه على كل شيء قدير.
أما المنهج الذي نهجته في تفسير الآيات فيقوم على أمور منها: وحدة النص في السورة أو في الجزء منها الذي تتعلق الآية أو الكلمة به، فلا بد من أن يعضد النص بعضه بعضًا، وأن تشد الكلمات أزر الآيات لتبرز المعنى والإعجاز إبرازًا قوياً معجزًا يناسب بلاغة القران وهديه.
وأنا أؤمن أن كل كلمة في القران بل كل حرف معجز في موضعه، وكل آية كذلك وأنه لا يمكن استبدال شيء من ذلك بغيره دونما إخلال بهذا الإعجاز أو بالمعنى المقصود من الآية، فلو قلّبت لسان العرب بحثاً عن لفظة تحل محل المنتقاة في كتاب الله عز وجل لما وجدت كما قال ابن عطية رحمه الله، وهذا هو الأمر الثاني المهم في منهجي، فلكل لفظة في القران سحرها وبيانها وعالمها الذي به تمتاز عن غيرها، فإلى جانب معناها الظاهري المعجمي للكلمة أبعـاد داخليـة، للكلمة جِرْس وظلال وموسيقى وتناسق وأداء ولـون، لها قوة في التعبير عن المعنى تمتاز بهذا أو ببعضه عن غيرها بحيث تمنح النص أبعـاداً وقوة ومزايا وإيحاءات وبيانًا وروعة، فالنظر في آية "إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ" 20الحاقة مثلا باستبدال علمت ب"ظننت" يبين لنا مدى البعد عن المعنى الذي أدته، وعن جو الآيات المحيطة بها بل عن الأحاديث الصحيحة التي تبين حال قائلها، عند من فسرها على أنها اليقين، فالضابط الذي اعتمدته كثيرا –أي استبدال علمت ب"ظننت"- كثيراً ما نقض قول المفسر الذي رأى أن المعنى المعجمي القاموسي لظن قد يكون علم (مجازاً)!!
ومن منهجي في التفسير: الابتعاد عن التقيد بالقواعد المعممة التي رأى واضعوها أنها تصلح خطاً عاماً لتفسير نظائرها أينما وردت في كتاب الله كقولهم: كل ظن في القران من المؤمن فهو يقين!! فأين إذن تفسير النص القائم على وحدته وبلاغته وإعجازه ؟؟
ومن المنهج أيضا التذوق الأدبي الجمالي للآيات: فللسمع دوره وللعين دورها وللقلب دوره، فالمَشاهد التي تتعلق بالنفس وأحوالها لا بد للنفس من أن تعيشها لتستجلي معانيها، ولا بأس من أن يقف الخيال شاخصاً نحوها ليستجلي بعض ما خفي من معانيها.
إذن فإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه والطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وغيرهم الكثيرين والناشئ عن عيشهم النصوص بأرواحهم، مع أنها قد تكون بضع آيات فقط، هو منهج في التفسير لا بد من الأخذ به ومراعاته، فالآيات التي تطرق أبواب الأفئدة الحساسة لتفتحها للنور أو لتجلو عن الأعين غشاوتها، لا بد من أن تُعامل معاملة خاصة بعيدة كل البعد عن التفسير المعجمي المبني على قواعد مسبقة والله أعلم.
وبعد كل ذلك أرى أن ما ذهبت إليه صواب يحتمل الخطأ، فما كان فيه من خطأ أو زلل فمن نفسي وما كان صوابًا فمن الله أحمده تعالى عليه وصلى الله وسلم وأنعم على خير خلقه محمد وجزى الله علماءنا السابقين واللاحقين خير الجزاء.
_________________
(1) الديمقراطية وحكم الإسلام فيها حافظ صالح. دار النهضة الإسلامية. ص122 عن فتح القدير 1/247-249 الشوكاني
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 09:55 AM   #15
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 19 - 20 فصل : "وظنوا أنهم أحيط بهم"

فصل : "وظنوا أنهم أحيط بهم"
فلنحاول أولا أن نتلمس بعض ظلال الظن لنرى ما تتميز به عن اليقين، لنرى مناسبتها للآيات التي وردت فيها في كتاب الله العزيز:
بعد أن يورد الله سبحانه في سورة يونس بعض آياته في الكون، الدالة عليه، يحذر فيها الغافلين عن لقائه: "إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ 7 أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" 8يونس ثم يُذكّر الناس باستعجالهم الخير، وكيف إذا مس الإنسان الضر دعا الله لجنبه أو قاعدًا أو قائماً، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا لضر مسه، ثم قضية التوحيد في أن النفع والضر بيد الله وحده إلى أن يصل إلى قوله "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 22 فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" 23يونس يضعنا النص أمام صورة حية نابضة لهذا الإنسان الغافل عن ربه، المطمئن بالحياة الدنيا، أول ما نلاحظه هو هذا الالتفات في البداية "يسيركم، كنتم" ثم ينتقل للحديث بضمير الغائب "وجرين بهم" فما أن ينساب المرء في سيل الحياة الجارف حتى يوغل في البعد عن ربه (جرياً) وهنا ركب البحر متنعمًا بنعم الله الذي هيأ له البر لسكناه وسخر البحر له، وركوب البحر قد يكون في طلب الصيد أو الرزق، أو السفر إلى ما وراء البحر طلبًا لدعة الحياة ورغد العيش، ثم تلمس معي الظلال التي تلقيها "وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا"، فالفلك تجري بسرعة نحو عالم الدعة والهناء والراحة والريح مواتية والبحر يحتضن الفلك كأم رءوم، ألم تر كيف اقترنت الريح بحرف الباء وكأنه يقول إن البحر يجر الفلك من يدها لفرط خوفه عليها، وذلك يبعث في النفس روح الطمأنينة –وهذا مَثَلُ الحياة الدنيا التي رضوا بها واطمأنوا بها فغفلوا عن لقاء ربهم وعن آياته- أقول: يترك ذلك الحال للخيال عنانه للتيه في عالم الأحلام، وبينا هم كذلك إذ تضرب فلكَهم ريحٌ عاصف، قذفت بهم من عالم الدعة والهناء والاطمئنان إلى دنـيا القلق والخوف والاضطراب، ريح تُزمجر، تجعل الموج جبالا لتصبح الفلك فيه ريشة في مهب الريح الهائجة، تكاد الفلك تنقلب ميمنة فتنخلع قلوبهم ويتشبثوا بميسرة الفلك، وتضربهم الأمواج بقسوة في وجوههم فتقذفهم ليصطدموا بدفة الفلك، يحاط بهم، يأتيهم الموت من كل مكان، حتى الفلك التي من لحظات كانت تحتضنهم أصبحت تكيل لهم الضربة تلو الضربة إنهم ولا شك ينتظرون الموت !!
تختلف هنا لفظة الظن المستعملة في القران عن لفظة اليقين معنى وأداء، فالظن بأنه قد أحيط بهم وبأن الموت يأتيهم من كل مكان يختلف عن اليقين بذلك: فالموت ما زال مندفعاً بأمل تعطيه لفظة الظن وتمنعه لفظة اليقين أو العلم، فالذي يتيقن أن الموت قادم يقنط ويدفعه اليأس إلى استعجال الموت بقذف نفسه في البحر ما دام أن الموت قادم لا محالة وأن فيه الخلاص من هذا البلاء العظيم (الموت البطيء)، أما الظان فلا يزال متشبثاً بأمل بالنجاة مهما ضؤل.
والأهم هو أنهم ما داموا قد دعوا الله بأن ينجيهم فهذا يعني أنهم لم يتيقنوا الموت، فلا يمكن أن يدعو المرء ربه بالنجاة وقلبه فارغ من أي أمل مهما كان صغيراً بإمكانية حدوثها، وهذا هو ما نسميه "الظن" أي ترجح احتمال الموت مع بقاء أمل مهما كان صغيراً بالنجاة؛ واليائس لا يصلح لأن يتفكر ولا لأن يبحث عن أمل بالنجاة، علاوة على أن إبراز حال يائس ليس هو المراد من جو الآيات العام، فهي تتحدث عن التشبث بالحياة في حال الدعة والاستقرار كما في أشد حالات الخطر والاقتراب من الموت، فلو قلنا وعلموا أنهم أحيط بهم بدلا من وظنوا لقضينا على أي معنى للتشبث بالحياة ولماتت معها الصورة المرسومة؛ والأهم لِما قد نتج عن أملهم بالنجاة، وهو "دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" إذن فالأمل الذي تعطيه لفظة "وظنوا" والذي منعته لفظة "وعلموا" هذا الأمل هو الذي عرى فطرتهم مما ران عليها، وجعلهم يلتجئون إلى من بيده ملكوت البر والبحر لينجيهم، تذكروه في تلك اللحظة فقدرته أكبر من هذه الجبال المتلاطمة من الأمواج.
هذا الأمل بالنجاة أنشأ لديهم إخلاصًا ما كانوا ليصلوا إليه وهم غافلون، لذلك نرى أن النص يضعنا على حال جديدة برزت في تلك اللحظة، حال من صحا من سكرته ومن عمهه ومن نسيانه خالقه وهو في حال الاطمئنان بالحياة الدنيا ليلجأ إليه بضمير المخاطب لأنه استشعر قربه منه، ورآه أقرب إليه من الماء الذي يكاد يقلب فلكه ومن الريح التي تعصف به ومن الفلك التي تضربه على رأسه وجسده، إنه وحده القادر على إنقاذهم: "لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ"، وفي كلمة "لئن" إقرار بأنهم ليسوا أهلا لهذه النجاة لشدة غفلتهم، هذا الإقرار صدر في لحظة صدق وإخلاص، إن الإنسان الغافل ليوقن بالله أشد اليقين ساعة الشدة عندما يظن أنه قد أحيط به وأن الموت قريب منه لتضافر أسبابه، ولكنه يبقي في نفسه أملا بالنجاة فنراه لا يوقن بالموت بل يظنه قادماً، وهذه النفسية تناسب الأجواء العامة للآيات التي تتحدث عن التشبث بالحياة ونسيان الموت وما كنا لنصل إليها لو كانوا علموا أن الموت قادم بدلا من ظنهم ذلك والذي أبقى احتمالا لإمكانية عدم حصوله لأملهم بقدرة الله.
ونلاحظ أيضاً في هذه الآية أن الظن إذ لا يؤدي معنى اليقين؛ كذلك فإنه لا يؤدي معنى الشك أبداً، فمن كان يحاط به ويأتيه الموت من كل مكان لا معنى لقولنا عنه أنه يستوي لديه إمكانية حدوث الموت وإمكانية النجاة، وهو ما يؤديه معنى الشك؛ كما أبرزت الآية تعلقهم بأمل النجاة أي لم يتيقنوا الموت وهذا ما يؤكد لنا أن الظن ما هو إلا مرحلة متوسطة بين الشك واليقين ليس بشك ولا بيقين، ترفعه القرائن تجاه اليقين أو تهبط به باتجاه الشك والقرائن في هذه الآية توحي بشدة اقترابه من اليقين لكنها إذ تبقيه قريبًا منه فإنها لا توصله إليه وهذا ما سميناه "غلبة الظن"، والله أعلم.
نتذكر هنا تعريف الظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض فيترجح لديهم هنا الموت ويبقى احتمال النقيض ( أي النجاة ) واردًا.
لاحظنا إذن أهمـيّة الجو العام للنص والسياق العام للسورة وكلاهما يُبرز تعلق الناس بالحيـاة واطمئنانهم بها ونسيان الآخرة فالألصق بهذا أنهم حتى والموت يأتيهم من كل جانب ما زالوا متشبثين بالحياة، يرون الموت رأي العين ولا يزالون يرغبون بالبقاء على ظهرها.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 10:03 AM   #16
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 21 - 22 فصل : "وَظَنَّ أَنَّهُ الفِرَاقُ"

فصل : "وَظَنَّ أَنَّهُ الفِرَاقُ"
وهذا المعنى هو نفس المعنى البارز في سورة القيامة: "كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ 26 وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ 27 وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ" 28
قال ابن عطية: "يريد: وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال والحياة، وهذا اليقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقال ابن عباس: أيقن أنه الفراق، وقال في تفسيره: ذهب الظن." (1)
هذا هو مشهد الاحتضار والموت بكل هيبته، الموت الذي هو نهاية كل حي –وسبحان الحي الذي لا يموت- الموت الذي قهر اللهُ به عبادَه، فحين تبلغ الروح التراقي وبينما ينـزع الإنسان النـزع الأخير وهو يواجه سكرات الموت المذهلة التي طالما فر منها وغفل عنها، يواجه هذا الإنسانُ الموتَ ويتلفت مَنْ حوله علهم يجدون رُقية ترقيه، تستنقذ روحه من هذا الكرب العظيم -الموت ولكن.. هل يستيقن هو أنه الموت؟ وأن ساعة الفراق قد أزفت؟ كلا!! إنه كأي إنسان فيه ما فيه من حب الحياة والخوف من هذا المجهول القادم؛ لذا يظن أنه الفراق، يغلب هذا على ظنه من هول ما هو به ويبقى لديه بصيص من الأمل بالنجاة -وهيهات- فستلتف الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق .
تصور لنا الآيات حالين: حال الموت الذي قهر الله به عباده وأنه نهاية المطاف، وحال الإنسان في أشد كربات الموت ما زال ملتصقًا بالحياة، للآيات مغازٍ ومغازٍ كثيرة!!
إن أشد ما يُفسد الناس في الدنيا هو طول الأمل كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: (أخاف عليكم اثنين: اتباع الهوى وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق وطول الأمل يُنسي الآخرة) وهذا عين ما تقرأه خلف السطور في كل هذه السورة "أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى"36 سادرًا في غـيّه غافلا عن الآخرة لا يذكر الموت ولا سكراته، ولكي يتقرب المعنى أكثر تُصور لنا السورة الإنسان في أشد كربات الموت إذ بلغت روحه تراقيه وما بقي بينه والموت إلا قيد أنمُلة تراه متشبثاً بالحياة، لا يكاد يصدق أنه مفارق لها؛ إن الظن الذي ظنه وتلك حاله ليعطي النص عظمًا وإعجازًا وأبعادًا شديدة الالتصاق بالجو العام للسورة ولمغزاها ولرسالتها، فالقضية المركزية في سورة القيامة تتلخص في آيتها الأخيرة "أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى"40 بلى، بلى إنها رسالة قوية مركزة لمنكري البعث أو الظانين أن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف تُعلمهم أن الله الخالق قادر على البعث وأن هذه الحياة الدنيا ما وُجدت ليخلد الإنسان فيها، فلتنتبهوا إذن: "أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى" وفي هذه الآية إثبات رهيب أن الله ما ترك في الكتاب شاردة ولا واردة إلا وبيّنـها ليقيم الحجة على من ظن أنه سيُترك سُدى فتأملها.
"كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ"20 (وتتشبثون بها) "وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ"21 فتصور لنا بعد ذلك هؤلاء المنكرين للبعث بسخرية شديدة كيف يتشبث أحدهم بالحياة لفرط حبه لها، وصلت روحه تراقيه وما زال يأمل بالخلد في الدنيا، هذه ظلال الظن، ولنتأمل أيضا في وجود حرف الواو قبل الظن في الآية؛ كأنه يشير إلى أنها مرحلة من مراحل سكرات الموت يمر بها الإنسان، فبعد مرحلة وصول الروح إلى التراقي تأتي مرحلة الظن هذه، فيا تُرى هل لو استبدلنا (وعلم) ب "وظن" هل سيبقى لهذا الأداء من وجود؟ ما معنى أن نقول (كلا إذا بلغت التراقي، وقيل من راق، و<علم> أنه الفراق) أين التمسك بالحياة وحبها واستحبابها على الآخرة؟ لقد أصبحت الآية جملة إنشائية وصفية تخويفية لا أكثر.
أضف إلى ذلك السخرية الشديدة التي يظهرها الظن عندما تحل خيبة الأمل وخيبة الظن ببقاء هذا الذي يتمسكون به بزواله بتجاوز الروح للتراقي مما يُعطي النص بُعداً آخر للسخرية ممن يتشبثون بزائل يزول بأسرع من دوام أمل صغير ببقائه.
جاء في اللباب في علوم الكتاب، مثل الذي قاله الفخر الرازي في هذه الآية "وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ": "وسمى اليقين هنا بالظن لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة، ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت بل الظن الغالب مع رجاء الحياة أو لعله سماه بالظن الغالب تهكماً." (2)
____________________
(1) تفسير ابن عطية 15/222.
(2) اللباب في علوم الكتاب. عمر بن علي الدمشقي الحنبلي 19/568؛ و الفخر الرازي 10/733.
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 10:11 AM   #17
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 22 - 23

فصل: "وظنوا أنه واقع بهم" "وتظنون إن لبثتم إلا قليلا" "وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ"
كذلك بنو إسرائيل، حينما أراد الله أخذ ميثاق منهم، وهم يكذبون وينقضون كل مرة فنتق الله الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة "وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"171 الأعراف.
يقول سيد قطب رحمه الله: "كانوا متقاعسين عن إعطاء الميثاق، فأعطوه في ظل خارقة هائلة كانت جديرة بأن تعصمهم، بعد ذلك من الانتكاس ولقد أمروا في ظل تلك الخارقة القوية أن يأخذوا ميثاقهم بقوة وجدية، وأن يتمسكوا به في شدة وصرامة وألا يتخاذلوا ولا يتهاونوا ولا يتراجعوا في ميثاقهم الوثيق وأن يظلوا ذاكرين ما فيه لعل قلوبهم تخشع وتتقي وتظل موصولة بالله لا تنساه" (3) لقد رأوا الموت بعيونهم، جبل يرتفع ليظللهم كسحابة يوشك أن يقع على رءوسهم ليدفنهم أحياء، وفي ذلك تهديد عظيم من جبار السماوات والأرض العظيم بالبطش بهم لاستهانتهم بأوامره ونواهيه، وتحذير بأن لا يعودوا لمثلها وهم بينما يرون الجبل فوقهم تمتلئ نفوسهم خوفاً فتتنازع بين اليقين بالموت والأمل بالنجاة، إنه الظن مرة أخرى مع التشبث بالحياة إنها مرة أخرى العلاقة بين البعد عن الله بالتمسك بالحياة والتهديد بالموت والحساب والأخذ بأشد العذاب حتى في الدنيا إنها ظلال الظن !!
كذا فالآيات تكشف عن نفسيات بني إسرائيل المحبة للدنيا، فأي شيء بعد أن يرتفع الجبل فوق رءوسهم؟ إنهم مع ذلك يأملون أن لا يقع عليهم وكل قوانين الدنيا التي نظم الله بها الكون تقول بأن الجبل العظيم إذا ما ارتفع فوقهم فلا بد من أن يقع ! –إلا أن يشاء الله سبحانه ومع ذلك فهم يظنون أن الجبل واقع ولا يتيقنون ذلك، فأي نفسيات هذه!!
وتستكمل هذه المشاهد وهذه العلاقات بين وهم الحياة ويقين الآخرة بمشهد آخر "قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا 50 أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا 51 يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً" 52 الإسراء.
وكقوله تعالى "كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا" 46 النازعات، حين ينزاح الحجاب الذي كان يطمس الأعين ويمنعها عن البصر أو التبصر، يحجبها عن الحـق تعلم أنها كانت في وهم كبير اسمه الحياة، لكن هذا الوهم الذي حين عايشه كان يظن نفسه خالداً فيه الآن يظن انه لم يلبث فيها إلا عشية أو ضحاها، إنه يرى الدنيا صغيرة حقيرة تافهة لا يكاد يذكر من شأنها شيئا، لكنها وهذا حالها قد أوردته مورد الهلاك والعياذ بالله، إذن فهو لـو وقف أمام الدنيا وِقفة تبصر وتدبر لما رآها أكثر من "قليل" يبعث لفظ الظن هنا في أرجاء النفس الحسرة الشديدة، فما دام لبث قليلا أما كان جديراً به أن يتزود منها للكثير الذي بقي أمامه؟؟
وأما لفظ الظن الوارد في هذه الآية الكريمة ففيه رد شديد اللهجة على من أنكر إمكانية البعث فقال له الله قل كونوا أعظم خلق يكبر في صدوركم وسيبعثكم الله ثم تلتفتون إلى هذه الدنيا التي غرتكم ودفعتكم للتكبر حتى على خالقكم لتروا أنها ما هي إلا قليل كفترة الضحى من النهار، أو بالنظر إلى قوله تعالى: "أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ" 38 التوبة: أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فرشاً أوثر من هذا؟ فقال "ما لي وللدنيا وما للدنيا وما لي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح وتركها". وفي مثل هذه الأحاديث نرى حجم الدنيا ومكانتها في نظر المؤمن والكافر وفيها ما فيها من السخرية بعقولهم الصغيرة التي أوحت لهم بأن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف وفرق بينهم وبين من فهم معنى وجوده في الحياة وتزود فيها لما بعدها، كعبد الواحد بن زيد الذي كان لا يكاد ينام من الليل شيئاً إذ كان يقول لأهله كل ساعة تمر من الليل: يا أهل الدار انتبهوا فما هذه دار نوم عن قريب سيأكلكم الدود!!
يقول الحق سبحانه "إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" 24يونس، يتابع الحق سبحانه بعد الآيات التي بينت متى يتذكر الإنسانُ ربَّـه ويُخلص له الدين بيانَ مثَلِ الحياة الدنيا، وأحب أن أتكلم في هذه الآية بما يناسب ما وصل إليه الإنسان في العصر الحديث من علم وتقدم وإمساك بزمام الأمور، حتى ظن أنه قادر عليها، فالتسارع المطّرد الكبير في مجالات التقدم العلمي الذي أخذ شكل الثورة في القرنين الأخيرين صاحبه في معظم الأحيان طغيان من جانب الإنسان، واتباع للشيطان الذي وعد بأنه سيأمر الناس بأن يُبَتِّكوا آذان الأنعام وأن يغيروا خلق الله وفعل وفعلوا!!
فما نراه الآن من تقدم في علوم الذرة والتحكم بها واستخدامها في مجالات الحرب والسلم وتوليد الطاقة والعلاج، وما نراه من تقدم في الهندسة سهل في كثير من المجالات حياة الإنسان فقرب المسافات وسار الإنسان بسرع تفوق سرعة الصوت، ووصل القمر والكواكب المجاورة والتقط الصور لمجرات موغلة في البعد، وتقدم في الطب: فبعد أطفال الأنابيب شاهدنا الإستنساخ وما هو مخبأ الله أعلم به، وفي علم الجيـنات والهندسـة الوراثية يكاد الإنسان ينتقي كثيراً من الصفات الوراثية في الأجنة ويقضي على كثير من الأمراض بالسيطرة على مورثات معينة ومن المتوقع بإذن الله أن يقضي الطب على أكثر الأمراض وأن يكتشف العلاج لأغلب- إن لم يكن لكل- الأمراض مصداقاً لأحاديث المصطفى عليه سلام الله، روى أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الأعراب: ألا نتداوى يا رسول الله؟ قال: (نعم. يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد) قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: (الهرم) لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
والعقم من هذه الأمراض التي أوجد الله لها الدواء وأمر حبيبُه عليه السلام العباد بالتداوي فليس من تعارض بين ما نراه وبين الدين بل على العكس يثبت العلم أن لكل داء دواء هذا وغير ذلك الكثير مما لا مجال لذكره يجعل الإنسان على الأرض يظن أنه قادر عليها، وهذه علامة بارزة من علامات القيامة، فكلما اقترب الناس من الوصول إلى امتلاك زمام الأمور وادّعوا استطاعتهم تغيير خلق الله جعلها الله عندئذ حصيداً كأن لم تغن بالأمس !!
وما أنسب استعمال لفظ الظن هنا فهو يوحي بأنهم لا ينفكون يحاولون الوصول إلى المزيد ولكن العلم بحر كلما غرفوا منه وجدوا أنفسهم على شاطـئه، لكنهم يظنون أنهم على الشاطئ الآخر !!
وهنا نقطة هامة وهي أن السواد الأعظم من أهلها ليسوا علماء ليدركوا أنهم ما زالوا على الشاطئ البعيد، بل تغرهم المظاهر البراقة للمدنية فيظنون أنهم قدروا عليها والله أعلم.
____________________________________
(2) (3) في ظلال القران. سيد قطب ط10 ج3 ص1389
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 03:28 PM   #18
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 25 - 26

فصل: "تظن أن يُفعل بها فاقرة" "وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا" "وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ"
ثم تتوالى الآيات الكريمات بالتحدث عن أحوال النفس البشرية في الآخرة، بعد أن أفسدت النفسُ على صاحبها آخرته ببيان ساحر للألباب عظيم الأداء كان لاستعمال الظن فيه الشأن العظيم، يقول الحق سبحانه "وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ 24 تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ" 25 القيامة
يقول العلامة القرطبي في تفسيره لهذه الآية: "أي توقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والأمر العظيم يقال فقرته الفاقرة أي كسرت فقار ظهره" (1) جاء في اللباب في علوم الكتاب كلام يشبه ما قال به الفخر الرازي في تفسيره: "قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون (أي توقن) وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق." …(2) وقال ابن عطية: "وقوله تعالى: (أن يفعل بها فاقرة) إن جعلناه بمعنى توقن فهو لم يقع بعد على ما قد بيناه، وإن جعلنا الظن هنا على غلبته فذلك محتمل." (3)
ويقول سيد قطب رحمه الله: "وهي الوجوه الكالحة المنقبضة التعيسة المحجوبة عن النظر والتطلع (إلى ربها) بخطاياها وارتكاسها وكثافتها وانطماسها، وهي التي يشغلها ويحزنها ويخلع عليها البسر والكلوحة توقعها أن تحل بها الكارثة القاصمة للظهر المحطمة للفقار .. الفاقرة وهي من التوقع والتوجس في كرب وكلوحة وتقبض وتنغيص، فهذه الآخرة التي يذرونها ويهملونها ويتجهون إلى العاجلة يحبونها ويحفلونها ووراءهم هذا اليوم العظيم الذي تختلف فيه المصائر والوجوه" (4) كذلك النسفي رحمه الله فسر الظن الوارد هنا على أنها "تتوقع (أن يفعل بها )فعل هو في شدته (فاقرة) داهية تقصم فقار الظهر" (5)
إذن فهي "تتوقع" حلول الكارثة، فلماذا تتوقع أي تظن؛ ولا تتيقن؟
"كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ 20 وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ"21 والذي يجعل المرء يحب الدنيا أمور كثيرة على رأسها نفسه الأمارة بالسوء، إلا من رحم ربي فهذا الذي يرحمه الله (جعلنا الله ومن له حق علينا والمسلمين منهم ) يكون من "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ" 22 وأما المتبع لشهوات نفسه فإنه من النوع الثاني إن لم يردعها، ولأن الأمر خطير وفيه مظنة الوقوع في النار إن استمر المرء في اتباع شهوات نفسه، وجب التحذير من النفس فصور لنا أن حال النفس في الدنيا وديدنها هو حب العاجلة وترك الآخرة وحتى يزداد التحذير ضراوة ويبين الأمر على خطورته يصور الحق سبحانه لمتبع شهوات نفسه عظيم خطرها عليه في أنها حتى يوم القيامة تستمر في ممارسة هوايتها البغيضة فتمنيه بالنجاة من شر أعماله التي أوقعته فيها فهي تجعله يظن أن يُفعل به فاقرة وتزين له البحث عن أسباب النجاة ولكن هيهات!!
تماما كحال الظان نفسه في سورة الكهف وفي فصلت "وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا" 53 الكهف؛ "إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ 47 وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ" 48 فصلت.
نتكلم إن شاء الله إجمالا عن آيتي الكهف وفصلت ثم بإسهاب عن آيات الكهف وفصلت والقيامة لاشتراكها في المعنى والحال كما لا يخفى.
ففي آية الكهف يتبين لنا أن المقصود من الظن الوارد في الآية هو الظن بعينه قطعاً، لا اليقين كما توهم أغلب المفسرين وذلك بإمعان النظر في الآية نفسها يقول الله تعالى فيها "وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ" هذه حال، ثم "فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا" والفاء للترتيب والتعقيب وهذه الحال الثانية؛ وفيها تفكروا "وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا" فكونهم "لم يجدوا" يعني أنهم قد "بحثوا" عن أمل بالنجاة منها ولا يُتصور أن يبحث المرء عما ينجيه وهو خالي الذهن من وجود أي شيء قد يحول بينه وبين هذه النار حتى ولو كان أملا؛ وقد سمى الله تعالى ما يبحثون عنه "مصرفًا" أي أمرًا يصرفهم عن النار وليس بعد ذلك من دليل! .
ولم يجدوا : ففي حال البحث تلك كان يغلب على ظنهم أنهم مواقعوها مع توفر الأمل لديهم بالنجاة إذ يبحثون عن المصرف؛ وفي ذلك دليل واضح على أن هذا هو عين الظن لأن احتمال النقيض وهو عدم مواقعة النار وارد لديهم في حال بحثهم عن أسبابه؛ وإن كان بالنتيجة تَبين لهم أنهم يتعلقون بسراب؛ لذا فنحن نقول أن الظن هو ترجيح لأحد النقيضين مع بقاء إمكانية حصول نقيضه وهو ما ينطبق هنا تماماً.
وأسباب النجاة التي يتعلقون بها قد تكون سراب أعمال ظنوها تنجيهم أو كما في آية فصلت شركاء قد ينقذوهم؛ ويقيم الله عليهم الحجة بأن شركاءهم لن يستطيعوا إنقاذهم. ففي الظن إذن فسحة للتأمل وأمل يتبعه خيبة تضاعف من حجم العذاب النفسي، والشيء الثالث المترتب على وجود الظن هو النفس الأمارة بالسوء التي ما انفكت تمنّي بالنجاة أوردت صاحبها موارد الهلاك وهو في الدنيا وما زالت تمنيه الأماني وهو يرى النار أمامه بقضها وقضيضها، بجحيمها ولظاها .
الآن لو استبدلنا فعلموا ب (وظنوا) فقلنا ورءا المجرمون النار فعلموا أنهم مواقعوها، لاكتمل المعنى ولما عاد للجملة اللاحقة من مناسبة (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) لأن من يعلم أن هذا هو مصيره لا يبحث عن مخرج للنجاة إلا إذا كان لهذا المخرج أمل أو فسحة لديه وهو مفهوم من كونه يبحث، وإلا لا معنى للبحث إن لم يكن في نفسه شيء من أمل بالنجاة وأظن الأمر أبسط من أن يُدلل عليه ؟‍‍
وهذه الفسحة وهذا الأمل هو ما تعطيه لفظة الظن وتمنعه لفظة اليقين !!
على أن الآية تتحدث صراحة عن بحثهم عن مخرج للنجاة وبالتالي فالظن مقصود لذاته لورود احتمال النقيض في أذهانهم؛ على أن الظن الوارد في الآية أعطى النص دلالات وأبعادًا ما كانت لتأخذها لو كان العلم هو المذكور.
ومن ذلك: التحذير من النفس الأمارة بالسوء كما سبق وبيّـنّا.
والثاني: التحذير من أن الشركاء يوم القيامة –كما في الدنيا- لن ينفعوا عُبّادهم شيئًا، وقد توعد الله المشركين بأنه سيبين لهم أن هؤلاء الشركاء لن ينفعوهم شيئاً، وبالتالي كان لا بد من أن يتفكر المشركون بهم كمنقذ من النار؛ ثم يتبين لهم أنه لا فائدة ترتجى منهم، إذ يخطرون ببالهم إبان بحثهم عن مصرف ينقذهم ؛ ويزيد من عذابهم ما يضاف إليه من العذاب النفسي الناشئ عن الندم والحسرة؛ إذ هؤلاء هم الشركاء الأرباب! وهو ما أشارت إليه آية فصلت.
والثالث: أن الإنسان بطبعه يتأمل النجاة من كل كرب حتى لو لم تتوفر لديه العدة الكافية وفي ذلك إشارة إلى ضرورة الاستعداد بدلا من أن يتمنى على الله الأماني "لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا" 123 النساء، فالذين كانوا في الدنيا يظنون أن لن يصْلَوا النار، فغرتهم الأماني وغرهم بالله الغرور عندما وصلوا ليروا النار أمامهم؛ ظنوا أنهم مواقعوها فالأماني غرتهم في الدنيا والآخرة .
_____________________________
(1) الجامع لأحكام القران. القرطبي 19/110
(2) اللباب في علوم الكتاب. عمر بن علي الدمشقي الحنبلي 19/568؛ و الفخر الرازي 10/733.
(3) تفسير ابن عطية 15/221
(4) في ظلال القران. سيد قطب 6/3772
(5) تفسير القران. الإمام النسفي 5/297

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 03:31 PM   #19
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 27 - 29

ويدل على ذلك هذا التوالي الرهيب للأحداث لدى رؤيتهم النار: رأوا النار فظنوا مباشرة وبحثوا والرعب يسيطر عليهم عن مصرف لتتساقط الأوراق التي ظنوها منجية لهم ليصلوا إلى حقيقة مرة وهي أنه ليس لديهم من مصرف، وثمة أمر آخر تفترق فيه آية الكهف عن آية فصلت؛ ففي الأخيرة توالت الأحداث بتتابع رهيب بينما في فصلت "وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ" 48 ففي الأمر فسحة أكبر للتفكر مما يعطي مجالا أكبر للعذاب النفسي؛ إذ الأمر متعلق بالشرك وإقامة الحجة بانعدام نفع الشركاء، كما في الآية العظيمة قوية الدلالة "قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ" 22 سبأ
الأمر الرابع إذن هو مضاعفة العذاب النفسي فعندما ظنوا وتفكروا وبحثوا ولم يجدوا أصيبوا بإحباط شديد ومرارة وخيبة أمل، وتعلقوا بشركاء وجدوهم عندما جد الجد لا ينفعون فارتكسوا عندها، وتفكروا في الفاقرة التي ستكسر فقار ظهورهم بسبب شركاء نافحوا عنهم حياتهم وأخلصوا لهم العبادة وآذوا في سبيلهم عباد الله، فيتضاعف لديهم العذاب النفسي "اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" 14 الإسراء.
قارن بين هذا الأداء وبين ما كان استعمال العلم سيؤديه، إذ يرى النار فيعلم أنه مواقعها ولا يتفكر في الأسباب التي أوصلته إليها ففي الظن إذن دلالة بارزة على التأمل لم يكن العلم ليؤديها.
الأمر الخامس الذي أداه الظن: هو الكشف عن نفسيات مريضة متكبرة مغرورة تظن دائما أن لها حظوة ومنزلة ليس لصاحبها أن يهان، ففي الكهف نجد خبر ذلك المتعجرف الذي يقول "وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا"36 الكهف تأمل في "لئن" ثم "ربي" كأنه يظن أن الرب له وحده له عنده حظوة رغم أنه لا يؤمن كثيراً بوجوده؛ ففي حال وجوده ووجود الساعة؛ فله المنزلة الخاصة والتكريم وليس لمثله أن يهان؛ لكن عندما بُعث من هو على هذه الشاكلة: رءا النار فغلب على ظنه أنه من أهلها لعلمه أن إيمانه بالله ما كان إلا ظناً لا يقين فيه؛ ولكن نفسه بدأت تنازعه بأن الله ما أكرمه في الدنيا وسوّده إلا لأنه أهل للجاه، فتغرّه نفسه ليراوده الأمل بالنجاة، لكنه إذ يراجع حساباته لا يجد له مصرفًا عن النار ليقينه بأن إيمانه ما كان إلا ظنًا لا يقين فيه، وفي ذلك تنفير وسخرية لا تخفى من هذا الضرب من الناس، مَثَل من كثر خدمه وحشمه وعزه وسلطانه في الدنيا يستمر الغرور والتكبر صفة أساسية فيه حتى في الآخرة.
أنظر كذلك إلى قوله تعالى "لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ 49 وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ"50 فصلت ، وأول ما أحب أن ألفت إليه الانتباه هو قوله "إِنَّ لِي عِندَهُ" فسبقت لديه الأنا على الضمير العائد على الحق جل وعلا، ثم ذكر الحق سبحانه بضمير الغائب إمعاناً في الدلالة على بعده عن الله، ثم قوله "هَذَا لِي" وهو تجسيد لما قلته عنه قبل قليل، ومرة أخرى "لئن" الأمر الآخر هنا هو قول الحق "فلننبئن" "بما عملوا" وأي إنباء أبلغ من "كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" وهو ما بيناه من العذاب النفسي المترتب على البحث عن المصرف واليقين بعد الظن بانعدامه فالله سبحانه يترك ذلك يتفكر في أعماله وفي من أشرك، يقلب الآمال في أي صغيرة أو كبيرة عله يجد فيها ما يمكن أن ينجيه فلا يجد فيحاسب نفسه حسابًا عسيراً "أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ" .. الآية 56 الزمر يتأمل فيقنط ثم يتأمل فيقنط ويتعلق بسراب ويدرك أنه سراب وهذا أبلغ إنباء بالأعمال –أن تنبأه نفسه فتُـأنّـبه وهو أشد عليه. وهذا ما أداه "الظن" فتأمل!.
إذن فأجواء سورة القيامة حافلة بالحديث عن غفلة الناس عن الآخرة وتمسكهم بالدنيا وإنكار بعضهم البعث لذلك نلاحظ أن أول ثلاث آيات في السورة هي "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ 1 وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ 2 أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ" 3 فتوسطت النفس اللوامة -وهذه هي النفس التي تتوسط حالات النفس الثلاث في القرآن، الأمارة بالسوء؛ واللوامة؛ والمطمئنة - توسطت هذه النفس موضوع البعث والنشور المبينين لمحوري سورة القيامة الرئيسين ألا وهما: طول الأمل والركون إلى الدنيا؛ والثاني الظن بأنها نهاية المطاف ونسيان الآخرة، وذلك ما تزينه النفس لصاحبها.
فالنفس إذن محور أساسي في هذه السورة العظيمة؛ تزين لصاحبها اتباع شهواته في الدنيا وتمنيه بطول الأمد وتزين له فكرة أن حياته طويلة ممتدة يستطيع أن يتجاهل معها قرب أجله لذلك ففي الآية التي تحدثت عن سكرة الموت، رأينا الإنسان وهو في أشد سكرات الموت وقد بلغت روحه تراقيه ينازعه الأمل بالخلود، فهو ما يزال يظن أنه الموت، وفي ذلك تمسك وتشبث بالحياة الدنيا لذلك قال "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ": لأن دار البقاء هناك وما الدنيا إلا معبر إليها "كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ 20 وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ" 21.
وفي المشهد الثاني الذي أبرز سحر أداء لفظ الظن ومفهومه في سورة القيامة: تصور لنا السورة غفلةً أخرى، تصور لنا أناسًا بُعثوا من بعد الموت ورأوا النار وقد كانوا في حياتهم الأشد بعدًا عن الله وعما يقرب إليه من قول وعمل، نراهم يظنون أنهم أهل النار ولا يستيقنون ذلك إلا بعد تفكر وبحث عن مصرف أي مصرف (بلا أل التعريف) فعلموا أن لا محيص، وجاء هنا النذير الشديد من النفس التي ما انفكت تزين لصاحبها المنكر للبعث والغارق في شهواته وفي حب الدنيا واقتراف المحرمات هذه النفس أوردت صاحبها موارد الهلاك، جاءت به لِـيُفعل به فاقرة؛ ثم ما انفكت يوم القيامة تهون أمر المنكرات التي فعلها في عينه وتمنيه الأماني وتوهمه أن له من هذه الفاقرة منجاة وأن له عن هذه النار مصرف، ولا أكاد أجد أبلغ ولا أقوى من هذا المثل الذي ضرب الله سبحانه للناس في ثنايا استعمال الظن في هذه المواضع للتحذير من النفس واتباع الشهوات والركون إلى الدنيا من هذا الذي ما صدّق في الدنيا أن نفسه التي بين جنبيه عدو لدود له زينت له المعاصي والكبائر وحقرتها في ناظريه وها هي ما زالت تمارس هوايتها البغيضة حتى في الآخرة نفسها.
فعند وصول الروح للتراقي ما زالت متعلقة بالحياة توهمه بأنه خالد فيها وحتى في دار الحق ما زالت توهمه بأن الذنوب العظام التي ارتكبها واستهان بها ما هي إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ فالحذر الحذر أو كما قال الحق سبحانه "أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى 34 ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى" 35 القيامة.
من هذا يتضح سبب القسم الرهيب الذي افتتح الحق سبحانه وتعالى به السورة ووجود النفس في وسط آيتين تتحدثان عن البعث وقدرة الله على إعادة الخلق والقيامة التي فيها دار البقاء ولولا تفسير الظن على هذا النحو لما اتضخت معالم السورة على هذا النحو، ونستطيع كذلك استنباط معنى آخر للظن في هذه الآيات من القيامة والكهف وفصلت مستنبطًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنعم وبارك "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" (6) فهذا الكافر يوم القيامة يرى رحمة الله تشمل أقوامًا فيمني نفسه بالنجاة، وهذا مفعول الظن ثم لا يجد فيما قدم من عمل ما يجعله أهلا لأي نجاة فيوقن عندها أنه من أهلها والعياذ بالله سبحانه؛ يدخل في رحمته من يشاء، وهذا المعنى الأخير ورد عند الألوسي يقول: ""وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا …الآية، وقيل: الظن على ظاهره، وهم لم يتيقنوا (أنهم مواقعوها ) أي مخالطوها، واقعوها، واقعون بها، لعدم يأسهم من رحمة الله تعالى قبل دخولهم فيها؛ وقيل إنهم لما رأوها من بعيد كما سمعت في الحديث، ظنوا أنها تخطفهم في الحال، فإن اسم الفاعل موضوع للحال، فالمتيَـقَّن: أصل الدخول والمظنون: الدخول حالا، وفي مصحف عبد الله "ملاقوها" وكذلك قرأ الأعمش وابن غزوان عن طلحة واختير جعلها (أي هذه القراءة) تفسيراً لمخالفتها سواد المصحف ،وعن علقمة أنه قرأ : "مُلافّوها" بالفاء المشددة من لف الشيء، ولم يجدوا عنها مصرفاً: أي مكاناً ينصرفون إليه" (7)
من ذلك نرى –والله أعلم- أن تفسير الظن لا بد أن يكون على بابه من دون تأول بأنه اليقين وبذلك يُرد تفسير القائلين بأن الظن من الأضداد كلية لأن شاهدهم الرئيس قد احتضر في أجواء سور القيامة والكهف وفصلت ويونس.
______________________________________
(6) فتح الباري .ابن حجر.الحديث 6469 ج11 ص307
(7)روح المعاني في تفسير القران العظيم. الألوسي 9/431
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2016, 03:38 PM   #20
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,957
افتراضي 30 - 31

فصل: "الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" 46البقرة
ننتقل الآن إلى أجواء سورة البقرة، حـيث نجد الآية التي بها استـشهد جمهور المفسرين على أن الظن هو اليقين، وأعود فأذكر أنه لو جاز أن يكون الظن بمعنى اليقين في اللغة، فإن إنزاله على هذه الآيات ليكون بمعنى اليقين بالبعث بعيد عن الصواب لأن موضوع الآيات ليس الظن بالبعث والحساب، ولنناقش أقوالهم بعد سماعها:
"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ40 وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ41 وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 42 وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ 43 أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 44 وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ 45 الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" 46 البقرة. لدينا إذن هنا ظنان: ظن بملاقاة الله؛ وظن بالرجوع إليه !!
لننقل أولا آراء كثير من المفسرين رحمهم الله :
يقول الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار: "ثم وصف الخاشعين وصفاً يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة به قال شيخنا (يعني محمد عبده): فالإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده ولو لم يكن الاعتقاد يقينيًا، فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه، أو أنه نافع يطلبه ولذلك اكتفى هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا (الجلال) [السيوطي] باليقين لأنه الاعتقاد المنجي في الآخرة، وفاتَه أن الإكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط (أقول) بل هو تقليد عادي محض ،كالعادات القومية والوطنية فهو لا ينجي صاحبه في الآخرة إ.هـ." (1)
وقد تابع الشيخُ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله الشيخَ رضا في تفسيره وقال: "النّسب أنواع متعددة؛ نسبة أنا جازم بها وفي الواقع أنها واقعة كقولنا محمد مجتهد أنا أجزم بذلك والواقع كذلك وأستطيع أن أدلل عليه فهذا هو العلم؛ فالعلم نسبة أجزم بها وهي واقعة وأستطيع أن أُدلل عليها؛ وإن كنت جازماً بها وهي واقعة ولا أستطيع التدليل عليها فهذا هو التقليد؛ فإن كنت جازمًا بها وهي مخالفة للواقع فهذا هو الجهل؛ فإن كنت غير جازم فإن كانت متساوية فالشك؛ وإن كانت راجحة فالظن أو مرجوحة فالوهم.
يظنون: يظن وردت بمعنى اليقين فكون الشخص يظن أنه ملاق ربه يدفعه الظن للاحتياط للملاقاة باتباع المنهج فكيف بمن يتيقن؟! (الذين يظنون)- لمجرد أن القضية راجحة لديهم دفعهم هذا الاحتياط للخشوع، فالمفسرون قالوا أنهم يظنون بمعنى يتيقنون فعدول الحق عن اليقين إلى الظن من باب أنه من باب أولى من يظن يفعل فكيف بمن تيقن !!" (2) .
قال المراغي أيضاً ما يشبه ذلك: "أي لا تثقل الصلاة على الخاشعين الذين يتوقعون لقاء ربهم يوم الحساب والجزاء وأنهم راجعون إليه بعد البعث فيجازيهم بما قدموا من صالح العمل، وعبر بالظن للإشارة إلى أن من ظن اللقاء لا تشق عليه الصلاة فما ظنك بمن يتيقنه؛ ومن ثم كان الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ فكأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم لم يصل إيمانهم بكتابهم إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالأحوط في أعماله." (3)
إذن فخلاصة الرأي لدى هذا الفريق أن الظن على بابه، ظن بلقاء الله مَنْ ظنه أخذ بيده إلى طريق الخشية فمن باب أولى من تيقن ذلك واكتفاء الحق سبحانه بذكر الظن هو لتوبيخ يهود على أساس أنهم لم يحتاطوا لأنفسهم حيطة الظان.
واتَّفَقَ معهم في جزئية من تفسيره –وإن افترق معهم في أصل التفسير- الشيخ محمود الألوسي إذ يقول في ضمن تفسيره للآية الكريمة: "وكأن النكتة في استعمال الظن: المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم فكيف من تيقنه" (4)
وفي الرد على هذا الرأي الذي أراه شديد البعد عن أجواء الآيات وعن مفهوم الـظن في القران، نجد أولا أن أوائل سورة البقرة قد أنبأتنا عن صفة المؤمنين المـفلحين في قول الحق سبحانه "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" 5 وقد مر كثيراً الاستشهاد بآية "وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" 32 الجاثية فلا يمكن أن يمتدح القران -ولو على سبيل تقريع يهود- من يظن لقاء الله في الآخرة بمعنى أنه لا يتيقن البعث والنشور ويُبقي لديه احتمال عدم الرجوع إلى الله في الآخرة أقول لا يمكن أن يمتدحه بأي شكل من الأشكال، علاوة على جعله قدوة لمن يطلب منه أن يخشع في صلاته على نحو خاص من الخشوع !!
إن من كان الظن سائراً به نحو الخوف والاحتياط لنفسه بأداء الأعمال على نحو خاص كان الأولى به أن يحمـله هذا الخوف إلى المزيد من التفكر ليصل إلى الاعتقاد، فهو أولا ما كان ليخشع ويؤدي الفرائض على أتم وجه بحيث يمتدحه الله سبحانه إلا إذا كان الخوف قد استبد به، ومن كان الخوف قد بلغ به هذا المبلغ كان من الأجدر به أن يدفعه الخوف إلى اليقين وما من سليم عقل وضع الخوف في قـلبه موطئ قدم إلا ما زال به حتى تيقن وهذه طريق الحق وسبيل الهداية إلى الله.
ثم ألا ترى حالنا نحن الذين نتيقن لقاء الله سبحانه لا نكاد نخشع في صلاة ولا نستطيع أداء عمل على وجهه من الإخلاص وحسن الأداء فمن هو هذا الظان الذي يقفز من خلف الصفوف ليتبوأ مقعد الريادة؛ والشيء الآخر المهم هو جو الآيات العام فهل يا ترى بعد أن ترتقي أوامر الله سبحانه بهم إلى طلب الايمان وذكر النعمة والتقوى وعدم الكفر بما عندهم خبره وعدم لبس الحق بالباطل؛ وإظـهار الحق وإقامة الـصلاة وإيـتاء الزكاة والركوع مع الراكعين والصبر والخشوع في الصلاة بين يدي الله سبحانه هل بعد هذا وغيره يقول لهم اجعلوا إيمانكم بالبعث وبلقائي عند البعث إيمان الظان الذي يبقى لديه احتمال عدم حصول ذلك كله لماذا؟؟ وأي مبرر؟! وهو الذي بيَّن في كتابه العزيز في عشرات الآيات ما ينتظر من يظن لقاءه ولا يتيقنه! كان الأولى –لو كان هذا هو المعنى المقصود- أن يرتقوا بهذه الأفعال وهذا الإيمان إلى درجة تناسب ما عندهم من العلم الذي منَّ الله عليهم به ومن البينات التي نسبها الله إلى نفسه فيكون الطلب حينئذ: الذين يعلمون أنهم ملاقوا ربهم، لو كان هذا هو المعنى المراد من الآيات.
ثم هل لو فعلوا وآمنوا إيمان الظان وجاءوا الله سبحانه بهذا الاعتقاد الفاسد يوم القيامة فسألهم فقالوا له أنت طلبت منا أن نقتصر على الظن أليس في ذلك حجة لهم ؟!
إذن فليس الظن المطلوب في هذه الآية هو الظن بلقاء الله بمعنى البعث والقيامة قطعًا أي الظن مع احتمال النقيض وهو إمكانية عدم اللقاء والرجوع إليه سبحانه فهل الظن هنا هو بمعنى اليقين كما توهم أغلب المفسرين؟!!
___________________________________
(1) تفسير المنار .محمد رشيد رضا.(1/301-302).
(2) تفسير القران العظيم للشعراوي. الآية46 البقرة
(3) تفسير المراغي. أحمد مصطفى المراغي .ج1 ص95.
(4) روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني الألوسي 1/396

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:31 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.